d?????ü« …—u???? w???dF« dF???A« w??

v�?? ?O� ͓u?? ? ?� Ɯ
w???�dF�« dF???A�« w??�
w?�dF�« dF?A�« w??� d?�ü« …—u?
d?????�ü« …—u?? ?
v�?? ?O� ͓u?? ? ?� Ɯ
X�u~�«
2011
‫صــــــــورة اآلخ ـ ــر‬
‫فــــــــــي الش ــعر العرب ـ ـ ــي‬
‫د‪ .‬فـ ـ ــوزي عيـ ــسى‬
‫الگويت‬
‫‪2011‬‬
‫التدقيق اللغوي واملراجعة‬
‫عبدالعزيز جمعة‬
‫الص ــف والتن ــفيــذ‬
‫قسم الگمبيوت ‮ر ‪‬$‬األمانة العامة للمؤسسة‬
‫إخراج وتصمي ـ ــم الغـالف‮‬‬
‫مح ـمــد العـ ـ ــلي‬
‫طبعـ ــة خاص ــة‬
‫مبناسبة انعقاد ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي» دبي من ‪ 18 - 16‬أگتوبر ‪2011‬م‬
‫جميع احلقوق محفوظة‬
‫هاتف‪ - 22430514 :‬فاگس‪)+965( 22455039 :‬‬
‫‪E-mail : [email protected]‬‬
‫التصدير‪..‬‬
‫عزيزي القارئ‪..‬‬
‫برغم أهمية ص��ورة اآلخ��ر في الشعر العربي‪ ،‬لم حتظ تلك الصورة بدراسات‬
‫وأحباش‬
‫وفرس‬
‫روم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مستفيضة تغطي هذا اجلانب‪ ،‬عل ًما أن عالقة العرب باآلخر من ٍ‬
‫وغيرهم من األمم تعود إلى العصور القدمية‪ ،‬وقد حدث التأثر والتأثير بني العرب واألمم‬
‫اً‬
‫وصول إلى الزمن الراهن‪.‬‬
‫األخرى على م ِّر العصور‬
‫ويسعدني مبناسبة إقامة «ملتقى الشعر من أجل التعايش السلمي»‪ ،‬الذي تقيمه‬
‫مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطني لإلبداع الشعري في دبي في الفترة من‬
‫‪ 18 - 16‬أكتوبر ‪ ،2011‬أن نعيد طباعة ونشر كتاب «صورة اآلخر في الشعر العربي»‬
‫لألستاذ الدكتور فوزي عيسى‪َّ ،‬‬
‫ليطلع القارئ على الكيفية التي تناول بها كثير من شعراء‬
‫العربية ‪ -‬منذ عصور الشعر األولى وحتى اآلن ‪ -‬اآلخر في إبداعاتهم‪ ،‬وكيف أن كثي ًرا‬
‫من هؤالء الشعراء ر ّكزوا على أوجه التالقي والتسامح وأبرزوا النقاط املشتركة البناءة‬
‫بني الديانات واحلضارات‪.‬‬
‫ومما تعتز به مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطني لإلبداع الشعري أنها‬
‫أولت أهمية خاصة منذ بداية األلفية الثالثة حلوار احلضارات والثقافات والدعوة إلى‬
‫التعايش السلمي‪ ،‬وجعلت ذلك هد ًفا رئيس ًّيا من أهدافها إلى جانب اهتماماتها الثقافية‬
‫األخرى‪ ..‬فأخذت تقيم الندوات‪ ،‬وامللتقيات‪ ،‬حيث تدعو إليها الشخصيات الفاعلة في كثير‬
‫‪-3-‬‬
‫من دول العالم وكذلك املؤسسات الثقافية ومراكز البحوث والدراسات‪ ،‬وتنشر املناقشات‬
‫واحلوار في وسائل اإلعالم املختلفة املرئية واملسموعة واملقروءة‪ ،‬وذلك كي ال تظل فائدة‬
‫احلوارات واملناقشات محدودة ومحصورة بوقت الندوة ومحيطها‪.‬‬
‫إن غايتنا التي نسعى إليها دائ ًما أن يكون مستقبل اإلنسانية جمعاء أكثر إشرا ًقا‬
‫ال وتكام ً‬
‫وأكثر أمنًا وأكثر تواص ً‬
‫ال على هذا الكوكب الذي نعيش عليه ويتسع للجميع‪..‬‬
‫وتتحقق بذلك احلكمة اإللهية من قوله تعالى‪{ :‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‬
‫وجعلناكم شعو ًبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقوله تعالى‪{ :‬ولو‬
‫شاء ربك جلعل الناس أمة واحدة وال يزالون مختلفني} وفي هذا حكمة بالغة‪ ،‬ترى‬
‫االختالف وتشجب اخل�لاف‪ ،‬وتس ّلم بأنّ احلكم في أي خالف وبخاصة في موضوع‬
‫شعب أو‬
‫أمة أو أي‬
‫الديانات‪ ،‬مرده إلى الله تعالى سيحكم فيه يوم القيامة‪ ،‬وال يجوز ألي ٍ‬
‫ٍ‬
‫طائفة التصدي له وإصدار أحكام فيه بأي شكل من األشكال‪{ ،‬فالله يحكم بينهم‬
‫أي‬
‫ٍ‬
‫يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} وأخي ًرا‪ ..‬الشكر اجلزيل إلى األستاذ الدكتور‬
‫فوزي عيسى الستجابته لرغبة املؤسسة في إعادة طباعة هذا الكتاب في طبعة خاصة‬
‫بها‪ ،‬ليكون ضمن إصدارات هذا امللتقى‪ ،‬آملني أن جتدوا فيه املتعة والفائدة‪.‬‬
‫والل ـ ـ ــه ولـ ـ ـ ــي التوفيق‪.‬‬
‫عبدالعزيز سعود البابطني‬
‫الكويت ‪ 5‬شـــــــوال ‪ 1432‬هـ‬
‫املوافق ‪ 3‬من سبتمير ‪ 2011‬م‬
‫‪XXXX‬‬
‫‪-4-‬‬
‫مقدمة‬
‫لم حتظ صورة «اآلخر» في الشعر العربي بدراسات وافية بالرغم من أهميتها‪،‬‬
‫وظلت هذه الصورة يكتنفها الغموض والتعتيم السيما أن مفهوم «اآلخر» ذاته يثير‬
‫كثي ًرا من اجلدل ويسمح باالختالف حوله ويبدو في نظر الكثيرين غي َر مح َّد ٍد على‬
‫نحو دقيق‪ ،‬حيث يرى بعض النقاد أن مفهوم اآلخر هو املضاد للذات والوجه املقابل‬
‫ٍ‬
‫وتأسيسا على ذلك‪ ،‬فإنهم يوسعون دائرة املفهوم بحيث يشمل كل‬
‫أو النقيض لها‪،‬‬
‫ً‬
‫من يغاير ال��ذات على اإلط�لاق‪ ،‬وإذا طبقنا ذلك على الشعر فإن املمدوح واملهجو‬
‫واملرثي واملرأة وغيرهم يندرجون في هذا اإلطار‪ ،‬وهو ما ميثل إشكالية حقيقية في‬
‫الدرس األدبي‪.‬‬
‫إن مفهوم «اآلخر» من وجهة نظرنا يبدو أكثر حتدي ًدا فنعني به ‪ :‬األجنبي املضاد‬
‫للذات العربية والذي فرضت الظروف السياسية واالجتماعية واجلغرافية واحلضارية‬
‫أن يكون هناك اتصال ومتاس وعالقات وجوار بني الطرفني‪.‬‬
‫إن عالقة العرب بهذا اآلخر عالقة قدمية ترجع إلى ما قبل اإلسالم حيث اتصل‬
‫العرب بالفرس وال��روم عن طريق اجل��وار من خ�لال إم��ارت��ي الغساسنة واحليرة‪،‬‬
‫وتوطدت هذه الصالت عن طريق التجارة‪ ،‬وبرزت صورة «اآلخر» في الشعر اجلاهلي‬
‫بجوانبها املختلفة‪ ،‬وكان األعشى أكثر شعراء العصر اجلاهلي استحضا ًرا لصورة‬
‫«اآلخ��ر» حيث جند احلضور الفارسي قو ًّيا في شعره‪ .‬وفي املقابل أخ��ذت صورة‬
‫‪-5-‬‬
‫وجه العرب غزواتهم إلى بالد الروم منذ عهد‬
‫«الروم» تبرز في الشعر العربي بعد أن َّ‬
‫اً‬
‫وصول إلى العصر العباسي الذي احتدم‬
‫اخللفاء الراشدين مرو ًرا بالعصر األموي‬
‫اً‬
‫حتول سلب ًّيا في العالقة بني الطرفني‪ ،‬وانعكس‬
‫فيه الصراع بني العرب والروم وشهد‬
‫ذلك على الشعر فص َّور املعارك وهزائم الروم وجنب قوادهم وجنودهم وسبي رجالهم‬
‫ونسائهم‪ ،‬وتسجيل الوقائع التاريخية واملواقع‪ ،‬وب��رزت صورة ال��روم بشكل مكثف‬
‫في شعر ثالثة من كبار شعراء العصر العباسي هم أبو متام واملتنبي وأبو فراس‬
‫احلمداني‪ ،‬وق��د احتفت ال��دراس��ة بتتبع ص��ورة ال��روم في شعرهم‪ .‬كما وقفت على‬
‫احلضور الفارسي في شعر البحتري من خالل وقفته أمام إيوان كسرى في سينيته‪.‬‬
‫وركزت الدراسة على حضور اآلخر في شعر املتنبي حيث كان لهذا احلضور‬
‫جتليات عديدة‪ ،‬وأسهم في هذا احلضور عدة عوامل‪ ،‬منها كثرة أسفاره ورحالته‬
‫واتساع ثقافته ومعاصرته للصراع احملتدم بني العرب والروم‪ ،‬وجت ّلي حضور «اآلخر»‬
‫في شعر املتنبي ممثلاً في أجناس شتى‪ ،‬منها العجم والفرس والروم والترك والديلم‬
‫واألكراد واليهود‪ .‬وتنوعت صورة اآلخر في شعره بني اإليجاب والسلب وصدر في‬
‫مواقفه عن اعتزاز وتعصب وانتماء لكل ما هو عربي‪.‬‬
‫وعلى نحو ما طمحت الدراسة إلى جتلية صورة (اآلخر) في املشرق‪ ،‬فقد سعت‬
‫كذلك إلى جتليتها في املغرب‪ ،‬فخصصنا مبح ًثا لتتبع صورة املمالك املسيحية في‬
‫الشعر األندلسي حيث برزت صورة (الروم) بوصفهم أعداء ميثلون خط ًرا على اإلسالم‪،‬‬
‫وانعكس ذل��ك على األدب‪ ،‬فص َّور الشعر األندلسي ال�غ��زوات وامل�ع��ارك واحل��روب‪،‬‬
‫واحتفى بتسجيل الوقائع التاريخية واألماكن اجلغرافية والسفارات املتبادلة‪ ،‬ورسم‬
‫مشاهد عديدة مللوك الروم وقوادهم‪ ،‬واحتفت الدراسة بوجه خاص بتتبع صورة اآلخر‬
‫في شعر ابن دراج القسطلي الذي صنع صنيع املتنبي في وصف الوقائع التاريخية‬
‫والناس واألماكن والسفارات والوفود والعالقات الدبلوماسية املتبادلة‪ ،‬حيث أم َّدنا‬
‫‪-6-‬‬
‫الشعر مبادة طريفة نادرة في هذا املجال على النحو الذي جنده في سفارة الشاعر‬
‫الدبلوماسي يحيى بن حكم اجلياني امللقب بالغزال إلى بالد الروم حيث أعجب مبلكة‬
‫القسطنطينية «ثيودورا ‪ »Theodora‬وكان له معها قصص ونوادر سجلها في شعره‬
‫في لقطات نادرة عكست األجواء احلضارية ومدى التقارب واالختالف بني الطرفني‪.‬‬
‫وخصصنا مبح ًثا يعني بتتبع ص��ورة اآلخ��ر في دائ��رة احل��ب حيث شاعت‬
‫بعض قصص احلب بني شعراء عرب وأسبانيات مسيحيات مثل قصة حب الشاعر‬
‫األندلسي ابن احلداد لفتاة نصرانية من مستعربي األندلس وكانت هذه العالقة رمزًا‬
‫للتسامح والتالقي‪ ،‬وسمحت لنا من خالل الشعر بالوقوف على األجواء املسيحية‬
‫بتفاصيلها املختلفة‪.‬‬
‫وهناك مبحث آخر تتبعنا فيه صورة اليهود في الشعر األندلسي حيث ارتفع‬
‫نفوذهم في بعض الفترات وقويت شوكتهم في غرناطة في عصر ملوك الطوائف ونشأ‬
‫تيار مناهض لنفوذهم واحتفظ الشعر بصورة سلبية لهم‪ ،‬وجتلى ذلك بصفة خاصة‬
‫في شعر أبي إسحاق اإللبيري‪.‬‬
‫ولم تشأ الدراسة أن تكتفي بتتبع صورة اآلخر في الشعر القدمي بل وصلتها‬
‫بالشعر العربي احلديث حيث اتخذت عالقة الشعراء بـ «اآلخ��ر» ص��و ًرا جديدة من‬
‫التفاهم والتصالح والتسامح واحل��وار وتعمقت ه��ذه ال�ص��ورة وازدادت مالمحها‬
‫وضوحا وب��روزًا تب ًعا لتطور اإلجن��ازات العلمية وتوسع تقنيات االتصال مما س َّهل‬
‫ً‬
‫السفر والتنقل وأدى إلى اختصار املسافات واحل��دود اجلغرافية بني األمم والدول‬
‫وأسهم في م َّد جسور التفاهم والتالقي بني الثقافات واحلضارات املختلفة حيث حتول‬
‫العالم إلى قرية كونية صغيرة‪.‬‬
‫وعلى نحو ما اهتمت الدراسة بالتركيز على جتلية ص��ورة «اآلخ��ر» عند أبرز‬
‫ميا‪ ،‬فقد اهتمت كذلك بالصنيع ذاته في الشعر احلديث‪ ،‬فركزت على ثالثة‬
‫الشعراء قد ً‬
‫‪-7-‬‬
‫شعراء برزت صورة «اآلخر» في شعرهم بشكل واضح وهم‪ :‬شوقي وعمر أبو ريشة‬
‫وإبراهيم العر ّيض‪ ،‬وهم ميثلون بيئات شعرية عربية مختلفة‪.‬‬
‫وقد خصصنا مبح ًثا يعني باستجالء صورة (الغرب) في شعر شوقي‪ ،‬ورصدنا‬
‫فيه املؤثرات العامة واخلاصة التي أسهمت في تشكيل هذه الصورة‪ ،‬ومنها انفتاح‬
‫مصر على أوربا منذ القرن التاسع عشر واهتمامها بإرسال البعثات إليها وإسهام‬
‫حركة التعريب في حتقيق هذا التواصل‪ .‬باإلضافة إلى املؤثرات اخلاصة التي متثلت‬
‫في اتصال شوقي بالغرب من خالل بعثته إلى فرنسا التي أتاحت له التزود بالثقافة‬
‫الفرنسية والتنقل بني دول الغرب والوقوف على إجنازاته احلضارية‪.‬‬
‫وقد أط ّلت صورة الغرب في شعر شوقي إطالالت قوية وكان لها حضور مكثف‪،‬‬
‫فنجد فيه صو ًرا للبلدان واملجتمعات واملدن التي زارها‪ ،‬ومنها فرنسا واجنلترا وإسبانيا‬
‫وسويسرا وبلجيكا‪ ،‬كما جند فيه وص ًفا للمعالم احلضارية التي شاهدها في بعض‬
‫دول الغرب واحتفا ًء مبدينة باريس بصفة خاصة إذ اهت َّم بتقدمي صورتها احلضارية‬
‫والعلمية واألدبية وأشاد مبا أرسته من مبادئ احلرية والدميقراطية واملساواة‪ ،‬وأثنى‬
‫على بعض أعالمها وأدبائها ومفكريها‪ ،‬ووصف بعض معاملها مثل ميدان (الكونكورد)‪،‬‬
‫وتغنى ببعض متنزهاتها مثل (غاب بولون)‪.‬‬
‫وتتبعنا كذلك ص��ورة إسبانيا كما رآه��ا شوقي في منفاه وانبهاره بحضارة‬
‫األن��دل��س ووص��ف معاملها وقصورها‪ ،‬كما احتفى شوقي مبدينة (روم��ا) بوصفها‬
‫عاصمة احلضارة الرومانية القدمية وأشاد بحضارة اليونان وما أجنزته في مجال‬
‫العمران والفلسفة‪ ،‬ورسم صو ًرا مضيئة ملدينة (أثينا)‪.‬‬
‫أما ص��ورة اجنلترا فلها وجهان في شعر شوقي‪ ،‬أحدهما ينطوي على مدح‬
‫وإعجاب بحضارتها‪ ،‬واآلخر يدين فيه سياستها االستعمارية وممارساتها العدوانية‬
‫ضد الشعوب‪.‬‬
‫‪-8-‬‬
‫ومتثل اهتمام شوقي بـ «اآلخر» في جانب آخر من شعره هو االحتفاء بعباقرة‬
‫الغرب ونوابغه من ساسة وعلماء وفالسفة ومفكرين وأدباء وفنانني وغيرهم‪ .‬وقد شغل‬
‫هذا اجلانب مساحة واسعة من شعر شوقي‪ ،‬فاختص من فالسفة اليونان القدماء ّاً‬
‫كل‬
‫من سقراط وأرسطو‪ ،‬وع َّبر عن إعجابه بـ «هومير» شاعر اإللياذة‪ ،‬وأشاد بــ «تولستوي»‬
‫أديب روسيا العظيم‪ ،‬وأثنى على شكسبير ثنا ًء عظي ًما وع َّبر عن إعجابه بفكتور هوجو‪،‬‬
‫واستدعى شخصية الرسام العاملي (رفائيل) وشخصية املوسيقار العاملي (فردي)‬
‫وأشاد بـ «أديسون» مخترع املصباح الكهربائي‪ .‬كما احتفى شوقي بنوابغ الغرب‬
‫من الساسة والزعماء ال سيما (نابليون) كما التفت إلى ساسة آخرين منهم روزفلت‬
‫وإدوارد السابع وغليوم الثاني واللورد كرومر وغيرهم‪ .‬وتفاعل شوقي مع األحداث‬
‫الكبرى التي شهدها الغرب وتعاطف مع كل منوذج إنساني أسهم في خدمة البشرية‬
‫وأكد إميانه باحلضارة التي حتقق اخلير والتقدم لإلنسانية‪.‬‬
‫وخصصنا مبح ًثا كذلك لصورة «اآلخ��ر» في شعر عمر أب��ي ريشة‪ ،‬حيث‬
‫أتاحت له ثقافته وكثرة أسفاره وتنقالته في دول العالم املختلفة من خالل عمله‬
‫اً‬
‫اتصال‬
‫الدبلوماسي سفي ًرا لبالده أن ينفتح على العالم ويتصل بحضارته وثقافته‬
‫مباش ًرا جعل صورة «اآلخر» تبدو في شعره بشكل واضح ومتثل تيا ًرا بارزًا فيه‪،‬‬
‫اً‬
‫رجال ونساء‪ ،‬ووصف املعابد التي زارها‪،‬‬
‫فرسم مشاهد عديدة للناس األجانب‬
‫واملعالم السياحية واألماكن التاريخية ومشاهداته في األرجنتني وأسبانيا والهند‬
‫والنمسا وكشمير ونيبال وغيرها‪.‬‬
‫أما إبراهيم العر ّيض فهو أحد هؤالء الفرسان الثالثة الذين ميثلون همزة الوصل‬
‫بني احلضارة العربية واحلضارات األجنبية‪ ،‬حيث تعددت منابع ثقافته‪ ،‬فتأسس وعيه‬
‫الثقافي في الهند التي عاش فيها طفولته وصد ًرا من صباه وأجاد اللغة اإلجنليزية‬
‫مدرسا لها في مدارسها في إحدى مراحل حياته‪ ،‬وكتب بها‬
‫وعاد إلى وطنه ليعمل‬
‫ً‬
‫‪-9-‬‬
‫شع ًرا إلى جانب كتابته الشعر بالعربية وأجاد لغات أخرى غيرها مما أتاح له ترجمة‬
‫رباعيات اخليام وهيأه لالنفتاح على اآلخر الثقافي‪.‬‬
‫وختمنا الدراسة مببحث عن صورة «اآلخر» في القصيدة العربية املعاصرة‬
‫وتتبعنا فيه موقف الشاعر العربي املعاصر من هذا «اآلخر» الدخيل الذي اغتصب‬
‫أرضه وانتهك مقدساته‪ ،‬وهو موقف عام ينطلق من الرفض ويعكس توجه الوجدان‬
‫اجلمعي لألمة العربية‪.‬‬
‫وعلى هذا النحو تطمح هذه الدراسة إلى استجالء صورة «اآلخر» في شعرنا‬
‫العربي كما متثلت في شعر أبرز الشعراء العرب الذين أتاحت لهم ظروفهم وثقافاتهم‬
‫ورحالتهم االتصال املباشر باآلخر والتعرف إلى ثقافته وعاداته وصفاته ومدى التقارب‬
‫أو االبتعاد عنه‪ ،‬وموقف هؤالء الشعراء منه‪ :‬اً‬
‫ً‬
‫رفضا ونف ًيا؟ وهل‬
‫وتسامحا أم‬
‫قبول‬
‫ً‬
‫اختلفت نظرة الشاعر القدمي لآلخر عن نظرة الشاعر احلديث؟ وغير ذلك من تساؤالت‬
‫تسعى الدراسة إلى اإلجابة عنها وجتليتها‪.‬‬
‫والــلـــــه املوفـــــــــق‪،،،‬‬
‫‪XXXX‬‬
‫‪- 10 -‬‬
‫حضور اآلخر في الشعر القدمي‬
‫يفترض أن تُؤسس العالقة بني الذات واآلخر على احلوار البناء والتفاهم واملودة‪،‬‬
‫ولكن هذه العالقة قد تكون على النقيض من ذلك إذا حاول «اآلخر» أن يظهر في صورة‬
‫«العدو» الذي يحاول رفض الطرف اآلخر واالنتقاص منه والنيل من معتقداته وقيمه‪،‬‬
‫وتهديد وجوده واستهداف ثقافته‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى التنافر والبغض واإلنكار املتبادل‬
‫ويتج ّلى اآلخر في صورة سلبية كالصورة التي رسمها الشعراء لألعداء األجانب أو‬
‫احملتلني كاألتراك واإلجنليز والفرنسيني الذين مزقوا الوطن العربي إلى دويالت ونهبوا‬
‫ثرواته واحتلوا أراضيه‪.‬‬
‫وقد برزت صورة «اآلخر» في الشعر العربي منذ العصر اجلاهلي وتراوحت بني‬
‫اإليجاب والسلب‪ ،‬ومتثل «اآلخ��ر» في الروم والفرس الذين كانوا ميثلون حضارتني‬
‫عظيمتني آن��ذاك‪ ،‬ونظر العرب إلى ال��روم نظرة تقدير وتعاطف حتى عندما هزمتهم‬
‫الفرس‪ ،‬فتنبأ القرآن الكرمي بأنهم سيغلبون من غلبهم وذلك في قوله تعالى‪«:‬ألم غلبت‬
‫الروم في أدنى األرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون»(((‪.‬‬
‫ وكان العرب في اجلاهلية ميقتون الفرس بوصفهم وثنيني‪ ،‬وملا كانوا ميثلونه‬
‫من تهديد وخطر‪ ،‬وكان األعشى أكثر الشعراء اجلاهليني تصوي ًرا للصراع العربي –‬
‫الفارسي في العصر اجلاهلي‪ ،‬ويعكس شعره ما جرى من أحداث ووقائع وحروب‪،‬‬
‫((( سورة الروم (اآلية ‪.)30‬‬
‫‪- 11 -‬‬
‫فيشير في إحدى قصائده إلى طلب كسرى أخذ بعض الرهائن من قومه حني أغار‬
‫احلارث بن وعلة على بالد الفرس ومقابلة هذا الطلب بالرفض حتى وإن ترتب على‬
‫ذلك مالقاة الفرس وقتالهم‪ ،‬يقول األعشى‪:‬‬
‫(((‬
‫َم������ن ُم����ب���� ِل���� ٌغ ِك�����س�����رى ِإذا م�����ا ج��������ا َء ُه‬
‫��������ك ُم�����خ ِ‬
‫َع������ ّن������ي َم��������آ ِل َ‬
‫�����م�����ش ٍ‬
‫�����ات ُش��������� َّردا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب����ن����ائ����ن����ا‬
‫����ع����ط����ي����ه ِم��������ن َأ‬
‫�������ي�������ت ال ُن‬
‫آ َل‬
‫ُ‬
‫ُره���� ًن����ا َف��� ُي ِ‬
‫����س����دا‬
‫���ف���س��� َدهُ ���م ك َ‬
‫َ����م����ن َق�����د َأف َ‬
‫َح�����تّ�����ى ُي�����ف�����ي����� َد َك ِم������ن َب����ن����ي ِ‬
‫����ه َره����ي���� َن���� ًة‬
‫َن����ع ٌ‬
‫����س����م ُ‬
‫����ش َو َي�����رهَ ����� َن َ‬
‫����اك ال���� َف����ر َق����دا‬
‫�����ك ال َّ‬
‫ال����ـ����م����كَ���� ِّل ِ‬
‫����س���� ُه‬
‫َ������خ������ار َج������ َة‬
‫ِإلاّ ك‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ف َن����ف َ‬
‫���ه���دا‬
‫����ب َو َي���ش َ‬
‫َو ِاب����� َن�����ي َق���ب���ي َ‬
‫���ص��� َة َأن َأغ����ي َ‬
‫�����ي�����اك ِب���� ُر ِ‬
‫َأن َي ِ‬
‫َ‬
‫����ه����م����ا ِإ ًذا‬
‫�����أت‬
‫ه����ن����هِ ����م َف ُ‬
‫����������ق ل ِ‬
‫ُج�����هِ �����دا َو ُح َّ‬
‫خَ������ائ ٍ‬
‫���ه���دا‬
‫������ف َأن ُي���ج َ‬
‫ن ال������� َل ِ‬
‫كَ�����ّل��� اّ‬
‫�������ه َح������تّ������ى ت����ن����زل����وا‬
‫� يمَ�����ي���� َ‬
‫أس ش ِ‬
‫����اه���� َق ٍ‬
‫س���������ودا‬
‫����ة ِإ َل����ي����ن����ا ا َأل‬
‫ِم�����ن َر ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����ق�����ات����� َل����� َّن�����كُ����� ُم َع�����ل�����ى م������ا َخ���� َّي���� َل����ت‬
‫َل����� ُن‬
‫�����ج�����ع����� َل�����نَّ لمِ َ���������ن َب�����غ�����ى َو مَتَ�������������� َّردا‬
‫َو َل����� َن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫���������رات كَ����� َأنمَّ�����ا‬
‫ن ع������ا َن������ َة َوال��������� ُف‬
‫م�����ا َب����ي��� َ‬
‫َح َّ‬
‫ُ‬
‫ال������غ������وا ُة ِب����ه����ا َح����ري���� ًق����ا م����و َق����دا‬
‫�������ش‬
‫وميضى األعشى فيفخر بقومه وشجاعتهم وحسن بالئهم في احلروب ويخاطب‬
‫كسرى بلهجة الواثق بقدرته‪ ،‬املعتز بكرامته مستخ ًّفا به‪ ،‬متنب ًئا بهزميته حيث لم ينفعه‬
‫(((‬
‫تاجه املعتصب به‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫((( ديوان األعشى الكبير ‪ :‬ص ‪ ،53‬ص ‪.54‬‬
‫((( ديوان األعشى ‪ :‬ص ‪.54‬‬
‫‪- 12 -‬‬
‫َ���ص��� ًب���ا ِب ِ‬
‫ال����ت����اج ُم���ع���ت ِ‬
‫����ع����د َع��� َل َ‬
‫����ه‬
‫���ي���ك‬
‫َف����ا ْق ُ‬
‫ُ‬
‫َ�����ع����� َّب�����دا‬
‫���َب�� َس‬
‫ال تَ������ط������ ُل نَ َّ‬
‫������وام������ن������ا َف�����ت َ‬
‫َ‬
‫���ام���ن���ا‬
‫����ع����م���� ُر َج���������� ِّد َك َل������و َر َأ‬
‫َ‬
‫َف���� َل َ‬
‫ي�����������ت َم���ق َ‬
‫�����ن�����ظ����� ًرا َو ُم َ‬
‫َ‬
‫��������ؤ َّي��������دا‬
‫���������ت ِم����� ّن�����ا َم‬
‫���������ر َأي َ‬
‫َل َ‬
‫ويحتفل األعشى في غير قصيدة بالنصر املؤزَّر الذي أحرزه قومه على الفرس‬
‫في يوم «ذي ق��ار» ويصف املعركة حني أقبل جيش كسرى بعتاده الضخم وق��واده‬
‫الغطارفة وقد علقوا في آذانهم «النطف» وهي الآللي واجلواهر داللة على السيادة‬
‫َّ‬
‫«النشاب» ولكن خيل‬
‫والعظمة وقد دارت رحى احلرب واستخدم الفرس أسلحتهم‬
‫قوم األعشى وفرسانهم وسيوفهم أعملت فيهم القتل حتى ُقتل منهم عدد كبير‪ ،‬يقول‬
‫(((‬
‫األعشى مفتخ ًرا بهزمية الفرس‪:‬‬
‫َو ُج����ن���� ُد ِك���س���رى َغ������دا َة ِ‬
‫��ح ُ��ه��م‬
‫احل���ن ِ‬
‫���و َ‬
‫ص�� َّب َ‬
‫ِم�� ّن��ا كَ��ت ِ‬
‫��ص َ��رف��وا‬
‫��م َ‬
‫��وت َف��ان َ‬
‫��ب ُت��زج��ي ال��ـ َ‬
‫��ائ ُ‬
‫ٍ‬
‫�����ط�����ار َف����� ٌة‬
‫�����ل�����ك َغ‬
‫�����ح َو َب������ن������و ُم‬
‫َج‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�����ح�����اج ٌ‬
‫�������م ف����ي ِ‬
‫���ط ُ‬
‫آذان�����ه�����ا ال��� ُن َ‬
‫���ف‬
‫ِم�������نَ ا َألع ِ‬
‫�������اج ِ‬
‫����اب َأي ِ‬
‫ِإذا َأم�����ال�����وا ِإل������ى ال���� ُن ّ‬
‫����ه���� ْم‬
‫����د َي ُ‬
‫����ش ِ‬
‫َ���ط ُ‬
‫����ظ َّ‬
‫����ل ال����ه����ا ُم ُي���خ���ت َ‬
‫���ض َف َ‬
‫���ف‬
‫ِم���ل���ن���ا ِب���ب���ي ٍ‬
‫����ر َف���م���ا تَ����ن���� َف ُّ‬
‫ُ‬
‫���ه��� ْم‬
‫َو َخ‬
‫���ح��� ُن ُ‬
‫�����ي�����ل َب����ك ٍ‬
‫����ك تَ���ط َ‬
‫َ�����و ّل�����وا َوك�������ا َد ال���� َي����و ُم َي��ن��ت ِ‬
‫َ��ص ُ‬
‫��ف‬
‫َح���تّ���ى ت َ‬
‫َل�������و َأنَّ ُك َّ‬
‫ش����اركَ����ن����ا‬
‫������ع������ ٍّد ك��������انَ‬
‫��������ل َم َ‬
‫َ‬
‫����ار م���ا َأخ���ط���اهُ ��� ُم ال َّ‬
‫���ر ُف‬
‫ف���ي َي ِ‬
‫���ش َ‬
‫�����وم ذي ق َ‬
‫وفي قصيدة أخرى لألعشى تبرز صورة «الهامرز» قائد الفرس املنهزم في يوم‬
‫«ذي قار» أمام بني شيبان عند «حنو قراقر» بالقرب من الكوفة‪ ،‬وقد أقبل جيش الفرس‬
‫(((‬
‫بعتاده وأعالمه ولكنهم منوا بهزمية كبيرة بعد معركة حامية الوطيس‪ .‬يقول األعشى‪:‬‬
‫((( ديوان األعشى ‪ :‬ص ‪.114-113‬‬
‫((( املصدر نفسه‪ :‬ص ‪.38-37‬‬
‫‪- 13 -‬‬
‫�����دى ِل�� َب��ن��ي ُذه�����لِ ِاب�����نِ َش���ي���ب���انَ ن��ا َق��ت��ي‬
‫ِف ً‬
‫َو ِ‬
‫ِ‬
‫�����ق�����اء َو َق������ َّل ِ‬
‫������ت‬
‫راك������� ُب�������ه�������ا َي����������و َم ال����� ِل‬
‫����و ُق ِ‬
‫�����رب�����وا ِب ِ‬
‫هُ ������ ُم َ‬
‫����ر‬
‫����و ِح����ن ِ‬
‫����احل����ن ِ‬
‫����راق ٍ‬
‫ض َ‬
‫َ������و َّل ِ‬
‫������ت‬
‫������ام ِ‬
‫������رز َح�����تّ�����ى ت َ‬
‫ُم������ َق������ ِّد َم������ َة ال������ه َ‬
‫َف���� ِل���� َّل ِ‬
‫����ه َع���ي���ن���ا َم�����ن َرأى ِم�����ن ِع���ص���ا َب ٍ���ة‬
‫ِ‬
‫���ق���اة ِم�����نَ ا َّل��ت��ي‬
‫ال���س‬
‫َأ َش������� َّد َع���ل���ى َأي������دي‬
‫ُ‬
‫���ه���م ِم�����نَ ال��� َب���ط���ح ِ‬
‫���اء َي����ب���� ُر ُق َب��ي ُ‬
‫��ض��ه��ا‬
‫َأتَ���ت ُ‬
‫������ع������ت راي�����ا ُت�����ه�����ا َف���اس���تَ��� َق��� َّل ِ‬
‫���ت‬
‫َو َق���������د ُر ِف َ‬
‫ال����ـ����م ِ‬
‫����ن���� َّي���� ُة َب��ي�� َن��ن��ا‬
‫َف������ث������اروا َو ُث������رن������ا َو‬
‫َ‬
‫ض����� َّل ِ‬
‫َع�����������وانٌ َش������دي������ ٌد هَ �����م����� ُزه�����ا َف����� َأ َ‬
‫�����ت‬
‫���ال���ن���اس َش���م���ط���ا ُء ِ‬
‫����ح‬
‫�����ر ْت ِب‬
‫ِ‬
‫َو َق������د َش َّ‬
‫الق ٌ‬
‫�����م َ‬
‫َ����ج���� َّل ِ‬
‫����ت‬
‫ه������اج������ت َع��� َل���ي���ن���ا َغ‬
‫َو‬
‫������م������ر ٌة َف����ت َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال���ه���ام���ر ُز تَ���خ ِ���ف ُ‬
‫���ق َف���و َق��� ُه‬
‫كَ��� َف���وا ِإذ َأت�����ى‬
‫َ‬
‫ك ِ‬
‫َ�����ظ ِّ‬
‫��������وت َف����تَ���� َد َّل ِ‬
‫����ت‬
‫ال����ع‬
‫�����ل‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫����ق����اب ِإذ هَ َ‬
‫��ت‬
‫��ح ْ‬
‫َو َأح َ‬
‫����م����وا ِح��م��ى م��ا يمَ�� َن��ع��ونَ َف�� َأص�� َب َ‬
‫����ح���� َّل ِ‬
‫����ت‬
‫َل����ن����ا ُظ ُ‬
‫������ع������نٌ ك�����ا َن�����ت ُوق������و ًف������ا َف َ‬
‫����م ِ‬
‫����وت ُم������ َّر ًة‬
‫َ����أس����ا ِم������نَ ال����ـ َ‬
‫َأذاق�������وهُ ������� ُم ك ً‬
‫ِ‬
‫�������������ت‬
‫����ه����م َو َأ َذ َّل‬
‫َو َق���������د َب������ َذ َخ������ت ُف����رس����ا ُن ُ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫����واب ُ‬
‫����ه����م‬
‫ب���ي���ض ِخ‬
‫����ه����م‬
‫����ف����اف َو َف����و َق ُ‬
‫����غ ُ‬
‫َس ِ‬
‫���وم ِاس��تَ�� َق�� َّل ِ‬
‫ُ‬
‫��ت‬
‫��ض َأ‬
‫ِم����نَ ال��ب��ي ِ‬
‫م���ث���ال ال��� ُن���ج ِ‬
‫����ب����ق ِإلاّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫���ف���اض��� ٌة‬
‫ي��������ع ُم‬
‫َو َل��������م َي‬
‫ُ‬
‫ذات َر ٍ‬
‫����ه����م ُع����ص���� َب���� ٌة َف����� َأ َط����� َّل ِ‬
‫س�������ه َ‬
‫�����ت‬
‫َو َأ‬
‫�������ل ِم����ن ُ‬
‫َ‬
‫����ن����و ُق ِ‬
‫����ه����م ِب ِ‬
‫�����ر‬
‫����ح ُ‬
‫����ن����و ِح ِ‬
‫����احل ِ‬
‫�����راق ٍ‬
‫َف َ‬
‫����ص���� َّب َ‬
‫اجل�����ن�����و ُد َف��� ُف��� َّل ِ‬
‫�����اره�����ا ِم���ن���ه���ا ُ‬
‫���ت‬
‫َوذي ق ِ‬
‫‪- 14 -‬‬
‫كُ�������ل َم����ح����ب ِ‬
‫ِّ‬
‫ِ‬
‫������راة كَ����� َأ َّن����� ُه‬
‫ال������س‬
‫����وك‬
‫َع����ل����ى‬
‫َّ‬
‫َ���ع��� َّل ِ‬
‫���ت‬
‫ُع‬
‫�����ب ِإذ ت َ‬
‫����ق����اب هَ َ‬
‫ٌ‬
‫�������وت ِم�����ن َم�����ر َق ٍ‬
‫�����ط ُب��ي ِ‬
‫���رز َوس َ‬
‫��وت��هِ ��م‬
‫���ام ِ‬
‫َف���ج���ا َدت َع��ل��ى ال���ه َ‬
‫َ����ه���� َّل ِ‬
‫���آب���ي���ب َم ٍ‬
‫����ت‬
‫َش‬
‫�������وت َأس���� َب���� َل����ت َو ِاس����ت َ‬
‫ُ‬
‫وتبرز صورة القيل هامرز قائد الفرس املنهزم يوم ذي قار في قصيدة أخرى‬
‫لألعشى وقد جاء بجيشه لينتقم من قوم الشاعر فكانت الهزمية من نصيبه والقتل‬
‫(((‬
‫عقا ًبا له‪ .‬يقول األعشى‪:‬‬
‫َأرادوا‬
‫����������ح����������ت‬
‫َن‬
‫َ‬
‫َأث������� َل ِ‬
‫�������ت�������ن�������ا‬
‫�������������ع ُ‬
‫اخل ُ‬
‫�������ط�������م�������ا‬
‫َوكُ�������������� ّن��������������ا نمَ������������� َن‬
‫ُ‬
‫���������غ���������ي َم��������ك��������روهً ��������ا‬
‫َوك����������������������انَ ال��������� َب‬
‫ُ‬
‫اجل�����������ه�����������لِ ُم�����ن�����ت ِ‬
‫ُ‬
‫�����������������������ول َ‬
‫َ�����ح�����م�����ا‬
‫َو َق‬
‫����������م���������� ًرا‬
‫َف���������ب���������ات���������وا َل��������ي�������� َل ُ‬
‫��������ه��������م َس َ‬
‫����������������ب م����������ا جَ َ‬
‫ن�������م�������ا‬
‫ِل���������� ُي����������س����������دوا ِغ‬
‫َّ‬
‫َف َ‬
‫���������ح���������ون���������ا لجَ ِ ��������� ًب���������ا‬
‫����������غ���������� ّب����������وا َن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫���������ه���������ل َوا َألكَ�������������م�������������ا‬
‫ال���������س‬
‫�����������ه����������� ُّد‬
‫َي‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫امل�����������اذ ْي�����������ـ‬
‫َ��������م‬
‫َس‬
‫ِ‬
‫��������������واب�������������� َغ ُم��������ح��������ك ِ‬
‫ُ‬
‫احل�������� ُزم��������ا‬
‫ِي َش������������������ ّدوا َف�������و َق�������ه�������ا‬
‫ُ‬
‫ه�����������ام�����������ر ٌز‬
‫����������ي����������ل‬
‫َف�������������ج�������������ا َء ال���������� َق‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����س�����م�����ا‬
‫َع������� َل�������ي�������هِ �������م ُي‬
‫��������ق��������س�������� ُم ال����� َق َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫����������������������ذوق ُم َ‬
‫�������ع�������ا َح�������تّ�������ى‬
‫�������ش‬
‫َي‬
‫�������ع�������ش ً‬
‫�������ع�������م�������ا‬
‫ال��������س‬
‫ُي����������ف����������ي َء‬
‫��������ب��������ي َوال������� َّن َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫���������وت ُم�����ك�����ت ِ‬
‫�����ع�����ا‬
‫ال���������ـ���������م‬
‫َف����ل����اق���������ى‬
‫َ‬
‫َ�����ن ً‬
‫َ‬
‫َو ُذه�������������ًل������������� اً دونَ‬
‫((( ديوان األعشى ‪.177-176 :‬‬
‫‪- 15 -‬‬
‫م�����������ا ز ََع���������م���������ا‬
‫َّ‬
‫���������ي���������م ال ُي�����ع�����ط�����و‬
‫ال���������ض‬
‫ُأب�����������������������ا َة‬
‫ِ‬
‫نَ َم������������ن ع�����������������������ا َدو ُه م���������ا َح�����كَ�����م�����ا‬
‫����������ه����������م ِع������������������ ًّزا‬
‫َأ َب����������������������ت َأع����������ن����������ا ُق ُ‬
‫َف��������م��������ا ُي��������ع��������ط��������ونَ َم������������ن َغ َ‬
‫�����ش�����م�����ا‬
‫������������و َم ٍ‬
‫ٍ‬
‫������������ة‬
‫������������س‬
‫������������������������رد ُم‬
‫َع����������ل����������ى ُج‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫�������������س تَ��������ع�������� ُل ُ‬
‫�����ج�����م�����ا‬
‫�������������واب‬
‫َع‬
‫ِ‬
‫��������ك ال����� ُّل ُ‬
‫َ‬
‫اخل ِّ‬
‫ُ‬
‫����������������������������ل َ‬
‫َ‬
‫��������ط�������� ْي��������ـ‬
‫واب‬
‫ت‬
‫َ�����������خ�����������ال َذ ِ‬
‫ِ‬
‫ح��������اف��������ات��������ه��������ا َأ َج���������م���������ا‬
‫ـ�������������ي ف����������ي‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه������������ام������������ر ًزا‬
‫���������ي���������ل‬
‫َق�������تَ�������ل�������ن�������ا ال��������� َق‬
‫َ‬
‫َ��������ث��������ي��������ب َدم����������ا‬
‫َو َر َّوي�����������������ن�����������������ا ال��������ك‬
‫َ‬
‫ويع ُّد األعشى أكثر شعراء العصر اجلاهلي استحضا ًرا لصورة «اآلخ��ر» في‬
‫شعره وذلك يرجع إلى كثرة تنقالته ورحالته وأسفاره طل ًبا للتكسب بشعره مما أتاح‬
‫له االتصال بحضارة اآلخرين وثقافاتهم وعاداتهم عن قرب‪ ،‬وقد أشار في شعره إلى‬
‫كثرة أسفاره فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫��������ف��������ت ِل�������ل�������م�������الِ آف��������ا َق�������� ُه‬
‫َو َق����������������د ُط‬
‫ُ‬
‫ُع��������م��������انَ َف ِ‬
‫�������أور ْي َ‬
‫�������ش������� ِل������� ْم‬
‫������م������ص َف‬
‫������ح‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫رض ِ‬
‫َ��������ي��������ت ال������ َّن������ج ِ‬
‫������ي ف������ي َأ ِ‬
‫������������ه‬
‫َأت‬
‫ُ‬
‫������اش َّ‬
‫رض‬
‫َو َأ ِ‬
‫ال���� َّن����ب����ي ِ‬
‫����ط‬
‫رض‬
‫َو َأ ِ‬
‫���ج���م‬
‫َ‬
‫ال���ع َ‬
‫����ر‬
‫َف������ َن������ج������رانَ َف‬
‫������ال������س َ‬
‫������رو ِم�������ن ِح����م���� َي ٍ‬
‫َّ‬
‫��������������������رام َل�������������� ُه َل�����������م َأ ُرم‬
‫َف�������������������� َأ َّي َم‬
‫ٍ‬
‫َو ِم���������ن َب�����ع ِ‬
‫�����د َ‬
‫�����وت‬
‫�����ر َم َ‬
‫ذاك ِإل��������ى َح�����ض َ‬
‫������م������ي َوح������ي������ ًن������ا َأهُ ��������م‬
‫َف�������� َأو َف��������ي ُ‬
‫��������ت هَ ّ‬
‫((( ديوان األعشى ‪.172-171 :‬‬
‫‪- 16 -‬‬
‫«وهذه الرحالت املتعددة‪ ،‬واألسفار الكثيرة‪ ،‬لم تُفد األعشى اً‬
‫مال فقط‪ ،‬وإمنا‬
‫أح��رز من ورائها سعة األف��ق ورحابة املعرفة‪ ،‬حيث رأى بيئات مختلفة‪ ،‬وعاشر‬
‫أقوا ًما مختلفي املشارب والعادات‪ ،‬وشاهد في أثناء رحالته املناظر الطبيعية اجلديدة‬
‫اخلالبة وسمع أخبا ًرا‪ ،‬واكتسب عادات وطبائع‪ ،‬ما كان ليعرفها لوال أن رحل وسافر‪،‬‬
‫وانعكس كل ذلك لدى األعشى ليكون ثروة في الفكر وغني في التصوير وحضارة‬
‫وتنوعا في اآلداء‪ ،‬ففي شعره البيئات املتنوعة‪ ،‬واألمناط املعيشية املختلفة‬
‫في التناول‬
‫ً‬
‫والعادات املتباينة»‬
‫(((‬
‫ويستحضر األعشى صورة ساسان مؤسس دولة ساسان الفارسية وكسرى‬
‫شاهنشاه ملك امللوك عند الفرس وكذلك شخصية (مورق) أحد ملوك الروم بوصفهم‬
‫ميثلون أعظم حضارتني في عصره وذلك في معرض تأكيد حقيقة أنه ال شيء أو ال‬
‫أحد يخلد أمام سطوة الدهر‪ ،‬فكل احلضارات والبشر واألشياء واألحياء تؤول إلى‬
‫الفناء‪ .‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫دام�������ت َع���� َل����ي َ‬
‫����ك ِب���خ���ا ِل ٍ���د‬
‫َف���م���ا َأ‬
‫َ‬
‫ن�������ت ِإن َ‬
‫���خ��� َّل���د َق����ب ُ‬
‫كَ���م���ا َل�����م ُي َ‬
‫��������ور ُق‬
‫����ل َس����اس����ا َوم‬
‫َ‬
‫�����ار ُم��ل�� ُك�� ُه‬
‫َو ِك����س����رى َش���هِ ���ن���ش���ا ُه ا َّل������ذي س َ‬
‫راح َع���ت���ي ٌ‬
‫���ق َو َزن����� َب ُ‬
‫�����ق‬
‫َل������ ُه م����ا اش���تَ���ه���ى ٌ‬
‫ويكثر األعشى من استحضار معالم حضارة اآلخر كالقصور الفخمة الباذخة‬
‫بغرض االعتبار والعظة وتأكيد خضوع احلضارات ملنطق الفناء واالنسحاق أمام‬
‫ال��ده��ر‪ ،‬فيستحضر ص��ورة حصن(األبلق) الشاهق‪ ،‬وقصور سليمان بن داود‬
‫ويحتفي بوصفهما‪ ،‬إذ كانت ذات (أزج) عال وهو ضرب مستطيل من األبنية وقد‬
‫شيدت باحلجارة الصلبة املتينة وزُينت باملشارب أو املقصورات وامتألت مبباهج‬
‫((( عناصر اإلبداع الفني في شعر األعشى‪ ،‬د‪ .‬عباس عجالن‪ ،‬دار املعارف‪ 1981 ،‬ص‪.51‬‬
‫((( ديوان األعشى ‪.118 :‬‬
‫‪- 17 -‬‬
‫وجوار وأوعية من الفضة‪ ،‬ولكن يد الدهر لم تلبث أن سلبته‬
‫احلياة من حور كالدمي‬
‫ٍ‬
‫احلياة‪ ،‬ويستخدم األعشى بعض مفردات اللغة الفارسية مما يعكس أثر هذه الثقافة‬
‫في شعره فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫����وت م���ا ُل��� ُه‬
‫َوال‬
‫����م َ‬
‫����ع ال����ـ َ‬
‫ع����ادي����ا َل�����م يمَ���� َن ِ‬
‫ِ‬
‫������ه������ود ِّي َأب����� َل ُ‬
‫�����ق‬
‫ِور ٌد ِب����تَ����ي����م����ا َء ال������ َي‬
‫داوو َد ِح���ق��� َب��� ًة‬
‫َب�����ن�����ا ُه ُس���� َل����ي����م����انُ ب�����نِ‬
‫ُ‬
‫�������و َّث ُ‬
‫�������ق‬
‫ع����������ال َو َط‬
‫َل���������� ُه َأز ٌَج‬
‫ٍ‬
‫��������������ي ُم َ‬
‫ٌّ‬
‫ِ‬
‫����م����اء َودو َن���������� ُه‬
‫ال����س‬
‫ُي����������وازي كُ����� َب�����ي�����دا َء‬
‫َّ‬
‫ٌ‬
‫������ل������س َو َخ������ن������ َد ُق‬
‫دارات َو ِك‬
‫����ل����اط َو‬
‫َب‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫������������ك ف�����ي َر ِ‬
‫ٌ‬
‫�������ش�������ار ٌب‬
‫������������ه َو َم‬
‫أس‬
‫رم‬
‫ِ‬
‫َل�������� ُه َد َ‬
‫����ص���� َّف ُ‬
‫ٌ‬
‫����ق‬
‫َو ِم‬
‫������س������ك َو َري�������ح�������انٌ َو ٌ‬
‫راح ُت َ‬
‫َوح���������و ٌر كَ���� َأم����ث����الِ ال����� ُدم�����ى َو َم����ن ِ‬
‫����اص ٌ‬
‫����ف‬
‫ي������س ُ‬
‫������ق‬
‫َو ِق�����������د ٌر َو َط������� ّب�������اخٌ َو‬
‫ٌ‬
‫ص����������اع َو َد َ‬
‫ال���ـ���م ِ‬
‫َ‬
‫���وت َر َّب����� ُه‬
‫َف‬
‫���ج���ز ِم�����نَ‬
‫�������ذاك َو َل������م ُي���ع ِ‬
‫َ‬
‫َو َل ِ‬
‫�����وت ال َي�����تَ����� َأ َّب ُ‬
‫�����ق‬
‫�����م ُ‬
‫������ك������ن َأت�����������ا ُه ال�����ـ َ‬
‫وفي السياق ذاته يستحضر األعشى صورة قصر رميان وكان قص ًرا عظي ًما‬
‫لألحباش في اليمن وقد استولى عليه الفرس بعد معركة حامية بقيادة (وهرز) القائد‬
‫الفارسي الذي تط َّير من دخول القصر من َّكس الرأس‪ ،‬فأمر بهدم بابه ليدخله راف ًعا‬
‫راية النصر‪ .‬وقد وصف األعشى هذا القصر بعد أن صار خرا ًبا خاو ًيا من أهله‪،‬‬
‫(((‬
‫خال ًيا من مظاهر األبهة واحلياة‪ .‬يقول‪:‬‬
‫(رمي�����������������������انَ ) َأ ْم����������ـ‬
‫ي��������ا َم����������ن َي�������������رى َ‬
‫����������ر ًب����������ا ِك�����ع�����ا ُب�����ه‬
‫َس����������ى‬
‫خ����������او ًي����������ا َخ ِ‬
‫ِ‬
‫((( ديوانه ‪.118 :‬‬
‫((( ديوانه ‪.27-26 :‬‬
‫‪- 18 -‬‬
‫���������ب َأه���������� َل���������� ُه‬
‫َأم����������س����������ى ال��������� َّث���������ع���������ا ِل ُ‬
‫َب����������ع���������� َد ا َّل�������������ذي�������������نَ هُ ���������������� ُم َم��������آ ُب��������ه‬
‫ِم�������������ن س������������و َق ٍ‬
‫َ������������م َو ِم�������������ن‬
‫������������ة َح������������ك ٍ‬
‫َم����������� ِل ٍ‬
‫�����������ع����������� ُّد َل���������������� ُه َث����������وا ُب����������ه‬
‫�����������ك ُي‬
‫َ‬
‫َ����������رت َع������� َل�������ي ِ‬
‫�����ع�����ـ‬
‫�������ه ال���������� ُف‬
‫����������رس َب ْ‬
‫ُ‬
‫َب����������ك َ‬
‫ـ��������� َد ُ‬
‫��������ب��������ش َح�������تّ�������ى هُ ������������ َّد ب�����ا ُب�����ه‬
‫احل‬
‫ِ‬
‫َف�����������������تَ�����������������را ُه َم���������������ه���������������دو َم ا َألع���������������ا‬
‫ٌ‬
‫�������س�������ح�������ول ُت��������را ُب��������ه‬
‫ه����������������و َم‬
‫ل��������ي َو‬
‫َ‬
‫َو َل�������������� َق��������������د‬
‫َأرا ُه‬
‫ِب ِ‬
‫َ‬
‫�������ب�������ط ٍ‬
‫�������ة‬
‫�������غ‬
‫������ش ُم�������خ َ‬
‫�������ض������� ّرًا َج����ن����ا ُب����ه‬
‫������ع������ي ِ‬
‫ف������ي ال َ‬
‫ويقف األعشى املوقف ذاته أمام قصر (ا َ‬
‫حل ْ‬
‫ضر) وهو قصر الفيزان ملك قضاعة‬
‫وكان موقعه بني دجلة والفرات‪ ،‬وقد ضرب به املثل في الروعة والفخامة واستولى عليه‬
‫(شاهبور) ابن الهرمز ملك الفرس‪ ،‬يقول األعشى‪:‬‬
‫(((‬
‫َ‬
‫��������ض��������ر) ِإذ َأه����� ُل����� ُه‬
‫(احل‬
‫َ������������ر ِي‬
‫َأ َل����������م ت‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِب���� ُن����ع����م����ى َوهَ �����������ل خ�������ا ِل������� ٌد َم�������ن َن ِ‬
‫�����ع����� ْم‬
‫ِ‬
‫�������������ه ش��������اهَ ��������ب��������و ُر ُ‬
‫اجل�����ن�����و‬
‫َأق�����������������ا َم ِب‬
‫�������ض�������ر ُب ف�����ي ِ‬
‫�����ه ال������ ُق������ ُدم‬
‫���ي���ن َي‬
‫ِ‬
‫َد َح�������و َل ِ‬
‫َف���������م���������ا‬
‫زا َد ُه‬
‫َر ُّب����������������������� ُه‬
‫�����������������و ًة‬
‫ُق‬
‫َّ‬
‫��������������ج��������������او ِر ِه َل����������م ُي ِ‬
‫ُ‬
‫�����ق�����م‬
‫����������ث����������ل ُم‬
‫َو ِم‬
‫ِ‬
‫��������م��������ا َرأى َر ُّب��������������������� ُه ِف������ع������ َل������ ُه‬
‫َف�������� َل ّ‬
‫َأت�����������������ا ُه ُط����������رو ًق����������ا َف�������� َل��������م َي�����ن�����ت ِ‬
‫َ�����ق�����م‬
‫((( ديوان األعشى ‪.172 :‬‬
‫‪- 19 -‬‬
‫ومن مظاهر احلضور الفارسي في شعر األعشى وصف مظاهر احلياة الفارسية‬
‫كاألعياد واألزياء واألزهار وأدوات الطرب ومجالس الشراب وغيرها على النحو الذي‬
‫جنده في هذا املثال الذي يحتشد باألسماء واألوصاف الفارسية لألزهار وآالت الغناء‬
‫في معرض وصف مجالس شراب‪ .‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ب���������ري���������ق كَ������������ َأنَّ َش������را َب������ ُه‬
‫َ�������أس َو ِإ‬
‫ِب�������ك ٍ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫���ص���ح���اة خ����ا َل َ‬
‫����ط َب�� َّق��م��ا‬
‫�����ب ف���ي ا ِمل‬
‫ِإذا ُ‬
‫ص َّ‬
‫����ج‬
‫َل����ن����ا ُج����� َّل�����س�����انٌ ِع�����ن����� َده�����ا َو َب���� َن‬
‫����ف����س ٌ‬
‫َ‬
‫َوس��ي ِ‬
‫ُ‬
‫َج���وش ُم�� َن��م�� َن��م��ا‬
‫ال���ـ���م���رز‬
‫��س��ن�� َب�� ٌر َو‬
‫َ‬
‫(((‬
‫������������رو َو َس‬
‫�������ر ٌّي َو َم‬
‫������وس������نٌ‬
‫آس َوخ�������ي ِ‬
‫ٌ‬
‫َو ٌ‬
‫َ‬
‫���خ َّ‬
‫ح��������ت ُم َ‬
‫���ش���م���ا‬
‫ِإذا ك�����انَ ِه���ن���زَم���نٌ َو ُر‬
‫ُ‬
‫(((‬
‫����س‬
‫ال���ي���اس‬
‫����ر ْم َو‬
‫ُ‬
‫َوش����اهَ ����س���� َف ِ‬
‫���م�ي�ن َو َن ِ‬
‫����رج ٌ‬
‫َ‬
‫���ح���ن���ا ف����ي ُك ِّ‬
‫ج�������ن ت َ‬
‫َ���غ��� َّي���م���ا‬
‫������ل َد‬
‫ٍ‬
‫���ص��� ِّب ُ‬
‫ُي َ‬
‫(((‬
‫َو ُم������س������ ُت ُ‬
‫��ي�ن َو َونٌّ َو َب�������ر َب ٌ‬
‫�������ط‬
‫������ق س����ي����ن ٍ‬
‫َ������رنمَّ������ا‬
‫ص‬
‫ُي‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫�����ج�����او ُب����� ُه َ‬
‫����ن����ج ِإذا م����ا ت َ‬
‫(((‬
‫ض����غ ِ‬
‫�������دق ال َ‬
‫��ه��م‬
‫����ائ����نَ َب��ي�� َن ُ‬
‫َو ِف����ت����ي����انُ ِص ٍ‬
‫���س���ح���اهً ���ا ُم���كَ��� َّرم���ا‬
‫َو َق��������د َج َ‬
‫���ع���ل���ون���ي َف���ي َ‬
‫هكذا حتتشد القطعة بأسماء األزه��ار الفارسية كالبنفسج والسيسنبر واآلس‬
‫واملرزجوش في مناسبة عيد فارس يسمى (الهنزمن) وقد احتفل به األعشى مع ندمائه‬
‫في مجلس شراب وغناء على آالت املوسيقى والغناء كالبربط والصنج وال َونِّ لينقلنا‬
‫األعشى إلى أجواء فارسية خالصة‪.‬‬
‫((( ديوان األعشى‪.165-164 :‬‬
‫((( السيسنبر‪ :‬لفظة فارسية وهي نوع من الريحان‪ ،‬واملرزجوش‪ :‬لفظة فارسية وهو شراب مفيد‪.‬‬
‫((( الهنزمن‪ :‬من أعياد النساطرة‪.‬‬
‫((( الشاهسفرم‪ :‬الريحان‪.‬‬
‫((( املستق‪ :‬آلة موسيقية يضرب بها ‪ ،‬والبربط‪ :‬العود‪.‬‬
‫‪- 20 -‬‬
‫ وتتردد في شعر األعشى كذلك أسماء بعض األزي��اء واملالبس الفارسية‬
‫كالشيدارة وهي مالءة أو عباءة ليس لها كم تلبسها املرأة‪ ،‬وقد أشار إليها في معرض‬
‫تغزله بفتاة حسناء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫�����ت‬
‫����ت َش�������ي‬
‫ب�����ر َق ْ‬
‫����س ْ‬
‫ِإذا َل ِ‬
‫����ب َ‬
‫�������دار ًة ُث�������� َّم َأ َ‬
‫َ‬
‫���ص ِ‬
‫���م���ه���ا َوال َّ‬
‫َ�����ر َّج�����لِ‬
‫مِ ِ‬
‫ب���ع َ‬
‫�����ش�����م ُ‬
‫�����س لمَ ّ�������ا ت َ‬
‫ل������������وت ِب�����ك ٍ ّ‬
‫���������وار َي���زي��� ُن���ه���ا‬
‫َ�����ف ف����ي ِس‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫اب ِ‬
‫���م��� َف��� َتّ���لِ‬
‫ال����د َم‬
‫ِ‬
‫َب�����ن�����انٌ ك ُ‬
‫َ������ه������ ّد ِ‬
‫����ق����س ال���ـ ُ‬
‫اجل���ل��ا َل ِ‬
‫������ة ِ‬
‫مي ذا َ‬
‫ران���� ًي����ا‬
‫َر َأ‬
‫َ‬
‫ي�����������ت ال������كَ������ر َ‬
‫��م��س��ت ِ‬
‫َ��خ َّ‬
‫���ع��� َّذلِ‬
‫َو َق�����د‬
‫���م َ‬
‫��ف ال���ـ ُ‬
‫���ب ال��ـ ُ‬
‫ط����ار َق���ل ُ‬
‫َ‬
‫وهكذا كان للعنصر الفارسي حضور مكثف في شعر األعشى‪ ،‬فص َّور ملك‬
‫الفرس وق َّوادهم في عظمتهم وفتوحاتهم وصراعهم مع العرب وهزميتهم في موقعة‬
‫(ذي ق��ار)‪ ،‬وص � َّور األماكن والقصور في سياق االعتبار‪ ،‬واحتفى بأجواء احلياة‬
‫الفارسية ومظاهر احلضارة في األعياد واألزياء واألزهار وغيرها‪.‬‬
‫حضور الروم في الشعر‪:‬‬
‫اجته العرب بفتوحاتهم بعد اإلسالم شر ًقا وغر ًبا‪ ،‬ووجهوا غزواتهم إلى بالد‬
‫الروم‪ ،‬وأخذت صورة (الروم) تبرز في الشعر العربي منذ عهد اخللفاء الراشدين‪،‬‬
‫وجند الشاعر عبد الله بن سبرة احلرشي وهو أحد من شاركوا في تلك الغزوات ينظم‬
‫قصيدة نادرة يصف فيها مبارزة جرت بينه وبني قائد رومي ُيسمى (أرطبون) وذلك‬
‫في غزوة (فلطاس) وكانت مبارزة عنيفة انتهت بقطع يد ابن سبرة اليمني‪ ،‬وقد وصف‬
‫الشاعر العربي هذا القائد الرومي بشعره الكثيف وزرقة عينيه وقد أصابه الصلع‬
‫(((‬
‫برغم أنه لم يشمط‪ .‬يقول‪:‬‬
‫((( ديوان األعشى ‪.163-162 :‬‬
‫((( األمالي‪.48-47 :1‬‬
‫‪- 21 -‬‬
‫ُ‬
‫ج������ار غ�������دا َة ال�������� َّروع ف��ارق��ن��ي‬
‫وي������ل ا ِّم‬
‫ٍ‬
‫ع����ل����ي ب����ه إذا ب�������انَ ف���ا ْن��� َق َ‬
‫���ط���ع���ا‬
‫َأه��������ون‬
‫َّ‬
‫ي����������دي غ��������دت م����� ّن�����ي م����ف����ارق���� ًة‬
‫يمُ�����ن�����ى‬
‫َّ‬
‫���اس ل���ه���ا تَ��ب��ع��ا‬
‫���ع ي������و َم ف���ل���ط ٍ‬
‫ل����م أس���ت���ط ْ‬
‫غ���������اب ع������ن ش�����أن�����ي وق����ائ����ل ٍ‬
‫����ة‬
‫وق������ائ������ل‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫����رع����ا‬
‫ص ِ‬
‫ه��ل��ا اج���ت���ن���ب َ‬
‫���ت ع َّ‬
‫�������دو ال����ل����ه إذ ُ‬
‫ِ‬
‫ص���اح��� َب���ه���ا‬
‫���ت ع��ل��ي��ه��ا أن ُأ‬
‫وم������ا ض���ن���ن ُ‬
‫���ح م��ع��ا‬
‫ل���ق���د ح����رص ُ‬
‫����ت ع���ل���ى أن ن���س���ت���ري َ‬
‫����ن����ص���� ِل ِ‬
‫����ه‬
‫مب‬
‫وك�����ي�����ف أرك������ب������ه ي����س����ع����ى ُ‬
‫ُ‬
‫ن����ح����وي وأع������ج������ ُز ع����ن����ه ب����ع����دم����ا وق���ع���ا‬
‫ال���������روع م����ن ُخ�� ُل��ق��ي‬
‫م����ا ك�����ان ذل�����ك ي�����وم‬
‫َّ‬
‫ول�������و ت�����ق�����ارب م���� ّن����ي امل��������وت ف��اك��ت��ن��ع��ا‬
‫أم ِ‬
‫وي ُ‬
‫ف�����ارس�����ا أج����ل����ت ع��ش��ي��رت��ه‬
‫���������ه‬
‫��������ل ِّ‬
‫ً‬
‫���اب فارجتعا‬
‫ح��ام��ي وق���د ض�� ّي��ع��وا األح���س َ‬
‫ٍ‬
‫َ���م���ي���ت م���ث���ل���ه ب���ط ٍ���ل‬
‫مي����ش����ي إل�������ى م���س���ت‬
‫ح���ت���ى إذا أم���ك���ن���ا س��ي��ف��ي��ه��م��ا ام��ت��ص��ع��ا‬
‫ك ٌّ‬
‫مِ����اض����ي احل������ ِّد ذي ش��ط ٍ��ب‬
‫�����ل َي����� ُن�����و ُء ب‬
‫ِ‬
‫����ي����اق ُ‬
‫����ل ع����ن ُد ِّر ِّي�����������ه ال��ط��ب��ع��ا‬
‫ال����ص‬
‫ج��ل�ا‬
‫َّ‬
‫����ف ِ‬
‫امل�������وت ح���ت���ى اش����ت ّ‬
‫آخ������ر ُه‬
‫ح��اس��ي��ت��ه‬
‫َ‬
‫ف����م����ا اس�����ت�����ك�����انَ مل�����ا الق�������ى وال ج���زع���ا‬
‫اب ُم���خ���م���ل���ة‬
‫ك�����������أنّ ِل‬
‫َّ‬
‫������ـ������م������تَ������ ُه هُ ������������������ ّد ُ‬
‫ُ‬
‫أزرق ل�����م َي���ش���م���ط وق������د ص��ل��ع��ا‬
‫أح��������� ُّم‬
‫وإن ي����ك����نْ أرط������ب������ونُ ال��������روم َق َّ‬
‫��ط��ع��ه��ا‬
‫ف���������إنّ ف���ي���ه���ا ب����ح����م ِ‬
‫����د ال�����ل�����ه ُم��� ْن���ت���ف���ع���ا‬
‫‪- 22 -‬‬
‫وم ق َّ‬
‫��ط��ع��ه��ا‬
‫ف�������إنْ ي����ك����نْ أرط������ب������ونُ ال����������� ّر ِ‬
‫ت������رك������ت ب����ه����ا أوص�������ال�������ه ِق���ط���ع���ا‬
‫ف����ق����د‬
‫ُ‬
‫َب�����ن�����ا َن�����ت ِ‬
‫ج���������ذم���������و ًرا ُأق������ي������ ُم ب��ه��ا‬
‫َ��ت��ن ُو‬
‫ُ‬
‫�������در ال����ق����ن ِ‬
‫����اة إذا م����ا آن����س����وا َف���� َزع����ا‬
‫ص َ‬
‫القصيدة تعبر عن موقف إنساني نادر تعرض له الفارس العربي املجاهد وبارز‬
‫يفت من عضده ولم‬
‫القائد الرومي وأبلى بالء حسنًا حتى فقد يده اليمنى ولكن ذلك لم ّ‬
‫يفقده جلده وإميانه‪.‬‬
‫وقد اتسعت الفتوحات العربية في عهد الدولة األموية حتى وصلت اجليوش‬
‫العربية إلى مملكة الصني وبلغت سمرقند والصغد وما وراء خراسان وبرزت صورة‬
‫الترك بوصفهم أعداء العرب‪ ،‬ووصف الشاعر ثابت قطنة ظفر العرب بالترك في إحدى‬
‫املعارك مشير ًَا إلى ما جاء في احلديث الشريف‪« :‬كأنكم بالترك وقد جاءتكم على‬
‫براذين مخذمة اآلذان» فقال يفتخر بالنيل من ملك الترك أو أحد عظمائهم الذي يلقبه‬
‫(((‬
‫بـ «امللك الهمام»‬
‫مَ���ي���م‬
‫َف����������� َد ْت َن���ف���س���ي َف‬
‫ِ‬
‫��������������وار َ‬
‫س ِم������ن ت ٍ‬
‫ض����� ِّن ِ‬
‫وع ف�����ي َ‬
‫���ق���ام‬
‫�����ك‬
‫َغ����������دا َة‬
‫َ‬
‫ال�����������ر ِ‬
‫ال���ـ���م ِ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫�����ري�����ك‬
‫������ي������س َل���������� ُه َش‬
‫َف������� َل�������وال ال������� َل������� ُه َل‬
‫َ‬
‫����م����ل ِ‬
‫َو َ‬
‫����ام‬
‫ض������رب������ي َق‬
‫����ك ال ُ‬
‫�����ون�����س ال����ـ َ‬
‫����ه����م ِ‬
‫َ‬
‫ث��������ار‬
‫�����ت ِن������س������ا ُء َب����� ّن�����ي َد‬
‫�����ع ْ‬
‫�����س َ‬
‫ٍ‬
‫ِإ َذن َل َ‬
‫ب���������اد َي��������� َة ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������������دام‬
‫اخل‬
‫��������رك‬
‫َأم��������������ا َم ال�������� ُّت‬
‫ِ‬
‫وتتردد صورة (الترك) وقد انهزموا وولوا األدبار وكان قائد اجليش العربي في‬
‫(((‬
‫تلك املعركة هو «سعيد احلرشي» وتغنى الشعراء بهزمية الترك فقال أحدهم‪:‬‬
‫األخ������م������اس‬
‫إذا س����ع����ي���� ُد س��������ار ف������ي‬
‫ِ‬
‫ف���������ي ره������������ج ٍ ي�����������أخ����������� ُذ ب������األن������ف������اس‬
‫((( تاريخ الطبري ‪.163 :8‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.169 :8‬‬
‫‪- 23 -‬‬
‫دارت ع����ل����ى ال�������ت ِ‬
‫أم����������� ُّر ال����ك����اس‬
‫�������رك َ‬
‫ُ‬
‫���������رك ع�����ل�����ى األح����ل����اس‬
‫وط�������������ارت ال��������� ّت‬
‫و َّل���������������وا ف������������������را ًرا ع َّ‬
‫�������ط�������ل ال�����ق�����ي�����اس‬
‫والقصيدة تعبر عن موقف إنساني نادر تعرض له الفارس العربي املجاهد وبارز‬
‫يفت من عضده ولم‬
‫القائد الرومي وأبلى بالء حسنًا حتى فقد يده اليمنى ولكن ذلك لم ّ‬
‫يفقده جلده وإميانه‪.‬‬
‫وب��رزت ص��ورة (خاقان) ملك الترك والقائد التركي(نيالن) ويصف الشرعبي‬
‫الطائي أحد من كانوا يحاربون في اجليش العربي ‪ -‬ما كان يالقيه اجلند من أهوال‬
‫وهم منقطعون في تلك البقاع البعيدة ويصور بأس الترك وقوتهم وانخذال العرب‬
‫أمامهم فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ت�������ذك�������رت ه������ن������ ًدا ف������ي ب����ل���اد غ����ري����ب ٍ����ة‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م��ج��م��ع‬
‫ل������ك ش�����و ًق�����ا ه�����ل ل���ش���م���ل���ك‬
‫ف���ي���ا‬
‫ُ‬
‫������اس ب���ي���ن���ي وب��ي��ن��ه��ا‬
‫ت����ذكَّ ����ر ُت����ه����ا وال������ش ُ‬
‫ِ‬
‫ع������ص������ام وامل�����ن�����اي�����ا ت��ط��ل��ع‬
‫��������ب‬
‫وش ْ‬
‫��������ع ُ‬
‫ٍ‬
‫ب�����ل����ا ٌد ب����ه����ا خ�������اق�������انُ ج�������� ٌّم زح������و ُف������ ُه‬
‫ون������ي���ل��ان ف������ي س����ب����ع��ي�ن أل������ ًف������ا م��ق��ن��ع‬
‫وس�����������ارت ج�����ن�����و ُد ُه‬
‫دب خ������اق������انُ‬
‫ْ‬
‫إذا َّ‬
‫أت�����تْ�����ن�����ا امل�����ن�����اي�����ا ع����ن����د ذل��������ك ت���ش���رع‬
‫وكان األمويون يجاهدون لتأمني حدودهم من ناحية‪ ،‬ونشر اإلسالم خارج حدودهم‬
‫من ناحية أخرى‪ ،‬فكانوا يغزون ثغور الروم في ما ُيعرف بـ»الصوائف» ووصلت طالئعهم‬
‫اً‬
‫سجال بني العرب وال��روم‪ ،‬ويصف‬
‫إلى أنطاكية وح��دود القسطنطينية‪ ،‬وكانت احل��رب‬
‫النابغة الشيباني حصار اجليش العربي ملدينة (طرندة) الرومية بقيادة مسلمة بن عبدامللك‬
‫وانتهاء هذا احلصار بسقوط املدينة فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫((( تاريخ الطبري ‪.95 :8‬‬
‫((( ديوان النابغة الشيباني‪.51 :‬‬
‫‪- 24 -‬‬
‫واب ٌ‬
‫��������ر ٌد‬
‫�����������ل َب ِ‬
‫��������رن�������� َد َة ِم�����ن����� ُه ِ‬
‫َأخ���������زى ُط َ‬
‫ُ‬
‫اجل�����وف‬
‫������ع������ َّز ُل‬
‫َو َع����س����ك���� ٌر َل�����م تَ����� ُق�����د ُه ال ُ‬
‫م���ا َ‬
‫ال��ـ��م��ي��م��ونُ َي��ح��ص�� ُره��ا‬
‫زال َم��س��ل��م�� ُة‬
‫َ‬
‫َورك���� ُن����ه����ا ِب ِ‬
‫ُ‬
‫����ق����ذوف‬
‫����ر َم‬
‫����ص����خ ِ‬
‫����ث����ق����الِ ال َّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫����ب‬
‫ح����اط����ت ِب���ه���ا َأ‬
‫َو َق������د َأ‬
‫ب����ط����ال ذي لجَ َ ٍ‬
‫أس ال��� َّن���خ��� َل ِ‬
‫���ة ال��� ِّل���ي ُ‬
‫َ‬
‫���ف‬
‫كَ���م���ا َأ‬
‫���������ر ِ‬
‫ح��������اط ِب َ‬
‫ُ�����ل ن ِ‬
‫����وره����ا ِم����ن ك ِّ‬
‫���اح��� َي ٍ���ة‬
‫َح���تّ���ى َع���� َل����وا س َ‬
‫����و َم���ل���ه ُ‬
‫���وف‬
‫َوح��������انَ َم�����ن ك������انَ ف��ي��ه��ا َف ْ‬
‫����ه َ‬
‫����ب‬
‫ن َم‬
‫َف���� َأه���� ُل����ه����ا َب����ي��� َ‬
‫ٍ‬
‫����ق����ت����ول َو ُم����س����تَ���� َل ٍ‬
‫�����ق ف����ي ال ِ‬
‫�����ق����� ِّد َم���ك���ت ُ‬
‫�����ه����� ُم ُم�����و َث ٌ‬
‫���وف‬
‫َو ِم�����ن ُ‬
‫وقد اتخذ الصراع بني العرب والروم أبعا ًدا أعمق في العصر العباسي وتبارى‬
‫الشعراء في تصوير هذا الصراع ووصفوا معارك الثغور التي احتدمت بني اجلانبني‪،‬‬
‫وص َّوروا هزائم الروم وفرار بعض قوادهم‪ ،‬وجند حضو ًرا مكث ًفا للروم في شعر ثالثة‬
‫من كبار شعراء العصر العباسي‪ :‬أبي متام واملتنبي وأب��ي ف��راس احلمداني وهو ما‬
‫سنتناوله بالتفصيل‪:‬‬
‫صور الروم في شعر أبي متام‪:‬‬
‫ُق ِّدر ألبي متام أن يعاصر اخلالفة العباسية في عصرها الذهبي‪ ،‬فكانت من القوة‬
‫واملنعة مبكان‪ ،‬حتى بسطت سلطانها على بالد كثيرة‪ ،‬وصارت دولة مرهوبة اجلانب‪ ،‬وقد‬
‫احتدم الصراع بني العرب والروم آنذاك وكثرت معارك الثغور وغزوات العرب في أرض‬
‫الروم وإحلاق الهزمية بهم في وقائع كثيرة مما ألهب خيال الشعراء ومنهم أبو متام الذي‬
‫«وثق با ًبا جدي ًدا في الشعر العربي هو شعر احلرب‪ ،‬وفتق في نطاق املوضوع معاني‬
‫مستحدثة لم تعرف من قبل»(((‪.‬‬
‫((( الشعر والشعراء في العصر العباسي‪ ،‬د‪ .‬مصطفى الشكعة‪.669 :‬‬
‫‪- 25 -‬‬
‫ولعل أول شعر قاله أبو متام في تصوير الصراع بني العرب والروم قصيدته التي‬
‫صور فيها معركة خاضها املأمون ضد الروم وفتح فيها حصن قرة‪ ،‬وقد وصف فيها‬
‫قوة جيش املأمون وكثرة عدده حتى لقد مأل الفضاء بحيث ال يستطيع املرء أن يدرك أوله‬
‫(((‬
‫من آخره‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���ب َذي َ‬
‫���ش س���ا َق��� ُه‬
‫���ه���ض َ‬
‫َف��� َن َ‬
‫������ل َج���ي ٍ‬
‫���ح ُ‬
‫���ت تَ���س َ‬
‫��ي��ن َوق����������������ا َد ُه ا ِإلق������������دا ُم‬
‫ُح������س������نُ ال����� َي�����ق ِ‬
‫�����������ب تَ���������رى ُس اّ‬
‫���ّل��� َف������� ُه‬
‫�����ر لجَ ِ‬
‫�����ع�����ن ِ‬
‫ُم����� ْث َ‬
‫�����ج ٍ‬
‫ٍ‬
‫(((‬
‫�����ر ِق ال���� َف����ض ِ‬
‫ب�����ن َ‬
‫����اء ِزح��������ام‬
‫�����خ ِ‬
‫َو َل ُ‬
‫�����ه�����م مِ ُ‬
‫َم���ل�� َ‬
‫���م�ل�ا ُع���ص��� ًب���ا َف����ك����ا َد ِب������� َأن ُي����رى‬
‫أ ال���ـ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ف������ي������ه َوال َل����������� ُه ُق�������������� ّدا ُم‬
‫�������ل�������ف‬
‫ال َخ‬
‫���������ق ا َألي ِ‬
‫ِ‬
‫��������اط��������لِ ُش�������� َّز ٍب‬
‫������س‬
‫������م لحُ ُ ِ‬
‫ِب َ‬
‫������واه ٍ‬
‫س������������������راج َوا ِإلجل����������������ا ُم‬
‫تَ����ع����ل����ي���� ُق����ه����ا ا ِإل‬
‫ُ‬
‫وينتقل أبو متام إلى وصف املعركة الدامية معب ًرا بالصورة املجسدة عن شراستها‬
‫واحتدامها‪ ،‬ويتكيء على االستعارة في تشخيص (املعنوي) ويومئ إلى املعاني الدينية‪،‬‬
‫شخصا مفط ًرا يلتهم األرواح‪،‬‬
‫فيستدعي صورة الصيام ونقيضها حيث يتخيل املوت‬
‫ً‬
‫بينما الفرسان مشغولون بالقتال‪ ،‬صائمون عن األكل والشراب حتى جاءت البشرى‬
‫بالنصر وسيق ملوكهم وقوادهم إلى املأمون أسرى أذالء وتشتت جنود الروم بني صرعى‬
‫(((‬
‫وجرحى‪ .‬يقول أبو متام‪:‬‬
‫���ض���ت ال��������رو َم ِم����ن َ‬
‫ق���ع ٍ���ة‬
‫َح����تّ����ى َن��� َق‬
‫َ‬
‫���و َ‬
‫����ك ِب َ‬
‫�����ي�����س ِل���� َن����ق ِ‬
‫����ض����ه����ا ِإب����������را ُم‬
‫َش�����ن�����ع�����ا َء َل‬
‫َ‬
‫���م ِ‬
‫������ع������ر ٍك َأ ّم���������ا ِ‬
‫���ف���ط��� ٌر‬
‫ف�����ي َم‬
‫احل������م������ا ُم َف ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ�����ي�����ه َوال�������كُ �������م�������ا ُة ِص�����ي�����ا ُم‬
‫�����وت‬
‫ف�����ي هَ ����� ْب َ‬
‫((( ديوان أبي متام‪ ،‬حتقيق د‪ .‬محمد عبده عزام ‪.157-156 :3‬‬
‫((( مثعنجر‪ :‬استعارة من السيل واملطر‪ ،‬يقال اثعنجر السيل واملطر إذا جاء بكثرة‪ .‬والسالف‪ :‬الذين يتقدمون‬
‫اجليش‪.‬‬
‫((( ديوان أبي متام ‪.157-156 :3‬‬
‫‪- 26 -‬‬
‫�������رب ُي����ق ِ‬
‫���������ر َم ُك ِّ‬
‫َوال ّ‬
‫�������ل كَ���ت���ي��� َب ٍ���ة‬
‫�������ض ُ‬
‫����ع���� ُد َق ْ‬
‫����ض����ري���� َب ِ‬
‫ُ‬
‫����ة َو ُ‬
‫�������رس ال َّ‬
‫�������وف ِق���ي���ا ُم‬
‫احل������� ُت‬
‫َش‬
‫َ‬
‫���ع���هِ ���م ف���ي ِ‬
‫���������رو َة َج���م ِ‬
‫���ه َو َق�����د‬
‫���ت ُع‬
‫���ص���م َ‬
‫َ‬
‫َف��� َف َ‬
‫����ص���� ُم َع�����ن ُع�����راه�����ا ال����ه����ا ُم‬
‫����ع���� َل ْ‬
‫َج َ‬
‫����ت تَ���� َف َّ‬
‫����ت‬
‫َأل�����ق�����وا ِدال ًء ف����ي ُب‬
‫ِ‬
‫����م ْ‬
‫������ح������ور َك َأس���� َل َ‬
‫(((‬
‫َ�����رع ِ‬
‫َوا َألوذا ُم‬
‫ك��������������راب‬
‫�����ات�����ه�����ا ا َأل‬
‫ُ‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫���ش���ه ٍ���د‬
‫��������راك َف������������و َز ُة َم‬
‫����ل���إش‬
‫م�����ا ك��������انَ ِل ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن���������������ت َوا ِإلس�������ل�������ا ُم‬
‫ف�����ي�����ه َو َأ‬
‫َوال��������� َل��������� ُه‬
‫َ‬
‫َ��������ه�������� ُم ُت�������س ُ‬
‫����وكُ����ه����م‬
‫�������اق ُم����ل‬
‫ُ‬
‫لمَ ّ���������ا َر َأي��������ت ُ‬
‫ِح�������� َز ًق��������ا ِإ َل��������ي َ‬
‫��������ه�������� ْم َأن������ع������ا ُم‬
‫��������ك كَ�������� َأ َّن ُ‬
‫َج����رح����ى ِإل������ى َج����رح����ى كَ�������� َأنَّ ُج����ل����و َدهُ ���� ْم‬
‫َّ‬
‫ال���������ع اّ‬
‫����ّل���� ُم‬
‫ال�����ش����� ّي�����انُ َو‬
‫ُي���ط���ل���ى ِب����ه����ا‬
‫ُ‬
‫���اق���ط���ي َو َر ِق ال ِ‬
‫ُم���تَ���س ِ‬
‫����ه���� ْم‬
‫����اب كَ���� َأ َّن ُ‬
‫����ث����ي ِ‬
‫ِ‬
‫ح���������د َث ف����ي����هِ ����م ا ِإلح������������را ُم‬
‫دان�����������وا َف��������� ُأ‬
‫(((‬
‫م�������ت َس����ي���� َف َ‬
‫����ك َغ������ر َب������ ُه َو ُذب�������ا َب������� ُه‬
‫ك�������ر‬
‫َ‬
‫َأ َ‬
‫�����س�����ي ِ‬
‫َّ‬
‫�����ف َ‬
‫�����ك ا ِإلك������������را ُم‬
‫����ن����ه����م َو ُح‬
‫َع‬
‫ُ‬
‫������������ق ِل َ‬
‫����م ِ‬
‫����ب‬
‫�����������ر َد َ‬
‫����وت َوهْ َ‬
‫����ركَّ ٌ‬
‫دت َح������ َّد ال����ـ َ‬
‫��������و ُم َ‬
‫َف َ‬
‫�������������و ُزؤا ُم‬
‫ف������ي َح������������� ِّد ِه َف���������ارتَ��������� َّد َوهْ‬
‫َ‬
‫هكذا تبدو صورة ال��روم وهم أذالء صاغرون وقد تب َّدد شملهم ووقعوا بني قتيل‬
‫وأسير وجريح وقد متزقت ثيابهم وغطت الدماء أجسادهم وجترعوا م��رارة الهزمية‪.‬‬
‫وقد رأى أبو متام أن الصراع بني العرب والروم صراع ديني يقوم على ثنائية (اإلميان‬
‫مقابل الشرك) ولم تخل القطعة من صنعة أبي متام والعناية بالتشخيص من خالل أبنية‬
‫االستعارة والتشبيه‪.‬‬
‫((( حوض ترع أي مملوء‪ ،‬والوذم‪ :‬سير من جلد أو نحوه والكرب‪ :‬خيط مفتول‪ ،‬واملعنى أنهم كادوك برأي خانهم‬
‫كما خانت هذه الدالء اململوءة أوذامها وأكرابها‪.‬‬
‫((( الشيان‪ :‬دم األخوين‪ ،‬والعالم‪ :‬احلناء‪ ،‬وفيه قلب‪ ،‬أراد تطلى بالشيان والعالم‪.‬‬
‫‪- 27 -‬‬
‫ونشهد صورة أخرى النسحاب الروم أمام اجليش العربي بقيادة أبي سعيد محمد‬
‫بن يوسف الثغري وهو من أبرز القواد الذين أبلوا بالء حسنًا في الصراع بني العرب‬
‫والروم وفي معارك الثغور بصفة خاصة وقد «أمضى أيامه منذ واله املعتصم على أرمينية‬
‫(((‬
‫سنة ‪220‬ه�ـ إلى موته في خالفة املتوكل سنة ‪237‬ه�ـ يبني احلصون ويقاتل ال��روم»‬
‫ويتغنى أبو متام بشجاعة هذا القائد العربي املظفر فيصف غزوه للروم وتوغله في ديارهم‬
‫وهو يقود اجلياد القوية التي تشبه الصقور في سرعتها وانقضاضها على األعداء بقرى‬
‫( َد َر ْول َية) وقد مضى بجنده وخيله كاإلعصار املدمر حتى حاصر أسوار (القسطنطينية)‬
‫وأضرم النيران حول قراها وأفزع الروم في (اخلليج) يقصد (خليج البسفور)‪ .‬ومع أنه‬
‫لم يحاصره إال أن أهلها باتوا في رعب وفزع حني رأوا شرر النيران التي يستضيء بها‬
‫العسكر خلف اخلليج‪ ،‬فصاروا يشعرون أنهم مطوقون محاصرون‪ .‬وإن لم يحصروا‪،‬‬
‫(((‬
‫خو ًفا من بطش أبي سعيد وانتقامه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ج������������اد ٌل‬
‫�������ه�������نَّ َأ‬
‫ُق‬
‫َ‬
‫اجل�������ي�������ا َد كَ������� َأ َّن ُ‬
‫����������دت ِ‬
‫ِب�������� ُق��������رى َد َرو ِل������������� َي ٍ‬
‫�������������ة َل������ه������ا َأوك�������������ا ُر‬
‫���ع َق��س َ‬
‫��ط�� ِل��ه��ا َع��ل��ى‬
‫َح���تّ���ى ال���تَ���وى ِم����ن َن���ق ِ‬
‫ح����ي����ط����انِ ُق����س َ‬
‫����ط����ن����ط����ي���� َن���� َة ا ِإلع������ص������ا ُر‬
‫دون َ‬
‫����ج لأِ َه��� ِل���ه���ا‬
‫�����������دت ِم�����ن‬
‫َأو َق‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫اخل����ل����ي ِ‬
‫َ‬
‫�����ل�����ف َ‬
‫�����ج َش��������را ُر‬
‫ن����������ا ًرا َل����ه����ا َخ‬
‫اخل�����ل�����ي ِ‬
‫ِإلاّ تَ����كُ����ن ُح ِ‬
‫�����ر ْت َف���� َق����د َأض����ح����ى َل��ه��ا‬
‫�����ص َ‬
‫ق�����ار َع ِ‬
‫�����ة ِ‬
‫ِ‬
‫�����ار ِح���ص���ا ُر‬
‫�������وف‬
‫ِم�����ن َخ‬
‫احل�����ص ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ك َ‬
‫����او َع����ت َ‬
‫����ي����ل َل�����م تَ���ق��� ُف ْ‬
‫���ل ِب��ه��ا‬
‫اخل‬
‫َل�����و ط َ‬
‫ِ‬
‫َوال������ ُق������ف ُ‬
‫ف����ي����ه َش����� ًب�����ا َوال ِم����س����م����ا ُر‬
‫������ل‬
‫ويصف أبو متام حال الروم حني غزاهم أبو سعيد‪ ،‬فقد أدركوا أنهم عاجزون أمامه‪،‬‬
‫فدفعهم اجلنب واخلوف إلى الفرار‪ ،‬فكان فرارهم عذ ًرا‪ ،‬ولكن ذلك لم ينفعهم أو ينجيهم‬
‫((( احلدود اإلسالمية البيزنطية‪،‬د‪ .‬فتحي عثمان ‪.289 :3‬‬
‫((( ديوان أبي متام ‪.169 :2 :‬‬
‫‪- 28 -‬‬
‫من نار الوغى وبأس جيش أبي سعيد اجلرار فخشعوا لصولته وقد اشتدت وطأة حوافر‬
‫اخليل التي تضرب األرض فصارت تصيح كما تخور البقر ألنها ال تستطيع أن تقلهم‬
‫لثقلهم عليها‪ ،‬وقد عرف أبو سعيد وجيشه الطريق جي ًدا‪ ،‬فإن غزا مبك ًرا أرشدته األماكن‬
‫واجلبال املرتفعة التي عليها األعالم‪ ،‬وإن سرى ليلاً اهتدى بالنجوم وهم مصممون على‬
‫(((‬
‫الوصول إلى أهدافهم في بالد الروم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫������وك تَ������واكَ������ل َ‬
‫ل���ـ���م���ا َل������ق َ‬
‫������وك َو َأع������������� َذروا‬
‫ّ‬
‫���ع���ه��� ُم ا ِإلع��������������ذا ُر‬
‫�������ر ًب�������ا‪َ ،‬ف����� َل�����م َي���ن��� َف ُ‬
‫هَ َ‬
‫غ�������ى ُت َ‬
‫����ه����ن َ‬
‫����ب َوه������ا هُ ��ن��ا‬
‫����اك ن������ا ُر َو‬
‫َف ُ‬
‫����ش ُّ‬
‫ً‬
‫(((‬
‫ٌ‬
‫������ي������ش َل���������� ُه لجَ َ‬
‫������������ب َو َث�������������� َّم ُم�����غ�����ا ُر‬
‫َج‬
‫ٌ‬
‫َخ َ‬
‫���ص���و َل ِ���ت َ‬
‫����ي ِع��ن�� َدهُ �� ْم‬
‫��ش��ع��وا ِل َ‬
‫���ك ا َّل���ت���ي ِه َ‬
‫ِ‬
‫�����م ِ‬
‫ف����ي����ه ع�����ا ُر‬
‫�����ي�����س‬
‫�����وت َي�����أت�����ي َل‬
‫كَ�����ال�����ـ َ‬
‫َ‬
‫روب ِإ َل����ي����هِ ���� ُم‬
‫����ص����ل َ‬
‫����ت ِم�������نَ ال����������� ُد ِ‬
‫ل���ـ َّ‬
‫���م���ا َف َ‬
‫��������ر ٍم ِل�������ل������ َ‬
‫رض ِم�����ن����� ُه ُخ���������وا ُر‬
‫أ ِ‬
‫ِب َ‬
‫��������ر ْم َ‬
‫��������ع َ‬
‫���ر ُت ِ‬
‫ِإن َي���ب���ت ِ‬
‫���ص���وى‬
‫������رش������ ْد ُه َأع����ل���ا ُم ال ُّ‬
‫َ���ك ْ‬
‫اً‬
‫�����ي��ًل�� َف�����ال����� ُّن�����ج�����و ُم َم����ن����ا ُر‬
‫�����س�����ر َل‬
‫َأو َي‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����ه���� ْم‬
‫َف‬
‫�����م����� ُة ال���� َب����ي����ض����ا ُء م����ي����ع����ا ٌد َل ُ‬
‫�����احل َّ‬
‫ُ‬
‫�����ف�����ل َح������تْ������ ٌم َو َ‬
‫�����ل�����ي�����ج ِش����ع����ا ُر‬
‫اخل‬
‫َوال����� ُق‬
‫ُ‬
‫ويف ُّ‬
‫نت أبو متام في تصوير احلالة النفسية للروم وما أصابهم من خوف ورعب‪ ،‬فقد‬
‫أدركوا أن غزو أبي سعيد لهم يعنى هالكهم واجتثاثهم واستئصال شأفتهم‪ ،‬وقد ظهرت‬
‫همسا ونداؤهم باإلشارة‪ ،‬وحديثهم أو تناجيهم س ًّرا‬
‫مالمح الرعب عليهم فصار مشيهم‬
‫ً‬
‫خو ًفا من بطش أبي سعيد وانتقامه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫َ���م���ث��� ِل ِ‬
‫������زو ك�������انَ ك ِ‬
‫َع���� ِل����م����وا ِب���������� َأنَّ ال َ‬
‫���ه‬
‫������غ َ‬
‫َ‬
‫�����������زوا َو َأنَّ ال َ‬
‫�����ن�����ك َب��������وا ُر‬
‫�������زو ِم‬
‫َغ‬
‫ً‬
‫�������غ َ‬
‫((( ديوان أبي متام ‪.171-170 :2‬‬
‫((( تواكلوك‪ :‬أي تواكلوا نحوك‪ ،‬أي فزعوا منك ووقف كل واحد منهم خلف اآلخر‪.‬‬
‫‪- 29 -‬‬
‫����س َو ِ‬
‫���������ار ٌة‬
‫َف���ال���ـ َ‬
‫���ي هَ ����م ٌ‬
‫ال�������ن�������دا ُء ِإش َ‬
‫���م���ش ُ‬
‫����ت����ق ِ‬
‫��������وف ِان ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫����ك َو َ‬
‫����ام َ‬
‫������دي������ث ِس������را ُر‬
‫احل‬
‫َخ‬
‫ويتحول أبو متام بخطابه إلى (منويل) قائد الروم‪ ،‬فيسخر من جبنه وما َّ‬
‫حل به من‬
‫ذعر حتى ليتمنى لو أن كل مدينة صارت جبلاً مني ًعا يحتمي به‪ ،‬وكل حصن أصبح غاد ًرا‬
‫يختبئ فيه‪ ،‬ولكن أبا متام ميعن في ترويعه وتخويفه مؤك ًدا له أنه لن يكون مبنجاة من‬
‫بطش أبي سعيد‪ ،‬فإن بقاءه في مكانه ش ُّر له وأصعب عليه من الفرار‪ ،‬فهو مقضي عليه‬
‫(((‬
‫ال محالة‪ ،‬وقد جاء وقت االنتقام حيث يرى عجاج املوت وتسد آذانه جلبة املعركة‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ُ‬
‫«م�����ن�����وي َ‬
‫ط�����������راف ال��� َق���ن���ا‬
‫�����ل» َأ‬
‫ِإلاّ تَ���� َن����ل َ‬
‫َأو ُت����ث����نَ َع����ن���� ُه ال���ب���ي ُ‬
‫ه�������ي ِح������را ُر‬
‫���ض َو‬
‫َ‬
‫َف����� َل����� َق�����د مَتَ������� ّن�������ى َأنَّ كُ َّ‬
‫����������ل َم�����دي����� َن ٍ‬
‫�����ة‬
‫َج������� َب ٌ‬
‫َّ‬
‫ص������������� ُّم َوكُ‬
‫������ن غ������ا ُر‬
‫�������������ل ِح������ص ٍ‬
‫�������ل َأ َ‬
‫ِإلاّ ت ِ‬
‫������م������ت َو َق���������د َر َأ ْت‬
‫َ�����ف����� َّر َف����� َق�����د َأ َق‬
‫َ‬
‫�����������ر ِب كَ�����ي َ‬
‫����اك ِق���������� ْد َر َ‬
‫َع����ي����ن َ‬
‫�����ف ُت����ف����ا ُر‬
‫احل ْ‬
‫����ث تَ���س���ت ِ‬
‫ف����ي َح����ي ُ‬
‫����ر ِإذا َع�ل�ا‬
‫���ع ال َ‬
‫َ���م ُ‬
‫����ه����ري َ‬
‫ح��ي��ن ُي����ث����ا ُر‬
‫�����و ِت‬
‫َ‬
‫�����م ْ‬
‫�����اج ال�����ـ َ‬
‫َوتَ���������رى َع�����ج َ‬
‫َف����ان ُ‬
‫����اع ٍ‬
‫���م���نْ‬
‫��ي��ن َش����ج َ‬
‫����ر ِب َ‬
‫�����ع ِ‬
‫����ة َف��� َل���تَ���ع��� َل َ‬
‫����ظ ْ‬
‫ُ‬
‫�����ت ِف��������را ُر‬
‫����ح‬
‫َأنَّ‬
‫����ي����ث ُك�����ن َ‬
‫ُ‬
‫ال����ـ����م����ق����ا َم ِب َ‬
‫ويصور أبو متام قائد الروم وهو في موقف الذل واخليبة في تهكم الذع وسخرية‬
‫مرة فإذا رأي فلول جيشه املنهزم وقد جاءوا يشكون إليه ما حل بهم من هزمية لم يكن‬
‫عنده مدد ميدهم به إال البكاء الغزير وتعزيتهم بضرب األمثال التي تنطوي على املذلة نحو‬
‫(((‬
‫(الصبر أجمل وال مهرب من القضاء واملقدور كائن وبعض الشر أهون من بعض) يقول‪:‬‬
‫����م����ا َأتَ�������ت َ‬
‫َ������ه������ ْم‬
‫����ه����م َأم������ َددت ُ‬
‫�������ك ُف����ل����و ُل ُ‬
‫ل����ـ ّ‬
‫ِ‬
‫ه���������ي ِغ�������زا ُر‬
‫�����رات َو‬
‫ال�����ع����� َب‬
‫�����ق‬
‫�����س‬
‫�����واب ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِب َ‬
‫َ‬
‫((( ديوانه ‪.172-171 :2‬‬
‫((( ديوانه ‪.172-171 :2‬‬
‫‪- 30 -‬‬
‫������ت َأم�����ث َ‬
‫َو َ‬
‫�����ال ال���� َّذل����ي����لِ َو َق�������د تَ����رى‬
‫������رب َ‬
‫ض َ‬
‫ذاك ال����� َّن����� ْق ُ‬
‫َ‬
‫�����ض َوا ِإل ْم��������������را ُر‬
‫�����ر‬
‫َأن َغ�����ي َ‬
‫���س��� َّل ٌ‬
‫ج�����م ُ‬
‫���ط‬
‫����ص����ب���� ُر َأ‬
‫ال َّ‬
‫َ‬
‫�����ل َوال����� َق�����ض�����ا ُء ُم َ‬
‫�������ش������� ُّر ف����ي ِ‬
‫�������وا ِب ِ‬
‫�������ه َوال َّ‬
‫َ‬
‫����ه ِخ����ي����ا ُر‬
‫َف‬
‫�������ارض ْ‬
‫وميضي أبو متام في خطابه لقائد ال��روم (منويل) قائلاً ‪ :‬هيهات لك الفرار فقد‬
‫جاذب أعنة خيولكم فارس مغوار‪ ،‬فقد جذبتموها لتهربوا‪ ،‬وجذبها هو فغلبكم‪ ،‬فإذا حثثتم‬
‫خيولكم على السير الشديد فعل املنهزم منعكم أبو سعيد ومضى في طلبك ولو اعترض‬
‫دونك له النار القتحمها بنفسه ولم يحجم إال أن تعترض نار جهنم فتحرقك بلظاها عقا ًبا‬
‫من الله حتى يثأر منك‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ب����اس ٌ‬
‫����ي����ه����ات ج�������ا َذ َب َ‬
‫����ل‬
‫�������ك ا َأل ِع�������� َّن�������� َة‬
‫هَ‬
‫َ‬
‫ُي����ع����ط����ي ا َأل ِس��������� َّن��������� َة ك َّ‬
‫ُ���������ل م�����ا تَ����خ����ت����ا ُر‬
‫����ار دو َن َ‬
‫�������ك خ َ‬
‫��اض��ه��ا‬
‫َف َ‬
‫���م���ض���ى َل����و انَّ ال����ن َ‬
‫�����س����� ْي ِ‬
‫�����ف ِإلاّ َأن َت������ك������ونَ ال�����ن�����ا ُر‬
‫ِب�����ال َّ‬
‫احل ُّ‬
‫�������ؤوب َ‬
‫�������و ال��ـ ُ��م��ش��تَ��ف��ي‬
‫َح���تّ���ى َي‬
‫������ق َوهْ َ‬
‫َ‬
‫������ن ف�����ي�����كُ ����� ْم ث������ا ُر‬
‫ِم�����ن�����كُ�����م َوم���������ا ِل������ل������ ِّدي ِ‬
‫ويرى أبو متام أن البطولة جتسدت في هذا القائد املغوار‪ ،‬فيرسم ‪ -‬من خالله ‪ -‬صورة‬
‫البطل الشجاع الذي يحمي الثغور ويبث الرعب في قلوب األعداء‪ ،‬ويقض مضاجعهم‪ ،‬وهو‬
‫يقظ دائ ًما يخافه املشركون وتعنو له جباه اجلبابرة‪ ،‬وهو في رباط أو جهاد دائم إما بالتوغل‬
‫في بالد الروم مجاه ًدا وغاز ًيا‪ ،‬وإما بإعمال الفكر فيما يذلهم ويكسر شوكتهم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫�����ح ع���ا ِل��� ًي���ا‬
‫���م���ا َح���� َل����ل َ‬
‫ل���ـ ّ‬
‫����ر َأص����� َب َ‬
‫����ت ال���� َث����غ َ‬
‫������روم ِم������ن َ‬
‫�����������وار ُج�����������وا ُر‬
‫اجل‬
‫ِل������ل‬
‫ِ‬
‫ذاك ِ‬
‫ِ‬
‫(((‬
‫َو ِاس��تَ��ي�� َق��ن��وا ِإذ ج َ‬
‫����اش َب���ح��� ُر َك َو ِارتَ���ق���ى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذاك ال������������� َّزا ُر‬
‫ذاك ال����� َّزئ�����ي����� ُر َو َع���������� َّز‬
‫(((‬
‫((( اجلوار (مخففة الهمزة)‪ :‬الضجيج أي عال ضجيجهم‪.‬‬
‫((( الزار (مخففة الهمز) من الزئير‪.‬‬
‫‪- 31 -‬‬
‫��س�� َن��ـ ِ��ن األول����ى‬
‫َأن َل���س َ‬
‫���ت ِن���ع��� َم اجل�����ا ُر ِل��ل ُّ‬
‫������س اجل��������ا ُر‬
‫ِإلاّ ِإذا م������ا ُك������ن َ‬
‫������ت ِب������ئ َ‬
‫َي ِ‬
‫�����ظ َي�����خ ُ‬
‫�����ق ٌ‬
‫����رك����ونَ َش�����ذاتَ����� ُه‬
‫����م����ش ِ‬
‫�����اف ال����ـ ُ‬
‫ِ‬
‫�������ع َي����ع����ن����و َل���������� ُه َ‬
‫اجل������� ّب�������ا ُر‬
‫ُم�������ت‬
‫َ�������واض ٌ‬
‫���������ل َرك ِ‬
‫ُذ ُل ٌ‬
‫�����ائ����� ُب����� ُه ِإذا م����ا ِاس�����ت َ‬
‫�����ر ْت‬
‫َ�����أخ َ‬
‫�������وم������� ُه َأس�������ف�������ا ُر‬
‫َأس������������ف������������ا ُر ُه َف ُ‬
‫�������ه�������م ُ‬
‫���ل���م ٍ���ة‬
‫َ������ب ا ِإل‬
‫هُ َ‬
‫س������ل�����ام َأ َّي���������� َة ُظ َ‬
‫�������و كَ������وك ُ‬
‫ِ‬
‫�����م ُّ‬
‫����ف����ر ف���ي���ه���ا را ُر‬
‫َي‬
‫�����خ ال����كُ ِ‬
‫ِ‬
‫������خ������ر ْق َف ُ‬
‫(((‬
‫�����ه����� ُم ِب َ‬
‫���خ���ي��� ِل َ‬
‫رت َأ َ‬
‫���وغ���ى‬
‫غ��������ا َد َ‬
‫رض ُ‬
‫���ك ف���ي ال َ‬
‫�����ع�����ه�����ا َل�����ه�����ا ِم����ض����م����ا ُر‬
‫َوكَ����������������� َأنَّ َأم����� َن َ‬
‫��������م��������ت ف���ي���ه���ا ِ‬
‫����ه��ًلً‬
‫َو َأ َق‬
‫َ����م ِّ‬
‫َ‬
‫واد ًع�������������ا ُم����ت َ‬
‫َ‬
‫�����������ك دا ُر‬
‫َح�������تّ�������ى َظ������ َن������ ّن������ا َأ َّن��������ه��������ا َل‬
‫ويصور أبو متام في قصيدة ملحمية هزمية أخرى للروم على يد القائد العربي‬
‫املظفر أبي سعيد الثغري في معركة «وادي عقرقس» حيث اجتاح اجليش العربي بعض‬
‫املدن الرومية مثل (درولية) و(فروق) ووصل إلى خليج البوسفور واقتحم بعض احلصون‬
‫واملواقع الرومية وقد أحرز نص ًرا مؤز ًرا وحاز من الغنائم ما لم يجده من قبل في معارك‬
‫بـ «مرو» في موضعني هما (ماشان) و(الزريق) ولوال أن خيله أعيت وك َّلت لواصل غزوه‬
‫حتى يصل إلى أقصى بالد ال��روم‪ ،‬يقول أبو متام مصو ًرا انطالق اخليول واقتحامها‬
‫(((‬
‫املدن الرومية‪:‬‬
‫�����ام����� َة ال َّ‬
‫����ض����واح����ي ِإل������ى َأن‬
‫َو ِط������ َئ ْ‬
‫������ت ه َ‬
‫������ب������ذوق‬
‫َأ َخ��������������� َذ ْت َح���� َّق����ه����ا ِم��������نَ ال������ َق‬
‫ِ‬
‫(((‬
‫((( استعار للكفر ً‬
‫مخا وجعله رارا‪ ،‬أي ذائ ًبا مثل مخ املهزول‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.435-434 :2‬‬
‫((( القبذوق‪ :‬مدينة رومية‪.‬‬
‫‪- 32 -‬‬
‫ُ‬
‫���ي���اط َح���تّ���ى ِإذا ِاس���تَ��� َّن���ـ‬
‫ال���س‬
‫���ه��� َب���تْ���ه���ا‬
‫َأل َ‬
‫ِّ‬
‫ِ‬
‫ط��ل�اق����ه����ا َع����ل����ى ال����� ّن َ‬
‫�����وق‬
‫������ت ِب���� ِإ‬
‫ـ ْ‬
‫�����اط�����ل ِ‬
‫(((‬
‫����ت‬
‫����م����ا ِاس����ت‬
‫َ����ب����اح ْ‬
‫َس���� َّن����ه����ا ُش������ َّز ًب������ا َف���� َل ّ‬
‫َ‬
‫ِب�����ال�����ب�����ق��ل��ار ك َّ‬
‫ن��������ي��������ق‬
‫������ه������ب َو‬
‫ُ����������ل َس‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫(((‬
‫����أس ُي��زج��ي‬
‫س�����ار ُم���س���تَ���ق ِ���د ًم���ا ِإل�����ى ال���� َب ِ‬
‫َ‬
‫�������ج�������ا ب ِ‬
‫������ق‬
‫�����اس����� ًق�����ا ِإل��������ى ا ِإلب������س������ي ِ‬
‫َرهَ ً‬
‫(((‬
‫ُث��������� َّم َأل������ق������ى َع�����ل�����ى َد َرو ِل����������� َي����������� َة ال���� َب����ر‬
‫�������ح ًّاً‬
‫َك ُم ِ‬
‫�����ق‬
‫���ًّل��� ِب�����ال����� ُي�����م ِ‬
‫�����ن َوال�����تَّ�����وف�����ي ِ‬
‫�������ح�������وى س�����و َق�����ه�����ا َوغ������������������ا َد َر ف��ي��ه��ا‬
‫َف َ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫����وق‬
‫�����ت َع���ل���ى‬
‫س������وق َم‬
‫�����م ْ‬
‫كُ������ل س ِ‬
‫�������وت َط َ‬
‫ال���س���ـ‬
‫������ق‬
‫������ه������ ُم‬
‫ه�������ارب�������ونَ َب����ي��� َ‬
‫ِ‬
‫َف ُ‬
‫ن َح������ري ِ‬
‫ْ‬
‫ـ���س ِ‬
‫�������ار َ‬
‫����ري����ق‬
‫احل‬
‫ص���ل��� ًت���ا َو َب َ‬
‫����ي����ن ن ِ‬
‫ِ‬
‫���ي���ف َ‬
‫َ‬
‫واج���������� ًدا ِب َ‬
‫�����ج����� ْد َق ْ‬
‫����ط‬
‫���اخل‬
‫���ل���ي���ج م����ا َل�����م َي ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫زي������ق‬
‫مِ��������ا ش����������انَ ال َوال ِب������ال������ َّر‬
‫ـ��������ط ب‬
‫ِ‬
‫����ر َع���ن��� ُه‬
‫����م����ق����ادي ِ‬
‫َل������م َي ُ‬
‫�����ع����� ْق����� ُه َب�����ع����� َد ال����ـ َ‬
‫ِ‬
‫ق�����ي�����ق‬
‫����ل���اد َر‬
‫ال��������ب‬
‫َغ������ي������ ُر ِس‬
‫������ت������ر ِم����������نَ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫�����ص ِ‬
‫َ�����ع ِ‬
‫�����ه ك��ا‬
‫�����������و انَّ‬
‫ِ‬
‫اجل������ي������ا َد َل������م ت ْ‬
‫َو َل َ‬
‫نَ َل������ َد ِ‬
‫�����ر ال���� َب����ع����ي ِ‬
‫���ق‬
‫���س���ح���ي ِ‬
‫����د ال َّ‬
‫ي������ه َغ�����ي َ‬
‫ويشير أبو متام إلى عظمة تلك املوقعة التي هزّت أصداؤها أرجاء (القسطنطينية)‬
‫عاصمة الروم وجعلت البطريق ملك الروم يستغيث ويستنجد بأنصاره دون جدوى وقد‬
‫كثر أسرى الروم وقتالهم‪ ،‬وقد جتلت عظمة القائد أبي سعيد وحسن إدارته للحرب إذ‬
‫((( الناطلوق‪ :‬منطقة األناضول‪.‬‬
‫((( البقالر‪ :‬في أرض الروم‪.‬‬
‫((( األبسيق ‪ :‬مدينة رومية‪.‬‬
‫‪- 33 -‬‬
‫يعلو صوته ساعة اجلد ويهدر كالفنيق في األمر والنهي‪ ،‬ويكرر أبو متام ما سبق أن ردده‬
‫من أنه كان باستطاعة أبي سعيد أن يتوغل إلى أبعد حدود الروم‪ ،‬لو ساعدته اخليل على‬
‫(((‬
‫بلوغ مرامه‪ ،‬فلم يكن صع ًبا عليه أن يواصل فتوحاته في تلك البالد يقول‪:‬‬
‫��������ت َم�����دي����� َن����� َة ُق���س َ‬
‫���ط��� ْن���ـ‬
‫ق������ع������ ٌة زَع��������ز ََع ْ‬
‫َو َ‬
‫��������روق‬
‫����ور َف‬
‫��������ت ِب����س ِ‬
‫ط��ي��ـ��نَ َح���تّ���ى ِارتجَ َّ ْ‬
‫ِ‬
‫(((‬
‫�������������������ق ال����� َق�����ن�����ا َع������ َل������ي ِ‬
‫ِّ‬
‫������ه يمَ����ي���� ًن����ا‬
‫َو َو َح‬
‫�������ي َأم����ض����ى ِم�������نَ ُ‬
‫���ق‬
‫احل‬
‫�����س�����ام ال��� َف���ت���ي ِ‬
‫ِ‬
‫ِه َ‬
‫راع َش���������� َّد ْت ُق����واه����ا‬
‫َأن َل������و َانَّ ال������������ ِّذ َ‬
‫َع ُ‬
‫�������وق‬
‫ع����ي����ن َس�����ه����� ٌم ِب������� ُف‬
‫������ض������ ٌد َأو ُأ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫(((‬
‫م�����ا َرأى ُق���� ْف���� َل����ه����ا كَ����م����ا ز ََع������م������وا ُق��� ْف���ـ‬
‫����ق‬
‫لاً َوال ال���� َب‬
‫����ع����م����ي ِ‬
‫����ح����ر دو َن������ه������ا ِب َ‬
‫َ‬
‫س���اع ِ‬
‫ض���ن ِ‬
‫���ك ال ُّ‬
‫َغ���ي��� ُر َ‬
‫���ة ال���� َّر ْو‬
‫���وع ف���ي‬
‫َ‬
‫���ض���ل ِ‬
‫(((‬
‫ض������ ِّي ٌ‬
‫ِع َوال َ‬
‫���ض���ي���ق‬
‫ال���ـ���م‬
‫������ق َغ������������دا َة‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����ص ِ‬
‫���ه���ـ‬
‫����وت‬
‫س���اع��� َة ا َأل ِ‬
‫م������ر َوال��� َّن ْ‬
‫َ‬
‫������ب ال َّ‬
‫ذاه ُ‬
‫ـ�������ي ِإذا َق َّ‬
‫����ق‬
‫���������ل َث��������� َّم هَ ������������� ْد ُر ال���� َف����ن����ي ِ‬
‫ِ‬
‫�����ل‬
‫�������ر ِم�������ن ِس������� ِّر ِه�������م َو َق�����ت�����ي ٍ‬
‫كَ�������م َأس�������ي ٍ‬
‫ِ‬
‫������وب ِم������ن َد ٍم ك َ‬
‫����ل����وق‬
‫َ����اخل‬
‫ِ‬
‫راد ِع ال������ َّث ِ‬
‫����ه اً‬
‫َي��س��تَ��غ��ي ُ‬
‫��ث ال ِ���ب���ط���ري َ‬
‫��ًل� َوهَ ������ل ت ْ‬
‫َ���ط‬
‫���ق َج ْ‬
‫�����ق‬
‫�������ب ِإلاّ ُم������� َب‬
‫ِ‬
‫�����ب�����ط�����ري ِ‬
‫�������ط�������ر َق ال ِ‬
‫ـ������� ُل ُ‬
‫ويشيد أبو متام بانتصار أبي سعيد في معركة (وادي عقرقس) في بالد الروم‬
‫ويراها تفوقت على وقائع العرب الكبرى في اجلاهلية كوقعة يوم التحالف أو يوم‬
‫((( ديوانه ‪.437-436 :2‬‬
‫((( قال الصولي‪ :‬فروق قرب القسطنطينية‪.‬‬
‫((( أي لو ساعدته اخليل لم يك ّل عن بلوغ هدفه‪.‬‬
‫((( القفل‪ :‬بلد في أرض الروم‪.‬‬
‫‪- 34 -‬‬
‫(فضة) الذي حلقت فيه بكر بن وائل شعورها وحتالفت على املوت ‪ ،‬ويشير أبو متام‬
‫إلى ما حلق بالروم من هزمية ساحقة وإلى استخدام جيش أبي سعيد (املنجنيق) في‬
‫(((‬
‫تلك املوقعة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫�������ع������� ِّر ْد‬
‫َو َب�����������������وادي َع������� َق�������ر ُق ٍ‬
‫�������س َل��������م ُت َ‬
‫����ن����ي����ق‬
‫�����وغ�����ى َو َع‬
‫ِ‬
‫�����م ِإل������ى ال َ‬
‫َع�����ن َرس�����ي ٍ‬
‫(((‬
‫َ�����غ�����اث ِب َ‬
‫َ‬
‫������ك ا ِإل ْس������ـ‬
‫َج�������� َأ َر ال����دي����نُ َو ِاس�����ت‬
‫�����س�����تَ�����غ َ‬
‫�����اث ال َ‬
‫����ق‬
‫ال ُم ِل����ل���� َّن����ص ِ‬
‫����غ����ري ِ‬
‫����ر ُم ْ‬
‫��������ن ِ‬
‫�������������ل ِب ِ‬
‫�����ق�����ض ٍ‬
‫�����ات‬
‫وائ‬
‫������ر ب ِ‬
‫ٍ‬
‫َي�����������و ُم َب������ك ِ‬
‫�����ق‬
‫دونَ َي‬
‫�����م ِ‬
‫�����ر ال����� ِّزن�����دي ِ‬
‫�����������وم ال�����ـ ُ‬
‫�����ح َّ‬
‫�����م َ‬
‫ِ‬
‫����م ِ‬
‫����ات َ‬
‫ذاك َوهَ ��������ذا ال���ـ‬
‫َي�������و ُم َح���� ْل ِ‬
‫����ق ال���� ِل ّ‬
‫����ق ُ‬
‫���ل���وق‬
‫احل‬
‫ِ‬
‫وم َي������و ُم َح���� ْل ِ‬
‫َي������و ُم ف���ي ال�������� ُّر ِ‬
‫ال��س َ‬
‫��ص��ـ‬
‫��ي��ف ِن��ص�� َف ُ‬
‫َأ َ‬
‫��ه��م َو َرم�����ى ال�� ِّن ْ‬
‫ط���ع��� َم َّ‬
‫ـ َ‬
‫����ق‬
‫أي ص����اف����ي ال����� ِّن�����ج ِ‬
‫�����ار َع����ري ِ‬
‫������ف ِب َ‬
‫�����������ر ٍ‬
‫َو َأص���������اخ���������وا كَ������� َأنمَّ�������ا ك���������انَ َي����رم���� ْي����ـ‬
‫َ‬
‫���ق‬
‫ِه������� ْم ِب‬
‫���������ذاك ال����تَّ����دب����ي ِ‬
‫���ج���ن���ي ِ‬
‫����ر ِم������ن َم���ن َ‬
‫������������و َر ِّب ال���� َب����ي ِ‬
‫���ت���ي���ق َل���� َق����د َط��ح��ـ‬
‫ال���ع‬
‫َف‬
‫ِ‬
‫����ت َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫��ق‬
‫َط‬
‫���ه���م ُركْ�������نَ‬
‫َ‬
‫���ح���ت ِم���ن ُ‬
‫��ع��ت��ي ِ‬
‫ال����ض��ل�الِ ال َ‬
‫ويعزف أبو متام على قيثارة النصر‪ ،‬فيتغنى بغزوتني مشهورتني اجتاح فيهما أبو‬
‫سعيد قريتني كبيرتني من قرى الروم هما (صاغِ َرى) و(أوقضى) وكانتا في فصل الشتاء‬
‫املعروف في بالد الروم ببرده القاتل‪ ،‬وقد خاف هذا القائد الف ُّذ على جنوده من أن يلحقهم‬
‫وحرصا على حياتهم وقد أبغض املطر وانهجام‬
‫مكروه من البرد فقفل عائ ًدا بهم خو ًفا‬
‫ً‬
‫البرد الذي منعه من مواصلة غزواته وفتوحاته‪ .‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫((( ديوانه ‪.441-440 :2:‬‬
‫((( الرسم والعنيق‪ :‬ضربان من السير‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.443-442 :2‬‬
‫‪- 35 -‬‬
‫������س َو َ‬
‫َ‬
‫اخل����� ْي�����ـ‬
‫كَ����� ُر َم�����ت َغ�������ز َْو‬
‫ت�������اك ِب������ا َألم ِ‬
‫ٌ‬
‫ق������������اق َو َ‬
‫�����ق‬
‫اخل‬
‫ُل ِد‬
‫��������ط��������ب َغ�����ي����� ُر َدق�����ي ِ‬
‫ُ‬
‫�����س�����م ِ‬
‫�����اء ِب َ‬
‫���خ���ض���را‬
‫ح���ي�� َ‬
‫ن ال ِج������ل������ َد ُة ال َّ‬
‫ْ���������و ٍة ِب َ‬
‫����ق‬
‫����ط����ل����ي ِ‬
‫َء َوال َو ْج�������������� ُه َش���������ت َ‬
‫ور َث������������ت ص ِ‬
‫�����م�����ا‬
‫ص������غ������ا ًرا َو َرغ ً‬
‫�����اغ�����ري َ‬
‫َأ َ‬
‫���ل ال ُّ‬
‫�����ت « َأو َق�����ض�����ى» ُق��� َب��� ْي َ‬
‫َو َق َ‬
‫����روق‬
‫����ش‬
‫�����ض ْ‬
‫ِ‬
‫رض ُق�������� َّر َة ِم�����ن ُق���� َّر‬
‫كَ�����م َأف����������ا َء ْت ِم�����ن َأ ِ‬
‫��������رم��������وق‬
‫�����������������������������ر ٍب َم‬
‫�������ي������ن َو َر ْب‬
‫ِة َع‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫��������وف ال َ‬
‫����ام ال���ـ‬
‫ن����������ت َخ‬
‫ُث������ َّم آ َب������ت َو َأ‬
‫َ‬
‫����غ����م ِ‬
‫������غ ِّ‬
‫ـ َ‬
‫�����وق‬
‫��������ب َخ�����ف ِ‬
‫��������ر ٍة َو َق��������ل ٍ‬
‫������ط ذو ِف��������ك َ‬
‫����س���� ْم����ـ‬
‫ال ُت���ب���ال���ي َب‬
‫�����������وار َق ال���ب���ي ِ‬
‫ِ‬
‫���ض َوال ُّ‬
‫ـ�������ر َو َل ِ‬
‫������روق‬
‫لمَ���������ع ال������ ُب‬
‫�����ت‬
‫�������ك�������ن ب�����ا َل����� ْي َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����������و َح ُّ‬
‫����غ����ي َ‬
‫تَ����ش���� َن���� ُأ ال َ‬
‫���ب‬
‫����ث َوهْ‬
‫َ‬
‫�������ق َح���ب���ي ٍ‬
‫����غ����ض ِ‬
‫َ‬
‫����وق‬
‫���������زم ف�����ي ِب‬
‫����م����وم ِ‬
‫����ة ال����ـ َ‬
‫ُر َّب َح ٍ‬
‫َل������م ت َ‬
‫������و ْف َ‬
‫ال������ع������ ُد ِّو َوال َب ْ‬
‫���غ���ـ‬
‫ض������� َّر‬
‫َ������خ َّ‬
‫َ‬
‫ًي������ا َو َل ِ‬
‫������ك������ن تَ������خ ُ‬
‫������اف َ‬
‫����ق‬
‫����ص����دي ِ‬
‫ض�������� َّر ال َّ‬
‫تلك هي صفات القائد العربي أبي سعيد الذي يجسد البطولة في أعظم صورها‬
‫وأشكالها‪ ،‬فهو (األمنوذج) للقائد القوي الشجاع الذي يتحلى بصفات القيادة كاحلصافة‬
‫وحسن التدبير ورجاحة العقل والرحمة والرأفة بجنوده واإلخالص في حماية الدين‪ ،‬فال‬
‫غرو أن يتغنى أبو متام بأيامه احلسان وفتوحاته وغزواته وأن يلهج بصفاته‪ ،‬ويشيد‬
‫مبآثره ومناقبه‪ ،‬وال يفوته أن يعبر له عن حبه املفرط الذي يصل إلى درجة الوله والذهول‬
‫(((‬
‫يقول أبو متام‪:‬‬
‫��������ك ِ‬
‫��������ام َ‬
‫�������رو‬
‫ِإنَّ َأ ّي َ‬
‫احل�������س�������انَ ِم��������نَ ال َ‬
‫����وح ُح����� ْم����� ُر ال َ‬
‫���وق‬
‫���غ���ب ِ‬
‫ِم لحَ ُ ����� ْم����� ُر ال َّ‬
‫����ص����ب ِ‬
‫((( ديوانه ‪.443-442 :2‬‬
‫‪- 36 -‬‬
‫���ه���ـ‬
‫����ع���� َل‬
‫ٌ‬
‫���م ْ‬
‫ُم ْ‬
‫����م����ات كَ����� َأ َّن�����ه�����ا ِب�������ال������� َّد ِم ال���ـ ُ‬
‫�����ق‬
‫راق َأ ّي��������������ا ُم ال����� َّن�����ح ِ‬
‫�����ر َوال�����تَّ�����ش�����ري ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����غ����ائ����نَ َع������ن َس���ا‬
‫ال����ض‬
‫َف���� ِإ َل����ي����كُ����م َب����ن����ي‬
‫ِ‬
‫�������وق‬
‫ال������س‬
‫�����ي����ن‬
‫ِك����������نِ َب‬
‫�������ع������� ُّي ِ‬
‫������م������اك َوال َ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫ال����� َّن ِ‬
‫َ‬
‫�����ر‬
‫ال�����������������وال َد ِة‬
‫�����ي‬
‫ِ‬
‫ال�����ط����� ِّي ِ‬
‫�����ب ال����� ُت ْ‬
‫�����ق ِّ‬
‫َب ِ‬
‫�����روق‬
‫�����ع‬
‫ِ‬
‫�����رى ال ُ‬
‫������ة َوال���ـ ُ‬
‫���م���س���تَ���ن���ي ِ���ر َم ْ‬
‫�����س َ‬
‫َأن��������ا َول������ه������انُ ف�����ي ِو ِ‬
‫داد َك م�����ا ِع ْ‬
‫���ش���ـ‬
‫ـ�������ت َو َن���������ش���������وانُ ف�����ي َ‬
‫���ف���ي���ق‬
‫�����ك َغ������ي������ ُر ُم‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫وقد خ َّلد أبو متام انتصار أبي سعيد على الروم في موقعة (وادي عقرقس) في‬
‫(((‬
‫قصيدة أخرى قال في مطلعها‪:‬‬
‫����ع���� َّل����م����ا‬
‫َع����س����ى َو َط����������نٌ َي�����دن�����و ِب�����هِ �����م َو َل َ‬
‫َو َأن ُت����ع ِ‬
‫����ب ا َأل ّي������������ا ُم ف���ي���هِ ���م َف���� ُربمَّ����ا‬
‫����ت َ‬
‫��ض كَ��ال��ـ َ��م��ه��ا‬
‫���ن���ز ٌل َق���د ك����انَ ِب��ال��ب��ي ِ‬
‫���ه��� ْم َم ِ‬
‫َل ُ‬
‫��ج��م��ا‬
‫َف‬
‫ُ‬
‫��ص��ي��ح ال��ـ َ‬
‫����ح َأع َ‬
‫��م��غ��ان��ي ُث����� َّم َأص���� َب َ‬
‫ ويتغنى أبو متام بانتصار أبي سعيد في وقعة (عقرقس) حيث جدع أنف الكفر‬
‫والضالل ويذكر أسماء املواقع واحلصون التي اجتاحها مثل (ميمذ) و(البذ) فيقول‪:‬‬
‫َّ‬
‫���ه���م َأ َ‬
‫���ع ٍ���ة‬
‫ن������ف‬
‫َج���� َد َ‬
‫ع����ت َل ُ‬
‫���و ْق َ‬
‫ال����ض��ل�الِ ِب َ‬
‫���م ِ‬
‫���ائ���ه���ا َم�����ن ت َ‬
‫ت َ‬
‫َ���خ��� َّرم���ا‬
‫َ�����خ����� َّر ْم َ‬
‫�����ت ف����ي َغ ّ‬
‫���س َأج��� َد ًع���ا‬
‫َل ِ���ئ���ن ك����انَ َأم���س���ى ف���ي َع��� َق���ر ُق َ‬
‫لمَ ِ ������ن َق����ب ُ‬
‫����رم����ا‬
‫����ل م����ا َأم����س����ى مِ َ‬
‫ب����ي َ‬
‫����م���� َذ َأخ َ‬
‫����ي َو َق���� َّل����م����ا‬
‫����ال����ـ����م‬
‫َ�����ه����� ْم ِب‬
‫َث����� ِل����� ْم�����ت ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫����ش����ر ِف ِّ‬
‫َ�����ه����� َّدم�����ا‬
‫�������وم ِإلاّ ت َ‬
‫تَ������ َث������ َّل������ َم ِع��������� ُّز ال������� َق ِ‬
‫((( ديوانه ‪.232 :3‬‬
‫‪- 37 -‬‬
‫َق َ‬
‫���م ٍ���ذ‬
‫���ط‬
‫���ع���ت َب����ن����انَ ال��� ُك ِ‬
‫َ‬
‫���ف���ر ِم���ن ُ‬
‫���ه���م مِ َ‬
‫ب���ي َ‬
‫���ص���م���ا‬
‫َو َأت��� َب���ع���تَ���ه���ا ِب‬
‫�����ال�����روم كَ���� ًّف����ا َو ِم���ع َ‬
‫ِ‬
‫����ه���� ْم هَ ������ َد ْدتَ������ ُه‬
‫َوكَ��������م َج����� َب ٍ‬
‫�����ل ِب����ال���� َب���� ِّذ ِم����ن ُ‬
‫���������وى َح���� َّل���� ْم����تَ���� ُه َل������و حَ َ‬
‫ت��� َّل���م���ا‬
‫َو‬
‫غ����������او َغ َ‬
‫ٍ‬
‫ويصف أبو متام املعركة حني التقى اجلمعان وجنحت خطة أبي سعيد في اإليقاع‬
‫بالعدو ليلاً ‪ ،‬فانهزموا وتفرق شملهم يقول‪:‬‬
‫����ع ِب ْ‬
‫ال���ب ْ‬
‫��ش�� ُرن��ا‬
‫ول��ـ��م��ا ال��تَ��ق��ى ِ‬
‫ّ‬
‫���ش���رانِ َأن���� َق َ‬
‫ِل ِ���ب���ش ِ���ر ِه��� ُم َح ً‬
‫���ص��� ْب ِ���ر ُم��ف َ��ع��م��ا‬
‫���وض���ا ِم����نَ ال َّ‬
‫ِ‬
‫س‬
‫����ي����ات َف‬
‫حَ�������ت ال���� َب‬
‫ِ‬
‫��������اع�������� َد ُه ت َ‬
‫َوس َ‬
‫���������وار ٌ‬
‫����م ِ‬
‫����ة ال���� َل����ي����لِ َأ ُ‬
‫جن���م���ا‬
‫تَ����خ����ا ُل ُ‬
‫����ه���� ُم ف����ي َف����ح َ‬
‫ْ����ه���� ْم َر ْو َع���������� ٌة ُث������ َّم َأ ْح����� َدق�����وا‬
‫����رت ُ‬
‫َو َق�������د َن���� َث َ‬
‫ِب ِ‬
‫�������ت ِع�����ق����� ًدا ُم��� َن َّ‬
‫���ظ���م���ا‬
‫�������ه ِم���ث��� َل���م���ا َأ َّل������� ْف َ‬
‫ويلم أبو متام بتفاصيل ما جرى في تلك املعركة ويشيد بجهود قائدين من قواد أبي‬
‫سعيد هما (بشر) و(محمد بن معاذ) ويشير إلى أنهما واجها مقاومة شرسة من الروم‬
‫حتى كادا أن ينهزما لوال أن أدركهما أبو سعيد فجاء النصر على يديه فكان اً‬
‫مثال للقائد‬
‫امللهم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫����ي ِإذ َر َأوا‬
‫َرأى ال�����رو ُم ُ‬
‫ص��ب ً‬
‫��ح��ا َأ َّن���ه���ا ِه َ‬
‫���ه���م���ا هُ ��م��ا‬
‫َغ�������دا َة ِا ْل���تَ���ق���ى ال��� َّز‬
‫ِ‬
‫ح���ف���ان َأ َّن ُ‬
‫����ت ِم���ث��� َل��� ُه‬
‫َف��� ُأ‬
‫�����وم�����ا َل�����و مَتَ���� َّن����ي َ‬
‫َ‬
‫ع���ط���ي���ت َي ً‬
‫َّ���وهُّ ���م���ا‬
‫ع�����ج����� َز َري�����ع�����انَ ال���ـ ُ‬
‫���م��� َن���ى َوال���ت َ‬
‫لأَ َ َ‬
‫�����اع ٍ‬
‫������ر ْت‬
‫لحَ ِ ���ق���ت ُ‬
‫َ���ه���م���ا ف����ي س َ‬
‫�����ة َل�����و تَ������ َأ َّخ َ‬
‫���������ر ا ِإلس�����ل�����ا ُم ط ِ‬
‫�����ر َأش���� َأم����ا‬
‫َل���� َق����د ز َ‬
‫�����ائ َ‬
‫َج َ‬
‫‪- 38 -‬‬
‫���ر َّي ِ‬
‫�����ح َق ُ‬
‫������ول َ‬
‫���ة ف���ي ا َّل����ذي‬
‫اجل���ع��� َف ِ‬
‫ص َّ‬
‫َف��� َل���و َ‬
‫َ‬
‫��ه��م��ا‬
‫ل�����ه�����ام ِخ‬
‫����ص ِم������نَ ا ِإل‬
‫���ل���ن���اك ُم�� ْل َ‬
‫تَ���� ُن ُّ‬
‫ِ‬
‫ويصف أبو متام هزمية الروم في (وادي عقرقس) ويحدد زمان املعركة بيوم(السبت)‬
‫الذي كان يوم النصر والبهجة‪ ،‬ولوال أن املسلمني يعظمون يوم اجلمعة (العروبة) ويجعلونها‬
‫كالعيد‪ ،‬التخذوا (السبت) عي ًدا وموس ًما‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫َف�������� ِإن َي ُ‬
‫������س‬
‫�������ك َن‬
‫����ص����ران���� ًّي����ا ال���� َّن����ه���� ُر آ ِل ٌ‬
‫����س ُم��س�� ِل��م��ا‬
‫َف��� َق���د َو َج��������دوا وادي َع���� َق����ر ُق َ‬
‫��س��ب ِ‬
‫��ض َوال�� َق��ن��ا‬
‫��ت ِب��ال��ب��ي ِ‬
‫ِب ِ���ه ُس ِ��ب�� ُت��وا ف��ي ال َّ‬
‫احل ْ‬
‫�������و ْوا ِم���ن��� ُه ِإل����ى َ‬
‫��وم��ا‬
‫����ش ِ‬
‫����ر ُن َّ‬
‫ُس���ب���ا ًت���ا َث َ‬
‫����ع����رو َب ِ‬
‫����ة َل�����م َي�����زَل‬
‫َف���� َل����و َل�����م ُي��� َق ِّ‬
‫���ص���ر ِب����ال َ‬
‫������������ام ع����ي���� ًدا َو َم ِ‬
‫����وس����م����ا‬
‫�����ر ا َأل ّي‬
‫َل����ن����ا ُع ُ‬
‫ِ‬
‫�����م َ‬
‫����ب����وس ِب����� َأ َّن����� ُه‬
‫ال����ع‬
‫َ���������ر ال����� َّده����� ُر‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َوم�������ا َذك َ‬
‫ال���س ِ‬
‫��س��م��ا‬
‫�����وم‬
‫���ب���ت ِإلاّ تَ�� َب َّ‬
‫َّ‬
‫َل������ ُه ِاب�������نٌ كَ����� َي ِ‬
‫ويصف أبو متام ما َّ‬
‫حل بالروم في هذا اليوم حيث صارت جثثهم وأشالؤهم غذاء‬
‫عرسا لإلسالم‬
‫للطيور اجلارحة والوحوش‪ ،‬وغدوا وليمة شهية في ذلك اليوم الذي كان ً‬
‫ومأمتا للكفر‪:‬‬
‫��ّل� َر ط ِ‬
‫رض ال���� َب���� َق اّ‬
‫َو َل������م َي َ‬
‫���ائ��� ٌر‬
‫���ب���ق ف���ي َأ ِ‬
‫ب�������ات ُم���و ِل���ـ���م���ا‬
‫�����ع ِإلاّ َو َق���������د‬
‫َ‬
‫َوال َس����� ُب ٌ‬
‫َوال َر َف�����ع�����وا ف����ي َذ ِل َ‬
‫�����وم ِإث��� ِل��� ًب���ا‬
‫��������ك ال����� َي ِ‬
‫حَ����تَ���� ُه َدم�������ا‬
‫�����ج����� ًرا ِإلاّ َر َأوا ت‬
‫َوال َح َ‬
‫(((‬
‫ويصور أبو متام غزوة قام بها أبو سعيد في فصل الشتاء والثلوج تغطي الطرق‬
‫وقد أقتحم حصون العدو في الشمال قاد ًما من اجلنوب‪ ،‬ويعبر عن هذا احلدث بالصورة‬
‫((( اإلثلب‪ :‬التراب واحلجارة‪.‬‬
‫‪- 39 -‬‬
‫تعبي ًرا أخ��ا ًذا‪ ،‬فيشخص الشتاء في ص��ورة من له وج��ه عبوس متجهم‪ ،‬وق��د عصفت‬
‫الرياح اجلليدية املمطرة فأصابت وجه الشمس بالشحوب ولكن أبا سعيد حت َّدى هذا‬
‫اجل ّو الرهيب وقدم بجيشه من اجلنوب إلى الشمال حاملاً سهام املوت للعدو‪ ،‬طاعنًا‬
‫الشتاء في أخدعيه حتى صار كالناقة املسنة وجنح في اجتياح حصون العدو وأصالهم‬
‫سعي ًرا وأفسد خططهم في اإليقاع بجيشه على غرة في البيات‪ ،‬فخاب مسعاهم أمام‬
‫هذا القائد شيخ السياسة وصاحب اخليرات والتجارب في خوض املعارك إذ وصفه أبو‬
‫متام بـ«قشعم السياسة» وشبهه في حنكته وخبرته باملسن من النسور‪ ،‬كما وصفه بـ(حية‬
‫الليل) التي تسري في الظلمات البتالع فراخ الطائر وهو وصف رمبا لم يستعمله أحد‬
‫قبل الطائي ألن العرب تقول‪(:‬حية الوادي وحية اجلبل ولم تقل‪ :‬حية الليل) وقد استخدمه‬
‫أبو متام ليكون أدهى في وصف أبي سعيد وكأنه ال ينام الليل طل ًبا للعدو وكأن حزمه‬
‫يضيء بالليل فيصير كاليوم الشامس كما يتضح من قوله (يشمس احلزم منه) وهي‬
‫صورة جديدة جمع فيها أبو متام بني الشمس والليل فاتصفت بالغرابة واجلدة‪ ،‬يقول أبو‬
‫(((‬
‫متام واص ًفا هذه الغزوة الشتائية‬
‫�����ت َوال ِّ‬
‫َل����� َق ِ‬
‫�����ش�����ت�����ا ُء َل������� ُه َو ْج�����ـ‬
‫�����ع َ‬
‫�����ص ْ‬
‫�����د ا ْن َ‬
‫����م����ا َق���ط���وب���ا‬
‫ـ������ ٌه َي�����������را ُه ال�����كُ�����م�����ا ُة َج ْ‬
‫����ه ً‬
‫ِ‬
‫�����ر ال َّ‬
‫���ح���ا‬
‫�����ش�����م�����الِ ُم���ت���ي ً‬
‫ط����اع���� ًن����ا َم����� ْن َ‬
‫�����ح َ‬
‫ِ‬
‫ال���������ع��������� ُد ِّو َم�������و ًت�������ا َج����ن����وب����ا‬
‫����ل���اد‬
‫��������ب‬
‫ِل ِ‬
‫َ‬
‫�����خ����� ِّد ال ْ‬
‫�����ي�����ال تَ�����ك�����ا ُد ُت���ب���ق���ي ِب َ‬
‫���ش���ـ‬
‫ف����ي َل‬
‫ٍ‬
‫���س ِم�����ن ري ِ‬
‫ـ َ‬
‫���ح���ه���ا ال��� َب���ل���ي���لِ ُش��ح��وب��ا‬
‫���ش���م ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫����ت‬
‫�������������روب ُأ‬
‫احل‬
‫��������رات ِإذا‬
‫َس�������� َب‬
‫ب����ي����خ ْ‬
‫ُ‬
‫����ت ُح�����روب�����ا‬
‫�������اج ِص���� َّن���� ْب���� ُره����ا َف����ك����ا َن ْ‬
‫ه َ‬
‫(((‬
‫�����ش�����ت�����ا َء ف�����ي َأخ����� َد َع����� ْي ِ‬
‫ب�����ت ال ِ‬
‫َف َ‬
‫�����ه‬
‫�����ر َ‬
‫�����ض َ‬
‫َ‬
‫��������������و ًدا َرك�����وب�����ا‬
‫ض�������ر َب������� ًة غ���������ا َد َرتْ��������� ُه َع‬
‫ْ‬
‫((( ديوانه ‪.168-165 :1‬‬
‫((( السبرات‪ :‬الغدوات الباردات‪ .‬والصنبر‪ :‬شدة البرد‪ .‬وأبيخت ‪ :‬سكنت‪.‬‬
‫‪- 40 -‬‬
‫���س ِ‬
‫����خ����ن����ا ِم�����ن َب����ع ِ‬
‫ص ْ‬
‫���ع���ن���ا‬
‫���م ْ‬
‫َل�����و َأ َ‬
‫����ده����ا َل َ‬
‫َ‬
‫������ن������ك َوج����ي����ب����ا‬
‫������������������ام ِم‬
‫������ل������وب ا َأل ّي‬
‫ِل������ ُق‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُك ُّ‬
‫َ��ل��اع َو َأك����ش����و‬
‫������ل ِح����ص ٍ‬
‫����ن ِم�����ن ذي ال�����ك ِ‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫�����وم�����ا ِع���ص���ي���ب���ا‬
‫����ت‬
‫ث������ا َء َأط���� َل����ق َ‬
‫ف���ي���ه َي ً‬
‫������س������ي ِ‬
‫ص������ل������ي اً‬
‫������ر ًّن������ا‬
‫������وف ُم ِ‬
‫َو َ‬
‫���ًل�� ِم���������نَ ال ُّ‬
‫َو ِش�������ه�������ا ًب�������ا ِم����������نَ َ‬
‫��������ري��������ق َذن�����وب�����ا‬
‫احل‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫رادوك‬
‫َو َأ‬
‫ِب������ال������ َب������ي ِ‬
‫������ات َو َم������������ن ه����ـ َ‬
‫(((‬
‫����ع����ا َو َع����س����ي����ب����ا‬
‫ـ�������ذا ُي�����������رادي ُم����ت����ا ِل ً‬
‫����اس ِ‬
‫������������ر َأوا َق ْ‬
‫����ة َق�����د َث��� ْق���ـ‬
‫َف‬
‫����ش َ‬
‫����ع���� َم ال ِّ‬
‫����س����ي َ‬
‫َ‬
‫�����ف ِم������ن ُج������ن ِ‬
‫ـ����� َق َ‬
‫������د ِه ال���� َق����ن����ا َوال���� ُق����ل����وب����ا‬
‫َح����� َّي����� ُة ال���� َل����ي����لِ ُي����ش ِ‬
‫����س َ‬
‫احل���������ز ُم ِم���ن��� ُه‬
‫����م ُ‬
‫����ار ال ُ‬
‫���غ���روب���ا‬
‫����س ال���� َّن����ه ِ‬
‫ِإن َأرا َدت َش����م ُ‬
‫ويصور أبو متام في قصيدة أخرى هزمية (توفيل) قائد الروم أمام جيش خالد بن‬
‫يزيد وفراره من مواجهته وقد ظل الردى يالحقه كأنه مشغوف به وقد أخذ يطلب العفو‬
‫بإنفاذ الكتب والرسل ولكن دون جدوى‪ ،‬ويصوره بطريقة ال تخلو من التهكم وقد أخذ‬
‫يتخبط وارتعدت فرائصه وضاقت الدنيا في وجهه فظل ال يلوى على شيء‪ ،‬ونار اخلوف‬
‫والكرب تلفح قلبه وقد فقد ثقته حتى بنفسه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫راي������ات َ‬
‫������ك ا َّل���ت���ي‬
‫ت���وف���ي���ل‬
‫����ـ����م����ا َرأى‬
‫َو َل ّ‬
‫��ب‬
‫��او ُم��ه��ا‬
‫ِإذا م��ا ِات��َل�أَ َ َّب ْ‬
‫����ت ال ُي��ق ِ‬
‫ُّ‬
‫ال��ص�� ْل ُ‬
‫���ب���اع ِ‬
‫ِ‬
‫َ����و ّل����ى َو َل������م َي ُ‬
‫���ه‬
‫������أل ال������� َّردى ف���ي ِا ِّت‬
‫ت َ‬
‫(((‬
‫�����د ِه ه ِ‬
‫�����ص ِ‬
‫���ب‬
‫����ائ���� ٌم َ‬
‫ص ُّ‬
‫كَ������� َأنَّ ال������� َّردى ف���ي َق ْ‬
‫((( الكالع وأكشوثاء‪ :‬حصنان في بالد الروم‪.‬‬
‫((( متالع وعسيب ‪ :‬جبالن‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.191-189 :1‬‬
‫((( اتألبت ‪ :‬استقامت‪.‬‬
‫‪- 41 -‬‬
‫���ح ٍ���ة‬
‫كَ��������� َأنَّ ِب����ل���ا َد‬
‫ال���������روم ُع َّ‬
‫����م����ت ِب َ‬
‫���ص���ي َ‬
‫ِ‬
‫ض َّم ْت َحشاها َأو َرغ��ا َو َ‬
‫َف َ‬
‫الس ْق ُب‬
‫سطها َّ‬
‫ِب���ص ِ‬
‫���ن َواق���تَ���رى‬
‫���م��� ْي���ـ ِ‬
‫���ر ِة ال�� ُق��ص��وى َو ِط َّ‬
‫���اغ َ‬
‫(((‬
‫واب����� ُل َ‬
‫ْ���ب‬
‫�����ر ْن‬
‫�����ط�����اووس ِ‬
‫���س���ك ُ‬
‫�����ك ال َّ‬
‫َ‬
‫ِب���ل���ا َد َق َ‬
‫���ب ُم ِ‬
‫َغ�����دا خ ِ‬
‫��ذع�� ًن��ا‬
‫���ائ��� ًف���ا َي��س��تَ��ن ِ‬
‫��ج�� ُد ال��� ُك���ت َ‬
‫����ك َف��ل��ا ُر ْس ٌ‬
‫���������ل َث���� َن����ت َ‬
‫َع���� َل����ي َ‬
‫ْ���ب‬
‫ْ����ك َوال كُ���ت ُ‬
‫���وم���ا ِب ِ‬
‫َوم�����ا ا َأل َس������� ُد ال ِّ‬
‫��س‬
‫��ع��اك ٍ‬
‫���ض���رغ���ا ُم َي ً‬
‫َ��ل��ب‬
‫ص���ر َ‬
‫مي���تَ��� ُه ِإن َأنَّ َأو َب��ص�� َب َ‬
‫َ‬
‫��ص ال��ك ُ‬
‫(((‬
‫����ح َق���ل��� َب��� ُه‬
‫َ�������ر ِب تَ����ل���� َف ُ‬
‫َو َم���������� َّر َون����������ا ُر ال�������ك ْ‬
‫َوم�����ا ال�������� َّر ْو ُح ِإلاّ َأن ُي����خ ِ‬
‫َ���رب‬
‫����ر ُه ال���ك ُ‬
‫����ام َ‬
‫���س��� ُه‬
‫���ر ال���� َّد ِ‬
‫َم���ض���ى ُم ِ‬
‫ب����ور َو َن���ف ُ‬
‫����دب���� ًرا َش���ط َ‬
‫َع��ل��ى َن ِ‬
‫��ف��س ِ��ه ِم���ن س ِ‬
‫������ب‬
‫����وء َظ����نٍّ ِب��ه��ا ِإ ْل ُ‬
‫(((‬
‫���رق َح��تّ��ى َظ���نَّ َم���ن ك���انَ ج ِ‬
‫َج��ف��ا ال َّ‬
‫���ش َ‬
‫��اه اً�ًل�‬
‫َ‬
‫���رب‬
‫����ن ال��� َّن���ص���ارى َأنَّ ِق��� ْب��� َل���تَ��� ُه‬
‫ِب����دي ِ‬
‫ال���غ ُ‬
‫وتلفتنا هذه السخرية من (توفيل) ال سيما في البيت األخير الذي يصور فيه فراره‬
‫شطر الغرب حتى ليظن اجلاهل بالنصرانية أن قبلة الصالة عندهم هي الغرب ال الشرق‪.‬‬
‫قصيدة أبي متام في فتح عمورية‬
‫نظم أب��و مت��ام قصيدته ف��ي فتح عمورية واإلش���ادة بانتصار املعتصم على‬
‫البيزنطيني‪ ،‬وكان (تيوفيل) إمبراطور بيزنطة قد أغار على زبطرة((( وأعالي الفرات‬
‫ون َّكل بأهلها‪ ،‬فأمر املعتصم ب��إع��داد جيش ق��اده بنفسه لالنتقام من ال��روم وكان‬
‫((( السقب‪ :‬ولد الناقة التي عقرها ثمود فصارت شؤ ًما عليهم‪ ،‬فكأن الروم كذلك‪.‬‬
‫((( بصبص الكلب بذنبه‪ :‬إذا حركه تقر ًبا لإلنسان ومداراه‪.‬‬
‫((( إلب ‪ :‬تألبوا عليه‪.‬‬
‫((( زبطرة ‪ :‬مدينة بني سميساط واحلدث في الطريق إلى بالد الروم‪.‬‬
‫‪- 42 -‬‬
‫املنجمون قد زعموا أن املعتصم ال يفتح عمورية ونصحوه بعدم اخلروج لتشاؤمهم‬
‫بظهور جنم ذي ذنب‪ ،‬وراسلته الروم بأنَّا جند في كتبنا أنه ال تُفتح مدينتنا إال في‬
‫وقت إدراك التني والعنب‪ ،‬وبيننا وبني ذلك شهور مينعك من املقام بها البرد والثلج‪،‬‬
‫فلم يعبأ املعتصم بذلك ‪ ،‬وخرج بجيشه متوغلاً في بالد الروم في آسيا الصغرى‪،‬‬
‫فأحرق املدن واستباح القرى ووطئت اجليوش أنقرة فخربها حتى وصل إلى عمورية‬
‫فحاصرها وكان يدافع عنها في ما يروى تسعون أل ًفا فضربها باملجانيق وفتحها‬
‫فتحا عظي ًما وانتصا ًرا كبي ًرا‪ .‬وقد عبر أبو متام عن‬
‫عنوة وأضرم فيها النيران‪ ،‬فكان ً‬
‫ابتهاجه بهذا النصر املؤزر واستهل قصيدته باإلشارة إلى تخرصات املنجمني وما‬
‫زعموه عن ظهور املذنب مؤك ًدا أن الفيصل للقوة والعقل وليس في االستسالم لكتب‬
‫التنجيم والتنبؤ واخلرافة‪ ،‬يقول أبو متام(((‪:‬‬
‫ال���س ُ‬
‫���ب‬
‫���ي���ف َأص��������� َد ُق َأن�����ب�����ا ًء ِم������نَ ال��� ُك��� ُت ِ‬
‫َّ‬
‫اجل������ ِّد َوال��� َل ِ‬
‫ف���ي َح������� ِّد ِه َ‬
‫���ب‬
‫احل������ ُّد َب َ‬
‫��ي��ن ِ‬
‫���ع ِ‬
‫��ص��ح ِ‬
‫��ص��ف ِ‬
‫��ائ ِ‬
‫ب��ي ُ‬
‫��ف في‬
‫��ض ال َّ‬
‫��ائ ِ��ح ال س���و ُد ال َ‬
‫ِ‬
‫ال�����ش ِّ‬
‫َ‬
‫�������ب‬
‫����ت����ون����هِ ����نَّ َج����ل����ا ُء‬
‫ُم‬
‫�����ك َوال������� ِّر َي ِ‬
‫رم����������اح ِ‬
‫َوال ِ‬
‫����ع���� ًة‬
‫����ب ا َأل‬
‫����ع����ل���� ُم ف����ي ُش ُ‬
‫الم َ‬
‫����ه ِ‬
‫ِ‬
‫��س��ب َ��ع ِ��ة ال ُّ‬
‫�ي�ن َ‬
‫��ب‬
‫َب َ‬
‫��س ِ‬
‫��ش ُ��ه ِ‬
‫�ين ال ف��ي ال َّ‬
‫اخل��م��ي َ‬
‫������روا َي������ ُة َب����ل َأي������نَ ال��� ُّن���ج���و ُم َوم���ا‬
‫َأي������نَ ال ِ‬
‫ص���اغ���و ُه ِم����ن ُزخ������� ُر ٍف ف��ي��ه��ا َو ِم�����ن ك ِ‬
‫َ�����ذ ِب‬
‫ت َ‬
‫ص�������ا َو َأح��������ادي�������� ًث��������ا ُم����� َل����� َّف����� َق����� ًة‬
‫َ�������خ������� ُّر ً‬
‫������ر ِب‬
‫َل���ي َ‬
‫����ع ِإذا ُع�������� َّد ْت َوال َغ َ‬
‫���س���ت ِب���� َن���� ْب ٍ‬
‫َع����ج ِ‬
‫����ائ���� ًب����ا ز ََع������م������وا ا َأل ّي������������ا َم ُم���ج ِ‬
‫���ف��� َل��� ًة‬
‫�����ب‬
‫����ر ا َألص�����ف ِ‬
‫ص���� َف ِ‬
‫َع���ن ُ‬
‫�����ار َأو َر َج ِ‬
‫���ه���نَّ ف���ي َ‬
‫((( ديوانه ‪.73-40 :1‬‬
‫‪- 43 -‬‬
‫��م ٍ��ة‬
‫�����وف�����وا‬
‫َو َخ َّ‬
‫ال���ن���اس ِم����ن َده����ي����ا َء ُم��ظ�� ِل َ‬
‫َ‬
‫َ���ب ال َ‬
‫���ب‬
‫���غ ِ‬
‫���ي ذو ال��� َّذ َن ِ‬
‫ِإذا َب����دا ال���كَ���وك ُ‬
‫���رب ُّ‬
‫����رتَّ���� َب���� ًة‬
‫ص������ َّي������روا ا َألب����������� ُر َج ال ُ‬
‫َو َ‬
‫���ع���ل���ي���ا ُم َ‬
‫���ب‬
‫����ي����ر ُم���ن��� َق��� ِل ِ‬
‫م����ا ك�������انَ ُم���ن��� َق��� ِل��� ًب���ا َأو َغ َ‬
‫ه������ي غ ِ‬
‫���اف��� َل��� ٌة‬
‫�����ر َع��ن��ه��ا َو‬
‫َي���ق���ض���ونَ ِب�����ا َألم ِ‬
‫َ‬
‫�����ك ِم���ن���ه���ا َوف������ي ُق ُ‬
‫دار ف����ي ُف����� ُل ٍ‬
‫���ب‬
‫���ط ِ‬
‫م����ا َ‬
‫����ع ِ‬
‫����وق ِ‬
‫����ل َم ِ‬
‫����ت َق ُّ‬
‫������ط َأم�������� ًرا َق����ب َ‬
‫����ه‬
‫َل�����و َب���� َّي���� َن ْ‬
‫���خ ِ‬
‫���ف م���ا َح َّ‬
‫َل���م ُت ْ‬
‫���ب‬
‫����ل ِب�����ا َألوث ِ‬
‫�����ان َوال ُّ‬
‫���ص��� ُل ِ‬
‫ونالحظ أن أبا متام لم يبدأ قصيدته بداية تقليدية وإمنا بدأها مبا يناسب هذا‬
‫الفتح املبني وأفرد األبيات العشرة األولى ملا سبق الفتح من مالبسات وظنون غيبية‬
‫تبناها املنجمون وأوهموا الناس بصحتها‪ ،‬وكانت هذه املزاعم كفيلة بتخويف املعتصم‬
‫وقادته لوال حكمته وثقته بقوته وتصديقه بالقول املأثور « كذب املنجمون ولو صدقوا»‬
‫وعندما حتقق النصر وثبت ك��ذب املنجمني كانت الفرحة بالفتح طاغية وك��ان على‬
‫أبي متام أن يطيل في تهكمه وسخريته مبا أشاعه املنجمون ليكون في ذلك درس‬
‫وعبرة ويشيد أبو متام بهذا الفتح املبني ويصفه بـ(فتح الفتوح) ويراه أكبر من الشعر‬
‫واخلطب فهو من معالم اإلسالم وليس كل الفتوح مثله‪ ،‬وكأن السماء ابتهجت واحتفلت‬
‫اً‬
‫وابتهاجا ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫احتفال وتعظي ًما‬
‫به بالغيث والرحمة وارتدت األرض أثوابها القشيبة‬
‫ً‬
‫���ط ِب ِ‬
‫���ت���وح تَ���ع���ال���ى َأن ُي���ح���ي َ‬
‫���ه‬
‫���ت���ح ال��� ُف‬
‫َف ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫اخل َ‬
‫���ب‬
‫��ع��ر َأو َن���ث��� ٌر ِم����نَ‬
‫َن���ظ��� ٌم ِم����نَ‬
‫ال��ش ِ‬
‫���ط ِ‬
‫�����س�����م ِ‬
‫�����اء َل����� ُه‬
‫َّ�����ح َأ‬
‫َف�����ت ٌ‬
‫�����ح تَ����� َف�����ت ُ‬
‫ُ‬
‫ب�����������واب ال َّ‬
‫ث���واب���ه���ا ال�� ُق ُ‬
‫َوتَ�����ب����� ُر ُز ا َأل ُ‬
‫��ب‬
‫رض ف���ي َأ‬
‫ِ‬
‫��ش ِ‬
‫ويتوجه أبو متام باخلطاب إلى يوم النصر الذي حدثت فيه وقعة عمورية جلالله‬
‫وعظمته ويعمد إلى االستعارة لتشخيص املعنى فيشبه املنى املعسولة التي حتققت‬
‫‪- 44 -‬‬
‫بالفتح بالنياق التي حفل ضرعها باللنب‪ ،‬ويتغنى مبا حتقق لإلسالم من عز ومجد‪ ،‬فقد‬
‫صعد جنمه بينما تص َّدع بنيان الكفر وانهارت دعائم الروم ‪ ،‬وقد كانت عمورية كاألم‬
‫التي جتمعهم وتضمهم كما تضم األم ولدها‪ ،‬فلو استطاعوا الفتدوا خرابها بكل أم‬
‫لهم ولدتهم وكل أب يقول‪:‬‬
‫�����ع ِ‬
‫����ر َف����ت‬
‫�����م ِ‬
‫ي����ا َي�������و َم َوق َ‬
‫�����ة َع ّ‬
‫�����ور َّي����� َة ِان َ‬
‫����ص َ‬
‫��م��ن��ى ُح��� َّف اً�ًل� َم���ع���س���و َل��� َة َ‬
‫ِم���ن َ‬
‫���ب‬
‫احل��� َل ِ‬
‫���ك ال��ـ ُ‬
‫���ع ٍ���د‬
‫���ي���ت َج����� َّد َب���ن���ي ا ِإل‬
‫َأب��� َق َ‬
‫ص َ‬
‫س����ل���ام ف���ي َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال���ش ِ‬
‫��ب‬
‫دار‬
‫���م���ش ِ���رك َ‬
‫ص�� َب ِ‬
‫َوال���ـ ُ‬
‫���رك ف���ي َ‬
‫�ي�ن َو َ‬
‫��ع��ل��وا‬
‫ُأ ٌّم َل ُ‬
‫���ه���م َل����و َر َج������وا َأن ُت���ف���تَ���دى َج َ‬
‫ِف���������دا َءه���������ا ك َّ‬
‫�����ن�����ه����� ُم َو َأ ِب‬
‫ُ����������ل ُأ ٍّم ِم‬
‫ُ‬
‫ويحتفي أبو متام في جتسيد هذا احلدث العظيم بالصورة ويتوسل باالستعارة‬
‫والتشبيه والكناية لتشخيص املجردات واملعنويات‪ ،‬ويصور استعصاء املدينة وامتناعها‬
‫عن فاحتيها قبل املعتصم‪ ،‬فيشبهها بامرأة شابة تتيه بجمالها وشبابها وقد خطبها‬
‫العظماء فلم يحظوا بها‪ ،‬فاستعصت على ملوك الفرس وتبابعة اليمن وظلت بك ًرا لم‬
‫تفترعها أكف احلادثات منذ عهد اإلسكندر أو قبله حتى لقد شابت ذوائب الليالي وهي‬
‫لم تزل شابة حتى صارت كأنها زبدة السنني ولكنها لم تبخل بشبابها على املعتصم‬
‫وتفريجا للكرب على الفاحتني‬
‫ففتحها وكان الفتح خط ًبا مدله ًما على الروم من ناحية‬
‫ً‬
‫من ناحية أخرى ‪ ،‬وقد كان غزو (أنقرة) نص ًرا للمعتصم وشؤ ًما على عمورية‪ ،‬وكأنها‬
‫ملا خربت وهي أخت عمورية أعدتها باجلرب‪ ،‬فإذا الهزمية تلحق بها ‪ ،‬وإذا أبطالها‬
‫وفرسانها تتلطخ جباههم وذوائبهم بالدماء‪ ,‬يقول أبو متام‪:‬‬
‫����وج ِ‬
‫����ت ِر َ‬
‫ي��اض�� ُت��ه��ا‬
‫����ه َق����د َأع���� َي ْ‬
‫����������رز َِة ال َ‬
‫َو َب ْ‬
‫َ����ر ِب‬
‫ص�����دو ًدا َع���ن َأب����ي ك ِ‬
‫ص����� َّدت ُ‬
‫ِك��س��رى َو َ‬
‫َ����ر َع����تْ����ه����ا ك ُّ‬
‫َ������ف ح ِ‬
‫�����اد َث ٍ‬
‫�����ة‬
‫ِب�����كْ����� ٌر َف���م���ا ِاف����ت َ‬
‫�����و ِب‬
‫َ�������ر َّق ْ‬
‫�������ت ِإ َل����ي����ه����ا ِه َّ‬
‫�����م����� ُة ال����� ُّن َ‬
‫َوال ت َ‬
‫‪- 45 -‬‬
‫ِم����ن َع ِ‬
‫���ب���ل َذ ِل َ‬
‫���ه���د ِإس����كَ����ن���� َد ٍر َأو َق َ‬
‫�������ك َق��د‬
‫����ي َل���م ت ِ‬
‫��ب‬
‫ش��ا َب ْ‬
‫َ��ش ِ‬
‫��ت َن��واص��ي ال�� َل��ي��ال��ي َوهْ َ‬
‫����ض ال���� َل���� ُه ال ِ‬
‫َح���تّ���ى ِإذا َم َّ‬
‫����خ َ‬
‫�ي�ن َل��ه��ا‬
‫���س���ن َ‬
‫���ت ُزب������ َد َة ِ‬
‫َم ْ‬
‫���خ َ‬
‫���ب‬
‫���ض ال�� َب��خ��ي�� َل ِ��ة ك���ا َن ْ‬
‫احل��� َق ِ‬
‫ال������س������ودا ُء س ِ‬
‫���������اد َر ًة‬
‫َ����ت����ه���� ُم ال���� ُك����ر َب���� ُة‬
‫َأت‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫����ر ِب‬
‫ِم��ن��ه��ا َوك�������انَ اس ُ‬
‫���م���ه���ا َف����� ّر َ‬
‫اج����� َة ال����كُ َ‬
‫َج�����رى َل���ه���ا ال���� َف ُ‬
‫����ر ٍة‬
‫����ر ًح����ا َي������و َم َأن���� َق َ‬
‫����أل َب ْ‬
‫ِ‬
‫���ش��� َة ال��س��اح ِ‬
‫غ�����ود َر ْت َوح َ‬
‫���ب‬
‫ِإذ‬
‫��ات َوال��� ُّر َح ِ‬
‫���ت‬
‫لمَ ّ�����ا َر َأ ْت ُأخ���تَ���ه���ا ِب����ا َأل ِ‬
‫م����س َق����د َخ ِ‬
‫���ر َب ْ‬
‫ك�����انَ َ‬
‫�������راب َل���ه���ا َأع������دى ِم�����نَ َ‬
‫������ر ِب‬
‫اخل‬
‫ُ‬
‫اجل َ‬
‫ِ‬
‫ف��������ار ٍس َب َ‬
‫���ط ٍ���ل‬
‫ح��ي��ط��ان��ه��ا ِم�����ن‬
‫ن‬
‫كَ�����م َب���ي�� َ‬
‫ِ‬
‫ق���ان���ي ال������ َّذ ِ‬
‫������ر ِب‬
‫وائ ِ‬
‫������ب ِم�����ن آن�����ي َد ٍم َس َ‬
‫������ي ِم�����ن َد ِم ِ‬
‫����س���� َّن ِ‬
‫اخل ِ‬
‫����س���� ْي ِ‬
‫����ف َو َ‬
‫������ه‬
‫ِب ُ‬
‫����ة ال َّ‬
‫������ط ِّ‬
‫ال ُس���� َّن ِ‬
‫���خ���ت ِ‬
‫س�����ل����ام ُم ْ‬
‫���ب‬
‫����ن َوا ِإل‬
‫����ة ال����دي ِ‬
‫َ���ض ِ‬
‫ِ‬
‫ويخاطب أبو متام (املعتصم) القائد املظفر الذي غادر أرض املعركة وقد أضرم‬
‫النيران في املدينة في ذلك اليوم العصيب ف� َّ‬
‫�ذل صخرها وخشبها للنار ويفنت في‬
‫وصف حريقها ليلاً معتم ًدا على ما يسميه د‪.‬شوقي ضيف (قانون األض��داد) وهو‬
‫استمداد تخلق في تضاعيفه هذا اخليال بل احللم العجيب ‪ ،‬فهو في الليل البهيم‬
‫ويتصور كأ ْن في الصبح املضيء‪ ،‬بل هو في الضحى املنير‪ ،‬وكأمنا خلع الليل ثيابه بل‬
‫كأن الشمس لم تغب ولم تغرب‪ ،‬بل لقد غربت ولم تلبث أن أشرقت في ربوع عمورية‪،‬‬
‫فيا للحلم ويا لروعته(((‪.‬‬
‫((( العصر العباسي األول‪ ،‬د‪ .‬شوقي ضيف‪ ،‬ط‪ .‬دار املعارف ‪.285 :‬‬
‫‪- 46 -‬‬
‫يقول أبو متام‪:‬‬
‫ال���ـ���م ِ‬
‫���ن�ي�ن ِب��ه��ا‬
‫�����ر‬
‫���ؤم َ‬
‫َ�����ر َ‬
‫ُ‬
‫ك�����ت َأم�����ي َ‬
‫َل���� َق����د ت َ‬
‫اخل َ‬
‫���ص���خ ِ���ر َو َ‬
‫���وم���ا َذل���ي َ‬
‫����ب‬
‫ِل���ل���ن ِ‬
‫����ش ِ‬
‫���ار َي ً‬
‫���ل ال َّ‬
‫�����و ُ‬
‫��ى‬
‫غ�����ا َد َ‬
‫رت فيها َب��ه��ي�� َم ال�� َل��ي��لِ َوهْ َ‬
‫ض��ح ً‬
‫َي ُ‬
‫���ش��� ُّل��� ُه َو ْس َ‬
‫���ب‬
‫����ح ِم�����نَ ال��� َّل َ‬
‫���ه ِ‬
‫���ط���ه���ا ُ‬
‫ص���� ْب ٌ‬
‫����ت‬
‫���ب ال���� ُّدج����ى َر ِغ���� َب ْ‬
‫َح���تّ���ى كَ������� َأنَّ َج�ل�اب���ي َ‬
‫���س َل����م ت ِ‬
‫َع����ن َل ِ‬
‫���ون���ه���ا َوكَ��������� َأنَّ ال َّ‬
‫���ب‬
‫َ���غ ِ‬
‫���ش���م َ‬
‫����اء ع ِ‬
‫����ظ����ل����م ِ‬
‫����ار َوال َّ‬
‫َ‬
‫���اك��� َف��� ٌة‬
‫ض�������و ٌء ِم������نَ ال����ن ِ‬
‫���ى َش ِ‬
‫������ان ف���ي ُ‬
‫��ب‬
‫���م��� ٌة ِم����ن ُدخ ٍ‬
‫��ح ِ‬
‫َو ُظ��� ْل َ‬
‫ض���ح ً‬
‫َف���ال ّ‬
‫����ت‬
‫���ع��� ٌة ِم����ن ذا َو َق������د َأ َف���� َل ْ‬
‫���س ط���ا ِل َ‬
‫���ش���م ُ‬
‫َو ّ‬
‫تجَ���ب‬
‫واج����� َب����� ٌة ِم����ن ذا َو َل������م‬
‫ال���ش‬
‫���م���س ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫وتنعكس فرحة أبي متام ونشوته بالنصر على لغته الشعرية وإيقاعاته فنحس بها‬
‫تتراقص متجاوبة مع هذه الفرحة بالنصر من خالل هذه الصورة الرائعة التي تتجسد‬
‫فيها بطولة املعتصم في أبهى صورها ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫����م ِب�����ال����� َل ِ‬
‫تَ����دب����ي���� ُر ُم����ع����ت ِ‬
‫�����ه ُم���ن���ت ِ‬
‫َ���ق ٍ���م‬
‫َ����ص ٍ‬
‫������ه ُم����رت ِ‬
‫�����ب ف�����ي ال������ َل ِ‬
‫ِل������ َّل ِ‬
‫������ه ُم�����رت ِ‬
‫����ب‬
‫َ����غ ِ‬
‫َ�����ق ٍ‬
‫���ه ْ‬
‫���ض ِإل�����ى َب��� َل ٍ���د‬
‫���وم���ا َو َل�����م َي���ن َ‬
‫َل����م َي���غ��� ُز َق ً‬
‫ِإلاّ تَ������ َق������ َّد َم������ ُه َج�����ي ٌ‬
‫������ب‬
‫�����ش ِم��������نَ ال������ َّر َع ِ‬
‫���وغ���ى َل َ‬
‫��غ��دا‬
‫���ح��� َف اً�ًل� َي�����و َم ال َ‬
‫َل���و َل���م َي��� ُق���د َج ْ‬
‫ِم����ن َن���ف ِ‬
‫����ب‬
‫���ح��� َف ٍ���ل لجَ ِ ِ‬
‫���س ِ���ه َو ْح���� َده����ا ف���ي َج ْ‬
‫َرم�������ى ِب َ‬
‫���ه��� َّد َم���ه���ا‬
‫���رج���ي���ه���ا َف َ‬
‫�������ك ال����� َل����� ُه ُب َ‬
‫������ك َغ����ي���� ُر ال���� َل ِ‬
‫����ه َل�����م ُي ِ‬
‫َو َل�������و َرم������ى ِب َ‬
‫���ب‬
‫���ص ِ‬
‫‪- 47 -‬‬
‫ويشير أبو متام إلى رواية تاريخية تذكر أن امرأة هاشمية قالت في ذلك اليوم‬
‫وهي مسب َّية‪ :‬وا معتصماه‪ ،‬فنُقل إليه ذلك احلديث‪ ،‬فاستجاب لندائها وقد صرفه عن‬
‫ثغور احلسان ما في قلبه من أمر الثغور التي ُأبيحت ومت َّكن العدو منها حتى شحذ‬
‫قوته وأنفذ جيشه وهدم بنيان الكفر ولم يعرج على صغائر األمور التي يكنى عنها‬
‫بـ (األوتاد ُّ‬
‫والطنب) يقول‪:‬‬
‫ص����و ًت����ا ِز َب ْ‬
‫�����ت َل���� ُه‬
‫�����ر ْق َ‬
‫�����ط ِ‬
‫َل��� َّب َ‬
‫���ي���ت َ‬
‫�����ر ًّي�����ا هَ َ‬
‫ض�������اب ُ‬
‫���ع��� ُر ِب‬
‫َ�����أس ال���كَ���رى َو ُر‬
‫اخل������ َّر ِد ال ُ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫��ام ِ��ة َع��ن‬
‫َع‬
‫������داك َح���� ُّر ال��� ُث���غ ِ‬
‫���ور ال��ـ ُ‬
‫��م��س��تَ��ض َ‬
‫احل ِ‬
‫��غ��ور َو َع����ن َس��ل��س��ا ِل��ه��ا َ‬
‫��ب‬
‫�����ر ِد ال�� ُث‬
‫ِ‬
‫��ص ِ‬
‫َب ْ‬
‫���س���ي ِ‬
‫��ص�� ِل�� ًت��ا‬
‫َأ َج���� ْب����تَ���� ُه ُم ْ‬
‫���ف ُم�� ْن َ‬
‫���ع��� ِل��� ًن���ا ِب���ال َّ‬
‫���س���ي ِ‬
‫����ت ِب َ‬
‫����ب‬
‫َو َل�����و َأ َج���� ْب َ‬
‫���ف َل����م تجُ ِ ِ‬
‫���غ���ي ِ���ر ال َّ‬
‫����ت َع����م����و َد ال ِّ‬
‫����ش ِ‬
‫��ن��ع ِ��ف�� ًرا‬
‫َ����رك َ‬
‫����رك ُم َ‬
‫َح���تّ���ى ت َ‬
‫ِ‬
‫وت���������اد َو ُّ‬
‫���ب‬
‫�����ع����� ِّر ْج َع���ل���ى ا َأل‬
‫َو َل������م ُت َ‬
‫ال���ط��� ُن ِ‬
‫ويصور أبو متام وقع الهزمية على (تيوفيل) قائد البيزنطيني الذي حاول أن يغري‬
‫املعتصم باألموال ليرجع عنه وهو ال يعلم أن املعتصم أنفق الذهب الكثير الذي هو‬
‫أكثر من احلصى ليس رغبة في ما يبذله (تيوفيل) من ذهب بل لينتقم منه ويقابله بسوء‬
‫صنيعه‪ ،‬فهدف املعتصم في (املسلوب) ال الغنائم والذهب‪ ،‬وتذكر بعض الروايات أن‬
‫ملك الروم حاول افتداء عمورية بكل ما يستطيع حتى إنه قبل فتحها وإحراقها بعث إلى‬
‫املعتصم بوفد يحمل رسالة مضمونها‪« :‬إن الذين فعلوا بزبطرة ما فعلوا تع َّدوا أمري‬
‫وأنا أبنيها مبالي ورجالي‪ ،‬وأود من أخذ من أهلها‪ ،‬وأخلي جملة من في بالد الروم‬
‫من األسارى ‪ ،‬وأبعث إليك بالقوم الذين فعلوا بزبطرة على رقاب البطارق(((‪ .‬وعندما‬
‫باءت محاوالت (تيوفيل) بالفشل وشاهد أهوال املعركة وأدركته الهزمية لم يجد أمامه‬
‫((( أبومتام الطائي ‪ :‬حياته وحياة شعره‪.141:‬‬
‫‪- 48 -‬‬
‫إال الفرار بفلوله وقد أجلمت الرماح منطقه َّ‬
‫فكف عن الكالم بينما استعرت أحشاؤه‬
‫من الفزع والرعب‪ ،‬فأخذ يسابق الرياح وكأنه موكل بالسير في اآلفاق وهو يعدو عدوا‬
‫سري ًعا كذكر النعام (الظليم) في نفاره وشدة سرعته‪ .‬يقول أبومتام‪:‬‬
‫�ي�ن ت ِ‬
‫ل��ـ ّ��م��ا َرأى َ‬
‫��س‬
‫������ر َب َر َ‬
‫أي ال َ‬
‫���ع ِ‬
‫��وف�� ِل ٌ‬
‫احل ْ‬
‫َ‬
‫َو َ‬
‫����رب‬
‫الـمعنى ِم���نَ‬
‫�����ر ُب ُم��ش��تَ�� َّق�� ُة َ‬
‫احل َ‬
‫احل ْ‬
‫(((‬
‫������ص������ ِّر ُف ِب��������ا َألم��������والِ ِج���ر َي���تَ���ه���ا‬
‫َغ�������دا ُي َ‬
‫(((‬
‫���ار َو َ‬
‫احل��������� َد ِب‬
‫����ع���� َّز ُه ال��� َب���ح��� ُر ذو ال���تَّ��� ّي ِ‬
‫َف َ‬
‫�����ز َع ِ‬
‫�����ت ا َأل ُ‬
‫ال����وق����و ُر ِب ِ���ه‬
‫رض‬
‫���ات ُزع ِ‬
‫هَ ���ي���ه َ‬
‫َ‬
‫������زو ُم��ك��ت ِ‬
‫������زو ُم���ح���ت ِ‬
‫��ب‬
‫���ب ال َغ ِ‬
‫َع����ن َغ ِ‬
‫َ��س ِ‬
‫َ���س ٍ‬
‫���ر ِت ِ���ه‬
‫َل����م ُي���ن ِ���ف ِ‬
‫�����ب ال���ـ ُ‬
‫���ق ال����� َّذهَ َ‬
‫���م���رب���ي ِب���كَ���ث َ‬
‫احل���ص���ى َو ِب ِ‬
‫َع���ل���ى َ‬
‫���ب‬
‫������ه َف��� ْق��� ٌر ِإل�����ى ال��� َّذهَ ِ‬
‫���م��� ُت���ه���ا‬
‫ِإنَّ ا ُألس����������و َد ُأس���������و َد ال���غ���ي���لِ ِه َّ‬
‫��ب‬
‫َي����و َم ال��كَ��ري َ‬
‫��س�� َل ِ‬
‫��ه ِ��ة ف��ي ال��ـ َ��م��س��ل ِ‬
‫��وب ال ال َّ‬
‫�����ي َم���ن ِ‬
‫اخل ِّ‬
‫جل��������� َم َ‬
‫َو ّل��������ى َو َق��������د َأ َ‬
‫���ط��� َق��� ُه‬
‫�����ط ُّ‬
‫ص َ‬
‫���ب‬
‫���س���ك���ت ٍَ���ة ت‬
‫���خ ِ‬
‫حَ��تَ��ه��ا ا َألح����ش����ا ُء ف���ي َ‬
‫ِب َ‬
‫ص َ‬
‫ال�����ردى َو َم��ض��ى‬
‫����رف‬
‫َأ ْح�����ذى َق��راب��ي�� ُن�� ُه َ‬
‫َ‬
‫َي���ح���ت ُّ‬
‫����ر ِب‬
‫َ���ث َأجن������ى َم����ط����اي����ا ُه ِم������نَ‬
‫َ‬
‫ال����ه َ‬
‫�������وكَّ اً‬
‫����ش����ر ُف���� ُه‬
‫رض ُي‬
‫�����اع ا َأل ِ‬
‫ِ‬
‫ُم َ‬
‫���ًل��� ِب����� َي�����ف ِ‬
‫������وف ال ِم���ن ِخ��� َّف ِ‬
‫ِم���ن ِخ��� َّف ِ‬
‫اخل ِ‬
‫���ة ال َّ‬
‫���ة َ‬
‫���ر ِب‬
‫���ط َ‬
‫ِإن َي���ع��� ُد ِم���ن َح��� ِّره���ا َع������ ْد َو ال َّ‬
‫��ظ��ل��ي ِ��م َف�� َق��د‬
‫����ت ج ِ‬
‫َ���ث���ر ِة َ‬
‫احل َ‬
‫���ب‬
‫����ع َ‬
‫���ط ِ‬
‫وس ْ‬
‫��اح َ‬
‫َأ َ‬
‫��م��ه��ا ِم���ن ك َ‬
‫((( احلرب (بفتح احلاء والراء) الغضب‪.‬‬
‫((( احلدب (بفتح الدال) األمواج‪.‬‬
‫‪- 49 -‬‬
‫وميتزج التاريخ بالفن فيشير أبو متام إلى ما قيل من أنَّ حماة املدينة من الروم‬
‫كانوا تسعني أل ًفا‪ ،‬ويردد ما روى من أن الروم بعثوا برسلهم إلى املسلمني يريدون‬
‫خديعتهم‪ ،‬يقولون لهم‪« :‬إنا نرى في كتبنا أن مدينتنا هذه ال تُفتح قبل نضج التني‬
‫والعنب وأنها ال يفتحها إال أبناء زناء» فضحك املعتصم وقال ‪« :‬أما فتحها قبل نضج‬
‫التني والعنب فذلك ما سأفعله إن شاء الله‪ ،‬وأما أنها ال يفتحها إال أبناء الزنا فمعي‬
‫من أبناء الروم الكفاية»‪.‬‬
‫(((‬
‫ويردد أبو متام ما روته احلقائق التاريخية فيقول‪:‬‬
‫���ش���رى َن ِ‬
‫ِ‬
‫َ���آس���اد ال َّ‬
‫��ت‬
‫ِت��س��ع��ونَ َأل��� ًف���ا ك‬
‫��ج ْ‬
‫��ض َ‬
‫���ج ال�� ِّت��ي��ـ ِ��ن َوال ِ‬
‫ُج���ل���و ُدهُ ���م َق���ب َ‬
‫���ب‬
‫���ع��� َن ِ‬
‫���ل ُن���ض ِ‬
‫ويختم أبو متام قصيدته بالدعاء للمعتصم بأن يكافئ الله سعيه ع ّما أسداه للدين‬
‫من جالئل األعمال ويصور بطولته تصوي ًرا بدي ًعا‪ ،‬فيرى أن (الراحة الكبرى) ال تتأتى‬
‫متت بنسب‬
‫إال على جسر من التعب واملشقة واملجالدة واملجاهدة ويرى أن فتوحاته ُّ‬
‫قريب إلى أيام بدر ‪،‬وأنها أذلت الروم ورفعت هامات العرب وج َّلت وجوههم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫َخ��ل��ي�� َف�� َة ال���� َل ِ‬
‫����ه ج�����ازى ال���� َل���� ُه َس���ع��� َي َ‬
‫���ك َع��ن‬
‫���وم ِ‬
‫س����ل���ام َو َ‬
‫����ب‬
‫����ن َوا ِإل‬
‫���ة ال���� ِّدي ِ‬
‫����س ِ‬
‫ُج���رث َ‬
‫ِ‬
‫احل َ‬
‫����راح ِ‬
‫َ���ره���ا‬
‫َب ُ‬
‫����ر َت ِب����ال َ‬
‫����ة ال���كُ���ب���رى َف��� َل���م ت َ‬
‫����ص ْ‬
‫ُت�����ن ُ‬
‫���ب‬
‫�����ر ِم������نَ ال���ت َ‬
‫َّ���ع ِ‬
‫�����س ٍ‬
‫�����ال ِإلاّ َع���ل���ى ِج ْ‬
‫ِ‬
‫����م‬
‫ص‬
‫ِإن ك����انَ َب��ي� َ‬
‫������روف ال��� َّد ِ‬
‫ن ُ‬
‫ه���ر ِم���ن َر ِح ٍ‬
‫����ر ُم���ن��� َق ِ‬
‫َم����وص����و َل ٍ‬
‫���ب‬
‫����ة َأو ِذ‬
‫م��������ام َغ����ي ِ‬
‫���ض ِ‬
‫ٍ‬
‫َف��� َب���ي���ـ���نَ َأ ّي ِ‬
‫������ك ال��ل�ات����ي ُن ِ‬
‫������ام َ‬
‫�����ر َت ِب��ه��ا‬
‫�����ص ْ‬
‫����ب‬
‫���������در َأ‬
‫ن َأ ّي‬
‫َو َب�����ي���� َ‬
‫����س ِ‬
‫�����������ام َب ٍ‬
‫ِ‬
‫ق�����������ر ُب ال���� َّن َ‬
‫َ‬
‫((( تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري د‪ .‬محمد جنيب البهبيتي ص ‪.497‬‬
‫‪- 50 -‬‬
‫��راض ك ِ‬
‫َ��اس ِ��م��هِ �� ُم‬
‫َأب�� َق��ت َب��ن��ي ا َألص�� َف ِ��ر ال��ـ ِ��م��م ِ‬
‫���وج ِ‬
‫���ر ِب‬
‫ص��ف َ��ر ال ُ‬
‫وج����� َه َ‬
‫ُ‬
‫���وه َو َج��� َّل���ت َأ ُ‬
‫ال���ع َ‬
‫(((‬
‫وال�ق�ص�ي��دة ب�ن��اء ملحمي ش��اه��ق ب��ل ه��ي كما وصفها د‪ .‬ش��وق��ي ضيف «أم‬
‫مالحمه»(((‪ ،‬وهي كما وصفها د‪ .‬الشكعة «من عيون الشعر العربي»(((‪ .‬وقد بلغ فيها‬
‫ابتهاجا‬
‫أبو متام الغاية من اإلبداع والقدرة على الوصف والتصوير «وهو فيها مبتهج‬
‫ً‬
‫ال ح َّد له بهذا الفتح املبني(((‪ .‬وقد شحنها بعواطفه الدينية والقومية ‪ ،‬وإنه ليهدر فيها‬
‫هدير الظافر املبتهج الذي تبددت أمامه جحافل األعداء واجنابت غياهب الظالم وحلت‬
‫مكانها أضواء النصر في مكان»(((‪.‬‬
‫وعلى هذا النحو كان للروم هذا احلضور الكبير في شعر أبي متام ‪ ،‬فصور‬
‫هزائمهم أمام جيوش املسلمني ‪ ،‬ووصمهم بالكفر والشرك ‪ ،‬وصور ملوكهم وبطارقتهم‬
‫وقوادهم وقد انهزموا وخشعوا لصولة املسلمني ‪ ،‬وسخر من (منويل) قائد الروم‬
‫و(توفيل) إمبراطور بيزنطة وأكثر من ذكر األماكن واملدن الرومية التي غزاها العرب‬
‫مثل درولية وعقرقس وقسطنطني وفروق وعمورية واألبسيق والزريق وقبذوق وماشان‬
‫والناطلوق وصاغرى (صقارية) وأوقفى والكالع وأكشوثاء والبقالر وخليج البوسفور‬
‫ونهر آلس وغيرها‪.‬‬
‫احلضور الفارسي في شعر البحتري‪:‬‬
‫يتمثل احلضور الفارسي في شعر البحتري من خالل سينيته في وصف إيوان‬
‫كسرى وتع ُّد من عيون الشعر العربي‪ ،‬وقد نالت إعجاب النقاد من قدامى ومحدثني‪،‬‬
‫((( املمراض‪ :‬الكثير املرض ‪ ،‬أي أن صفرتهم كانت من مرض ال من خلقة‪.‬‬
‫((( العصر العباسي األول ‪.283:‬‬
‫((( الشعر والشعراء في العصر العباسي ‪.670 :‬‬
‫((( العصر العباسي األول ‪.283:‬‬
‫((( املرجع السابق‪.285:‬‬
‫‪- 51 -‬‬
‫فقال ابن املعتز «ليس للعرب سينية مثلها(((» وع َّدها د‪ .‬شوقي ضيف «من روائع‬
‫الشعر العباسي»((( ووصفها د‪ .‬الشكعة بأنه «تعد فريدة في بابها براعة وصف ورقة‬
‫حس‪ ،‬وينبوع سحر‪ ،‬وإعجاز شعر»((( و «ع َّدها من معالم شعره ونفيس قصائده‪،‬‬
‫وثمني فرائده»((( ووصفها أنيس املقدسي بأنها «من عيون الشعر العربي»(((‪ ،‬وقال‬
‫عنها محقق دي��وان البحتري حسن كامل الصيرفي إنها «تعتبر من أروع ما في‬
‫الشعر العربي»(((‪ ،‬وقال عنها محمد صبري إنها «أجل قصيدة في الشعر العربي‬
‫وتعد بحق من آيات الشعر اخلالدة»(((‪ .‬وإنها‪« :‬زخرت ذلك احلد الدقيق الذي يفصل‬
‫بني الفحولة والعبقرية»‬
‫(((‬
‫ويرى بعض الباحثني أن البحتري نظم قصيدته عقب مقتل املتوكل مباشرة‪ ،‬ولكن‬
‫الصواب في تقديري ما ذهب إليه محقق ديوان البحتري من «أنها نظمت بعد هذا‬
‫احلادث بثالث وعشرين سنة أي في سنة ‪ 270‬هـ‪ ،‬فإن البحتري لم يتجه إلى إيوان‬
‫حجه ليمدح املنتصر‪..‬‬
‫كسرى عقب مقتل املتوكل بل اجته إلى احلجاز فحج وعاد من ّ‬
‫وإذا تقصينا ذكر اإليوان في شعر البحتري وجدنا أنه وارد في قصائده التي نظمها‬
‫في سنة ‪ 271‬هـ أي بعد مروره باإليوان‪ ،‬فهو يقول في مدح ابن ثوابة في البيت ‪19‬‬
‫من القصيدة رقم ‪:50‬‬
‫(((‬
‫َق�����د َم���� َدح����ن����ا ِإي����������وانَ ِك����س����رى َو ِج���ئ���ن���ا‬
‫ب�������ن َث����وا َب����ه‬
‫���ب ال��� ُّن���ع���م���ى ِم�����ن ِا ِ‬
‫َن���س���تَ���ث���ي ُ‬
‫((( أخبار أبي متام للصولي‪ ،‬ص ‪.72‬‬
‫((( العصر العباسي الثاني ‪ ،‬ص ‪.229‬‬
‫((( الشعر والشعراء في العصر العباسي‪ ،‬ص ‪.724‬‬
‫((( املرجع السابق‪ ،‬ص ‪.725‬‬
‫((( أمراء الشعر في العصر العباسي‪ ،‬ص ‪.252‬‬
‫((( ديوان البحتري ‪.1152 : 2‬‬
‫((( أبو عبادة البحتري‪ ،‬ص ‪.104‬‬
‫((( املرجع السابق‪ ،‬ص ‪.126‬‬
‫((( ديوان البحتري ‪( .1152 :2‬هامش الصفحة)‬
‫‪- 52 -‬‬
‫ويقول في القصيدة رقم ‪ 863‬وهو ميدح عبدون بن مخلد‪:‬‬
‫َور ٌة ُق������ ِّي َ‬
‫ي��������������وان ِك����س����رى‬
‫ِ‬
‫������ض ْ‬
‫������ت لإِ‬
‫ز َ‬
‫��������ر ْده��������ا ِك������س������رى َوال إي������وا ُن������ه‬
‫َل�������م ُي ِ‬
‫نظم البحتري قصيدته إذن وهو في قمة نضجه الفني وقد جتاوز السبعني من‬
‫عمره حني قام برحلة إلى املدائن ووقف أمام أطالل إيوان كسرى الذي كان أعجوبة‬
‫عصره‪ ،‬وقال عنه ياقوت‪ :‬إنه «قصر األكاسرة باملدائن‪ ،‬كان من عجائب الدنيا‪ ،‬لم يزل‬
‫قائ ًما إلى أيام املكتفي في حدود سنة ‪290‬هـ» كما ذكر أنه تعاون على بنائه عدة ملوك‪،‬‬
‫وقال إنه رآه وقد بقي منه طاق اإليواء ووصفه بأنه «عظيم ج ًدا» وهو يعرف اآلن باسم‬
‫طاق كسرى» ويقع على مسافة ‪ 30‬كيلو مت ًرا جنوبي بغداد‪ ،‬وعرض هذا الطاق‪25‬‬
‫(((‬
‫مت ًرا وارتفاعه ‪ 37‬مت ًرا‬
‫ف��اإلي��وان بهذا املعنى يحمل ع��دة دالالت‪ ،‬فهو شاهد على عظمة احلضارة‬
‫الفارسية‪ ،‬وشاهد كذلك على أنه لم ينج من سطوة الدهر‪ ،‬فقد حتول إلى أطالل بعد‬
‫ً‬
‫شامخا‪ ،‬وصار قف ًرا بعد أن كان يعج باحلياة وينبض بالعز والسلطان‪ ،‬وهو‬
‫أن كان‬
‫من ناحية أخرى مرادف لألطالل اجلاهلية التي طاملا وقف أمامها الشعراء متباكني‬
‫انقضاء الزمن ورحيل األحبة‪.‬‬
‫وقف البحتري أمام هذا البناء الشاهق ليتعزى به ويتأسى ويسترجع ماضيه‬
‫(((‬
‫ويحاسب نفسه ويطهرها مما علق بها من أوضار ودنس‪ ،‬وقد استهل قصيدته بقوله‪:‬‬
‫������س َن��ف��س��ي‬
‫ص����ن ُ‬
‫ُ‬
‫����ت َن���ف���س���ي َع ّ‬
‫����م����ا ُي������ َد ِّن ُ‬
‫�������ع�������ت َع�������ن َج���������� َدا ُك ِّ‬
‫����س‬
‫َ�������ر َّف‬
‫��������ل ِج����ب ِ‬
‫ُ‬
‫َوت َ‬
‫ن َزع�����ز ََع�����ن�����ي ال���� َدهْ ����ـ‬
‫مَ�����اس‬
‫�����ك�����ت ح���ي�� َ‬
‫ُ‬
‫َوت َ‬
‫ـ����� ُر ال ِ‬
‫���اس���ا ِم����ن���� ُه ِل���تَ���ع���س���ي َو َن���ك���س���ي‬
‫���ت���م ً‬
‫((( معجم البلدان‪.295-294 :1‬‬
‫((( ديوان البحتري ‪ 1152 :2‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪- 53 -‬‬
‫ص�����ب�����ا َب ِ‬
‫����ي����ش ِع���ن���دي‬
‫ال����ع‬
‫�����ة‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُب����� َل����� ٌغ ِم������ن ُ‬
‫َ����ط����ف����ي َ‬
‫َط���� َّف���� َف����تْ����ه����ا ا َأل ّي�������������ا ُم ت ْ‬
‫���خ���س‬
‫����ف َب‬
‫ِ‬
‫وار ِد ِر َف ٍ‬
‫�����������ه‬
‫�����ي�����ن‬
‫َو َب�������ع�������ي������� ٌد م�������ا َب‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����س‬
‫وار ِد ِخ�����م ِ‬
‫َع�������� َل ٍ‬
‫��������ل ُش���������ر ُب��������� ُه َو ِ‬
‫�������ح َم���ح���م���و‬
‫َوكَ���������������� َأنَّ ال�������� َّزم��������انَ َأص������� َب َ‬
‫�����������س‬
‫��������������س ا َأل َخ‬
‫���������ع ا َأل َخ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫لاً هَ �������������وا ُه َم َ‬
‫ِ‬
‫َو ِاش ِ‬
‫������راق ُخ َّ‬
‫َ‬
‫����ط����ة َغ��� ْب���ـ ٍ���ن‬
‫ال������ع‬
‫������ت������رائ������ي‬
‫َ‬
‫ك������س‬
‫�����ع����� َة َو‬
‫َب�����ع����� َد َب���ي���ع���ي‬
‫ِ‬
‫ال������ش������آ َم َب����� ْي َ‬
‫ِ‬
‫�����������������زاولاً لاِ‬
‫خ�����ت�����ب�����اري‬
‫ال تَ��������� ُرز ِْن���������ي ُم‬
‫ِ‬
‫َب����ع���� َد هَ �������ذي ال���� َب����ل����وى َف���� ُت����ن ِ‬
‫���س���ي‬
‫����ر َم ّ‬
‫����ك َ‬
‫ٍ‬
‫�����ن�����ات‬
‫مي���������ا َع������هِ ������ ْدتَ������ن������ي ذا هَ‬
‫َو َق���������د ً‬
‫��������ات َع�����ل�����ى ال������� َّد ِن������� ِّي ِ‬
‫ِآب�������� َي ٍ‬
‫�����س‬
‫�������ات ُش����� ْم ِ‬
‫����م����ي‬
‫َو َل�������� َق��������د را َب�������ن�������ي‬
‫ُّ‬
‫ن�����ب�����و ِاب����������ن َع ّ‬
‫�����ان����� َب�����ي ِ‬
‫����ي���ن ِم��������ن ج ِ‬
‫�����ه َو ُأن���������س‬
‫َب������ع������ َد ل ٍ‬
‫������ن������ت ح����ر ًي����ا‬
‫�����ف�����ي�����ت ُك‬
‫َِو ِإذا م������ا ُج‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫���ح َح����ي ُ‬
‫����ث ُأم���س���ي‬
‫����ر ُم‬
‫ِ‬
‫���ص���ب ٍ‬
‫َأن أرى َغ����ي َ‬
‫لقد بدأ البحتري قصيدته بجملة فعلية تامة األرك��ان تقرر حقيقة هامة تتصل‬
‫بحياة البحتري مؤداها أنه صان نفسه عن كل ما يدنسها ويعيبها وترفع عن استجداء‬
‫كل «جبس» وهو وصف للجبان واللئيم والفاسق والثقيل ال��روح‪ ،‬وكأنه يرى أن كل‬
‫من مدحهم تنطبق عليهم تلك الصفات‪ ،‬وكأن البحتري استهل قصيدته باملصاحلة مع‬
‫الذات‪ ،‬وكأن وقفته أمام األطالل الكسروية أزالت الغشاوة من حول عينيه‪ ،‬ووضعت‬
‫أمامه احلقيقة املجردة ونبهته إلى أنه أخطأ في حق نفسه حني أراق ماء وجهه أمام‬
‫ممدوحيه بدافع امللق والنفاق وامل��ال‪ ،‬ولكنه اكتشف في وق��ت متأخر وبعد أن بلغ‬
‫‪- 54 -‬‬
‫ً‬
‫باهظا من كرامته وأحس أنه خسر ذاته وانغمس في حمأة‬
‫الشيخوخة أنه دفع ثمنًا‬
‫الدنس‪ ،‬فقد مدح من ال يستحقون املديح‪ ،‬وتقلب في مواقفه من أجل إرضاء ممدوحيه‪،‬‬
‫وارت�ك��ب خطيئة حني م��دح املنتصر ال��ذي ش��ارك في قتل أبيه املتوكل في حضور‬
‫البحتري‪ ،‬وحني وقف أمام اإلي��وان الذي حتول إلى أطالل أدرك أن كل شيء يفني‬
‫ويتهاوى ويشيخ‪ ،‬وآمن أن احترام الذات وتطهيرها أثمن من أموال الدنيا جمي ًعا‪ ،‬ولعل‬
‫في تكرار كلمة (نفسي) ما يؤكد صحوة الشاعر وتشبثه بذاته التي فقدها زمنًا طويلاً ‪.‬‬
‫لقد أحس البحتري أن نفسه قد تهدمت وحتولت إلى أطالل كاإليوان الذي يقف‬
‫أمامه ونراه في البيت الثاني يبدو متماس ًكا ثابتًا أمام سطوة الدهر الذي يستهدفه‬
‫ويسعى إلى انتكاسته وتعاسته‪.‬‬
‫وحني ينظر البحتري إلى ما حصده في رحلة العمر املمتدة فال يجد إال ما يكفيه‬
‫من أسباب العيش وال يفضل منه شيء‪ ،‬فقد بخست األيام مكاسبه وما جمعه من مال‬
‫وما متتع به من شباب وعافية وطففت ذلك كله أي نقصته غبنًا وظل ًما‪.‬‬
‫ويمُ ثل البحتري حاله وهو في شظف من العيش بصورة بدوية فيعقد مقارنة بني‬
‫من يعيش مرف ًها ينعم بطيب العيش ولينه وبني من يعاني الظمأ واجلوع‪ ،‬والبونُ بعيد‬
‫بني نوعني من اإلبل‪ ،‬اإلبل التي رفهت أي وردت املاء واملرعى متى شاءت‪ ،‬واإلبل الظماء‬
‫التي ترعى ثالثة أيام وترد املاء في اليوم الرابع كناية عن طائفتني من البشر‪ ،‬إحداهما‬
‫تعاني احلرمان وضيق العيش وهي التي ينسب البحتري نفسه إليها‪ ،‬واألخرى كاإلبل‬
‫املرفهة التي تنعم بطيب العيش‪ ،‬ونحن نستغرب أن يكون هذا هو حال البحتري الذي‬
‫ً‬
‫فاحشا‪ ،‬وامتلك الضياع واألراضي إال أن يكون الدهر‬
‫أثرى من التكسب مبدائحه ثراء‬
‫قد سلب منه كل شيء وهو ما يفسر حملته على الدهر الذي استهدفه وناله بخطوبه‬
‫وها هو يحمل مرة أخرى على الزمان فيراه مييل مع أنذال الناس‪ ،‬ويظلم خيارهم‪.‬‬
‫‪- 55 -‬‬
‫وفي معرض محاسبة النفس ومراجعتها يشعر البحتري بالندم ألنه ترك (الشام)‬
‫موطنه وأقام أكثر عمره في العراق‪ ،‬وهو ما يعني اخلسران والنقصان في معرض‬
‫البيع والشراء‪ ،‬فلو استدبر ما فات من عمره لقنع بالعيش في وطنه‪ ،‬وصان نفسه عن‬
‫التبذل واالمتهان واملذلة‪.‬‬
‫هل تعرض البحتري حملنة في أخريات حياته جردته من كل شيء؟ إن املصادر‬
‫التي ترجمت له لم تُفصح عن شيء من ذلك؟ ولكن البحتري يشير في البيت السابع‬
‫إلى ما يشبه ذلك فيستخدم لفظ (البلوى) وهو ما يوحي بأن أم ًرا جللاً قد أصابه‪ ،‬أو‬
‫أنه تعرض حملنة ما‪ ،‬وقد جاء اخلطاب غير محدد في صيغة النهي «ال ترزني» فمن‬
‫ذا الذي يجرب البحتري ويختبره بعد هذه البلوى؟ لعله الدهر أو شخص ما وإن كان‬
‫البحتري يبدو واث ًقا من قدرته على مواجهة اخلطوب‪ ،‬فكل من يحاول اختباره وابتالءه‬
‫سيراه أب ًيا عني ًفا منكر اجلانب‪ ،‬ولقد كان هذا دأبه في كل حال‪ ،‬فقد متتع بخصال‬
‫عنيدة ال ترضى باخلسيس ال��دون وتأنف من الدنايا واملذلة وكأنه يسترجع طباعه‬
‫املتأصلة في نفسه قبل أن يشينها التكسب وإراقة ماء الوجه‪.‬‬
‫ويشكو البحتري في البيت التاسع من جفاء ابن عمه ونفوره منه وإعراضه عنه‬
‫بعد ما عهده فيه من لني وألفة‪ .‬وقد ذهب بعض الشراح إلى أنه يقصد بقوله‪(:‬ابن‬
‫عمي) الراهب عبدون بن مخلد‪ ،‬فهو من أصل ميني مثله يرجع نسبه إلى احلارث‬
‫ابن كعب‪ ،‬فهو مذحجي‪ ،‬والشاعر طائي‪ ،‬ويستدلون على ذلك بأن البحتري نظم هذه‬
‫القصيدة في احلقبة التي زار فيها عبدون بن مخلد ووجه إليه القصيدة رقم (‪)752‬‬
‫التي يعتذر له فيها ويقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�����ت َن���ف���س���ي‬
‫������ط������اء ا ِإل َل‬
‫ِم�������ن َع‬
‫�������������ه َب����� َّل�����غ ُ‬
‫ص����و َن����ه����ا ُث������ َّم ِم�����ن َع�����ط ِ‬
‫���م���ي‬
‫�����اء ِاب ِ‬
‫��������ن َع ِّ‬
‫َ‬
‫‪- 56 -‬‬
‫ويقول فيها‪:‬‬
‫َ‬
‫ع����������������راض َع������ ّن������ي َق�����ض�����ا ٌء‬
‫َوكَ���������������� َأنَّ ا ِإل‬
‫ِ‬
‫ف�������اص ٌ‬
‫َ‬
‫�������ل َع��������ن َأ ِل��������� َّي ٍ‬
‫����ت����م‬
‫���������ة ِم‬
‫������ن������ك َح ِ‬
‫وقد ذكر هذه العمومة في قصائد (‪ )222‬و (‪ ((()230‬وهناك من يرى أنه «رمبا‬
‫كان يريد به اخلليفة املنتصر‪ ،‬فالبحتري قحطاني ميني‪ ،‬واخلليفة عدناني‪ ،‬وقحطان‬
‫وعدنان كأنهما أخوان‪ ،‬ألنهما أبوا العرب‪ ،‬وعليه يكون البحتري قد قال هذه القصيدة‬
‫بعد مقتل املتوكل وإعراض املنتصر عنه‪ ،‬بعد أن هجاه في رثاء أبيه‪.‬‬
‫(((‬
‫ويرى د‪ .‬شوقي ضيف أنه يرمز بنب ِّو ابن عمه عنه لقتل املتوكل «فإن أح ًدا من‬
‫أهل بيته أو من أبناء عمومته لم ينصره‪ ،‬بل لقد اشترك ابنه وولي عهده املنتصر في‬
‫مؤامرة قتله‪.‬‬
‫(((‬
‫ولعل ال��رأي األول هو األق��رب إل��ى الصحة‪ ،‬ورمب��ا تعرضت عالقته ب��ان عمه‬
‫الراهب عبدون بن مخلد إلى أزمة شديدة بسبب خذالنه في العطاء حني مدحه أو غير‬
‫ذلك مما أثر في نفسية البحتري ودعاه إلى صون نفسه عن التبذل‪ ،‬وهو ما أشار إليه‬
‫بعد ذلك حني حتدث عن صون نفسه عن عطاء ابن عمه ولذلك ع َّبر البحتري عن رد‬
‫فعله إزاء هذا اجلفاء في البيت العاشر بأنه يرحل عن هذا املكان سري ًعا‪ ،‬فال يصبح‬
‫فيه حتى ميسي في سواه داللة على ما يتصف به من عزة نفس وإباء‪ ،‬وال نستبعد‬
‫أن تكون رحلة البحتري إلى «املدائن» ووقفته أمام إيوان كسرى بسبب هذا اجلفاء‬
‫بينه وبني ابن عمه أو نتيجة للهموم التي تكالبت عليه‪ ،‬فأراد أن ينفس عن نفسه ال‬
‫سيما وقد تقدم به العمر وحاصره املشيب «واستيقظ من غفوته الطويلة ليجد نفسه‬
‫أمام واقع نفسي أليم‪ ،‬تسيطر عليه فيه الكآبة‪ ،‬ويدب في نفسه األسى‪ ،‬فراح يفكر‬
‫((( الرأي حملقق ديوان البحتري ‪(1152 : 2‬هامش الصفحة)‪.‬‬
‫((( الرأي للدكتور أحمد بدوي في كتاب (البحتري) ص ‪(98‬هامش رقم ‪.)7‬‬
‫((( العصر العباسي الثاني‪ ،‬د‪ .‬شوقي ضيف‪.229:‬‬
‫‪- 57 -‬‬
‫اً‬
‫في الزمن‪ ،‬ويفكر ً‬
‫«معادل موضوع ًّيا»‬
‫أيضا في نفسه‪ ،‬وحاول أن يكتشف ألحزانه‬
‫يطمئن إلى صالحيته لتصوير حقيقة جتربته‪ ،‬فوجد ضالته قائمة أمامه‪ ،‬شهد لها‬
‫الزمن بالصمود طويلاً ‪ ،‬كما شهد عليها باالنهيار والتدهور‪ ،‬وكأنها بلغت ً‬
‫أيضا سن‬
‫وعندئذ وقف البحتري يستبطن ذاته‪ ،‬ويسقط معاناته النفسية‬
‫املشيب الذي أصابه‪،‬‬
‫ٍ‬
‫على «إيوان كسرى» دون حاجة إلى كسب رضا خليفة ما‪ ،‬أو حرص على تقليد شاعر‬
‫من األسالف أو من معاصريه‪ ،‬كما كان في غير هذه القصيدة من شعره‪ .‬وقد أفسح‬
‫«اإليوان» املجال إلفراغ التجربة احلزينة للبحتري‪ ،‬فهو مقر األكاسرة باملدائن عاصمة‬
‫الفرس وكان من عجائب الدنيا‪.‬‬
‫(((‬
‫ولنا وقفة مع الدفقة الثانية من القصيدة التي يصف فيها البحتري رحلته إلى‬
‫(املدائن) عاصمة الفرس القدمية‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫َح َ‬
‫����ه����ـ‬
‫�����ي‬
‫ُ‬
‫����و َّج ْ‬
‫ال����ه����م����و ُم َف َ‬
‫������ض َ‬
‫������ر ْت َرح����� ِل َ‬
‫ال����ـ����م ِ‬
‫����ن َع��ن��س��ي‬
‫�����ض‬
‫ـ�����ت ِإل�������ى َأب����� َي ِ‬
‫����دائ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫��������ظ��������وظ َوآس��������ى‬
‫احل‬
‫َ�������س������� ّل�������ى َع����������نِ‬
‫َأت َ‬
‫�����ح ٍّ‬
‫رس‬
‫�����ل ِم�������ن آلِ س������اس������انَ َد ِ‬
‫ِل�����ـ َ‬
‫�����م َ‬
‫َأذك ِ‬
‫�����ه����� ُم ُ‬
‫�������وب ال����تَّ����وال����ي‬
‫اخل�������ط‬
‫َ�����رت�����ن�����ي ُ‬
‫ُ‬
‫َو َل������� َق�������د ُت ِ‬
‫�������ذك������� ُر ُ‬
‫�������وب َو ُت����ن����س����ي‬
‫اخل�������ط‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫خ������اف������ض������ونَ ف������ي ِظ ِّ‬
‫ع������ال‬
‫����������ل‬
‫َوهُ ������������� ُم‬
‫ٍ‬
‫�����ش�����ر ٍف َي����ح ِ‬
‫����ع����ي����ونَ َو ُي���خ���س���ي‬
‫ُم‬
‫ِ‬
‫����س���� ُر ال ُ‬
‫�����ق ب������ا ُب������ ُه َع�����ل�����ى َج������ َب������لِ ال��� َق���ب���ـ‬
‫ُم�����غ����� َل ٍ‬
‫ٍ‬
‫�����ك�����س‬
‫�����ل����اط َو ُم‬
‫َ���������������ي ِخ‬
‫دارت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ـ�������ق ِإل���������ى َ‬
‫ْ‬
‫ِح������ َل ٌ‬
‫������ل َل�������م َت�����ك�����نْ كَ�������� َأط����ل���الِ ُس����ع����دى‬
‫����س‬
‫�����س ُم���� ْل ِ‬
‫�����اب ِ‬
‫������ار ِم��������نَ ال����� َب�����س ِ‬
‫ف�����ي ِق������ف ٍ‬
‫((( سينية البحتري‪ .‬البعد النفسي واملعارضة‪ ،‬د‪.‬عبد الله التطاوي‪ ،‬دار غريب للطباعة‪ ،‬ص‪.17-16‬‬
‫‪- 58 -‬‬
‫ال����ـ����م����ح����اب����ا ُة ِم���� ّن����ي‬
‫��������س��������اع َل���������وال‬
‫َو َم‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫َل�����م ُت ِ‬
‫����ب����س‬
‫����ن����س َو َع‬
‫���ط���ق���ه���ا َم����س����ع����ا ُة َع‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َن������ َق َ‬
‫���������ن ا ْل������ـ‬
‫������ل ال������� َّده������� ُر َع������ه������ َدهُ ������نَّ َع ِ‬
‫����س‬
‫ِج��������� َّد ِة َح����تّ����ى َر َج�����ع�����نَ َأن�����ض�����ا َء ُل���� ْب ِ‬
‫اجل�������رم�������ا َز ِم�������ن َع����������� َد ِم ا ُألن�������ـ‬
‫َف�������كَ������� َأنَّ ِ‬
‫ِ‬
‫������������ه َب ِ‬
‫م���������س‬
‫�������ن������� َّي������� ُة َر‬
‫ـ���������س َو ِإخ������ل�����ا ِل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�����م�����ت َأنَّ ال���� َل����ي����ال����ي‬
‫َل��������و تَ�������������را ُه َع����� ِل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ف����ي����ه َم مَ ً‬
‫�������رس‬
‫�������أت�������ا َب�����ع����� َد ُع‬
‫�����ت‬
‫ِ‬
‫�����ع����� َل ْ‬
‫َج َ‬
‫ِ‬
‫ه����������و ُي����ن����ب����ي َ‬
‫�������وم‬
‫����ك َع�������ن َع‬
‫َو‬
‫�����ج�����ائ ِ‬
‫َ‬
‫�����ب َق ٍ‬
‫����س‬
‫ال ُي‬
‫������ش������اب ال����� َب�����ي�����انُ ف����ي����هِ ����م ِب���� َل����ب ِ‬
‫ُ‬
‫إن البحتري يص ِّدر أبياته بصورة مجازية أخاذة‪ ،‬وهي املاثلة في قوله‪« :‬حضرت‬
‫رحلى الهموم» فقد ربط الهموم التي حاصرته واألح��زان التي استبدت به بالرحل‬
‫وجعلهما في عالقة تالزم‪ ،‬وقد دفعته هذه الهموم إلى الرحلة إلى املدائن ممتط ًيا ناقته‬
‫القوية الصلبة‪ ،‬وقد وجد في هذه الرحلة تعزية وسلوى ال عن الهموم فحسب بل عن‬
‫(احلظوظ) و(املقادير) فإن هذه األطالل الكسروية خير شاهد على أن كل شيء يؤول‬
‫ً‬
‫شامخا جدي ًدا طالته يد الدهر فدرس وعفا أثره‪،‬‬
‫إلى الفناء وال يدوم على حال‪ ،‬فما كان‬
‫ولكن ما الذي ذ ّكره بآل ساسان‪ ،‬وما الذي جعله يستحضر سيرة أكاسرة الفرس؟‬
‫إن البحتري يعزو ذلك إلى «اخلطوب التوالي»‪ ،‬وما أشد هذه اخلطوب التي عاصرها‬
‫البحتري وجت��ذرت بصورتها القامتة في ذاكرته‪ ،‬فهو لم ينس حادثة مقتل املتوكل‬
‫أمام عينيه وقد سفك الترك دمه مبباركة ابنه املنتصر‪ ،‬وهو لم ينس كيف دالت دولة‬
‫الفرس القدمية بأمجادها وحضارتها‪ ،‬ولم ينس زوال سلطانهم في اخلالفة العباسية‬
‫وإحالل الترك محلهم‪ ،‬ولم ينس كذلك اخلطوب التي تعرض لها بعض الوزراء والكتاب‬
‫والشعراء وما صادفهم من محن أودت بحياتهم‪.‬‬
‫‪- 59 -‬‬
‫إن كل هذه الصور احلزينة ظلت محفورة في ذاكرة البحتري وإن كانت صورة‬
‫وإحلاحا على ذاكرته‪ .‬إنه يتذكر أيام مجدهم وهم يعيشون‬
‫(آل ساسان) أشد حضو ًرا‬
‫ً‬
‫في رغد ونعيم وقد اتسعت مملكتهم بحدودها وما يكتنفها من شواهق اجلبال وقد‬
‫بنى أنوشروان سو ًرا عظي ًما يحيط مبملكته وقد أحلقه بقمم اجلبال وجعل عليه با ًبا‬
‫مني ًعا بحيث ال يجرؤ أحد على االقتراب منه ‪ .‬إنه يتذكر األكاسرة العظام وهم يسكنون‬
‫قصورهم الباذخة الفخمة التي ارتفعت حتى يصعب على العيون املجردة أن تتبني‬
‫ارتفاعها فترتد كليلة حسيرة إذا نظرت إليها وحاولت أن حتيط بها‪.‬‬
‫اً‬
‫شمال من باب األبواب‬
‫ويشير البحتري إلى اتساع مملكة الفرس وامتدادها‬
‫على بحر قزوين إلى جبال أرمينية أو من جبل (القبق) أو القوقاز إلى (خ�لاط) و‬
‫(مكس) من حدود أرمينية من ناحية البسفور وقد امتدت حولها األسوار وحتصنت‬
‫وأغلقت أبوابها‪.‬‬
‫وال يستنكف البحتري وهو العربي أروم��ة أن يقارن بني حياة الفرس الناعمة‬
‫وحياة العرب اخلشنة املتقشفة‪ ،‬فيعترف بتفوق الفرس احلضاري‪ ،‬فالبون شاسع‬
‫بني حضارة الفرس القدمية وما خلفوه من آثار ومنازل وبني «أطالل سعدى» وغيرها‬
‫املنتشرة في قفار موحشة ال حياة فيها‪.‬‬
‫وميضي البحتري في مفاضلته دون تعصب أو حتيز كاش ًفا عن سلوكه املتحضر‬
‫وجترده من الهوى والعصبية فيرى أن مفاخر الفرس ومكارمهم ال تقدر عليها القبائل‬
‫العربية‪ ،‬يستوى في ذلك (عنس) التي ترمز إلى القبائل اليمنية‪ ،‬و(عبس) التي ترمز‬
‫إلى القبائل العدنانية أو املضرية في جند‪.‬‬
‫وهناك بعد نفسي نستطيع في ضوئه أن نفسر تعريض البحتري بالقبائل العربية‬
‫واإلشادة بتفضيل الفرس على العرب وهو تفريغ شحنة الغضب والثورة املتأججة في‬
‫‪- 60 -‬‬
‫أعماقه بسبب أزمة «اجلفاء» التي كان لها أثر كبير في نفسه‪ ،‬باإلضافة إلى ما عاصره‬
‫من أحداث وفنت ومؤامرات جعلته ناق ًما على العرب‪.‬‬
‫وإذا كان البحتري قد شكا من استهداف الدهر له‪ ،‬وتصدى له حني زعزعه‬
‫وح��اول أن ينتكسه وينال منه‪ ،‬فإنه لم ينس ص��ورة الدهر بسطوته وجبروته‪ ،‬فقد‬
‫ميا وأبلى‬
‫استهدف «آل ساسان» فق َّوض دولتهم‪ ،‬وأح��ال حالهم‪ ،‬فصار اجلديد قد ً‬
‫منازلهم وقصورهم بعد اجلدة فغدت دوارس ترتدي ثيا ًبا بالية‪.‬‬
‫ويشبه البحتري إي��وان كسرى ويعني بالفارسية (ك��رم��ازي) وع� َّرب��ه فسماه‬
‫«اجلرماز» يشبهه حني رآه طللاً‬
‫دارسا قد خال من األنس أو اإلنس ومن الترف والنعيم‬
‫ً‬
‫وكل مظاهر احلياة بقبر ضخم يقف شاه ًدا على حضارة الفرس التي ق َّوضها الدهر‪.‬‬
‫إن من يرى هذا اإليوان العظيم وقد حتول إلى أطالل وصار يشبه القبر الضخم‬
‫ي��درك أن الزمن أح��ال كل ما كان فيه من أع��راس إلى م��آمت‪ .‬إنه يستخدم الصورة‬
‫بداللتها النفسية التي توحي بالوحشة واالنقباض والكدر‪ ،‬وترصد التحول من ألق‬
‫احلياة إلى سكون املوت‪.‬‬
‫وبالرغم مما أص��اب اإلي��وان من ضربات الدهر فإنه يظل شاه ًدا على عظمة‬
‫حضارة الفرس وما أجنزوه من معجزات وعجائب ال يستطيع البيان أن يغض الطرف‬
‫عنها أو يبخسها حقها أو يقصر عن وصفها‪.‬‬
‫ونأتي إلى هذه اللوحة الرائعة التي يتحفنا بها البحتري‪ ،‬وفيها يقول‪:‬‬
‫ص�������������ور َة َأن َ‬
‫�����ط�����ا‬
‫ي���������������ت‬
‫َو ِإذا م������ا َر َأ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫����������رس‬
‫روم َو ُف‬
‫ِ‬
‫��������ت َب����ي��� َ‬
‫َ��������ع َ‬
‫ِك������ َّي������ َة ارت ْ‬
‫ن ٍ‬
‫ِ‬
‫���������واث ٌ‬
‫َ‬
‫���������ر‬
‫���������ل َو َأ‬
‫�����م�����ن�����اي�����ا َم‬
‫َوال�����ـ َ‬
‫ن���������وش ْ‬
‫���ص���ف َ‬
‫����س‬
‫حَ����ت ال���� ِّد َرف ِ‬
‫���وف ت َ‬
‫وانَ ُي���زج���ى ال ُّ‬
‫‪- 61 -‬‬
‫ِ‬
‫ص����ـ‬
‫ف���ي‬
‫����رار ِم�����نَ ال��� ِل���ب ِ‬
‫اخ����ض ٍ‬
‫���اس َع���ل���ى َأ ْ‬
‫����ب����ي����غ ِ‬
‫���������ر َي�����خ�����ت ُ‬
‫َ‬
‫رس‬
‫ص‬
‫����ة َو ِ‬
‫�����ال ف�����ي َ‬
‫َف َ‬
‫�����ي�����ن َي������� َدي ِ‬
‫ُ‬
‫�������ه‬
‫�������������������راك ال���������� ِّرج����������الِ َب‬
‫َو ِع‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫�����رس‬
‫ف����ي ُخ‬
‫������اض َج ِ‬
‫���ه���م َو ِإغ������م ِ‬
‫����ف����وت ِم���ن ُ‬
‫����ح َي�����ه�����وي ِب�����ع ِ‬
‫م������ح‬
‫�����ام�����لِ ُر ٍ‬
‫ِم������ن ُم����ش����ي ٍ‬
‫������رس‬
‫ال������س‬
‫َو ُم‬
‫������ن������ان ِب������ ُت ِ‬
‫ِ‬
‫������ل������ي������ح ِم����������نَ‬
‫ِّ‬
‫ٍ‬
‫ت ِ‬
‫َ������ص ُ‬
‫�������ه�������م ِج�������� ُّد َأح����ي����ا‬
‫������ف‬
‫ال������ع���ي�� ُ‬
‫ن َأ َّن ُ‬
‫َ‬
‫�������رس‬
‫ش����������������ار ُة ُخ‬
‫����ه����م ِإ‬
‫ِ‬
‫������ه������م َب����ي���� َن ُ‬
‫ٍء َل ُ‬
‫َ‬
‫َي�����غ�����تَ�����ل�����ي ف�����ي�����هِ �����م ِإ ِ‬
‫رت����������اب����������ي َح�����تّ�����ى‬
‫������س‬
‫تَ���������تَ��������� َق��������� ّراهُ ��������� ُم َي‬
‫�����������������داي ِب������ َل������ ْم ِ‬
‫َ‬
‫لقد انبهر البحتري مبا نُقش على إيوان كسرى من رسوم وصور ونقوش تسجل‬
‫أمجاد الفرس وانتصاراتهم‪ ،‬ومنها رسوم معركة أنطاكية التي دارت رحاها بني الفرس‬
‫والروم سنة ‪ 540‬هـ ميالدية‪ ،‬وقد جسدت شجاعة الفرس ومجدهم احلربي‪ ،‬وقد ظلت‬
‫هذه النقوش حتتفظ بألوانها وخطوطها التي أبدعتها عبقرية الرسام الفارسي‪ ،‬وقد‬
‫وقف البحتري مشدوها مسحو ًرا أمام براعة هذه النقوش وجمالها ودقتها والقدرة‬
‫البارعة على جتسيدها حتى ليخيل للناظر أنه يرى املعركة رأي العني‪ ،‬وقد أبدى‬
‫البحتري مهارة عجيبة في وصف ما رآه وفي التعبير عن أحاسيسه إزاء ما يشاهده‪.‬‬
‫لقد شاهد البحتري صور معركة أنطاكية وكأنها جتسدت أمامه فو َّلدت لديه‬
‫إحساسا بالرعب والرهبة وهو يشاهد جموع الفريقني املتحاربني من فرس وروم‪.‬‬
‫ً‬
‫إنه يرى كسرى قائد الفرس وهو يقود جيشه ويحث جنوده على الهجوم حتت‬
‫الراية الفارسية العظمى وقد ارتدى ز َّيه األخضر وامتطى صهوة جواده بلونه الضارب‬
‫إلى الصفرة وقد اختال في لونه املائل إلى احلمرة‪ ،‬وقد أخذ اجلنود يقتتلون بني يديه‬
‫وهم صامتون ال صوت لهم وال جلبة بينما شبح امل��وت يرفرف حولهم‪ ،‬والفرسان‬
‫‪- 62 -‬‬
‫يتوزعون بني مهاجم ومدافع‪ ،‬ومقبل ومدبر‪ ،‬فمنهم من يهوي بسنان رمحه في خوف‬
‫وح��ذر‪ ،‬ومنهم من يتقي نصل الرماح والسيوف بالتروس الفوالذية‪ ،‬وقد ُخ ّيل إلى‬
‫البحتري من دقة الرسوم أنه يرى معركة حقيقية وفرسانًا أحياء يقتتلون في صمت‪،‬‬
‫وقد وصل الظن أو الشك به إلى درجة اليقني حتى يقترب من هذه الصور أو الرسوم‬
‫فيلمسها بيديه ويتحسسها في رهبة وخشوع ليقطع الشك باليقني‪.‬‬
‫وبقدر ما أبدع الرسام الفارسي في نقوشه ورسومه‪ ،‬بقدر ما أبدع البحتري في‬
‫الوصف والتصوير «فهو قدير على تصوير ما يرى‪ ،‬تصوي ًرا ينقل إليك الصورة‪ ،‬لتتأثر‬
‫بها كما تأثر‪ ،‬ثم ال يقف عند حدود هذا التصوير‪ ،‬بل يصف لك إحساسه وشعوره إزاء‬
‫ما يصف‪ ،‬فهو يشرك عينه وقلبه في رسم ما يريده»‬
‫(((‬
‫وينقلنا البحترى من أج��واء معركة أنطاكية إل��ى ه��ذا املشهد احللمي‬
‫العجيب‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫�����ص����� ِّر ْد َأب������و ال َ‬
‫���غ���و‬
‫َق�����د َس���ق���ان���ي َو َل�������م ُي َ‬
‫���س‬
‫�����ر َب����� َة ُخ���ل ِ‬
‫ِث َع���ل���ى ال َ‬
‫����ع����س����ك َ‬
‫َ����ر ْي����نِ َش ْ‬
‫�������������دام ت ُ‬
‫جَ������ ٌم‬
‫�������������ي ن‬
‫ِم�������ن ُم‬
‫َ����ظ���� ُّن����ه����ا َوهْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫����������و َأ ال���� َل����ي َ‬
‫َ‬
‫���س‬
‫�����اج����� ُة َش���م ِ‬
‫ض َّ‬
‫����ل َأو ُم�����ج َ‬
‫َوتَ���������راه���������ا ِإذا َأ َج������������������ َّد ْت ُس������������رو ًرا‬
‫َو ِا ِ‬
‫���س���ي‬
‫رت‬
‫������ي������اح������ا ِل�����ل�����ش ِ‬
‫�����ار ِب ال���ـ ُ‬
‫ً‬
‫���م���ت َ‬
‫َ���ح ّ‬
‫������اج ِم�����ن ك ِّ‬
‫���ب‬
‫ُأ ِ‬
‫ف������ر َغ ْ‬
‫������ت ف����ي ال������ ُّزج ِ‬
‫ُ������ل َق���ل ٍ‬
‫������ي َم�����ح�����ب�����و َب����� ٌة ِإل���������ى كُ ِّ‬
‫����س‬
‫���������ل َن����ف ِ‬
‫َف ْ‬
‫������ه َ‬
‫�������م�������ت َأنَّ ِك�����س�����رى َأ َب�������رو ْي�������ـ‬
‫َ�������وهَّ‬
‫ُ‬
‫َوت َ‬
‫ِ‬
‫�����ه����� َب����� َذ ُأن����س����ي‬
‫ـ������� َز ُم‬
‫�����ي َوال����� َب����� َل ْ‬
‫�����ع�����اط َّ‬
‫((( البحتري‪ ،‬د‪ .‬أحمد بدوي ‪.55 :‬‬
‫‪- 63 -‬‬
‫������ش ِّ‬
‫����ط����ب ٌ‬
‫����ق َع����ل����ى ال َّ‬
‫������ك َع��ي��ن��ي‬
‫ُح������ ُل������ ٌم ُم‬
‫ِ‬
‫�������رنَ َظ����� ّن�����ي َو َح�����دس�����ي‬
‫َأم َأ‬
‫ٍ‬
‫م����������ان َغ������� َّي ْ‬
‫إن هذا املقطع اخلمري ال ينفصل عن بنية القصيدة كما قد يتوهم البعض وإمنا‬
‫يتالحم معها ‪ ،‬فهو موظف توظي ًفا فن ًّيا جي ًدا في خدمة هذا العمل الفني الفريد‪ ،‬فقد‬
‫اندمج البحتري في التجربة وانصهر في بوتقة احلدث انصها ًرا تا ًما‪ ،‬فلجأ إلى اخلمر‬
‫بوصفها وسيلة لالنفصال عن الواقع الكئيب الذي عاشه‪ ،‬وتوهم ‪ -‬وابنه أبو الغوث‬
‫يسقيه املدام بكثرة في شربة مختلسة سريعة أو عاجلة لكي حتدث أثرها بسرعة ‪-‬‬
‫توهم البحتري بعد أن لعبت اخلمر بل ِّبه أنه سافر في الزمن املاضي البعيد‪ ،‬فعاش‬
‫في زمن احلضارة الفارسية‪ ،‬وصورت له اخلمر أنه صار شاعر كسرى وندميه‪ ،‬وأنه‬
‫يعاطيه اخلمر في مجلس الشراب‪ ،‬بينما (البلهبذ) مغني كسرى يطربه ويشنف آذانه‬
‫بأعذب األحلان‪ ،‬وقد قال الفرس إن كسرى كان له ثالثة أشياء لم يكن مللك قبله وال‬
‫بعده مثلها‪ :‬فرسه «شبديز» وجاريته «شيرين» ومغنيه وع� َّواده «بلهبذ»((( وقد هيأت‬
‫اخلمر للبحتري هذا العالم احللمي اللذيذ‪ ،‬وخلخت له مفاصل الزمن‪ ،‬فعاش في‬
‫زمن كسرى ورحل عن زمن االستجداء واجلفوة والصراعات وهيمنة الترك الذين‬
‫ال حضارة لهم‪ ،‬وال َّ‬
‫حظ من الفن والرسم والغناء واملعمار‪ ،‬وقد رحل البحتري بفعل‬
‫اخلمر إلى زمن احلضارة وعاش فيه حتى أفاق ليتساءل عما إذا كان ما رآه أضغاث‬
‫أحالم وخياالت أم كانت أماني داعبت ظنونه وأفكاره؟ وها هو البحتري يفيق من حلمه‬
‫على مشهد اإليوان املاثل أمام عينيه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���ص��� ْن���ـ‬
‫�����ج ِ‬
‫�����ب ال َّ‬
‫َوكَ������������ َأنَّ اإلي����������وانَ ِم�����ن َع َ‬
‫َع ِ‬
‫���س‬
‫رع����������نَ ِج���ل ِ‬
‫����ب َأ َ‬
‫���������و ٌب ف����ي َج����ن ِ‬
‫������ة َج ْ‬
‫َ�����ظ����� ّن�����ى ِم����������نَ ال�������كَ�������آ َب ِ‬
‫ُي�����ت َ‬
‫�������ة ِإذ َي���� ْب����ـ‬
‫����س����ي‬
‫ـ������دو ِل َ‬
‫����ي ُم َ‬
‫�����ح َأو مُ َ‬
‫م ّ‬
‫�����ص����� ِّب ٍ‬
‫����ع����ي���� َن ْ‬
‫((( ديوان البحتري ‪( 1158 :2‬هامش الصفحة رقم‪.)33‬‬
‫‪- 64 -‬‬
‫����ج����ا ِب�����ال ِ‬
‫ن��������س ِإ ْل ٍ‬
‫�������ف‬
‫�����راق َع�����ن ُأ‬
‫ِ‬
‫�����ف ِ‬
‫ُم َ‬
‫����زع ً‬
‫ع�����رس‬
‫����ق‬
‫ِ‬
‫َع�������� َّز َأو ُم�����رهَ ����� ًق�����ا ِب����تَ����ط����ل����ي ِ‬
‫����ت َح َّ‬
‫ب���������ات ا ْل����ـ‬
‫�����ظ����� ُه ال��� َل���ي���ال���ي َو‬
‫َ‬
‫َ����س ْ‬
‫َع����ك َ‬
‫ُم����ش����تَ����ري ف����ي ِ‬
‫���س‬
‫َ�����ب َن���ح ِ‬
‫����ه َوهْ َ‬
‫���������و كَ�����وك ُ‬
‫�������و ُي������ب������دي تجَ َ ��������� ُّل��������� ًدا َو َع������ َل������ي ِ‬
‫������ه‬
‫َف ْ‬
‫�������ه َ‬
‫َ����ل ِم������ن ك ِ‬
‫كَ����ل����ك ٌ‬
‫ه������ر ُم���رس���ي‬
‫َ���ل��اك������لِ ال������ َّد ِ‬
‫َل�����م َي ِ‬
‫�����س ِ‬
‫�����ط ال���� ِّد ْي����ـ‬
‫����ع���� ْب���� ُه َأن ُب������ َّز ِم�����ن ُب ُ‬
‫اس������ ُت َّ‬
‫����س‬
‫������ل ِم�����ن ُس‬
‫����ت����ور ال���� ِّد َم����ق ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب������اج َو ْ‬
‫������م ِّ‬
‫ُم َ‬
‫ف�������ات‬
‫������خ������ ٌر تَ����ع����ل����و َل���������� ُه ُش������� ُر‬
‫ٌ‬
‫������ش َ‬
‫ؤوس َر ْ‬
‫�������دس‬
‫���������وى َو ُق‬
‫ِ‬
‫�����ت ف����ي ُر ِ‬
‫�����ع ْ‬
‫ُر ِف َ‬
‫ض َ‬
‫�����ي�����اض َف����م����ا ُت���ب���ـ‬
‫�������س�������ات ِم��������نَ ال����� َب‬
‫الب‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫����ل���ائ َ‬
‫��������رس‬
‫��������ل ُب‬
‫ـ������ص������ ُر ِم����ن����ه����ا ِإلاّ َغ‬
‫ِ‬
‫�������ع ِإ‬
‫َل‬
‫ن����������س لجِ ِ �������نٍّ‬
‫ٍ‬
‫ص�������ن ُ‬
‫�����ي�����س ُي����������درى َأ ُ‬
‫َ‬
‫ن���������س‬
‫ِ‬
‫ص������ن ُ‬
‫������ع ِج���������نٍّ لإِ ِ‬
‫َس������كَ������ن������و ُه َأم ُ‬
‫�����ش�����ه����� ُد َأن َل����م‬
‫������ر َأ ّن�����������ي أراه َي‬
‫َ‬
‫َغ������ي َ‬
‫ِ‬
‫����ل����وك ِب ِ‬
‫ِ‬
‫َي ُ‬
‫����س‬
‫ال����ـ����م‬
‫ب����ان����ي����ه ف�����ي‬
‫��������ك‬
‫����ن����ك ِ‬
‫ُ‬
‫إن البحتري يرى «اإلي��وان» شاه ًدا على ما بلغته احلضارة الفارسية من رقي‬
‫وعظمة‪ ،‬فهو قد بلغ الغاية في دقة الصنعة والتشييد حتى صار إحدى املعجزات‪،‬‬
‫عال‪ ،‬ويصوره وقد غدا طللاً ‪ ،‬فقد‬
‫عال ٍ‬
‫ُحت أو ُق َّد في جبل ٍ‬
‫وهو يبدو لضخامته كأنه ن َ‬
‫إلف عزيز‪ ،‬أو كمن‬
‫ل َّفته الكآبة‪ ،‬وج ّلله احلزن حتى ليبدو كمن أزعجه الفراق عن ُأنس ٍ‬
‫أصابه احلزن واإلره��اق لفراق عروسه وقد عكست َّ‬
‫حظه الليالي فغابت عنه كواكب‬
‫السعد وأطبقت عليه كواكب النحس وسوء الطالع‪ ،‬وهو ُيبدي التجلد والتماسك ويقف‬
‫ً‬
‫محتفظا بجالله وروعته برغم آثار الزمن البادية عليه‪ ،‬وكأن البحتري يسقط معاناته‬
‫‪- 65 -‬‬
‫وأحزانه وهمومه على اإليوان الذي َّ‬
‫ً‬
‫شامخا متجل ًدا برغم أحداث الليالي وصروف‬
‫ظل‬
‫الزمن‪ ،‬ولم يعبه أن تع َّرى من الفخامة واألبهة ونُزعت عنه بسط الديباج وأستار احلرير‬
‫النفيسة‪ ،‬فقد َّ‬
‫ً‬
‫شامخا‪ ،‬ترتفع شرفاته حتى‬
‫ظل يحتفظ بكبريائه‪ ،‬وما زال مشمخ ًرا‬
‫تطاول في ارتفاعها جبال «رضوى» و«القدس» وقد اختالت في ثيابها البيضاء التي‬
‫امتدت إليها يد الزمن فال ُيبصر الرائي منها إال غالئل قطنية كالتي تُلبس حتت الثياب‪،‬‬
‫وبرغم ما أصاب اإليوان فإنه لدقة بنائه وروعته يبدو كاملعجزة حتى إن املرء يحار فيمن‬
‫بناه ‪ :‬هل ش ّيده اإلنس ليسكنه اجلن أم صنعه اجلن لإلنس؟ وهو في احلالتني يشهد‬
‫أن من بناه من امللوك لم يكن ضعي ًفا ذليلاً ولم يقصر عن غاية النجدة والكرم وكأن‬
‫البحتري يغمز ويلمز من عهد فيهم الدناءة واخلسة ممن اتصل بهم أو من وصفهم في‬
‫مطلع القصيدة باجلنب واللؤم واخلسة وترفع عن استجدائهم‪.‬‬
‫وينشط خيال البحتري مرة أخرى فيسافر به إلى ماضي هذا اإليوان‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ال�����ـ�����م ِ‬
‫�����ب َوال����� َق�����و‬
‫َف������كَ������ َأ ّن������ي َأرى‬
‫َ‬
‫�����رات َ‬
‫�����غ�����ت ِ‬
‫����س����ي‬
‫آخ‬
‫َم ِإذا م������ا َب����� َل‬
‫ُ‬
‫������������ر ِح ّ‬
‫َ‬
‫ض�����اح��ي��ن َح����س����رى‬
‫ال�������وف�������و َد‬
‫َوكَ�������������� َأنَّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق���������وف َخ����ل َ‬
‫ٍ‬
‫���س‬
‫����ف ال������ ِّز‬
‫ِم�����ن ُو‬
‫ح������ام وخ���ن ِ‬
‫ِ‬
‫َوكَ������������� َأنَّ ال ِ‬
‫َ‬
‫���م���ق���اص���ي���ـ‬
‫�����ق�����ي�����انَ َو‬
‫س���������ط ال���ـ َ‬
‫������س‬
‫������ع ِ‬
‫�������ع�������نَ َب َ‬
‫ِ‬
‫����ي����ن ُح ٍّ‬
‫���������و َو ُل ْ‬
‫�������ر ِّج ْ‬
‫ـ�������ر ُي َ‬
‫�����ب�����اع�����ا‬
‫َوكَ������������������� َأنَّ ا َّل�������������ذي ُي��������ري�������� ُد ا ِّت‬
‫ً‬
‫ط ِ‬
‫ِ‬
‫���س‬
‫ص‬
‫�����ع ف����ي‬
‫����ب����ح َخ���م ِ‬
‫�����ام ٌ‬
‫لحُ�����وق�����هِ ����� ْم ُ‬
‫َ‬
‫�����ص�����ار ْت‬
‫�����رور َده���������� ًرا َف‬
‫�����س‬
‫ِ‬
‫ُع ِّ‬
‫�������ر ْت ِل�����ل ُ‬
‫َ‬
‫�������م َ‬
‫������ه������م َوال������تَّ������ َأ ّس������ي‬
‫َّ�����ع����� ّزي ِر‬
‫ب������اع ُ‬
‫ُ‬
‫ِل�����ل�����ت َ‬
‫م���������وع‬
‫َف������ َل������ه������ا َأن ُأع������ي������ َن������ه������ا ِب��������� ُد‬
‫ٍ‬
‫ال����ص����ب����ا َب ِ‬
‫م�����و َق�����ف ٍ‬
‫�����س‬
‫�����ات َع����ل����ى‬
‫����ة ُح����� ْب ِ‬
‫َّ‬
‫‪- 66 -‬‬
‫لقد ارت � ّد البحتري بطرفه وخياله إلى ذلك الزمن املاضي ال��ذي كان يعج فيه‬
‫اإليوان باحلياة فيتخيل الوفود وقد جاءت من كل حدب وصوب كاشفني عن رءوسهم‬
‫سابق والحق‪ ،‬ويتخيل مشهد القيان واجلواري اجلميالت‬
‫وقد ازدحموا بأبوابه بني‬
‫ٍ‬
‫ذوات اللعس (وهو سواد استحسنوه في الشفاه) وقد وقفن وسط املقاصير يعزفن‬
‫ويرجعن األحلان اجلميلة‪ ،‬وكأن الذي يطمع في إدراك هؤالء الوفود‬
‫ويتغنني ويرددن‬
‫ّ‬
‫أو اللحاق بهم لن يستطيع ذلك إال بعد أن يقطع خمس ليال‪ ،‬وكأن ذلك اللقاء كان أول‬
‫اً‬
‫أطالل‬
‫أمس‪ ،‬وكذلك كان الفراق‪ ،‬وهذه الديار التي كانت عامرة بالسرور ده ًرا صارت‬
‫وخرا ًبا ورم�زًا لألسى واحل��زن الذي ال ينتهي وهو ما جعل البحتري يفقد متاسكه‬
‫ويبكيها بكا ًء حا ًرا ين ُّم عن إكباره وإعزازه لذلك املجد الذي انقضى‪ ،‬وامللك الذي و ّلى‪،‬‬
‫واحلضارة التي اندثرت برغم أن الديار ليست دياره وأنه ال ينتمي إلى جنس الفرس‪:‬‬
‫�����س ِ‬
‫َ‬
‫�����ت ال����������دا ُر داري‬
‫ذاك ِع����ن����دي َو َل�����ي َ‬
‫ِب����اق ِ‬
‫����س ِج��ن��س��ي‬
‫����راب ِم��ن��ه��ا َوال ِ‬
‫اجل����ن ُ‬
‫����ت ٍ‬
‫�����ي�����ر ُن����ع����م����ى لأِ َه����� ِل�����ه�����ا ِع�����ن����� َد َأه����ل����ي‬
‫َغ‬
‫َ‬
‫������رس������وا ِم������ن َزك ِ‬
‫������رس‬
‫�����ر َغ ِ‬
‫�����ائ�����ه�����ا َخ�����ي َ‬
‫َغ َ‬
‫َأ َّي���������������دوا ُم����ل����كَ����ن����ا َو َش����������������� ّدوا ُق����������وا ُه‬
‫ِب������ ُك������م ٍ‬
‫�����س‬
‫حَ���������ت‬
‫������ور ُح����� ْم ِ‬
‫ال������س������ َّن ِ‬
‫������اة ت َ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫������ب َأري��������ا‬
‫َو َأع����������ان����������وا َع�����ل�����ى ك‬
‫َ������ت������ائ ِ‬
‫َط ِب َ‬
‫����������س‬
‫�����ور َو َد ْع‬
‫ِ‬
‫����ن َع����ل����ى ال����� ُّن�����ح ِ‬
‫����ط����ع ٍ‬
‫َو َأران�������������ي ِم������ن َب�����ع����� ُد َأك������ َل ُ‬
‫������ف ِب�����ا َألش�����ـ‬
‫ِ‬
‫راف ُط����������� ّرًا ِم������ن ُك ِّ‬
‫س‬
‫������خ َو ُأ ِّ‬
‫��������ل ِس������ ْن ِ‬
‫إن البحتري يكشف ع��ن ال��دواف��ع التي حملته على ال��وف��اء للفرس واإلش��ادة‬
‫ميا‬
‫بحضارتهم واالعتراف بفضلهم‪ ،‬فلهم فضل ال ُينكر حني أعانوا قومه اليمنيني قد ً‬
‫‪- 67 -‬‬
‫في حروبهم ضد األحباش بقيادة (أري��اط) حتى ُهزموا شر هزمية‪ ،‬باإلضافة إلى‬
‫أن البحتري يعلو فوق العصبية ويكلف باألشراف من كل األجناس‪ ،‬وقد وجد في‬
‫آل ساسان اً‬
‫مثال للشرف العظيم‪ ،‬وكأنه ُيعرض باألتراك الذين لم يكونوا أصحاب‬
‫حضارة والذين أفسدوا احلياة السياسية في عصره وكانوا سب ًبا مباش ًرا في انهيار‬
‫اخلالفة العباسية‪.‬‬
‫إن قصيدة البحتري لم تكن رحلة إلى «املكان» فحسب‪ ،‬بل كانت ً‬
‫أيضا رحلة‬
‫في «الزمان» ورحلة في أعماق «الذات»‪ ،‬وإذا كان البحتري قد وجد في (املكان) تعزية‬
‫وتسلية وسلوى‪ ،‬فقد ارحتل بخياله إلى الزمن املاضي لينفصل عن الواقع الكئيب‬
‫الذي حاصره ذات ًّيا وسياس ًّيا واجتماع ًّيا‪ ،‬وقد وجد البون شاس ًعا بني الفرس الذين‬
‫شيدوا حضارة عظيمة وأعانوا قومه وأسهموا في تشييد اخلالفة العباسية وازدهار‬
‫احلضارة العربية ونالهم كثير من األذى وتعرضوا للمحن والنكبات‪ ،‬وبني ما فعله‬
‫األت��راك في عصره بالعباسيني والعرب عامة من تنكيل وتخريب وتقويض لدعائم‬
‫اخلالفة‪ ،‬فدفعه هذا الواقع األليم إلى الفرار إلى املاضي وتوهم العيش فيه والتلذذ‬
‫بسيرته وذكرياته‪ ،‬وقد ز َّكى ذلك شعوره الداخلي بالقهر والضياع وإحساسه بأنه‬
‫مدح من ال يستحقون املدح‪ ،‬وأراق ماء وجهه على أعتاب األراذل واألخساء‪ ،‬فكان هذا‬
‫التصالح مع الذات وإن كان قد جاء في وقت متأخر حني غلبه الشيب وق َّلت طموحاته‬
‫وتالشت أطماعه‪.‬‬
‫وقد خلع البحتري أحاسيسه على اإلي��وان فكان كاملرآة التي انعكست عليها‬
‫صورة ذاته‪ ،‬فشعور البحتري بالكآبة والتعاسة نضح على الديوان فصار جتلله الكآبة‬
‫حتى يخيل للرائي أنه فارق حبي ًبا عزيزًا أو انفصل عن عروس يحبها‪ ،‬وشعور البحتري‬
‫بتقلب الزمن وتبدل أحواله يقابله حال اإلي��وان الذي عكست حظه الليالي‪ ،‬وصمود‬
‫البحتري ومتاسكه في مواجهة احملن وتقلبات الدهر‪ ،‬يقابله جتلد اإليوان برغم كالكل‬
‫‪- 68 -‬‬
‫الدهر التي أطبقت على صدره‪ ،‬وإذا كان اإليوان قد جترد من بسط الديباج‪ ،‬فكذلك‬
‫جترد البحتري من الثراء وصار «كوارد اخلمس» ولنقرأ األبيات اآلتية مرة أخرى‪:‬‬
‫َ�����ظ����� ّن�����ى ِم����������نَ ال�������كَ�������آ َب ِ‬
‫ُي�����ت َ‬
‫�������ة ِإذ َي���ب���ـ‬
‫����س����ي‬
‫ـ������دو ِل َ‬
‫����ي ُم َ‬
‫�����ح َأو مُ َ‬
‫م ّ‬
‫�����ص����� ِّب ٍ‬
‫����ع����ي���� َن ْ‬
‫ِ‬
‫ن��������س ِإ ٍ‬
‫ل�����ف‬
‫�����راق َع�����ن ُأ‬
‫����ج����ا ِب‬
‫ِ‬
‫�����ال�����ف ِ‬
‫ُم َ‬
‫����زع ً‬
‫�������رس‬
‫����ق ِع‬
‫ِ‬
‫َع�������� َّز َأو ُم�����رهَ ����� ًق�����ا ِب����تَ����ط����ل����ي ِ‬
‫َ����س����ت َح َّ‬
‫ب���������ات ال���ـ‬
‫�����ظ����� ُه ال��� َل���ي���ال���ي َو‬
‫َ‬
‫َع����ك َ‬
‫ِ‬
‫���س‬
‫ُم����ش����تَ����ري‬
‫���ح ِ‬
‫ف���ي���ه َوهْ َ‬
‫���������و كَ�����وك ُ‬
‫َ�����ب َن ْ‬
‫�������و ُي������ب������دي تجَ َ ��������� ُّل��������� ًدا َو َع������ َل������ي ِ‬
‫������ه‬
‫َف ْ‬
‫�������ه َ‬
‫َ����ل ِم������ن ك ِ‬
‫كَ����ل����ك ٌ‬
‫ه������ر ُم���رس���ي‬
‫َ���ل��اك������لِ ال������ َّد ِ‬
‫َل�����م َي ِ‬
‫�����س ِ‬
‫�����ط ال���� ِّد ْي����ـ‬
‫����ع���� ْب���� ُه َأن ُب������ َّز ِم�����ن ُب ُ‬
‫ب������اج َواس������ ُت َّ‬
‫����س‬
‫�����ور ال���� ِّد َم����ق ِ‬
‫������ل ِم�����ن ُس�����ت ِ‬
‫ِ‬
‫فمن يقرأ هذه األبيات مبعزل عن صورة اإليوان يخيل إليه أن البحتري يستبطن‬
‫ذاته ويشكو سوء حاله‪ ،‬وحني رأى اإليوان وقد عصف به الدهر خلع أحاسيسه عليه‬
‫ورأى فيه صورة ذاته‪.‬‬
‫والبحتري مص ّور ب��ارع‪ ،‬وقد أدرك القدماء هذه الصفة فيه فوصفوا فنه بأنه‬
‫(((‬
‫«سالسل الذهب وفي الطبقة العليا»‬
‫وقد برع البحتري في تصوير اإليوان‪ ،‬كما برع في تصوير معركة أنطاكية التي‬
‫نقشت على ج��دران اإلي��وان‪ ،‬وكما جتلت عبقرية النحات الفارسي في تلك النقوش‬
‫والرسوم‪ ،‬فكذلك جتلت عبقرية البحتري في تصوير هذه املعركة متوسلاً بالصورة‬
‫ومعب ًرا بها‪ ،‬فاستخدم الصور احلركية حني تخيل أن��وش��روان «يزجي الصفوف»‪،‬‬
‫واستخدمها كذلك في هذه الصورة األخاذة‪:‬‬
‫((( وفيات األعيان ‪.76 :5‬‬
‫‪- 69 -‬‬
‫����ح َي�����ه�����وي ِب�����ع ِ‬
‫م������ح‬
‫�����ام�����لِ ُر ٍ‬
‫ِم������ن ُم����ش����ي ٍ‬
‫������رس‬
‫ال������س‬
‫َو ُم‬
‫������ن������ان ِب������ ُت ِ‬
‫ِ‬
‫������ل������ي������ح ِم����������نَ‬
‫ِّ‬
‫ٍ‬
‫واستخدم احلركة في وصف عراك الفرسان وفي حركة يديه وهو يتق َّرى النقوش‬
‫باللمس‪ ،‬وأجاد البحتري في استخدام الصور اللونية كقوله‪:‬‬
‫ِ‬
‫���اس َع���ل���ى َأص���ـ‬
‫ف���ي‬
‫����رار ِم�����نَ ال��� ِل���ب ِ‬
‫اخ����ض ٍ‬
‫����غ ِ‬
‫�����ر َي�����خ�����ت ُ‬
‫ص����ب����ي َ‬
‫رس‬
‫����ة َو ِ‬
‫�����ال ف�����ي َ‬
‫ـ����� َف َ‬
‫واستخدم «اللون» في هذه الصورة الرائعة للخمر‪:‬‬
‫جن�����م‬
‫���������������دام ت����خ����ال����ه����ا ض�����������و َء‬
‫م�������ن ُم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ن������������و َر ال�����ل�����ي َ‬
‫�����ل أو م�����ج�����اج����� َة ش��م��س‬
‫َّ‬
‫واستخدم «اللون» كذلك في هذه الصورة‪:‬‬
‫�����ي�����اض َف����م����ا ُت���ب���ـ‬
‫�������س�������ات ِم��������نَ ال����� َب‬
‫الب‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫����ل���ائ َ‬
‫����������ر ِس‬
‫ـ������ص������ ُر ِم����ن����ه����ا ِإلاّ َغ‬
‫��������ل ُب ْ‬
‫واستخدم البحتري احملسنات البديعية في غير تكلف‪ ،‬وكان للتضاد أثره في‬
‫إبراز املعنى ونقيضه‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫�����م�����ت َأنَّ ال���� َل����ي����ال����ي‬
‫َل��������و تَ�������������را ُه َع����� ِل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ف����ي����ه َم مَ ً‬
‫�������رس‬
‫�������أت�������ا َب�����ع����� َد ُع‬
‫�����ع����� َل�����ت‬
‫ِ‬
‫َج َ‬
‫وقوله‪:‬‬
‫َن������ َق َ‬
‫���������ن ا ْل������ـ‬
‫������ل ال������� َّده������� ُر َع������ه������ َدهُ ������نَّ َع ِ‬
‫���س‬
‫������ج������ َّد ِة َح�����تّ�����ى غ�������دون َأن������ض������ا َء ُل���ب ِ‬
‫ـ ِ‬
‫وتؤدي املقابلة دو ًرا بارزًا في جتسيد الهوة الشاسعة بني النقيضني‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫وار ِد َر ْف ٍ‬
‫�����������ه‬
‫�����ي�����ن‬
‫َو َب�������ع�������ي������� ٌد م�������ا َب‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����س‬
‫وار ِد ِخ�����م ِ‬
‫َع�������� َل ٍ‬
‫��������ل ُش���������ر ُب��������� ُه َو ِ‬
‫‪- 70 -‬‬
‫ويتآزر اجلناس مع العناصر املوسيقية األخرى في إثراء النغم وإحداث التوافقات‬
‫الصوتية‪ ،‬كاملجانسة بني(عنس) و(عبس) في قوله‪:‬‬
‫ال����ـ����م����ح����اب����ا ُة ِم���� ّن����ي‬
‫��������س��������اع َل���������وال‬
‫َو َم‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫َل�����م ُت ِ‬
‫����س‬
‫����س َو َع���� ْب ِ‬
‫���ط���ق���ه���ا َم����س����ع����ا ُة َع���� ْن ٍ‬
‫وال يخفى على القارئ ما يلحظه من تردد حرف السني بكثرة ال في البيت السابق‬
‫وحده بل في القصيدة كلها حتى ليبدو أشبه باملفتاح املوسيقى للسينية‪.‬‬
‫ويتكئ البحتري في تشبيهاته التي يوظفها في تشكيل صوره على حرف التشبيه‬
‫(كأن)‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫�������ح َم���ح���م���و‬
‫َوكَ���������������� َأنَّ ال�������� َزم��������انَ َأص������� َب َ‬
‫�����������س‬
‫��������������س ا َأل َخ‬
‫���������ع ا َأل َخ‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫لاً هَ �������������وا ُه َم َ‬
‫وقوله‪:‬‬
‫اجل�������رم�������ا َز ِم�������ن َع����������� َد ِم ا ُألن�������ـ‬
‫َف�������كَ������� َأنَّ ِ‬
‫ِ‬
‫������������ه َب ِ‬
‫م���������س‬
‫�������ن������� َّي������� ُة َر‬
‫ـ���������س َو ِإخ������ل�����ا ِل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وي��ؤدي خيال الشاعر النشط إلى تراكم التشبيهات وتعاقبها باستخدام أداة‬
‫التشبيه ذاتها‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫�����م ِ‬
‫������و‬
‫�����ب َوال������ َق ْ‬
‫َف�����كَ����� َأ ّن�����ي َأرى ال�����ـ َ‬
‫�����واك َ‬
‫�����غ�����ت ِ‬
‫����س����ي‬
‫آخ‬
‫َم ِإذا م������ا َب����� َل‬
‫ُ‬
‫������������ر ِح ّ‬
‫َ‬
‫ض�����اح��ي��ن َح����س����رى‬
‫ال�������وف�������و َد‬
‫َوكَ�������������� َأنَّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ق��������وف َخ����ل َ‬
‫ٍ‬
‫����س‬
‫����ف ال����� ِّز‬
‫ِم�����ن ُو‬
‫ح�����ام َو ُخ���� ْن ِ‬
‫ِ‬
‫���م���ق ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���اص��� ْي���ـ‬
‫ال����ق����ي����انَ َو‬
‫َوكَ������������ َأنَّ‬
‫س��������ط ال���ـ َ‬
‫������ع������س‬
‫����������و َو ُل‬
‫ِ‬
‫�������ر ِّج�������ع�������نَ َب�����ي���� َ‬
‫ِ‬
‫ن ُح ٍّ‬
‫ـ��������ر ُي َ‬
‫َوكَ������������������ َأنَّ ال������ ِل������ق������ا َء َأ َّو َل ِم��������ن َأم������ـ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م������س‬
‫�������راق َأ َّو َل َأ‬
‫ال�������ف‬
‫ش������������ك‬
‫ـ������س َو َو‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪- 71 -‬‬
‫�����ب�����اع�����ا‬
‫َوكَ������������������� َأنَّ ا َّل�������������ذي ُي��������ري�������� ُد ا ِّت‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫�����ع ف�����ي ِل���� َق ِ‬
‫���م���س‬
‫�����ح َخ‬
‫ِ‬
‫ط�����ام ٌ‬
‫����ائ����ه����م ُ‬
‫ص�����ب َ‬
‫وقد سبق البحتري الشعراء املعاصرين في استخدام تقنية «القطع» أو «االرتداد»‬
‫التي نراها في الدراما السينمائية‪ ،‬ولعل خير مثال على ذلك مشهد القطع اخلمري‬
‫الذي ارت َّد به البحتري إلى زمن الساسانيني‪.‬‬
‫حضور الروم في شعر أبي فراس احلمداني‪:‬‬
‫تعرض أب��و ف��راس احلمداني حملنة األس��ر وع��اش فترة من حياته أس�ي� ًرا في‬
‫القسطنطينية نظم فيها رومياته‪ .‬والروميات هي القصائد التي قالها أبو فراس وهو‬
‫أسير في بالد الروم‪.‬‬
‫وقد تضاربت اآلراء حول قصة األسر‪ ،‬فهناك من قال إن أبا فراس أسر مرتني‬
‫وأن زمن األسر فيهما استغرق سبع سنوات وأشه ًرا(((‪ ،‬وهناك من قال إنه أسر مرة‬
‫واحدة وظل في أسره أربع سنوات(((‪.‬‬
‫وقد أورد ابن خلكان روايتني مختلفتني حول هذه احلادثة‪ ،‬فنقل عن أبي احلسن‬
‫على بن الزراد الديلمي أن الروم أسرت أبا فراس في بعض وقائعها‪ ،‬وهو جريح قد‬
‫أصابه سهم بقي نصله في فخذه‪ ،‬ونقلته إلى خرشنة‪ ،‬ثم منها إلى القسطنطينية‪ ،‬وذلك‬
‫في سنة ثمان وأربعني وثلثمائة‪ ،‬وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسني‪.‬‬
‫وذكر ابن خلكان أن الناس خطأوا هذه الرواية‪ ،‬وقالوا إن أبا فراس أسر مرتني‪،‬‬
‫فاملرة األولى مبغارة احلكل في سنة ثمان وأربعني وثلثمائة‪ ،‬وما تعدوا به خرشنة وهي‬
‫قلعة في بالد الروم‪ ،‬وفيها يقال إنه ركب فرسه وركضه برجله‪ ،‬فأهوى به من أعلى‬
‫احلصن إلى الفرات‪.‬‬
‫((( تاريخ األدب العربي ‪ ،‬حنا فاخوري ‪ ،‬ص ‪.430‬‬
‫((( عصر الدول اإلمارات د‪ .‬شوقي ضيف ‪.708‬‬
‫‪- 72 -‬‬
‫واملرة الثانية أسره الروم على منيح في شوال سنة إحدى وخمسني‪ ،‬وحملوه إلى‬
‫القسطنطينية‪ ،‬وأقام في األسر أربع سنني(((‪.‬‬
‫وتشغل الروميات حيزًا ال بأس به من ديوان أبي فراس‪ ،‬وليس في وسعنا أن‬
‫نرتبها ترتي ًبا تاريخ ًّيا ألنها ال تتضمن تواريخ محددة‪ ،‬وال تشتمل على سياق تاريخي‬
‫متتابع‪ ،‬ومع ذلك نستطيع أن نحدد أولى رومياته‪ ،‬وهي القصيدة التي قالها ملا اقتيد‬
‫إلى خرشنة بعد أسره مباشرة‪ ،‬وفيها يقول(((‪:‬‬
‫ِإن‬
‫رت‬
‫ُز ُ‬
‫َ‬
‫���������رش��������� َن��������� ًة‬
‫َخ‬
‫َأس�������ي�������را‬
‫����������ط����������ت ِب������ه������ا ُم����غ����ي����را‬
‫َف������� َل�������كَ�������م َأ َح‬
‫ُ‬
‫ال����������ن����������ار تَ�����ن�����ـ‬
‫ي�����������������������ت‬
‫َو َل������������ َق������������د َر َأ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫�������از َل َوال������� ُق�������ص�������ورا‬
‫�������م�������ن ِ‬
‫��������ب ال�������ـ َ‬
‫َت��������هِ ُ‬
‫�������ي ُي����ج����ـ‬
‫َو َل���������� َق����������د َر َأ‬
‫ُ‬
‫ي�������������������ت ال َّ‬
‫�������س�������ب َ‬
‫ًّ‬
‫����������������وا َوح������������ورا‬
‫�������ون�������ا ُح‬
‫�������ح َ‬
‫ـ������� َل ُ‬
‫�������ب َن ْ‬
‫َن��������خ��������ت��������ا ُر ِم���������ن��������� ُه ال�������������غ�������������ا َد َة ال������ـ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ال������غ������ري������را‬
‫��������ب��������ي‬
‫ال��������ظ‬
‫َح�������س�������ن�������ا َء َو‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ط�����������������ال َل�������ي�������ل�������ي ف����������ي ُذرا‬
‫ِإن‬
‫������م������ت ِب ِ‬
‫َك َف������� َق�������د َن ِ‬
‫������������ه َق����ص����ي����را‬
‫������ع‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������������ح������������اد ٍث‬
‫م������������ي������������ت ِب‬
‫��������������ئ��������������ن ُر‬
‫َو َل‬
‫ُ‬
‫َف�������ل������ ُ‬
‫ص���������ب���������ورا‬
‫أ ْل�������������� َف�������ي������ َّ‬
‫ن َل������������������ ُه َ‬
‫َّ‬
‫�����������ل ال����������� َل����������� َه َي�����ف�����ـ‬
‫�����������ع‬
‫ص�����������ب����������� ًرا َل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�������ح�������ا َي�����س�����ي�����را‬
‫َ���������ح هَ‬
‫�������������������ذ ِه َف�������ت ً‬
‫ـ���������ت ُ‬
‫�������ت‬
‫�������ب ْ‬
‫َم������������ن ك��������������انَ ِم������ث������ل������ي َل������������م َي ِ‬
‫ِإلاّ‬
‫َأس��������������ي�������������� ًرا‬
‫َأو‬
‫((( وفيات األعيان‪ ،‬ابن خلكان‪ ،‬حتقيق د‪ .‬إحسان عباس ‪ .‬ط‪ .‬بيروت ‪.59 :2‬‬
‫((( ديوان أبي فراس (ط‪.‬دار صادر) ‪.156 -155‬‬
‫‪- 73 -‬‬
‫َأم���������ي���������را‬
‫ُّ‬
‫���������ي���������س���������ت حَ ُ‬
‫����������������������ل َس���������را ُت���������ن���������ا‬
‫ت‬
‫َل‬
‫َ‬
‫ِإلاّ‬
‫�����������دور‬
‫ال�����������ص‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َأ ِو‬
‫ال������ ُق������ب������ورا‬
‫ويبدو أبو فراس متجل ًدا رمبا ألنه لم يتوقع أن ميتحن بطول مدة األسر‪ ،‬ويعلو‬
‫صوت الفخر‪ ،‬ويرى أن هذا األسر شيء عارض ال يؤثر في إجنازاته‪ ،‬فطاملا أغار على‬
‫قلعة خرشنة الرومية ورماها بالدمار وسبى نساءها غير أن هذا الصوت لم يظل على‬
‫حدته‪ ،‬فتقلب بني االرتفاع واحلدة وكثي ًرا ما أصابه الوهن واليأس ملا قاساه من ألم‬
‫ووحدة ومرارة‪.‬‬
‫ومتثل الروميات دي��وا ًن��ا مستقلاً ب��ذات��ه‪ ،‬منفر ًدا بخصوصية جتربته وطبيعة‬
‫موضوعاته‪ .‬وقد اتسعت الروميات للتعبير عن جتربة األسر مبا اختزنته من مرارة‬
‫وقسوة وحزن وغضب ويأس وأمل ‪.‬‬
‫لقد كان لوقوع أبي فراس في األسر صدى كبير في نفوس أصدقائه وأعدائه‬
‫على السواء نظ ًرا ملكانته السياسية واالجتماعية واألدبية‪ .‬وقد اهتبل أعداؤه حادثة‬
‫األسر فاتهموه بالتقصير واخلمول‪ ،‬وأنحوا عليه بالالئمة‪ ،‬وحملوه تبعة ما حدث‪،‬‬
‫وكانت هذه األقاويل تصل إلى سمع أبي ف��راس وهو في أس��ره فتضاعف آالمه‬
‫وأحزانه‪ ،‬ووجد نفسه في موقف الدفاع والتبرير‪ ،‬فاهتم في رومياته بتفنيد تهم‬
‫احلساد‪ ،‬ودحض أقاويل اخلصوم‪ ،‬ويعتمد خطابه التبريري على عدة حجج ‪ ،‬منها‬
‫أن أي فارس ‪ -‬مهما كانت شجاعته ‪ -‬معرض لألسر والقتل‪ ،‬وأن بني الوغى بني‬
‫سليب بالرماح وسالب‪ ،‬وهو يبسط قضيته بطريقة منطقية هادئة‪ ،‬فيعرض أقاويل‬
‫خصومه‪ ،‬ويردفها بدفاعه‪.‬يقول(((‪:‬‬
‫������وام������ي َع����ل����ى م����ا َأص����ا َب����ن����ي‬
‫����ر ُل ّ‬
‫تَ����ك����ا َث َ‬
‫كَ������� َأن َل�����م تَ����كُ����ن ِإلاّ لأِ َس��������ري ال���� َّن ِ‬
‫����ب‬
‫����وائ ُ‬
‫ِ‬
‫َي����ق����ول����ونَ َل�����م َي ُ‬
‫م��������ر ِه‬
‫���ن���ظ���ر َع‬
‫������ب َأ ِ‬
‫������واق َ‬
‫����ع ِ‬
‫����ب‬
‫����ي َم�����ن تجَ������ري َع���ل���ي ِ���ه ال َ‬
‫����واق ُ‬
‫َو ِم����ث���� ِل َ‬
‫((( ديوانه ص ‪.36‬‬
‫‪- 74 -‬‬
‫���وغ���ى‬
‫���م ال����������ذُّلاّ نُ َأنَّ َب���ن���ي ال َ‬
‫َأ َل�������م َي���ع��� َل ِ‬
‫َ‬
‫�����ب‬
‫ك‬
‫َ����������ذاك َس����ل����ي ٌ‬
‫������اح َوس�����ا ِل ُ‬
‫����ب ِب������ال������ ِّرم ِ‬
‫َ‬
‫����������زم ف���ي���ه���ا َودو َن���������� ُه‬
‫احل‬
‫َوأنَّ َورا َء‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������واق َ‬
‫����ار ُب‬
‫َم‬
‫������ه������نَّ ال����تَّ����ج ِ‬
‫������ف ُت���ن���س���ى ُدو َن ُ‬
‫���ي ال�������� َّردى َف���� َأخ ُ‬
‫����وض���� ُه‬
‫َأرى ِم�������ل َء َع���ي��� َن َّ‬
‫��ب‬
‫���م ُ‬
‫���وت ُق��� ّدام���ي َو َخ��ل��ف��ي ال��ـ َ��م��ع ِ‬
‫ِإ ِذ ال���ـ َ‬
‫��اي ُ‬
‫صورة الروم في روميات أبي فراس‪:‬‬
‫ينتمي أبو فراس من حيث النسب إلى أصول رومية‪ ،‬فقد اقترن أبوه سعيد بن‬
‫حمدان برومية وأجنب منها ابنه احلارث‪ ،‬ولم يكن أبو فراس على وفاق مع الروم‪ ،‬فقد‬
‫ساءت صلته بهم في سياق الصراع الذي احتدم بني الروم واحلمدانيني‪ .‬وشارك أبو‬
‫فارسا‬
‫فراس في احلرب ضد الروم وأبلى فيها بالء حسنًا إلى أن أسر ومعه سبعون‬
‫ً‬
‫وقد أبى أن يخلع دروعه وسالحه وتقبل الروم ذلك على مضض‪ ،‬وأشار أبو فراس إلى‬
‫ذلك في رائيته الشهيرة فقال(((‪:‬‬
‫ي������� ُّن�������ونَ َأن َخ����� َّل�����وا ِث����ي����اب����ي َو ِإنمَّ���������ا‬
‫مَ ُ‬
‫ِ‬
‫م������ائ������هِ ������ ُم ُح����م���� ُر‬
‫������اب ِم�������ن ِد‬
‫������ي ِث������ي ٌ‬
‫َع������ َل َّ‬
‫َوق ِ‬
‫������ائ������ ُم َس����ي ٍ‬
‫����ف ف���ي���هِ ��� ُم ان��������� َد َّق َن���ص��� ُل��� ُه‬
‫م������ح ف���ي���هِ ��� ُم ُح ِّ‬
‫ال���ص���د ُر‬
‫����ط���� َم‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ع�����ق�����اب ُر ٍ‬
‫ويصدر أبو ف��راس في رومياته عن كراهية شديدة للروم‪ ،‬ويرسم لهم صو ًرا‬
‫مزرية‪ ،‬ويصفهم بأوصاف ذميمة‪ ،‬وهو شعور طبيعي في سياق العداء والصراع‬
‫واألسر‪ ،‬فهو حني يسأل سيف الدولة املفاداة بأحد قواد الروم األسرى يصفه بـ «كلب‬
‫الروم» ويستحثه على الفداء‪ ،‬ويستثير غيرته وحميته‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫((( ديوان أبي فراس‪ ،‬ص ‪.161‬‬
‫((( ديوانه ص ‪.84‬‬
‫‪- 75 -‬‬
‫ال��������روم َأر َأ َف ِم���ن���كُ ��� ُم‬
‫����ب‬
‫َف��ل��ا ك������انَ كَ����ل ُ‬
‫ِ‬
‫َ���س���ب ال��� َّث ِ‬
‫ال��ـ��م َ‬
‫َو َأ َ‬
‫��خ�� َّل ِ��د‬
‫���ن���اء‬
‫����������ب ف���ي ك‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫رغ َ‬
‫َوال َب����� َل����� َغ ا َألع������������دا ُء َأن َي���تَ���ن���اهَ ���ض���وا‬
‫�����ع ِ‬
‫���م َ‬
‫���ش��� َّي ِ���د‬
‫َوت‬
‫ُ‬
‫َ����ق����ع���� َد َع�����ن هَ ������ذا ال َ‬
‫��ل��اء ال���ـ ُ‬
‫������و ًدا‬
‫َأ َأ‬
‫�����ي ُع َّ‬
‫َ‬
‫ض�����ح�����وا َع���ل���ى َأس�����راهُ ����� ُم ِب َ‬
‫�������و ِد‬
‫َو َأن������ ُت������م َع����ل����ى َأس�������را ُك������� ُم َغ����ي���� ُر ُع َّ‬
‫وفي سعيه احلثيث وإحلاحه الدائم على إقناع سيف الدولة ببذل الفداء تبرز هذه‬
‫الصورة الكريهة للروم(((‪:‬‬
‫ُ‬
‫ُأن������ادي َ‬
‫���������اف ِم������نَ ال������ َّردى‬
‫������ك ال َأ ّن�������ي َأخ‬
‫��������وم ِإل�������ى َغ ِ‬
‫����د‬
‫َوال َأرتجَ���������ي تَ����أخ����ي َ‬
‫����ر َي ٍ‬
‫َ������ر َم ال ِ‬
‫اخل ِّ‬
‫َو َق������د ُح ِّ‬
‫����ط���� َم َ‬
‫���ع���دا‬
‫����ي َواخ������ت َ‬
‫����ط ُّ‬
‫���ه��� َّن ِ‬
‫َو ُف������� َّل َ‬
‫���د‬
‫����ي‬
‫ال���ـ���م َ‬
‫ُ‬
‫�������ل َح������� ُّد ال����ـ َ‬
‫����م����ش َ‬
‫����رف ِّ‬
‫َو َل ِ‬
‫دار ُغ���ر َب ٍ���ة‬
‫����ف����ت‬
‫����ك����ن َأ ِن‬
‫ُ‬
‫���وت ف���ي ِ‬
‫ال���ـ���م َ‬
‫َ‬
‫ال��غ ِ‬
‫ِب��� َأي���دي ال��� َن���ص���ارى ُ‬
‫���م ِ���د‬
‫��ل��ف م��ي��تَ�� َة َأك َ‬
‫وينظر أبو فراس لآلخر (الروم) باعتبارهم (كفا ًرا) وهو ما يجعل عالقته بهم‬
‫تقوم على اإلنكار والرفض والرغبة في استئصال شأفتهم ولذلك نراه يحذر وهو في‬
‫األسر سيف الدولة من خروج الدمستق بجيشه لغزو الشام ويدعوه إلى الغضب‬
‫لدين الله فيقول‪:‬‬
‫َس���ي َ‬
‫���ه���دى ِم����ن َح���� ِّد َس���ي ِ���ف َ‬
‫���ك ُي��رتجَ��ى‬
‫���ف ال ُ‬
‫ِ‬
‫���ل���إمي�������ان‬
‫�������ر ِل‬
‫َي��������������و ٌم ُي‬
‫ِ‬
‫�����������������ذ ُّل ال�������كُ�������ف َ‬
‫����وش تجَ���ي ُ‬
‫اجل����ي ُ‬
‫���و ِب ِ‬
‫هَ �����ذي ُ‬
‫�ل�ادكُ���م‬
‫���ش َن���ح َ‬
‫�����ان‬
‫�����ص�����ل�����ب ِ‬
‫َم�����ح�����ف�����و َف����� ًة ِب�����ال����� ُك�����ف ِ‬
‫�����ر َوال ُّ‬
‫((( ديوانه ص ‪.83‬‬
‫‪- 76 -‬‬
‫����دي����ن ال���� َل ِ‬
‫����ه َأن ال ت َ‬
‫َغ َ‬
‫َ��غ��ض��ب��وا‬
‫���ض��� ًب���ا ِل‬
‫ِ‬
‫����ان‬
‫����ر ف�����ي َن‬
‫������ص������ر ِه َس���� ْي����ف ِ‬
‫ِ‬
‫َل������م َي����ش���� َت����هِ ْ‬
‫����ن����ز ٌل‬
‫َح����تّ����ى كَ���������� َأنَّ‬
‫������ي ف����ي����كُ���� ْم َم ِ‬
‫َ‬
‫ال������و ْح َ‬
‫ِ‬
‫�����ض�����ائ ُ‬
‫َو َل�������كُ�������م ُت َ‬
‫������رآن‬
‫�����ل ال������ ُق‬
‫������ص َف‬
‫ِ‬
‫������خ ُّ‬
‫���ض���ب���وكُ���م َف���اغ َ‬
‫َق����د َأغ َ‬
‫���ض���ب���وا َوتَ���� َأهَّ ����ب����وا‬
‫������رب ُأه�������� َب�������� َة ث ِ‬
‫����ان‬
‫�������ر َغ����ض����ب ِ‬
‫������ح ِ‬
‫�������ائ ٍ‬
‫ِل������ل َ‬
‫وفي إحدى رومياته يصف أبو فراس لقاء جمعه بالدمستق ويعبر فيه أبو فراس‬
‫عن استيائه حني رأى الدمستق ينكره وق��د أث��ار ه��ذا املوقف حفيظته فأخذ يذكر‬
‫الدمستق بإجنازاته وبطوالته‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫تَ����� َأ َّم����� َل�����ن�����ي ال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ‬
‫������ق ِإذ َرآن�������ي‬
‫ِ‬
‫�����ر ص����ي َ‬
‫����ام‬
‫����غ���� َة ال���� َل‬
‫����ي����ث ال ُ‬
‫َف����� َأ َ‬
‫����ه����م ِ‬
‫ب�����ص َ‬
‫َأ ُت������ن ِ‬
‫������ك������ ُرن������ي كَ�������� َأ َّن َ‬
‫������ت تَ�������دري‬
‫��������ك َل������س َ‬
‫�����ط ُ‬
‫َ‬
‫������������ك ال����� َب َ‬
‫���م���ح���ام���ي‬
‫ِب������� َأ ّن�������ي َذ ِل‬
‫�����ل ال���ـ ُ‬
‫ٍ‬
‫ل����������وك‬
‫َل��������ت َع�����ل�����ى ُد‬
‫َو َأ ّن���������������ي ِإذ َن��������ز‬
‫ُ‬
‫������ر ُم������ت ِ‬
‫َ������رك������ ُت َ‬
‫����ظ����ام‬
‫َّ������ص������لِ ال���� ِّن‬
‫ِ‬
‫������ك َغ������ي َ‬
‫ت َ‬
‫����ب َر ِأي��������ي‬
‫����م����ا َأن َع������� َق ُ‬
‫ول����ـ ّ‬
‫�������دت َ‬
‫ص����ل����ي َ‬
‫َ‬
‫ت������� َّل َ‬
‫حَ َ‬
‫����ام‬
‫�������ل ِع�����ق����� ُد َر ِأي‬
‫�������������ك ف�����ي ال����ـ َ‬
‫����م����ق ِ‬
‫�������ن�������ت تَ���������رى ا َألن��������������ا َة َوتَ���� َّدع����ي����ه����ا‬
‫َو ُك‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ع�����ج����� َل َ‬
‫َ��ل��ام‬
‫�����ك‬
‫َف����� َأ َ‬
‫ال�����ط�����ع�����انُ َع��������نِ ال�����ك ِ‬
‫وب����������ت ُم َ‬
‫����ق����م‬
‫����������ؤ ِّر ًق����������ا ِم��������ن َغ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫������ي������ر ُس ٍ‬
‫َح����م����ى َج����ف���� َن����ي َ‬
‫�����ام‬
‫������وم ح ِ‬
‫����ب ال������ َّن ِ‬
‫����ك ط����ي َ‬
‫َ����م ْ‬
‫����ل‬
‫َوال َأرض���������ى ال���� َف����ت����ى م�����ا َل������م ُي����ك ِّ‬
‫ُ‬
‫���ل��ام‬
‫أي ال������كَ������ه������لِ ِإق����������������دا َم‬
‫ِب‬
‫����������������ر ِ‬
‫ال������غ ِ‬
‫َ‬
‫((( ديوانه ص ‪.276-275‬‬
‫‪- 77 -‬‬
‫َف����ل����ا هُ ����� َّن�����ئ�����تَ�����ه�����ا ُن�����ع�����م�����ى ِب������� َأس�������ري‬
‫����ام‬
‫َوال ُو ِص�������� َل ْ‬
‫��������ت ُس��������ع��������و ُد َك ِب����ال����تَّ����م ِ‬
‫إن هذه األبيات تعكس رؤية اآلخر للذات (تأملني الدمستق إذ رآني‪( )...‬أتنكرني‬
‫كأنك لست تدري‪ )...‬فالدمستق وهو أعلى سلطة حاكمة في بالد الروم ينكر وجود أبي‬
‫فراس‪ ،‬وكأنه ينكر وجود العرب احلضاري وينظر إليهم نظرة ازدراء وكأنه ال يعترف‬
‫بهم أو بوجودهم وهو ما دفع أبا فراس للدفاع عن الوجود العربي وتأكيد حضور‬
‫الذات ملواجهة إنكار اآلخر‪.‬‬
‫ وحتتفي الروميات بجانب من أنضر ما نقع عليه في الشعر‪ ،‬ونعني بذلك‬
‫املناظرات التي ج��رت بني أب��ي ف��راس والدمستق (روم ��ان الثاني) وق��د دارت هذه‬
‫املناظرات حول العقيدة وإجادة العرب لفنون احلرب والقتال‪ ،‬فنجد أبا فراس يعرض‬
‫مبناظرة في الدين جرت بينه وبني الدمستق ويحمل على الروم‪ ،‬فيرميهم بسهام من‬
‫الهجاء املقذع يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫����ج‬
‫�������ب ا َأل‬
‫َأم���������ا ِم�������ن َأ‬
‫ع�������ج ِ‬
‫ش��������ي��������اء ِع����ل ٌ‬
‫َ‬
‫������ل������ال ِم���������نَ َ‬
‫َ‬
‫�����ع����� ِّر ُف�����ن�����ي َ‬
‫�����������رام‬
‫احل‬
‫احل‬
‫ُي َ‬
‫ِ‬
‫������ي������وس‬
‫���������ط���������ار َق��������� ٌة ُت‬
‫َوتَ�������ك������� ُن������� ُف������� ُه ِب‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫����ث����ان����ي����ـ����ن ال ِّ‬
‫�����ام‬
‫����ال����ع‬
‫ُت�������ب�������ارى ِب‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����ض�����خ ِ‬
‫����ه����م ِخ����� َل ُ‬
‫�����ق َ‬
‫����ت تَ��ل��ق��ى‬
‫����ر َف���� َل����س َ‬
‫احل����م����ي ِ‬
‫َل ُ‬
‫����������زام‬
‫�����ر ِب����ل���ا ِح‬
‫َف‬
‫�����ه�����م َي�����س�����ي ِ‬
‫������ت������ى ِم�����ن ُ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َت�����ه����� ْم‬
‫ال�����ع‬
‫ُي�����ري�����غ�����ونَ‬
‫ع�����ج�����ز ُ‬
‫ُ‬
‫�����ي�����وب َو َأ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫����س����ام‬
‫احل‬
‫ي�����وج����� ُد ف����ي‬
‫����ب‬
‫َو َأ ُّي ال َ‬
‫����ع����ي ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫����������ب ُخ َّ‬
‫�������ط ٍ‬
‫����������ر‬
‫�������ة َو َأ َج‬
‫َو َأص َ‬
‫�����������������ل َأ ْم ٍ‬
‫����������ع ُ‬
‫ِ‬
‫������رام‬
‫�����ئ�����ام َع����ل����ى‬
‫�����س����� ُة ال����� ِّل‬
‫ال������ك ِ‬
‫ِ‬
‫ُم�����ج�����ا َل َ‬
‫‪- 78 -‬‬
‫إن أبا فراس يرسم في هذه األبيات صورة منفرة مزرية لآلخر (العلج) أو(الدمستق)‬
‫الذي يسعى في حواره أو مناظرته أن يعرف أبا فراس باحلالل واحلرام وهو ما ينطوي‬
‫على مفارقة مفعمة بالسخرية والتعجب‪ ،‬ويحمل أبو فراس على (البطارقة) حملة ضارية‬
‫فيستهزئ بهم وهم أصحاب املكانة الدينية املميزة في قومهم ‪ -‬ويشبههم بالتيوس وهو‬
‫تشبيه له داللته‪ ،‬كما يصمهم بالغباء والبالدة حني يشبه أخالقهم بأخالق احلمير‪،‬‬
‫ويصف من كانوا في مجلس املناظرة من الروم بـ «اللئام»‪ ،‬وهكذا يصدر أبو فراس في‬
‫نظرته للروم عن كراهية ويقف منهم موقف الرفض والسخرية واالستالب‪.‬‬
‫وتتحدث الروميات عن مناظرة أخرى وقعت بني أبي فراس والدمستق‪ ،‬وفيها قال‬
‫الدمستق ألبي فراس‪« :‬إمنا أنتم كتاب ال تعرفون احلرب‪ ،‬فرد عليه أبو فراس قائلاً ‪:‬‬
‫نحن نطأ أرضك منذ ستني سنة بالسيوف أم باألقالم»(((‪ .‬وأنشأ أبو فراس قصيدة‬
‫سخر فيها من الدمستق ووصفه بأنه «ضخم اللغاديد» وراح يذكره بانتصارات‬
‫احلمدانيني على الروم ومبن وقع منهم أسي ًرا وقتيلاً في استحضار مكثف ألسماء‬
‫قواد الروم وفرسانهم وبطارقتهم وأقيالهم‪ .‬يقول(((‪:‬‬
‫ض����خ���� َم ال���� َّل����غ����ادي ِ‬
‫َأتَ������زع������ ُم ي����ا َ‬
‫����د َأ َّن����ن����ا‬
‫����رب ال َن���ع ِ���ر ُف َ‬
‫َو َن���ح���نُ ُأس����و ُد َ‬
‫احل��رب��ا‬
‫احل ِ‬
‫���وي��� َل َ‬
‫���رب ِإن َل����م َن���كُ���ن َل��ه��ا‬
‫���ح ِ‬
‫َف َ‬
‫���ك َم����ن ِل���ل َ‬
‫َو َم���ن ذا ا َّل���ذي يمُ��س��ي َو ُي��ض��ح��ي َل��ه��ا ِتربا‬
‫����ش ِم����ن َج��� َن���ب ِ‬
‫َو َم������ن ذا َي���� ُل ُّ‬
‫اجل���� ْي َ‬
‫����ف َ‬
‫���ات ِ���ه‬
‫َو َم����ن ذا َي���ق���و ُد ال ُّ‬
‫���ش��� َّم َأو َي���ص��� ُد ُم ال َقلبا‬
‫َ‬
‫َو َوي������ َل َ‬
‫����ش‬
‫������ك َم�����ن َأ ْردى َأ‬
‫����رع ٍ‬
‫ب َ‬
‫خ��������اك مِ َ‬
‫ض����ر ًب����ا َوج������ َه وا ِل ِ‬
‫َو َج���� َّل َ‬
‫����ل َ‬
‫��������د َك ال َ��ع��ض��ب��ا‬
‫((( ديوانه ص ‪.42‬‬
‫((( ديوانه ص ‪.43-42‬‬
‫‪- 79 -‬‬
‫����ك م ِ‬
‫�����ك َم����ن خ��� ّل���ى اب�����نَ ُأخ ِ‬
‫����ت َ‬
‫َو َوي����� َل َ‬
‫��وث�� ًق��ا‬
‫َ����د ُر ِّ‬
‫����ان تَ����ب����ت ِ‬
‫اَّ‬
‫��ع��ب��ا‬
‫َو َخ‬
‫�����َّل����� َك ِب����ال���� َل���� َّق ِ‬
‫ال��ش ْ‬
‫َأت ِ‬
‫َ‬
‫�������رب َح�����تّ�����ى كَ���� َأ َّن����ن����ا‬
‫������وع������ ُدن������ا ِب‬
‫�������احل ِ‬
‫َو ِإ ّي َ‬
‫��ص��ب��ا‬
‫��������اك َل����م ُي���ع َ‬
‫���ب ِب��ه��ا َق��ل�� ُب��ن��ا َع ْ‬
‫���ص ْ‬
‫َ‬
‫�����ر ُه‬
‫����س����ل َب�����ر َد ًس�����ا َع���� ّن����ا َأ‬
‫َف َ‬
‫خ��������اك َو ِص�����ه َ‬
‫َو َس������ل َ‬
‫����س َأع َ‬
‫���م���كُ���م َخ��ط��ب��ا‬
‫���ظ ُ‬
‫آل َب����ردال����ي َ‬
‫اس����ا َوال ُّ‬
‫���م��� ْي َ‬
‫���ش َ‬
‫َو َس ْ‬
‫���و ُه‬
‫���ق ِص��� ْن َ‬
‫����ر ُق َ‬
‫���ش َ‬
‫����و ً‬
‫�����ل ُق ْ‬
‫َ‬
‫َو َس�����ل ِس���ب َ‬
‫َ���ه��� ْم َق��ل��ب��ا‬
‫ال��ب‬
‫��ط��ري��ق َأث���ب���ت ُ‬
‫���ط��� ُه ِ‬
‫َو َس��������ل ِص����ي���� َدكُ����م َ‬
‫����ن ِإ َّن���ن���ا‬
‫��ل�اي ِ‬
‫����م ِ‬
‫آل ال����ـ َ‬
‫���ض ال���هِ ِ‬
‫���ن���د ِع����� َّزهُ ����� ُم َن��ه��ب��ا‬
‫���ه���ب���ن���ا ِب���ب���ي ِ‬
‫َن َ‬
‫������ه������رام َو َ‬
‫�����������ل َ‬
‫آل َب��� َل َ‬
‫َو َس ْ‬
‫���س‬
‫آل َب‬
‫���ن���ط ٍ‬
‫ٍ‬
‫����وال َ‬
‫آل َم����ن َ‬
‫������ل َ‬
‫َو َس ْ‬
‫���ح��� َة ال ُ��غ��ل��ب��ا‬
‫اجل���ح ِ‬
‫���اج َ‬
‫���ع���س ِ‬
‫���ر كُ�� َّل��ه��ا‬
‫َو َس������ل ِب���ال��� ُب��� ُرط���س���ي ِ‬
‫���س ال َ‬
‫���اك َ‬
‫سط ِ‬
‫الـم َن َ‬
‫رياط ِس ال����رو َم َوال ُ��ع��رب��ا‬
‫َو َس���ل ِب ُ‬
‫َأ َل�������م ُت���ف ِ���ن���هِ ���م َق����ت اً‬
‫��ًل� َو َأس���������� ًرا ُس��ي��و ُف��ن��ا‬
‫َو ُأس��� َد ال َّ‬
‫الـمألى َو ِإن َج ُ��م�� َد ْت ُرعبا؟‬
‫��ش��رى َ‬
‫ِ‬
‫���س���ي ِ‬
‫���وف���ن���ا؟‬
‫ِب���� َأ‬
‫�������ر َت َأم ِب ُ‬
‫ق��ل�ام����ن����ا ُأ ْح َ‬
‫�������ج ْ‬
‫َّ‬
‫ال���ش���رى ُق���دن���ا ِإ َل����ي َ‬
‫����ك َأ ِم ال�� ُك��ت��ب��ا‬
‫َو ُأس������� َد‬
‫����ن ال����� َف ِ‬
‫َ‬
‫��ل��اة تجَ���و ُب���ه���ا‬
‫َ����ر‬
‫ك����ن����اك ف����ي َب����ط ِ‬
‫ت َ‬
‫���رب���وع َي���ل���ت ِ‬
‫كَ���م���ا ان���تَ��� َف َ‬
‫َ���ث��� ُم ال�� ُّت��رب��ا‬
‫���ق ال��� َي‬
‫ُ‬
‫ُت��ف ِ‬
‫��اخ�� ُرن��ا ِب��ال َّ‬
‫��ط��ع ِ��ن َوال َّ‬
‫���رب ف��ي ال َ��وغ��ى‬
‫���ض ِ‬
‫ِ‬
‫وس َ��ع��ت َ‬
‫استها ِكذبا‬
‫فس يا اب��نَ‬
‫ْ��ك ال َن ُ‬
‫َل َقد َأ َ‬
‫َ‬
‫ق�������ال ِذ َّم������� ًة‬
‫َرع�������ى ال����� َل����� ُه َأوف������ان������ا ِإذا‬
‫����ع���� ًن����ا َو َأث����� َب�����تَ�����ن�����ا َق��ل��ب��ا‬
‫َو َأن������ َف������ َذن������ا َط ْ‬
‫‪- 80 -‬‬
‫ب��������اك ِ‬
‫َ‬
‫���م���ا َخ��� َب���ر ُت��� ُه‬
‫���������دت َأ‬
‫َو َج‬
‫ُ‬
‫���ل���ج ل���ـ ّ‬
‫ال���ع َ‬
‫���ج���ب���ا‬
‫�������ركُ �������م ُع ْ‬
‫َأ َق������ ُّل������كُ������ ُم َخ�����ي����� ًرا َو َأك������� َث َ‬
‫َّ‬
‫استهل أبو فراس قصيدته بهذه الصورة الساخرة للدمستق حني وصفه بأنه‬
‫وقد‬
‫«ضخم اللغاديد» ونظر إليه نظرة احتقار في قوله‪:‬‬
‫�������رب ِم����ن َق���ب���لِ هَ ِ‬
‫��ع��ت��ن��ا َ‬
‫�����ذ ِه‬
‫��م َ‬
‫َل��� َق���د َج َ‬
‫احل ُ‬
‫�����ت ِب���ه���ا كَ��ل��ب��ا‬
‫َف���كُ��� ّن���ا ِب���ه���ا ُأس�������� ًدا َو ُك�����ن َ‬
‫إن هذه الصورة جتسد عالقة الذات باآلخر جتسي ًدا تا ًما‪ ،‬فاألسد الذي يرمز‬
‫إلى العرب مبا يحمله من دالالت القوة والشجاعة وامللوكية تقابله صورة الكلب الذي‬
‫يرمز من وجهة نظر أبي فراس إلى الروم مبا توحي به الصورة من احتقار ووضاعة‪.‬‬
‫إن مثل هذه املناظرات الشعرية لون طريف جديد عرف طريقه إلى الشعر ونفحه‬
‫بنفحات خاصة‪.‬‬
‫إن أبا فراس ‪ -‬في قصيدته ‪ -‬يستعرض جان ًبا من جوانب الصراع بني العرب‬
‫والروم ويستحضر أسماء ملوك الروم وقوادهم الذين ذاقوا مرارة الهزائم وشملت‬
‫هذه القائمة كال من الدمستق وابن أخته وبرداس وهو قائد قسطنطني السابع ملك‬
‫القسطنطينية و(ق��رق��واس) وهو قائد أرمني من ق��واد الدمستق والشميشق صهره‬
‫وآل برداليس وآل املالين وهم آل البطريق قسطنطني وكذلك آل بهرام وآل بلنطس‬
‫وآل منويل وآل برطسيس وغيرهم ممن وعتهم ذاكرة أبي فراس وحرص على ذكرهم‬
‫ليدحض فرية الدمستق الذي زعم بأن العرب قوم ال يعرفون احلرب‪ ،‬فكان استعراض‬
‫أسمائهم خير دليل على تفنيد هذه املزاعم ‪.‬‬
‫إن عالقة الذات باآلخر في شعر أبي فراس تقوم على العداء واإلنكار والتعالي‪،‬‬
‫فكالهما يسعى إلى محو اآلخر وازدرائه واحتقاره‪:‬‬
‫ي������� ّن�������ونَ َأن َخ����� ّل�����وا ِث����ي����اب����ي َو ِإنمَّ���������ا‬
‫مَ ُ‬
‫ِ‬
‫م������ائ������هِ ������ ُم ُح����م���� ُر‬
‫������اب ِم�������ن ِد‬
‫������ي ِث������ي ٌ‬
‫َع������ َل َّ‬
‫‪- 81 -‬‬
‫وتتأكد عالقة التنافر والعداء والرفض حني يخاطب أبو فراس سيف الدولة بقوله‪:‬‬
‫َو َل ِ‬
‫دار ُغ���ر َب ٍ���ة‬
‫����ف����ت‬
‫����ك����ن َأ ِن‬
‫ُ‬
‫���وت ف���ي ِ‬
‫ال���ـ���م َ‬
‫َ‬
‫ال��غ ُ‬
‫ِب��� َأي���دي ال��� َّن���ص���ارى ُ‬
‫���م ِ���د‬
‫��ل��ف م��ي��تَ�� َة َأك َ‬
‫���رح���وا‬
‫َف��ل�ا تَ����ت���� ُر ِك ا َألع���������دا َء َح���ول���ي ِل��� َي���ف َ‬
‫����ع ِ‬
‫َ‬
‫َوال تَ����ق َ‬
‫����د‬
‫����ع ال����ت‬
‫َّ����س����آل َع���� ّن����ي َوتَ����ق ُ‬
‫����ط ِ‬
‫فأبو فراس يعبر عن إحساس الذات الرافضة لآلخر‪ ،‬الكارهة له‪ ،‬وهو اإلحساس‬
‫الذي تضاعف من خالل محنة األسر التي اكتوى بنيرانها‪.‬‬
‫‪XXXX‬‬
‫‪- 82 -‬‬
‫اآلخر في شعر املتنبي‬
‫لآلخر جتليات عديدة في شعر املتنبي‪ ،‬وقد أسهم في هذا احلضور الكثيف عدة‬
‫عوامل‪ ،‬منها كثرة أسفاره ورحالته‪ ،‬ومنها اتساع ثقافته‪ ،‬ومعاصرته للصراع احملتدم‬
‫بني العرب والروم‪.‬‬
‫ويتجلى حضور «اآلخر» في شعر املتنبي في أجناس شتى‪ ،‬منها‪ :‬العجم والفرس‬
‫والروم والترك والديلم واألكراد واليهود‪.‬‬
‫العجم‪:‬‬
‫يتردد مفهوم «العجم» عند املتنبي في إشارة إلى األجناس األخرى غير العربية‪،‬‬
‫واضحا بني العرب والعجم في العادات والطبائع واللغة والثقافة‬
‫ويرى أن هناك تباينًا‬
‫ً‬
‫ولذلك فإن العرب إذا ملكهم العجم لم يفلحوا‪.‬‬
‫وينظر املتنبي إلى العجم نظرة سلبية عدائية‪ ،‬فيسلبهم املفاخر واحلسب واألمجاد‪،‬‬
‫ويرى أنه ال ذمم لهم وال عهد وال أمان ‪ ،‬ويحمل على عبيد اخللفاء من األتراك الذين‬
‫كانوا يؤمرون على الناس‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫�����م�����ل ِ‬
‫�����وك َوم������ا‬
‫َو ِإنمَّ��������������ا‬
‫ال������ن������اس ِب�����ال�����ـ ُ‬
‫ُ‬
‫������ج������ ُم‬
‫������ح ُع‬
‫ُت������ف������ ِل ُ‬
‫���������������ر ٌب ُم�����ل�����وكُ�����ه�����ا َع َ‬
‫ْ‬
‫((( ديوان املتنبي (بشرح البرقوقي) ‪.179 : 4‬‬
‫‪- 83 -‬‬
‫ال‬
‫َأ َد ٌب‬
‫ِع�������ن������� َدهُ �������م‬
‫َوال‬
‫َوال‬
‫������ب‬
‫������س ٌ‬
‫َح َ‬
‫ُع����������ه����������و ٌد‬
‫��������ه��������م‬
‫َل ُ‬
‫َوال‬
‫م‬
‫ِذ مَ ُ‬
‫ِب��������كُ ِّ‬
‫م‬
‫��������ل َأ ٍ‬
‫رض َو ِط������ئ������ ُت������ه������ا ُأ مَ ٌ‬
‫�������ع�������ب ٍ‬
‫�������د كَ������� َأ َّن�������ه�������ا َغ������ َن������ ُم‬
‫ُت�������رع�������ى ِل َ‬
‫واضحا لكل ما هو عربي‪ ،‬بل إنه ليرفض مظاهر‬
‫ويعكس شعر املتنبي تعص ًبا‬
‫ً‬
‫احلضارة وينحاز إلى البادية بكل ما فيها‪ ،‬ويفضل املرأة البدوية على احلضرية ألن‬
‫حسن أهل احلضارة متكلف مصنوع‪ .‬أما حسن البدويات فهو فطري غير مجلوب أو‬
‫متكلف‪ .‬يقول(((‪:‬‬
‫وج������ ُه َ‬
‫احل َ‬
‫��ات ِب ِ��ه‬
‫��س��ن ُ‬
‫���ض ِ‬
‫م��ا َأ ُ‬
‫���ر ال��ـ ُ��م��س��تَ��ح َ‬
‫وج ِ‬
‫�������ه ال������ َب������ َد ِو ّي ِ‬
‫����اب����ي����ب‬
‫������ات ال���� َّرع‬
‫ِ‬
‫كَ������� َأ ُ‬
‫(((‬
‫ُح���س���نُ َ‬
‫���وب ِب���تَ���ط ِ���ر َي ٍ���ة‬
‫احل‬
‫�����ض�����ار ِة َم���ج���ل ٌ‬
‫َ‬
‫���وب‬
‫َوف������ي ال������ َب‬
‫������داو ِة ُح����س����نٌ َغ����ي���� ُر َم���ج���ل ِ‬
‫َ‬
‫وانحياز املتنبي للعرب يأتي غال ًبا على حساب اآلخر؛ فممدوحه «النموذج» أو‬
‫«املثال» يكون عظي ًما أينما كان حتى لو َّ‬
‫حل في دولة عظيمة كفارس لزحزح كسرى عن‬
‫مكانه‪ ،‬ولو َّ‬
‫لنحى قيصر عن عرشه وصار مكانه(((‪:‬‬
‫حل في الروم َّ‬
‫ِإن َح َّ‬
‫����������رس َف���ف���ي���ه���ا َر ُّب����ه����ا‬
‫��������ل ف�����ي ُف‬
‫ٍ‬
‫ِك����س����رى ت ِ‬
‫َ‬
‫���ع‬
‫ق�����اب َوت‬
‫َ��������ذ ُّل َل������ ُه ال����� ِّر‬
‫َ���خ���ض ُ‬
‫ُ‬
‫َأو َح َّ‬
‫����ص���� ٌر‬
‫��������ل ف�����ي‬
‫روم َف���ف���ي���ه���ا َق����ي َ‬
‫ٍ‬
‫َأو َح َّ‬
‫�����ع‬
‫���������ل ف������ي ُع‬
‫�����������رب َف���ف���ي���ه���ا ُت����� َّب ُ‬
‫ٍ‬
‫وبرغم العداء املتبادل بني العرب والروم وما جرى بينهما من معارك وحروب طاحنة‪،‬‬
‫فإن املتنبي ال ينكر حضارة الروم ويعترف مبهارتهم في الفنون وحذقهم في الصناعة‪،‬‬
‫((( ديوانه ‪.291 : 1‬‬
‫((( الرعابيب‪ :‬جمع رعبوبة وهي املرأة املمتلئة‪.‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.20 : 3‬‬
‫‪- 84 -‬‬
‫وقد ع َّبر عن ذلك في معرض وصفه لثياب من الديباج أهديت له وكانت ناسجتها من‬
‫الروم قد نقشت عليها صور ملوك الروم وصورتها وصورة جواريها وزينتها بصور‬
‫للخيل ونقوش أخرى ألشياء جاءت اً‬
‫مثال للحذق واملهارة‪ ،‬وفي ذلك يقول(((‪:‬‬
‫َ��������رمي م����ا َي�����ص�����ونُ ِح���س���ا َن���ه���ا‬
‫�����ي�����اب ك‬
‫ِث‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ِإذا ُن ِ‬
‫����ات ِص���وا َن���ه���ا‬
‫�����ر ْت ك������انَ ال����هِ ����ب ُ‬
‫�����ش َ‬
‫ال��������روم ف��ي��ه��ا ُم��ل��وكَ��ه��ا‬
‫����ن����اع‬
‫ص‬
‫ُ‬
‫ُت���ري���ن���ا َ‬
‫ِ‬
‫���س���ه���ا َو ِق���ي���ا َن���ه���ا‬
‫َوتجَ�����ل�����و َع��� َل���ي���ن���ا َن��� َف ْ‬
‫َو َل����م َي��ك ِ��ف��ه��ا تَ��ص��وي�� ُره��ا َ‬
‫اخل���ي َ‬
‫���ل َوح�� َده��ا‬
‫���������و َر ِت ا َألش�������ي�������ا َء ِإلاّ َزم����ا َن����ه����ا‬
‫���������ص َّ‬
‫َف َ‬
‫�����و ٍر‬
‫������رتْ������ه������ا ُق‬
‫�����ص ِّ‬
‫����������در ًة ف����ي ُم َ‬
‫َ‬
‫َوم������ا ِا َّد َخ َ‬
‫ِس������وى َأ َّن�����ه�����ا م����ا َأن َ‬
‫����ط���� َق����ت َح��� َي���وا َن���ه���ا‬
‫ويعبر املتنبي في غير موضع من شعره عن إعجابه بحضارة اإلغريق وما أجنبته‬
‫من علماء أفذاذ في الطب والفلسفة‪ ،‬ويشير إلى «جالينوس» الطبيب اليوناني املشهور‬
‫وبراعته في الطب ووصف األدوية‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫�����������دت َدوا َء دائ�������ي ِع���ن��� َده���ا‬
‫ل���ـ���م���ا َو َج‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫������ف������ات ج���ال���ي���ن���وس���ا‬
‫������ي ِص‬
‫ُ‬
‫ه�����ا َن�����ت َع������ َل َّ‬
‫ويستحضر املتنبي شخصية «جالينوس» مرة أخرى في معرض احلكمة والتأمل‬
‫وتأكيد حقيقة حتمية املوت حيث ال ينجو منه إنسان مهما كان قدره‪ ،‬فيموت الراعي‬
‫اجلاهل كما ميوت الطبيب احلاذق‪ ،‬بل رمبا زاد راعي الضأن عم ًرا على جالينوس في‬
‫«مفارقة» بالغة الداللة على تناقضات احلياة‪:‬‬
‫�������أن ف�����ي َج����ه���� ِل ِ‬
‫مَ����������وت راع��������ي ال َّ‬
‫����ه‬
‫ي‬
‫�������ض ِ‬
‫ُ‬
‫������وس ف�������ي ِط������ ِّب ِ‬
‫������ه‬
‫َم����������وتَ���������� َة ج������ال������ي������ن‬
‫َ‬
‫((( ديوانه ‪.303 :4‬‬
‫((( املصدر نفسه‪.305 :2‬‬
‫‪- 85 -‬‬
‫���������م���������ر ِه‬
‫َو ُربمَّ�����������������������ا زا َد َع��������ل��������ى ُع‬
‫ِ‬
‫������رب ِ‬
‫������ه‬
‫َوزا َد ف������ي ا َألم��������������نِ َع�����ل�����ى ِس ِ‬
‫ويستحضر املتنبي أعالم احلضارة اليونانية‪ :‬أرسططاليس واإلسكندر وبطليموس‬
‫في معرض مـدح ابن العمـيد‪ ،‬فيشبهه بهم في علمه وحكمته وسعة ملكه‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫ع�������������راب َأ ّن���������ي َب���ع��� َده���ا‬
‫َم������ن ُم����ب���� ِل���� ُغ ا َأل‬
‫ِ‬
‫����س َوا ِإلس�����كَ�����ن����� َدرا‬
‫ش�����اهَ ُ‬
‫�����دت َرس����ط����ال����ي َ‬
‫����اره����ا َف��� َأض���ا َف���ن���ي‬
‫َو َم����ل����ل ُ‬
‫����ر ِع����ش ِ‬
‫����ت َن ْ‬
‫����ح َ‬
‫���ار ل��ـ��م��ن َق���رى‬
‫���ح��� ُر ِ‬
‫َم����ن َي���ن َ‬
‫ال����ب���� َد َر ال��� ُّن���ض َ‬
‫َو َس ِ‬
‫س ُك���ت ِ���ب ِ���ه‬
‫����م����ع ُ‬
‫���وس ِ‬
‫دار َ‬
‫����ت َب���ط���ل���ي���م َ‬
‫َ����ح ِّ‬
‫����ض����را‬
‫ُم�����ت َ‬
‫َ�����م����� ِّل�����كً�����ا ُم������تَ������ َب������ ِّد ًي������ا ُم����ت َ‬
‫وف��ي س�ي��اق امل��دح أي� ً‬
‫�ض��ا يستدعي املتنبي ع��دة شخصيات دينية وتاريخية‬
‫كشخصية اإلسكندر فيقول على سبيل الغلو إن ذا القرنني لو استعمل رأي املمدوح‬
‫ألضاءت له الظلمات‪ ،‬ويشير إلى «عازر» وهو رجل من بني إسرائيل أحياه الله تعالى‬
‫بدعاء عيسى عليه السالم‪ ،‬ولكن املتنبي يعمد إلى الغلو املذموم فيقول إن عازر لو قتل‬
‫بسيف املمدوح في احلرب ألعجز عيسى إحياؤه‪ ،‬ويستحضر في السياق ذاته صورة‬
‫املجوس عبدة النار وميضي في غلوائه فيقول(((‪:‬‬
‫َب َ‬
‫���������و َر غ�������ا َي������� ًة ف������ي آ َي ٍ‬
‫��������ة‬
‫َ���������ص َّ‬
‫�������ش������� ٌر ت َ‬
‫����ظ����ن����ونَ َو ُت����ف ِ‬
‫تَ���ن���ف���ي ال ُّ‬
‫��س��ا‬
‫����س���� ُد ال��تَّ�� ْق��ي��ي َ‬
‫�����ر َّي ِ‬
‫َو ِب ِ‬
‫����������ه ُي َ‬
‫�����ة ال ِب��ه��ا‬
‫�����ض�����نُّ َع����ل����ى ال����� َب ِ‬
‫ِ‬
‫������ي������ه ِم����ن����ه����ا ال َع���� َل����ي����ه����ا ي���وس���ى‬
‫َو َع������ َل‬
‫ع�����م َ‬
‫�����ل َرأ َي�������� ُه‬
‫َل�����و ك������انَ ذو ال���� َق����ر َن ِ‬
‫��ي�ن َأ َ‬
‫����ظ���� ُل����م ِ‬
‫لمَ ّ������ا َأت������ى ال ُّ‬
‫����ات ِص��������رنَ ُش��م��وس��ا‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.277-276 : 2‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.307 :306 :2‬‬
‫‪- 86 -‬‬
‫أس ع��������از ََر َس���ي��� ُف��� ُه‬
‫َأو ك������انَ ص��������ا َد َف َر َ‬
‫������ع������رك ٍ‬
‫َ������ة لأَ َع������ي������ا ع��ي��س��ى‬
‫����������وم َم‬
‫ف�����ي َي‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫مَ���ي���ن ِ‬
‫�����ل ي ِ‬
‫����ح����ر ِم�����ث َ‬
‫���ه‬
‫�������ج ال���� َب‬
‫ِ‬
‫َأو ك�������انَ ُل ُّ‬
‫�����ق َح����تّ����ى ج�������ا َز ف����ي ِ‬
‫ان�����ش َّ‬
‫َ‬
‫����ه م��وس��ى‬
‫م����ا‬
‫َأو ك��������انَ ِل����ل����ن����ي����رانِ َ‬
‫ض���������و ُء َج���ب���ي ِ���ن ِ���ه‬
‫�����ص�����ار ال�����ع�����المَ�����ونَ َم���ج���وس���ا‬
‫������ب������ َدت َف‬
‫ُع ِ‬
‫َ‬
‫وفي سياق العظة والعبرة وتأكيد حقيقة الفناء يستحضر املتنبي شخصية خوفو‬
‫وخفرع صاحبي الهرمني مؤك ًدا أن الفناء حتم على البشر مهما كان قدرهم وأن اآلثار‬
‫تبقى بعد رحيل أصحابها للداللة على حضارتهم وقوتهم‪ .‬يقول(((‪:‬‬
‫������ل َأو غ ِ‬
‫ِ‬
‫تَ���ص���ف���و َ‬
‫����ل‬
‫احل������ي������ا ُة‬
‫����اف ٍ‬
‫لجِ������اه ٍ‬
‫�����ع‬
‫َ�����و َّق ُ‬
‫َع ّ‬
‫�����م�����ا َم�����ض�����ى ف���ي���ه���ا َوم���������ا ُي�����ت َ‬
‫احل����ق ِ‬
‫َول���ـ���م���ن ُي����غ����ا ِل ُ‬
‫����ط ف����ي َ‬
‫���س��� ُه‬
‫����ائ ِ‬
‫����ق َن���ف َ‬
‫���ع‬
‫َو َي‬
‫���م ُ‬
‫����ب ال���ـ ُ‬
‫ُ‬
‫���م���ح���الِ َف���تَ���ط َ‬
‫���س���وم���ه���ا َط���� َل َ‬
‫���ان ِ‬
‫�����رم�����انِ ِم������ن ُب���ن���ي ِ‬
‫���ه‬
‫َأي��������نَ ا َّل��������ذي‬
‫َ‬
‫ال�����ه َ‬
‫���ص���ر ُع‬
‫ال���ـ���م‬
‫�����وم����� ُه م����ا‬
‫�����وم����� ُه م����ا َي ُ‬
‫م����ا َق ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ�����خ����� َّل ُ‬
‫تَ�����ت َ‬
‫����اب����ه����ا‬
‫�����ف اآلث�����������ا ُر َع�������ن َأص����ح ِ‬
‫���ع‬
‫ح���ي��� ًن���ا َو ُي ِ‬
‫������در ُك������ه������ا ال����� َف�����ن�����ا ُء َف���تَ���ت��� َب ُ‬
‫الفرس‪:‬‬
‫للفرس حضور واضح في شعر املتنبي‪ ،‬فقد كانت له رحلة إلى بالد فارس بعد أن‬
‫رحل عن مصر سنة ‪350‬هـ قاص ًدا الكوفة فوصلها سنة ‪351‬هـ وأقام فيها فترة قصد‬
‫((( ديوانه ‪.13 :3‬‬
‫‪- 87 -‬‬
‫بعدها بغداد وكانت حتت حكم معز الدولة البويهي ولكن مقامه لم يطب فيها فسافر إلى‬
‫أ ّرجان قاص ًدا ابن العميد فمدحه بأربع قصائد وذهب منها إلى(شيراز) حيث اتصل‬
‫بعضد الدولة ومدحه بثماني قصائد‪ ،‬وعاد منها محملاً بالهدايا والتحف ليلقى حتفه‬
‫في طريقه إلى الكوفة على يد فاتك األسدي ورجاله وذلك في رمضان سنة ‪ 354‬هـ(((‪.‬‬
‫وينظر املتنبي إلى الفرس نظرة إكبار وتقدير‪ ،‬ويعبر عن إعجابه باحلضارة‬
‫الفارسية‪ ،‬وهو ما نلمسه في مدائحه البن العميد‪ ،‬وقد تصادف أن حضر عيد النيروز‬
‫وه��و أح��د أعياد الفرس املهمة‪ ،‬فنظم قصيدة يهنئه فيها بهذا العيد حيث شخص‬
‫(العيد) فجعله زائ ًرا يفد على ابن العميد ويظفر منه بنظرة يتز َّود بها إلى العام املقبل‬
‫حيث يفارقه آخر اليوم آس ًفا حزينًا على فراقه‪ ،‬ويصف املتنبي مقامه في بالد فارس‬
‫في عيد النيروز وقد غمرت الفارسيني الفرحة والبهجة ويشير إلى مشاركته أهل‬
‫الفرس عاداتهم في صباح ذلك العيد إذ كان من عادتهم يوم النيروز أن يتخذوا أكاليل‬
‫من النبات والزهر يضعونها فوق رؤوسهم وقد اكتست األرض في هذا العيد مبثل هذه‬
‫اً‬
‫احتفال بالنيروز‪،‬‬
‫األكاليل من الزهر‪ ،‬وتزينت اجلبال والوهاد ولبست حللها القشيبة‬
‫وفي ذلك يقول املتنبي(((‪:‬‬
‫ن���������������ت ُم�������������را ُد ْه‬
‫ج����������ا َء َن�������ي�������رو ُزن�������ا َو َأ‬
‫َ‬
‫َو َو َر ْت‬
‫ِب��������ا َّل��������ذي‬
‫َأرا َد‬
‫ِزن��������������ا ُد ْه‬
‫ِ‬
‫�����ظ�����ر ُة ا َّل�����ت�����ي ن����ا َل����ه����ا ِم��� ْن���ـ‬
‫�����������ذ ِه ال����� َن‬
‫هَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ـ َ‬
‫�����������ولِ زا ُده‬
‫احل‬
‫������ك ِإل�������ى ِم���ث��� ِل���ه���ا ِم�������نَ‬
‫ْ‬
‫�����ن�����ك ِ‬
‫َ‬
‫�������وم ِم����ن���� ُه‬
‫َي����ن���� َث����ن����ي َع‬
‫����������ر ال������� َي ِ‬
‫آخ َ‬
‫ِ‬
‫ن�������������ت َط���������ر ُف��������� ُه َو ُرق�����������������ا ُده‬
‫ن��������اظ�������� ٌر َأ‬
‫َ‬
‫�������رور‬
‫ف���������ار ٍس ف����ي ُس‬
‫رض‬
‫َن����ح����نُ ف����ي َأ ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫�����ب�����اح ا َّل����������ذي َن��������رى م����ي��ل�ا ُده‬
‫ال�����ص‬
‫ذا‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫((( انظر‪ :‬الصبح املنبي عن حيثية املتنبي للبديعي ‪.221 : 1‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.149-148 : 2‬‬
‫‪- 88 -‬‬
‫مَ�������ا ِل ُ‬
‫َع َّ‬
‫�������رس َح����تّ����ى‬
‫�������ك ال������� ُف‬
‫�����م�����تْ����� ُه م‬
‫ِ‬
‫�����ظ َ‬
‫ع���������ام ِ‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫���������س���������ا ُده‬
‫��������������������ام‬
‫ُ�������������ل َأ ّي‬
‫ك‬
‫���������ه ُح ّ‬
‫ِ‬
‫����ب����س����ن����ا ف�����ي ِ‬
‫�����ه ا َألك������ال������ي َ‬
‫������ل َح����تّ����ى‬
‫م�����ا َل ِ‬
‫�����ل����اع���������� ُه َو ِوه�������������������ا ُده‬
‫������س������تْ������ه������ا ِت‬
‫ُ‬
‫َل ِ‬
‫������ب َ‬
‫منوذجا المتزاج الثقافتني‪ :‬العربية والفارسية‪ ،‬فهو عربي‬
‫ويرى املتنبي في ابن العميد‬
‫ً‬
‫اللسان‪ ،‬حكيم كالفالسفة‪ ،‬فارسي اإلقامة‪ ،‬فأعياده فارسية كالنيروز واملهرجان‪ .‬يقول(((‪:‬‬
‫�����اس ِك����س����رى َأب������و س��ا‬
‫ِع����ن���� َد َم�����ن ال ُي�����ق ُ‬
‫س������������انَ‬
‫ُم������ل������كً������ا ِب ِ‬
‫������������ه َوال َأوال ُده‬
‫������س ِ‬
‫������ي‬
‫������������ر ِب‬
‫َع‬
‫������������ي ِل��������س��������ا ُن�������� ُه َف������ل َ‬
‫َ‬
‫������ف ٌّ‬
‫ٌّ‬
‫ف����������ار ِس���������� َّي���������� ٌة َأع����������ي����������ا ُده‬
‫َرأ ُي���������������������� ُه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن���������ائ ٌ‬
‫َ‬
‫���������ل َأن������������ا ِم�����ن����� ُه‬
‫ق������������ال‬
‫كُ������ َّل������م������ا‬
‫آخ���������� ٌر ذا ِا ِ‬
‫ق���������ال َ‬
‫َ‬
‫ق�����ت�����ص�����ا ُده‬
‫������������ر ٌف‬
‫َس‬
‫َ‬
‫ونرى احلضور الفارسي في قصيدة أخرى للمتنبي ميدح فيها على ابن صالح‬
‫�اري الكاتب وهو فارسي األص��ل‪ ،‬ينسب إلى بلدة «روذب��ار» من بالد العجم‪،‬‬
‫ال��روذب� ّ‬
‫فيشيد بأمجاد الفرس من خالله‪ ،‬ويشير إلى انتمائه إلى «أبرويز» أحد أكاسرة الفرس‪،‬‬
‫فهو من أوالد ملوك الفرس أصحاب التيجان املصوغة من اجلواهر‪ ،‬وهو مبكارمه‬
‫وصفاته يعلو كل أصل شريف ويفوق الشمس شر ًفا ونس ًبا‪ ،‬وك��أن الياقوت والدر‬
‫املنظوم نظمت من حالوة لفظه‪ ،‬وقد شغلته املعالى واملآثر عن احلسان من النساء(((‪:‬‬
‫ِ‬
‫�����س ُك ُّ‬
‫�������س‬
‫�������راة ِب�����ال�����رو َذ ِ‬
‫�������ل ال َّ‬
‫َل�����ي َ‬
‫ب�����اري�����ـ ْ‬
‫ُّ‬
‫������ب������از‬
‫ُ������������ل م�������ا َي������ط������ي������ ُر ِب‬
‫ِي َوال ك‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������اج‬
‫ال����ـ����م‬
‫��������ي َل��������� ُه ِم���������نَ‬
‫ِ‬
‫����ج����د ت ٌ‬
‫َ‬
‫ف��������ار ِس ٌّ‬
‫واز‬
‫�������ر َع�����ل�����ى َأ‬
‫ب��������������ر ِ‬
‫ك���������انَ ِم�������ن َج�������وهَ ٍ‬
‫َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.150 : 2‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪287-286 :2‬‬
‫‪- 89 -‬‬
‫����������وق ُك ِّ‬
‫َ‬
‫ص����������ل َش�����ري ٍ‬
‫�����ف‬
‫���������ل َأ‬
‫�����س����� ُه َف‬
‫ٍ‬
‫َن�����ف ُ‬
‫���������و َأ ّن��������ي َل������ ُه ِإل������ى ال َّ‬
‫����س ع����ازي‬
‫����ش����م ِ‬
‫َو َل َ‬
‫َوكَ���������������� َأنَّ ال������ َف������ري������ َد َوال���������������� ُد َّر َوا ْل������ َي������ا‬
‫�����ظ ِ‬
‫����������وت ِم�������ن َل�����ف ِ‬
‫������از‬
‫ُق‬
‫�����ه َوس�����������ا َم ال������ ِّرك ِ‬
‫َ‬
‫َش َ‬
‫���م���ع���ال���ي‬
‫�����غ����� َل ْ‬
‫�����ت َق����ل���� َب���� ُه ِح������س������انُ ال���ـ َ‬
‫ِ‬
‫ع�������ج�������از‬
‫ج�������وه َوا َأل‬
‫ال�������و‬
‫������ان‬
‫َع�������ن ِح������س ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ويشير املتنبي في معرض مدح الروزباري إلى شهرة ُس َّكر مدينة األهواز وهي‬
‫كور بني البصرة وفارس فيقول(((‪:‬‬
‫�����ر َو َ‬
‫����ض���� ُم َ‬
‫تَ����ق َ‬
‫احل�������دي������� َد ا َألع��������ادي‬
‫اجل�����م َ‬
‫ه���������������واز‬
‫��������ر ا َأل‬
‫ِ‬
‫دو َن��������������� ُه َق�������ض������� َم ُس��������كَّ ِ‬
‫ويشيد املتنبي بقوم املمدوح من الفرس ويراهم مناذج للكرم واملآثر والسيادة‪،‬‬
‫فقد فتحوا كثي ًرا من البالد‪ ،‬وملكوا األرض‪ ،‬وانقادت لهم الشعوب انقياد الدواب‬
‫الذلول متشي بغير مهماز‪ ،‬وأطاعتهم اجليوش‪ ،‬وهابهم الناس وصارت لهم الكلمة‬
‫العليا والقول الفصل‪ .‬يقول املتنبي(((‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫���������آب���������ائ َ‬
‫����������رام ال������تَّ������ َأ ِّس������ي‬
‫ال����������ك‬
‫���������ك‬
‫َو ِب‬
‫ِ‬
‫����م����ن َم���ض���ى َوال����تَّ����ع����ازي‬
‫َّ����س���� ّل����ي َع َّ‬
‫َوال����ت َ‬
‫َ������رك������وا ا َأل َ‬
‫رض َب�����ع����� َد م�����ا َذ َّل����ل����وه����ا‬
‫ت َ‬
‫َو َم َ‬
‫�����از‬
‫����������ت ت‬
‫َ������ه������م ِب����ل����ا ِم�����ه�����م ِ‬
‫����������ش ْ‬
‫حَ������ت ُ‬
‫ُ‬
‫������ت������ه������ ُم ُ‬
‫�������وش َو ِه����ي����ب����وا‬
‫اجل�������ي‬
‫ط������اع‬
‫َو َأ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫�����از‬
‫َف��������كَ����ل���ا ُم‬
‫������ه������م كَ�����ال����� ُّن�����ح ِ‬
‫ال�������������ورى َل ُ‬
‫َ‬
‫((( ديوانه ‪.288 : 2‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.291 :2‬‬
‫‪- 90 -‬‬
‫منوذجا للقائد الشجاع‬
‫وتبرز في شعر املتنبي شخصية عضد الدولة بوصفه‬
‫ً‬
‫الذي يحمي حدود الدولة الفارسية ويقهر أعداءها(((‪:‬‬
‫َ‬
‫�������ر ٌّي‬
‫ط���������������راف‬
‫َح�����م�����ى َأ‬
‫�������م ِ‬
‫ِ‬
‫س َش َّ‬
‫ف�������������ار َ‬
‫�����ح ُّ‬
‫�����ض َع����ل����ى ال����تَّ����ب����اق����ي ِب���ال���تَّ���ف���ان���ي‬
‫َي ُ‬
‫ِب َ‬
‫���م���ن���اي���ا‬
‫ه���������اج َأ‬
‫�������رب‬
‫ط��������������راب ال���ـ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�������ض ٍ‬
‫���م���ث���ا ِل ِ‬
‫ِس������وى َ‬
‫���م���ث���ان���ي‬
‫ض ِ‬
‫���ث َوال���ـ َ‬
‫�������رب ال���ـ َ‬
‫األكراد‪:‬‬
‫ورد ذكر األكراد في شعر املتنبي في غير موضع‪ ،‬فقد أشار إليهم في مدح ابن‬
‫العميد فوصفه بأنه أفصح العرب‪ ،‬وجعل األك��راد أفصح الناس في قومهم مشب ًها‬
‫إياهم باألعراب معب ًرا عن إشكالية ثقافية تتصل باللغة بوصفها أداة للتعبير والتفاهم‪،‬‬
‫فاملمدوح الذي ميثل منوذج الفصاحة اللغوية العربية يقف في مواجهة منوذج آخر‬
‫للفصاحة ممثلاً في لغة أخرى هي لغة األكراد‪ .‬يقول(((‪:‬‬
‫َخ����� َل َ‬
‫������ح‬
‫�����ق ال����� َل����� ُه َأ‬
‫ال�����ن�����اس ُط������� ّرًا‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ف������ص َ‬
‫��������ك��������ان َأع������������را ُب������������ ُه َأك����������������را ُده‬
‫ف�������ي َم‬
‫ٍ‬
‫ويبدو أن الشعوبية كانت ُّ‬
‫تطل برأسها بني الفينة والفينة في عصر سيف الدولة‪،‬‬
‫فثمة رواية تقول إنه قد جرى ذكر ما بني العرب واألكراد من الفضل‪ ،‬فقال سيف الدولة‬
‫للمتنبي‪ :‬ما تقول في هذا وما حتكم يا أبا الطيب؟ فقال(((‪:‬‬
‫ن�����������ام س ِ‬
‫����ائ��ًلً‬
‫����ي����ر ا َأل‬
‫ِإن ُك‬
‫����ن����ت َع������ن َخ ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َف َ‬
‫����ض����ائ��ل�ا‬
‫������خ������ي������ ُرهُ ������ ْم َأك�������� َث�������� ُرهُ ��������م َف‬
‫((( املصدر نفسه ‪.393: 4‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.157 : 2‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.232 : 3‬‬
‫‪- 91 -‬‬
‫����ه����م ي�����ا هُ ������م������ا َم ِ‬
‫وائ���ل��ا‬
‫َم������ن َأ‬
‫َ‬
‫ن���������ت ِم����ن ُ‬
‫ِ‬
‫ال�������وغ�������ى َأ ِ‬
‫وائ������ل�����ا‬
‫�����ن��ي��ن ف������ي‬
‫ال�����ط�����اع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������واذال‬
‫ال������ع‬
‫ن ف�����ي ال������ َّن������دى‬
‫َو‬
‫ال������ع������اذل���ي�� َ‬
‫َ‬
‫�����ك ال���� َق����ب ِ‬
‫�����ض�����ل�����وا ِب����� َف�����ض����� ِل َ‬
‫َق�������د َف َ‬
‫����ائ��ل�ا‬
‫الترك‪:‬‬
‫أظهر املتنبي تعاطفه مع الترك في قصيدة يعزي فيها سيف الدولة عن عبده‬
‫(مياك) التركي وقد مات بحلب سنة أربعني وثلثمائة‪ ،‬وكانت له حظوة عند سيف الدولة‬
‫فحزن عليه حزنًا شدي ًدا وواساه املتنبي فقال(((‪:‬‬
‫م�������ي�������ر َف���� ِإ َّن����ن����ي‬
‫�������ح�������زنُ ال������ َل������ ُه ا َأل‬
‫ال ُي‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ح��������االت ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ب‬
‫��������آخ�������� ُذ ِم��������ن‬
‫َس‬
‫��������ه ِب���� َن����ص����ي ِ‬
‫َو َم�����ن َس���� َّر َأه َ‬
‫س���ى‬
‫�����ل ا َأل ِ‬
‫رض ُث���� َّم َب��ك��ى َأ ً‬
‫�������ل�������وب‬
‫������ي������ون َس������� َّره�������ا َو ُق‬
‫������ع‬
‫َب�����ك�����ى ِب ُ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ن َح���ب���ي��� َب��� ُه‬
‫َو ِإ ّن�����������ي َو ِإن ك�������انَ ال������ َّدف���ي�� ُ‬
‫���ب���ي���ب َح��ب��ي��ب��ي‬
‫���ب���ي���ب ِإل�������ى َق���ل���ب���ي َح‬
‫َح‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫�����اس ا َأل ِح������ َّب������ َة َق��ب�� َل��ن��ا‬
‫���������ار َق ال�����ن ُ‬
‫َو َق�������د ف َ‬
‫ال����ـ����م ِ‬
‫����وت كُ َّ‬
‫���ب‬
‫َو َأع������ي������ا َدوا ُء‬
‫�������ل َط���ب���ي ِ‬
‫َ‬
‫ويردد املتنبي اسم (مياك) مملوك سيف الدولة التركي و ُيظهر تعاطفه مع األتراك‬
‫من خالله‪ ،‬فيرى أن (مياك) أبقى مبوته في قلبه صبابة وح ًّبا ومودة إلى كل تركي‪ ،‬فهو‬
‫منوذج ألصالة األتراك ويشير إلى صفاتهم‪ ،‬فالترك يوصفون ببياض الوجوه وضيق‬
‫اجلفون‪ ،‬ويشيد بشجاعته في القتال وفروسيته في النزال‪ ،‬ولذلك حزنت عليه السيوف‬
‫واخليل والقسي(((‪:‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.175-174 :1‬‬
‫((( ديوانه ‪.176 :1‬‬
‫‪- 92 -‬‬
‫ٌ‬
‫ص����ب����ا َب���� ًة‬
‫مَ���������اك ف�����ي َح‬
‫لأَ َب�����ق�����ى ي‬
‫َ‬
‫�����ش�����اي َ‬
‫��������ل ُت ِ‬
‫ِإل��������ى ُك ِّ‬
‫���ب‬
‫�������ي ال�����ن�����ج ِ‬
‫�����ار َج���ل���ي ِ‬
‫�������رك ِّ‬
‫َوم��������ا ُك ُّ‬
‫ٍ‬
‫������ب������ار ٍك‬
‫ب‬
‫��������ل َو‬
‫ج���������ه َأب������ َي ٍ‬
‫������ض مِ ُ‬
‫َ‬
‫َوال ك ُّ‬
‫������ن َ‬
‫����ب‬
‫ُ���������ل َج������ف ٍ‬
‫�������ق ِب���� َن����ج����ي ِ‬
‫ض������� ِّي ٍ‬
‫�������ر ْت ف���ي���ن���ا َع����� َل�����ي ِ‬
‫َل ِ‬
‫�����ه كَ�����آ َب����� ٌة‬
‫�����ئ�����ن َظ َ‬
‫�������ه َ‬
‫������ر ْت ف����ي َح������� ِّد ُك ِّ‬
‫���ب‬
‫َل���� َق����د َظ َ‬
‫�������ل َق���ض���ي ِ‬
‫������ه َ‬
‫َوف�������ي ك ِّ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َ���ن���اض ٍ���ل‬
‫��������وم ت‬
‫كُ�������ل َي‬
‫��������وس‬
‫ُ�������ل َق‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫ٍ‬
‫��������وب‬
‫���������وم ُرك‬
‫كُ��������ل َي‬
‫���������رف‬
‫كُ��������ل ِط‬
‫َوف��������ي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الديلم‪:‬‬
‫ويحضر (الديلم) في شعر املتنبي من خالل شخصية ملكهم (وهشوذان) الذي‬
‫هزمه عضد الدولة هزمية نكراء وقد أشاد املتنبي بهذا النصر الذي أح��رزه عضد‬
‫الدولة فقال(((‪:‬‬
‫��������ض�������� ًدا َر ُّب�������������� ُه ِب ِ‬
‫����������ه ال�����ع ِ‬
‫ي������ا َع ُ‬
‫�����اض����� ْد‬
‫����ب����ع ُ‬
‫����اج���� ْد‬
‫����ث ال���� َق����ط����ا‬
‫س�������ار ًي�������ا َي‬
‫َو‬
‫ِ‬
‫ال����ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َوم ِ‬
‫احل��������ي ِ‬
‫�����م ِ‬
‫�����وت َو َ‬
‫���ع���ا‬
‫��������اة َم ً‬
‫�������ر ال�����ـ َ‬
‫مُ�������ط َ‬
‫ِ‬
‫راع����������د‬
‫ب������������������ار ٌق َوال‬
‫ن��������������������ت ال‬
‫َو َأ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����ت ِم������ن َم َ‬
‫�������ض������� َّر ِة َوه�����ـ‬
‫�����ت َوم�������ا ِن�����ل َ‬
‫ِن�����ل َ‬
‫���������ال َرأ ُي������������� ُه ال����ف ِ‬
‫َ‬
‫����اس����د‬
‫ـ�������ش�������وذانَ م�����ا ن‬
‫ويحتفي املتنبي بوصف هزمية ملك الديلم حيث لم حتمه قالعه املسماة (الطرم)‬
‫التي مألها احلجاج وأحاط بها فأخفاها عن األنظار وبدت من خالل غبار اخليل كأنها‬
‫بعير أض َّله طالبه‪ ،‬ويصف فرار (وهشوذان) وإسراعه في الهرب كأنه نعامة شرود‪،‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.177 :2‬‬
‫‪- 93 -‬‬
‫وقد أنكرته األرض فلم يجد بها مستق ًرا‪ ،‬ولم تغنه املباني املشيدة عن عقاب عضد‬
‫الدولة‪ ،‬ويشير إلى صفات قوم وهشوذان فيقول(((‪:‬‬
‫���اج ِ‬
‫م�����ا ك������ا َن ِ‬
‫َّ‬
‫���ت���ه���ا‬
‫������ت‬
‫ال������ط������ر ُم ف�����ي َع���ج َ‬
‫ض������������ َّل������������ ُه ن ِ‬
‫ِإلاّ َب�������ع�������ي������� ًرا َأ َ‬
‫������اش������د‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���ل���اع َع�������ن َم����� ِل ٍ‬
‫�����ك‬
‫ال�������ق‬
‫ه�����������ل‬
‫تَ�������س������� َأ ُل َأ‬
‫ِ‬
‫������س َ‬
‫ش���������ارد‬
‫�������ع�������ام������� ًة‬
‫������خ������تْ������ ُه َن‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َق���������د َم َ‬
‫َ�����ق����� َّر ِب ِ‬
‫رض َأن ت ِ‬
‫تَ����س����ت ِ‬
‫َ����وح ُ‬
‫����ش ا َأل ُ‬
‫�����ه‬
‫ِ‬
‫�������ن�������ك������� ٌر َل�������������� ُه ج ِ‬
‫������اح������د‬
‫َف������كُ������ ُّل������ه������ا ُم‬
‫َف����ل����ا ُم��������ش��������ا ٌد َوال َم������ش������ي������ ٌد َح����م����ى‬
‫َوال َم������ش������ي������ ٌد َأغ�������ن�������ى َوال ش ِ‬
‫�����ائ�����د‬
‫�����وم َوه�����ش�����و َذ م����ا ُخ��� ِل���ق���وا‬
‫َف����اغ����تَ����ظ ِب����� َق ٍ‬
‫ِ‬
‫������غ������ي ِ‬
‫ِإلاّ ِل َ‬
‫احل�������اس�������د‬
‫��������دو َو‬
‫ال��������ع‬
‫������ظ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َر َأ َ‬
‫������اب������تَ������ ًة‬
‫�����������و َك ن ِ‬
‫وك ل�����ـ ّ‬
‫�����م�����ا َب����������� َل ْ‬
‫�������ل َأه��������� ِل ِ‬
‫ِ‬
‫َي������أكُ������ ُل������ه������ا َق�������ب َ‬
‫�������رائ�������د‬
‫���������ه ال‬
‫وتتردد أصداء هزمية ملك الديلم مرة أخرى حيث أنفذ إليه ركن الدولة ً‬
‫جيشا من الري‬
‫فهزمه واستولى على بلده‪ ،‬ويخاطب املتنبي ملك الديلم في لهجة مفعمة بالسخرية فيقول(((‪:‬‬
‫ُ‬
‫����ت‬
‫�������ت َو‬
‫َأ َرض�������ي َ‬
‫َ����م ْ‬
‫ه���������ش َ‬
‫���������وذانُ م�����ا َح����ك َ‬
‫������ه������ َب ُ‬
‫َ‬
‫������ل‬
‫َأم تَ������س������تَ������زي������ ُد لأِ ُ ِّم‬
‫������������������ك ال َ‬
‫������م������ َد ٍة‬
‫َو َر َد ْت ِب�������ل�������ا َد َك َغ‬
‫������ي������ر ُم ْ‬
‫������ع َ‬
‫َ‬
‫������ع ُ‬
‫������ل‬
‫َوكَ��������� َأ َّن���������ه���������ا َب������ي����� َ‬
‫ن ال������ َق������ن������ا ُش َ‬
‫َوال���������� َق����������و ُم ف������ي َأع������ي ِ‬
‫������ان������هِ ������م َخ���������� َز ٌر‬
‫����������ي����������ل ف�������ي َأع������ي ِ‬
‫������ان������ه������ا َق������ َب ُ‬
‫ُ‬
‫َو َ‬
‫������ل‬
‫اخل‬
‫((( ديوانه ‪.180-179 : 2‬‬
‫((( ديوانه ‪.24 -22 : 4‬‬
‫‪- 94 -‬‬
‫ب���������ن َأتَ������������وا ِق����� َب ٌ‬
‫َ‬
‫�����ل‬
‫َ���������وك َل‬
‫َف��������� َأت‬
‫�����ي�����س مِ َ‬
‫َ‬
‫ب���������ن َن������������� َأوا َخ����� َل ُ‬
‫�����ل‬
‫ِب������هِ ������م َو َل‬
‫�������ي�������س مِ َ‬
‫َ‬
‫��������ه�������� ُم‬
‫َل���������م َي‬
‫ِ‬
‫�������������در َم���������ن ِب����������ال���������� َّر ِّي َأ َّن ُ‬
‫�����ص�����ل�����وا َوال َي�����������دري ِإذا َق���� َف����ل����وا‬
‫َف َ‬
‫َ������ز ًم������ا َوال َأ َس����������� ٌد‬
‫َف������� َأت‬
‫َ�������ي�������ت ُم������ع������ت ِ‬
‫َ‬
‫�����ز ًم�����ا َوال َو ِع ُ‬
‫َو َم َ‬
‫���������ل‬
‫������ي������ت ُم‬
‫������ض‬
‫�����ن�����ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�����������ه����������� ُم‬
‫ُت�����ع�����ط�����ي ِس‬
‫راح ُ‬
‫����ل���اح ُ‬
‫��������ه�������� ُم َو َ‬
‫َ‬
‫ال����ـ����م���� َق ُ‬
‫����ل‬
‫م������ا َل��������م تَ������ ُك������ن ِل������تَ������ن������ا َل������ ُه‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫مَ���� َل����ك ٍ‬
‫َ����ة‬
‫����ل����وك ِب����� َن�����ق�����لِ م‬
‫ال����ـ����م‬
‫َأس�����خ�����ى‬
‫ُ‬
‫أس َي����ن����ت ِ‬
‫َ����ق ُ‬
‫����ل‬
‫َم��������ن ك���������ا َد َع������ن������ ُه‬
‫ال���������������ر ُ‬
‫َ‬
‫هكذا سخر املتنبي من شخصية ملك الديلم فوصمه باجلنب واخل��ور وشبهه‬
‫بالوعل املنهزم وقد خشي أن تقطع رأسه فضحى مبملكته وتخلى عن ملكه لينجو‬
‫بنفسه بعد أن هزمته جيوش ركن الدولة بأقل مجهود‪.‬‬
‫اليهود‪:‬‬
‫ع َّبر املتنبي عن رأيه في اليهود في معرض قصيدة يدافع فيها عن نفسه بعد‬
‫أن وشى به قوم إلى السلطان‪ ،‬فحبسه‪ ،‬فكتب إليه من احلبس ينفي عن نفسه التهمة‬
‫ويرجوه أال يقبل زور الكالم وشهادة غير العدول واالستماع إلى كيد الوشاة وجلاجة‬
‫احلاقدين‪ .‬وفي هذا السياق يستحضر صورة اليهود فيجعل خصومه يهو ًدا وهم ليسوا‬
‫كذلك في احلقيقة‪ ،‬ويراهم أهل زور ووشاية وعداوة ومكيدة وجلاج‪ ،‬يقول املتنبي(((‪:‬‬
‫ال������ن������اس ف������ي َم����ح ِ‬
‫����ل‬
‫َو ُك‬
‫ِ‬
‫�������ن�������ت ِم���������نَ‬
‫ُ‬
‫����ف ٍ‬
‫َف�����ه�����ا َأن���������ا ف������ي َم�����ح ِ‬
‫ِ‬
‫���������رود‬
‫�����ل ِم�������ن ُق‬
‫�����ف ٍ‬
‫((( ديوانه ‪.68-67 : 2‬‬
‫‪- 95 -‬‬
‫ِ‬
‫ج��������������وب ُ‬
‫������ج ُ‬
‫������������دود‬
‫احل‬
‫����������ي ُو‬
‫������ع ِّ‬
‫ُت َ‬
‫َ‬
‫������ل ِف َّ‬
‫����س����ج ِ‬
‫َ‬
‫����ود‬
‫����ي����ل ُو‬
‫َو َح������������ ّدي ُق���� َب‬
‫ِ‬
‫ج�����������وب ال ُّ‬
‫َ‬
‫وت َع������ل������ى ال����ع����المَ����ي����ـ‬
‫َو‬
‫ق��������ي��������ل َع����������������� َد َ‬
‫������ي������ن ال����� ُق�����ع ِ‬
‫�����ود‬
‫����ي����ن ِوالدي َو َب‬
‫َ‬
‫ـ��������نَ َب َ‬
‫�����������ك تَ������ق������ َب ُ‬
‫َ‬
‫َ���ل���ام‬
‫زور ال�������ك‬
‫������ل‬
‫َف������م������ا َل‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫������ش������ه������ا َد ِة َق����������� ْد ُر ال ُّ‬
‫����ش����ه ِ‬
‫َو َق�������������� ْد ُر ال َّ‬
‫����ود‬
‫ِ‬
‫ن‬
‫َف����ل���ا ت‬
‫�����ع�����نَّ ِم����������نَ‬
‫ال����ك����اش����ح��ي� َ‬
‫َ�����س�����م َ‬
‫َ‬
‫��������ح ِ‬
‫ِ‬
‫�����ه�����ود‬
‫��������ك ال����� َي‬
‫َوال تَ�������ع������� َب������� َأنَّ مِ َ‬
‫ب ْ‬
‫دت‬
‫َو ُك����������ن‬
‫ن َدع����������وى َأ َر ُ‬
‫ف�������ار ًق�������ا َب����ي��� َ‬
‫ِ‬
‫��������أو َب����ع����ي ِ‬
‫�����ل�����ت ِب َ‬
‫����د‬
‫�����ع‬
‫ُ‬
‫َو َدع���������������وى َف َ‬
‫��������ش ٍ‬
‫تلك هي صورة اليهودي كما استقرت في ذاكرة املتنبي‪ ،‬وهي الصورة احلقيقية‬
‫أو الواقعية التي تستند إلى الواقع‪ ،‬وتؤكدها احلقائق التاريخية‪.‬‬
‫الروم‪:‬‬
‫عاصر املتنبي الصراع الذي احتدم بني احلمدانيني والبيزنطيني وصحب سيف‬
‫الدولة في حروبه «وكانت أول قصيدة له عند لقائه في حربه للروم‪ ،‬وآخر قصيده له عند‬
‫فراقه (في حربه للروم) وأكثر شعره خاللهما قد قاله في هذه احلرب‪ .‬وإن هذه القصائد‬
‫فوق ما حوته من قيمة أدبية وسحر بيان وحتليق في فن املعاني واألسلوب وسمو في‬
‫الصنعة‪ ،‬فإنها جتمع في أبياتها قيمة تاريخية وجغرافية عالية القدر‪ ،‬وتعد وثائق في‬
‫غاية اخلطورة لكتابة التاريخ السياسي والتحقيق األدبي عن عصر سيف الدولة»(((‪.‬‬
‫وحتتشد روميات املتنبي وسيفياته بوصف املعارك مع الروم وتصوير هزائمهم‬
‫ووصف جيوش الروم وقوادهم وجنودهم وبطارقتهم وسباياهم ومدنهم وحصونهم‬
‫وقالعهم وغير ذلك‪.‬‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪ ،‬د‪ .‬زكي احملاسني ص ‪.303‬‬
‫‪- 96 -‬‬
‫وصف املعارك‪:‬‬
‫برع املتنبي في وصف احلروب التي خاضها سيف الدولة ضد الروم لعبقريته‬
‫الفنية ‪ -‬من ناحية ‪ -‬وألن��ه «ك��ان يشهد احل��روب بنفسه مع سيف ال��دول��ة‪ ،‬وم��ن ثم‬
‫جاء وصفه للحروب متميزًا عن وصف غيره من الشعراء ملمارسته وخبرته للحروب‬
‫ومعايشته واحتكاكه بأحداثها»(((‪.‬‬
‫وقد أدرك القدماء براعة املتنبي في وصف املعارك فقال ابن األثير‪ :‬إنه «إذا خاض‬
‫في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها‪ ،‬وأشجع من أبطالها‪ ،‬وقامت أقواله‬
‫للسامع مقام أفعالها‪ ،‬حتى تظن أن الفريقني قد تقابال‪ ،‬والسالحني قد تواصال»‬
‫(((‬
‫ومن أوائل القصائد التي نظمها املتنبي في وصف املعارك التي خاضها سيف‬
‫الدولة ضد الروم قصيدته في وصف معركة (خرشنة) التي حدثت سنة ‪339‬هـ‪ .‬بالقرب‬
‫من بحيرة احلدث‪ ،‬وانتصر فيها سيف الدولة في اجلولة األولى ثم انهزم في اجلولة‬
‫الثانية‪ ،‬وتذكر الرواية التاريخية أن سيف الدولة م َّر في هذه الغزوة مبدينة (سمندو)‬
‫وعبر نهر (آلس)‪ ،‬ونزل على (صارخة) وهي مدينة هناك‪ ،‬فأحرق ربضها وكنائسها‬
‫وربض خرشنة وما حولها وأقام مبكانه أيا ًما‪ ،‬ثم عبر نهر آلس راج ًعا فلما أمسى ترك‬
‫السواد وأكثر اجليش‪ ،‬وسرى حتى جاز خرشنة‪ ،‬وانتهى إلى بطن لقان ظهر الغد‪،‬‬
‫فلقي الدمستق في ألوف من اخليل‪ ،‬فلما رأى الدمستق أوائل خيل املسلمني ظنها‬
‫سرية لها‪ ،‬فانتشب القتال بني الفريقني‪ ،‬فانهزم الدمستق‪ ،‬وقتل من فرسانه خلق كثير‪،‬‬
‫وأسر من بطارقته وزرازرت��ه نيف وثمانون‪ ،‬وأفلت الدمستق وعاد سيف الدولة إلى‬
‫عسكره وسواده حتى وصل إلى عقبة ‪ -‬تعرف مبقطعة األثغار‪ -‬فصادفه العدو على‬
‫رأسها‪ ،‬فأخذ ساقة الناس يحميهم‪ ،‬وملا انحدر بعد عبور الناس ركبه العدو‪ ،‬فجرح‬
‫((( شعر املتنبي ‪ -‬دراسة فنية‪ -‬د‪.‬مصطفى أبو العال ‪.202 :‬‬
‫((( املثل السائر البن األثير‪228 :‬‬
‫‪- 97 -‬‬
‫من الفرسان جماعة‪ ،‬ونزل سيف الدولة على بردى ‪ -‬وهو نهر بطرسوس ‪ -‬وأخذ‬
‫العدو عليه عقبة املسير ‪ -‬وهي عقبة طويلة ‪ -‬فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة‬
‫العدو بها‪ ،‬فعدل متياس ًرا في طريق وصفه بعض األدلة‪ ،‬وجاء العدو آخر النهار من‬
‫خلفه‪ ،‬فقاتل إلى العشاء‪ ،‬وأظلم الليل‪ ،‬وتساند أصحاب سيف الدولة‪ :‬أي أخذوا في‬
‫سند اجلبل يطلبون سوادهم‪ .‬فلما خفت عنه أصحابه سار حتى حلق بالسواد حتت‬
‫عقبة ‪ -‬قريبة من بحيرة احلدث ‪ -‬فوقف وقد أخذ العدو اجلبلني من اجلانبني‪ ،‬وجعل‬
‫سيف الدولة يستنفر الناس فلم ينفر أحد‪ ،‬ومن جنا من العقبة نها ًرا لم يرجع‪ ،‬ومن‬
‫بقي حتتها لم تكن فيه نصرة؛ وتخاذل الناس وكانوا قد ملوا السفر‪ ،‬فأمر سيف الدولة‬
‫بقتل البطارقة وبقية األسرى‪ ،‬فكانوا مئات‪ ،‬وانصرف؛ واجتاز أبو الطيب آخر الليل‬
‫بجماعة من املسلمني بعضهم نيام بني القتلى من التعب‪ ،‬وبعضهم يحركونهم فيجهزون‬
‫على من حترك منهم‪ ،‬فقال يصف ذلك‪:‬‬
‫(((‬
‫���ن���خ ِ‬
‫����اس َي َ‬
‫���د ُع‬
‫����ر هَ ������ذا ال����ن ِ‬
‫َغ����ي����ري ِب���� َأك���� َث ِ‬
‫��ج��ع��وا‬
‫ِإن ق��اتَ��ل��وا َج�� ُب��ن��وا َأو َح��� َّدث���وا َش ُ‬
‫ويصف املتنبي هزمية الروم في اجلولة األولى حيث أسرع سيف الدولة بجيشه‬
‫حتى نزل بأرباض خرشنة وقد جلب الشقاء على الروم فقتل منهم خل ًقا كثي ًرا وأحرق‬
‫صلبانهم وخ َّرب بيعهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم وأقام املنابر مبدينة (صارخة)‬
‫(((‬
‫الرومية وأ ّدوا بها الصلوات (يوم اجلمعة)‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���م���ق ِ‬
‫���ه ٌ‬
‫���ل‬
‫���ب َأق���ص���ى ُش ِ‬
‫���رب���ه���ا َن َ‬
‫ق�����ا َد ال���ـ َ‬
‫���ان َ‬
‫َع���ل���ى ال َّ‬
‫�����ر ُع‬
‫���ش���ك���ي ِ���م َو َأدن��������ى َس���ي ِ‬
‫���ره���ا ِس َ‬
‫ال َي���ع���تَ���ق���ي َب����� َل����� ٌد َم������س������را ُه َع������ن َب���� َل ٍ‬
‫����د‬
‫����م ِ‬
‫���ع‬
‫����س َل������ ُه ِر ٌّي َوال ِش��� َب ُ‬
‫كَ����ال����ـ َ‬
‫����وت َل����ي َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.333 : 3‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.334-333 : 3‬‬
‫‪- 98 -‬‬
‫رب���������اض َخ َ‬
‫���رش��� َن ٍ���ة‬
‫َح����تّ����ى َأق��������ا َم َع���ل���ى َأ‬
‫ِ‬
‫تَ��ش��ق��ى ِب ِ‬
‫���ع‬
‫���ص���ل���ب���انُ َوال ِ���ب��� َي ُ‬
‫����ه ال������رو ُم َوال ُّ‬
‫��ي م���ا َن��كَ��ح��وا َوال��� َق���ت���لِ م���ا َو َل�����دوا‬
‫ِل��ل َّ‬
‫��س��ب ِ‬
‫ال���ن���ار م��ا ز ََرع����وا‬
‫��م��ع��وا َو‬
‫ِ‬
‫َوال��� َّن���ه ِ‬
‫���ب م��ا َج َ‬
‫���ار َخ ٍ���ة‬
‫���رج َم��ن��ص��و ًب��ا ِب���ص ِ‬
‫���م ُ‬
‫��ى َل���� ُه ال���ـ َ‬
‫ُم��خ��ل ً‬
‫���اب��� ُر َم����ش����ه����و ًدا ِب���ه���ا ُ‬
‫����ع‬
‫���م���ن ِ‬
‫����م ُ‬
‫اجل َ‬
‫َل������ ُه ال���ـ َ‬
‫ُ‬
‫����ع ال َّ‬
‫ُي َ‬
‫ط������ول َأك���� ِل����هِ ���� ُم‬
‫����ر ف���ي���هِ ���م‬
‫����ط ِّ‬
‫����م ُ‬
‫����ط����ي َ‬
‫َح����تّ����ى تَ�����ك�����ا َد َع����ل����ى َأح����ي ِ‬
‫����ع‬
‫����ائ����هِ ����م تَ���� َق ُ‬
‫��������وار ّي��������وهُ �������� ُم َل���� َب����ن����وا‬
‫َو َل�����������و َرآ ُه َح‬
‫ِ‬
‫���ت ِ‬
‫���ح��� َّب ِ‬
‫َّ‬
‫���رع���وا‬
‫���ه‬
‫ال����ش َ‬
‫َع���ل���ى َم َ‬
‫����رع ا َّل������ذي َش َ‬
‫وتبرز صورة (الدمستق) ‪« Domestique‬وهو لقب إمبراطور القسطنطينية ومعناه‬
‫(اخلادم األعظم جليش الشرق) أو (القائد األعظم جليش آسيا‪ ،‬وكان لقب قسطنطني‬
‫ماليينوس السابع ملك القسطنطينية‪ ،‬وهو املعاصر لسيف الدولة»(((‪.‬‬
‫ويشير املتنبي إلى انخداع الدمستق حني رأى كتائب سيف الدولة فظنها قليلة‬
‫(((‬
‫ظن‪:‬‬
‫ولكن نظره خانه حني وجد األمر على خالف ما َّ‬
‫َذ َّم ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ‬
‫���ت‬
‫���ع ْ‬
‫����ق َع���ي��� َن���ي ِ���ه َو َق�������د َط��� َل َ‬
‫(((‬
‫����ام َف َ‬
‫س������و ُد ال َ‬
‫����ظ���� ّن����وا َأ َّن����ه����ا َق���������ز َُع‬
‫����غ����م ِ‬
‫���ه���ا َر ُج ُ‬
‫�����ل‬
‫���وم ُ‬
‫ف��ي��ه��ا ال���كُ���م���ا ُة ا َّل���ت���ي َم���ف���ط ُ‬
‫اجل�����ي ِ‬
‫�����اد ا َّل����ت����ي َح���و ِل��� ُّي���ه���ا َج������ َذ ُع‬
‫َع���ل���ى ِ‬
‫ويصف املتنبي مسيرة جيش سيف الدولة في أرض الروم حيث عبرت خيله نهر‬
‫(آلس) وبلغت (اللقان) وهو موضع في بالد الروم قبل أن تبتلع ما شربته من ماء النهر‬
‫مبالغة في وصف شدة ركضها‪:‬‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪ ،‬د‪ .‬ذكي احملاسني‪.269 :‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.335 : 3 :‬‬
‫((( القزع ‪ :‬املتفرق من السحاب‪ ،‬واحدها ‪ :‬قزعة‪.‬‬
‫‪- 99 -‬‬
‫تَ�������ذري ال���� ُّل����ق����انُ ُغ�����ب�����ا ًرا ف����ي َم���ن ِ‬
‫���اخ ِ���ره���ا‬
‫�������ر ُع‬
‫َوف�������ي َح‬
‫����ن����اج ِ‬
‫ِ‬
‫����ره����ا ِم������ن آ ِل ٍ‬
‫���������س ُج َ‬
‫ويردد املتنبي لفظة (العلج) في وصف جنود الروم ‪ -‬ويعني الرجل الغليظ من‬
‫كفار العجم ‪ -‬فإذا استعان العلج بآخر حالت بينهما رماح املسلمني‪:‬‬
‫ِإذا َدع�����ا ال ِ‬
‫���ج���ا ح َ‬
‫�����ال َب��ي�� َن ُ��ه��م��ا‬
‫���ج ِع���ل ً‬
‫���ع���ل ُ‬
‫�����ف�����ار ُق ِم����ن���� ُه ُأخ���تَ���ه���ا ال ِّ‬
‫���ع‬
‫َأظ����م����ى ُت‬
‫ِ‬
‫���ض��� َل ُ‬
‫ويكنى املتنبي عن الدمستق بـ(ولد الفقاس) إشارة إلى جده حيث لقي ما لقيه‬
‫من هرب وفرار‪:‬‬
‫�����اس ُم���ن���ك ِ‬
‫َ���ت ٌ‬
‫���������ل ِم������ن َو َل ِ‬
‫َأ َج ُّ‬
‫���ف‬
‫���������د ال����� ُف����� ّق ِ‬
‫���ر ُع‬
‫َ����ه����نَّ َو َأم�����ض�����ى ِم����ن���� ُه ُم‬
‫���ن���ص ِ‬
‫ِإذ ف����ات ُ‬
‫َ‬
‫ويصف املتنبي ما أصاب جنود الروم الناجني من فزع ورعب واضطراب نفسي‬
‫انعكس على لون وجوههم‪ ،‬فهم يشربون اخلمر وقد اصفرت وجوههم رع ًبا فال تستطيع‬
‫اخلمر أن حتيل ألوانهم إلى احلمرة مع إدمانهم عليها‪:‬‬
‫��ت‬
‫جَ����ا ِم����ن ِش‬
‫َوم�����ا ن‬
‫���ف���ار ال ِ���ب���ي ِ‬
‫���ض ُم��ن�� َف�� ِل ٌ‬
‫ِ‬
‫ح�����ش�����ائ ِ‬
‫ِ‬
‫�����ه َف��������ز َُع‬
‫�����ن�����ه�����نَّ ف�����ي َأ‬
‫جَ������ا َو ِم‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ُي����ب ِ‬
‫�������و ُم���خ���تَ��� َب ٌ‬
‫���ل‬
‫����اش���� ُر ا َألم��������نَ َده�������� ًرا َوه َ‬
‫�����ر ُب َ‬
‫���ع‬
‫������و م‬
‫مُ���تَ��� َق ُ‬
‫����ر َح������ولاً َوه َ‬
‫اخل����م َ‬
‫َو َي�����ش َ‬
‫إنها صورة بالغة الداللة واإليحاء ملا تخلفه احلرب من أثر على اجلنود املنهزمني‬
‫حيث يصابون باختبال العقل واضطراب األعصاب والذهول وغير ذلك من أمراض‬
‫وأعراض يظلون يعانون منها بعد جناتهم وهو ما يحدث كذلك في عصرنا الراهن‬
‫مما يقتضي عالج اجلنود املنهزمني في مصحات نفسية ومعاناتهم من آثار احلرب‬
‫أوقاتًا طويلة‪.‬‬
‫‪- 100 -‬‬
‫ويصف املتنبي البطارقة وهم قواد الروم وفرسانهم وقد وقع كثير منهم في األسر‬
‫وقد ك ّبلوا باألغالل من أيديهم وأرجلهم فإن أرادوا املشي أوجعتهم القيود وإذا أرادوا‬
‫النوم لم يستطيعوا وقد أضحت املنايا تنتظر أمر سيف الدولة بقبض أرواحهم‪ .‬يقول‬
‫املتنبي مص ِّو ًرا ما أصاب هؤالء البطارقة من مذلة وهم في األسر‪:‬‬
‫����اش ِ‬
‫كَ�����م ِم�����ن ُح����ش َ‬
‫���ط���ري���ق ت َ‬
‫��م�� َن��ه��ا‬
‫����ة ِب‬
‫َ��ض َّ‬
‫ٍ‬
‫ِل������ل������ َب ِ‬
‫ِ‬
‫م�����ي�����ن م������ا َل��������� ُه َو َر ُع‬
‫������رات َأ‬
‫������ات‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫����ق����ات ُ‬
‫����ل َ‬
‫ح��ي��ن َي���ط��� ُل��� ُب��� ُه‬
‫�����و َع����ن���� ُه‬
‫ُي‬
‫َ‬
‫اخل�����ط َ‬
‫َ‬
‫��ع‬
‫ن َي‬
‫َو َي�����ط����� ُر ُد ال���� َّن����و َم َع���ن��� ُه ح��ي� َ‬
‫��ض��ط ِ‬
‫��ج ُ‬
‫����ك ِ‬
‫���م���ن���اي���ا َف��ل��ا تَ����ن���� َف ُّ‬
‫واق����� َف����� ًة‬
‫تَ����غ����دو ال���ـ َ‬
‫َ‬
‫����ع‬
‫َح����تّ����ى َي‬
‫�����ق�����ول َل����ه����ا ع�������ودي َف����تَ����ن���� َد ِف ُ‬
‫ويعالج املتنبي ‪ -‬بذكاء ‪ -‬التحول الذي حدث في املعركة بوقوع أسرى من جيش‬
‫سيف الدولة في قبضة الدمستق‪ ،‬فيصم هؤالء األسرى باخليانة والتخاذل واخلسة‬
‫وأنهم نالوا جزاء خيانتهم‪ ،‬وليس للروم أن يفخروا بوقوع هؤالء األسرى في قبضتهم‬
‫ألنهم جبناء بل هم كاألموات أو اجلثث العفنة التي ال تأكلها سوى الضباع مشي ًرا‬
‫بذلك إلى إقدام هؤالء األسرى اجلبناء على إلقاء أنفسهم بني قتلى الروم خو ًفا منهم‬
‫ليوهموا الروم بأنهم قتلى‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ن َل��� ُك��� ْم‬
‫���ق ِإنَّ‬
‫ال��ـ��م��س�� َل��م�ي َ‬
‫ُق����ل ِل���ل��� ُد ُم���س��� ُت ِ‬
‫ُ‬
‫ص�� َن��ع��وا‬
‫����ر َف���ج���ازاهُ ���م ب‬
‫مِ����ا َ‬
‫خ���ان���وا ا َألم����ي َ‬
‫����ي����ام����ا ف�����ي ِدم ِ‬
‫�����ائ����� ُك����� ُم‬
‫َو َج������دتمُ������وهُ ������م ِن‬
‫ً‬
‫����ج����ع����وا‬
‫كَ������������� َأنَّ َق������ت���ل��ا ُك������ ُم ِإ ّي���������اهُ ��������� ُم َف َ‬
‫���ع��� َف���ى ت ِ‬
‫َ����ع ُّ‬
‫َ‬
‫����ف ا َألي��������ادي َع����ن ِم���ث���ا ِل���هِ ��� ُم‬
‫ض ْ‬
‫���م���وا ِب���هِ ���م َن��� َزع���وا‬
‫ِم�����نَ ا َألع�������ادي َو ِإن هَ ّ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.339 -338 : 3‬‬
‫‪- 101 -‬‬
‫حَ���س���ب���وا َم����ن َأ َس مُ‬
‫�����ق‬
‫�������رت ك�����انَ ذا َر َم ٍ‬
‫ال ت َ‬
‫���ي���س َي�����أ ُك ُ‬
‫�����ل ِإلاّ‬
‫���ت ال َّ‬
‫���ع‬
‫َف��� َل‬
‫ال���ـ���م��� ِّي َ‬
‫���ض��� ُب ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إن املتنبي لم يشأ أن يخاطب الدمستق مباشرة وإمنا خاطبه عن طريق وسيط‬
‫�س فيه‬
‫(ق��ل للدمستق) لكراهيته له ون�ف��وره منه ال سيما في ه��ذا املوقف ال��ذي أح� َّ‬
‫الدمستق بالزهو لوقوع بعض أسرى املسلمني في قبضته‪.‬‬
‫ويصف املتنبي ‪ -‬في قصيدة أخرى ‪ -‬هزمية الدمستق أمام سيف الدولة في‬
‫معركة (مرعش) وهي حصن من أعمال ملطية وقد جاء إلى هذا (الثغر) يمُ نّي نفسه‬
‫بالنصر‪ ،‬فلما رأى جيش سيف الدولة الذ بالفرار وترك جنوده صرعى وغنم املسلمون‬
‫(((‬
‫أمواله‪ ،‬وتلك عاقبة من يقوم على احلرب وفي طبعه اجلنب‪ .‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫�����راي�����اك تَ����ت����رى َوال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ‬
‫َ‬
‫������ار ٌب‬
‫َس‬
‫����ق ه ِ‬
‫َو َأص�����ح�����ا ُب����� ُه َق���ت���ل���ى َو َأم�������وا ُل������� ُه ُن��ه��ب��ى‬
‫���رع ً‬
‫���ش���ا َي���س���تَ���ق ِ���ر ُب ال��� ُب���ع��� َد ُم��ق ِ��ب�ًلً‬
‫َأرى َم َ‬
‫���ل���ت َي���س���تَ���ب ِ‬
‫���ع��� ُد ال�� ُق��رب��ا‬
‫����������ر ِإذ َأق��� َب َ‬
‫َو َأد َب َ‬
‫����ك����ر ُه ال�� َق��ن��ا‬
‫كَ�����ذا َي����ت���� ُر ُك ا َألع���������دا َء َم����ن َي‬
‫َ‬
‫َو َي�����ق����� ُف ُ‬
‫���م��� ُت��� ُه ُرع���ب���ا‬
‫�����ل َم�����ن ك����ا َن����ت َغ���ن���ي َ‬
‫ويشير املتنبي إلى استعداد (الدمستق) للحرب وقد أخذ أهبته لها ووقف بجنوده‬
‫في ثغر (اللقان) باألناضول‪ ،‬وقد أشرعوا رماحهم وركبوا خيولهم املطهمة القوية‪،‬‬
‫ودارت رحى املعركة واختلطت الرماح كما يختلط أهداب العني أعاليها بأسفلها عند‬
‫النوم ولكنه ‪ -‬الدمستق ‪ -‬و ّل��ى األدب��ار حني أدرك الهزمية‪ ،‬وق��د أخ��ذ يلمس جنبه‬
‫ويتحسس جسده غير مصدق أنه ما زال على قيد احلياة وقد أخذ الرعب بتالبيبه‬
‫وترك وراءه العذارى والبطاريق والرهبان والقرابني والصلبان من هول ما رأى‪:‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.188 :1‬‬
‫‪- 102 -‬‬
‫����ق����ان ُوق�����و ُف����� ُه‬
‫َوهَ ���������ل َر َّد َع�����ن����� ُه ِب����ال���� ُّل‬
‫ِ‬
‫���م َ‬
‫���م��� َة ال�� ُق�� ّب��ا‬
‫ص‬
‫���ط َّ‬
‫�������دور ال َ‬
‫ُ‬
‫���ع���وال���ي َوال���ـ ُ‬
‫���ه َ‬
‫َ‬
‫َم��ض��ى َب��ع�� َدم��ا ال���ت َّ‬
‫��اع�� ًة‬
‫َ���ف ال��� ِّرم���اح���انِ س َ‬
‫���دب ف��ي ال���� َّرق���� َد ِة ال ُ��ه��دب��ا‬
‫كَ��م��ا َي��تَ�� َل�� ّق��ى ال ُ‬
‫���ه ُ‬
‫َو َل ِ‬
‫������ك������ َّن������ ُه َو ّل����������ى َو ِل�����ل َ‬
‫����������ور ٌة‬
‫�����ن َس‬
‫�����ط�����ع ِ‬
‫َ‬
‫���س ُ‬
‫اجل��ن��ب��ا‬
‫���ف���س��� ُه َل َ‬
‫َ����رتْ����ه����ا َن ُ‬
‫���ـ���م َ‬
‫ِإذا َذك َ‬
‫����ع����ذارى َوال��� َب���ط���اري َ‬
‫���ق َوال��� ُق���رى‬
‫َو َخ��� َّل���ى ال َ‬
‫َو ُش���ع َ‬
‫��ص��ل��ب��ا‬
‫���ث ال�� َّن��ص��ارى َوال��� َق���راب َ‬
‫�ي�ن َوال ُّ‬
‫ويشير املتنبي كذلك إلى قيام سيف الدولة ببناء سور قلعة (مرعش) بعد هزمية‬
‫ارتفاعا عظي ًما وكأنه يطاول الكواكب‪ ،‬وعجزت الطيور‬
‫الدمستق‪ ،‬وقد ارتفع هذا السور‬
‫ً‬
‫فزعا عن التقاط احلبوب من فوقه كما عجزت الرياح الهوج عن النيل من هذا السور‬
‫ً‬
‫العظيم‪ ،‬ويصور خيل سيف الدولة وهي تعدو فوق جبال هذه القلعة وقد غطت الثلوج‬
‫دروبها‪ ،‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫(((‬
‫�����وق َب ِ‬
‫���دئ ِ���ه‬
‫���ح ْ‬
‫���ور ِم���ن َف ِ‬
‫َف��� َأض َ‬
‫���ت كَ����� َأنَّ ال���س َ‬
‫���ق ال��ك ِ‬
‫رض َق���د َش َّ‬
‫��ر َب��ا‬
‫ِإل���ى ا َأل ِ‬
‫َ��واك َ‬
‫��ب َوال�� ُّت ْ‬
‫����وج َع��ن��ه��ا َم���خ���ا َف��� ًة‬
‫ت ُ‬
‫�����اح ال����ه ُ‬
‫َ����ص���� ُّد ال����� ِّري ُ‬
‫َوتَ����ف����ز َُع ِم��ن��ه��ا َّ‬
‫��ط َ‬
‫ال��ط��ي�� ُر َأن تَ��ل�� ُق َ‬
‫احل�� ّب��ا‬
‫اجل����ي����ا ُد ُ‬
‫اجل������ر ُد َف َ‬
‫�����وق ِج��ب��ا ِل��ه��ا‬
‫َوتَ�������ردي ِ‬
‫��ص�� َّن�� ْب�� ُر ف��ي ُط ِ‬
‫العطبا‬
‫��رق��ه��ا ُ‬
‫َو َق���د َن��� َد َف ال ِّ‬
‫����اس َأ َّن����� ُه‬
‫���ب ال����ن ُ‬
‫���ج��� ًب���ا َأن َي���ع َ‬
‫كَ���ف���ى َع َ‬
‫���ج َ‬
‫(((‬
‫�����ش�����ا تَ����� ًّب�����ا لآِ ِ‬
‫�����رع ً‬
‫رائ�������هِ �������م تَ��� ّب���ا‬
‫َب����ن����ى َم َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.193-192 :1‬‬
‫((( الصنبر‪ :‬السحاب البارد‪ ،‬يشبه الثلج بقطن ندفه فيها برد الشتاء وصقيعه ‪ .‬والعطب‪ :‬القطن‪.‬‬
‫‪- 103 -‬‬
‫ويصف املتنبي معركة أخرى دارت رحاها بني العرب والروم سنة ‪342‬هـ‪ ،‬وكان‬
‫سيف الدولة قد رحل من حلب إلى ديار مضر الضطراب البادية بها‪ ،‬فنزل حران وأخذ‬
‫رهائن بني عقيل وقشير وبلعجالن‪ ،‬ثم حدث له بها رأي في الغزو‪ ،‬فعبر الفرات إلى‬
‫دلوك إلى قنطرة صنجة إلى درب القلة‪ ،‬فشن الغارة‪ ،‬فعطف عليه العدو فقتل كثي ًرا‬
‫من األرمن ورجع إلى ملطية‪ ،‬وعبر قباقب حتى ورد املخاض على الفرات‪ ،‬ورحل إلى‬
‫سميساط‪ ،‬فورد اخلبر بأن العدو في بلد املسلمني‪ ،‬فأسرع إلى دلوك وعبرها‪ ،‬فأدركه‬
‫راج ًعا على جيحان‪ ،‬فهزمه وأسر قسطنطني بن الدمستق‪ ،‬وخرج الدمستق على وجهه‪،‬‬
‫(((‬
‫واستهل املتنبي قصيدته بقوله‪:‬‬
‫�����ي َب�����ع����� َد ال�����ظ ِ‬
‫��ي��ن ُش�����ك ُ‬
‫�����ول‬
‫�����اع�����ن َ‬
‫َل�����ي�����ا ِل َّ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫�����������وال َو َل�������ي ُ‬
‫����وي����ل‬
‫ن َط‬
‫�������ل‬
‫ِط‬
‫ال����ع����اش����ق��ي� َ‬
‫������در ا َّل��������ذي ال ُأري���������� ُد ُه‬
‫ُي ِ‬
‫�������ي ال������ َب َ‬
‫����ب����ـ����نَّ ِل َ‬
‫�����خ�����ف��ي��ن َب�����������د ًرا م�����ا ِإ َل�������ي ِ‬
‫�������ه َس���ب���ي ُ‬
‫���ل‬
‫َو ُي‬
‫َ‬
‫ويحتفي املتنبي برسم املشاهد التي تصور هزمية الروم فيتخيل اخليل كالسحائب‬
‫التي متطر السيوف واألسنة على رؤوس الروم فتغتسل األرض من دمائهم املسفوكة‬
‫ويعقب ذلك مشهد السبايا من نساء الروم الالتي وقعن في األسر وهن ينتحنب وقد‬
‫شققن ثيابهن تفج ًعا على قتالهن‪ ،‬ويصف في مشهد ثالث اخليل وقد قفلت مبوضع‬
‫من بالد الروم هو حصن (موزار) فظنوا أنها ستتجاوزهم وتعود إلى بالدها مكتفية‬
‫مبا حققته في معركة (الدرب) فإذا بها تخوض في دمائهم وحترق كل موضع وطئته‬
‫اً (((‬
‫وتترك الروم صرعى والديار أطالل ‪:‬‬
‫َس����ح ِ‬
‫����ب ي ِ‬
‫مُ�����ط�����رنَ َ‬
‫احل�����دي����� َد َع��� َل���ي���هِ ��� ُم‬
‫����ائ ُ‬
‫�����س�����ي ِ‬
‫َف������ك ُّ‬
‫ُ‬
‫���س���ي���ل‬
‫�����وف َغ‬
‫ُ������ل َم‬
‫ٍ‬
‫������ك������ان ِب�����ال ُّ‬
‫���س���ب���اي���ا َي���ن���ت ِ‬
‫���ع���ر َق ٍ���ة‬
‫َ���ح َ‬
‫�ب�ن ِب َ‬
‫َو َأم�����س�����ى ال َّ‬
‫������ي������وب ال������� َّث ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ي���������ول‬
‫���ل���ات ُذ‬
‫�������اك‬
‫كَ������������ َأنَّ ُج‬
‫َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.218 : 3‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪223 :3‬‬
‫‪- 104 -‬‬
‫َوع������������ا َدت َف َ‬
‫�������������وزار ُق���� َّف��ًلً‬
‫ب‬
‫����ظ���� ّن����وه����ا مِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫����ف����ول‬
‫خ�������ول ُق‬
‫������ي������س َل����ه����ا ِإلاّ ال������� ُّد‬
‫َو َل‬
‫َ‬
‫���ع َخ ً‬
‫���ع َ‬
‫َ‬
‫���وض���ا كَ��� َأ َّن��� ُه‬
‫��خ��اض��ت ن‬
‫َف‬
‫جَ���ي َ‬
‫اجل���م ِ‬
‫ِب������ك ِّ‬
‫������ع َل�������م ت ُ‬
‫ُ‬
‫َ���ف���ي���ل‬
‫َ�����خ�����ض����� ُه ك‬
‫ُ������ل ن‬
‫جَ������ي ٍ‬
‫����اي���� ُره����ا ال����ن����ي����رانُ ف����ي ك ِّ‬
‫ُ������ل َم���س��� َل ٍ���ك‬
‫ُت����س ِ‬
‫ِب ِ‬
‫ُ‬
‫���ل���ول‬
‫ص����رع����ى َوال������ ِّدي������ا ُر ُط‬
‫������ه ال����� َق�����و ُم َ‬
‫وميضي املتنبي في وصف إغارات جيش سيف الدولة على ثغور الروم‪ ،‬فقد عطفت‬
‫اخليول على (ملطية) وخاضت في دماء أهلها حتى ثكلت (ملطية) أهلها وغذت اخليول‬
‫العربية السير فعبرت نهر (قباقب) وأضعفت مياهه بكثرة قوائمها وشدة تزاحمها‪،‬‬
‫وأفزعت نهر (الفرات)‪ ،‬وأغارت على ثغرين آخرين في بالد الروم هما‪( :‬هنريط) و(سمنني)‬
‫وباتت بحصن (الران) وقد أنهكها التعب ثم واصلت املسير في أودية مجهولة وجتاوزت‬
‫(سميساط) حتى وصلت إلى حصن (مرعش) ليلاً وهي ثغر بالقرب من أنطاكية وقد علم‬
‫سيف الدولة أن الروم يعيثون في بالد املسلمني فسا ًدا ويقتلون أهلها‪ ،‬فتق َّدم اجليش‬
‫(((‬
‫ملالقاتهم ورأوا سيف الدولة في املقدمة فامتألت قلوبهم رع ًبا‪:‬‬
‫ِ‬
‫م���������اء َم��� َل���ط��� َي ٍ���ة‬
‫������م������ َّر ْت ف����ي ِد‬
‫َوكَ������������ َّر ْت َف َ‬
‫ُ‬
‫������ك������ول‬
‫�����ن��ي��ن َث‬
‫َم������ َل������ط������ َي������ ُة ُأ ٌّم ِل�����ل����� َب‬
‫ِ‬
‫ض�����ع�����ف�����نَ م����ا كُ���� ِّل����ف���� َن���� ُه ِم������ن ُق ِ‬
‫���ب‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫���ب���اق ٍ‬
‫ِ‬
‫ف����ي����ه َع���ل���ي ُ‬
‫���ل‬
‫َف����� َأض�����ح�����ى كَ����������� َأنَّ امل����������ا َء‬
‫ِ‬
‫�������رات كَ����� َأنمَّ�����ا‬
‫�����ب ال������� ُف‬
‫َو ُرع�����������نَ ِب����ن����ا َق�����ل َ‬
‫ِ‬
‫ت ِ‬
‫�����ي�����ه ِب�������ال������� ِّرج�������الِ ُس�����ي ُ‬
‫�����ول‬
‫َ�������خ������� ُّر َع����� َل‬
‫ِ‬
‫�������وج������� ُه ُك ُّ‬
‫����ح‬
‫��������ل‬
‫ف����ي����ه َم‬
‫�������ط�������ار ُد‬
‫ُي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫س����اب ٍ‬
‫ِ‬
‫��������م��������ر ٌة َو َم�����س�����ي ُ‬
‫�����ل‬
‫�����ي�����ه َغ‬
‫َس�������������وا ٌء َع����� َل‬
‫َ‬
‫����م ِ‬
‫����ج����س ِ‬
‫����ه‬
‫تَ������������را ُه كَ������������ َأنَّ امل����������ا َء َم��������� َّر ِب ِ‬
‫أس َوح��������������� َد ُه َوتَ�����ل�����ي ُ‬
‫َو َأق���������� َب َ‬
‫�����ل‬
‫����������ل َر ٌ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.227-224 : 3‬‬
‫‪- 105 -‬‬
‫���م���ن�ي�ن ِل��ل ُّ‬
‫��ظ�� َب��ى‬
‫���ط���ن ه���ن���ري ٍ���ط َو ِس‬
‫َوف�����ي َب ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫����دي����ل‬
‫م��������ن َأ َب�������������دنَ َب‬
‫َو ُ‬
‫ص����������� َّم ال���� َق����ن����ا مِ َّ‬
‫���رف���و َن���ه���ا‬
‫����ع���� ًة َي���ع ِ‬
‫َط���� َل����ع����نَ َع��� َل���ي���هِ ���م َط����ل َ‬
‫�����������ر ٌر م�����ا تَ����ن���� َق����ض����ي َو ُح������ج ُ‬
‫������ول‬
‫َل����ه����ا ُغ َ‬
‫ُّ‬
‫مَت ُّ‬
‫َ�������ل ُ‬
‫ال����ش���� ُّم ط َ‬
‫������ول ِن���زا ِل���ن���ا‬
‫احل�����ص�����ونُ‬
‫ُ‬
‫َ�������������زول‬
‫َف���� ُت����ل����ق����ي ِإ َل�����ي�����ن�����ا َأه����� َل�����ه�����ا َوت‬
‫ن ِب ِ‬
‫َو ِب��ت� َ‬
‫��ح��ص��نِ ال����� َّرانِ َرزح����ى ِم���نَ ال َ��وج��ى‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫��������زي��������ز ِل َ‬
‫ل������ي������ل‬
‫م�������ي�������ر َذ‬
‫���ل���أ‬
‫ُ����������������ل َع‬
‫َوك‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َوف��������ي كُ ِّ‬
‫�����س م�����ا َخ����ل����ا ُه َم��ل��ا َل����� ٌة‬
‫��������ل َن�����ف ٍ‬
‫َوف��������ي ُك ِّ‬
‫ُ‬
‫��������ل َس�����ي ٍ‬
‫����ل����ول‬
‫�����ف م�����ا َخ����ل����ا ُه ُف‬
‫���م���ي���س َ‬
‫ال��ـ��م�لا‬
‫��م��ط��ام��ي�� ُر َو َ‬
‫���اط ال��ـ َ‬
‫َودونَ ُس َ‬
‫َو َأ ِ‬
‫ُ‬
‫�������ج�������ول‬
‫ود َي������������������������ ٌة َم�����ج�����ه�����و َل����� ٌة َوهُ‬
‫��ش‬
‫َل ِ��ب��س��نَ ال��� ُّدج���ى فيها ِإل���ى َأ ِ‬
‫��رع ٍ‬
‫رض َم َ‬
‫������ب ِ‬
‫���ل��اد َج���ل���ي ُ‬
‫���ل‬
‫�������ل�������روم َخ‬
‫َو ِل‬
‫����ط����ب ف����ي ال ِ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫���ش ِ‬
‫����ب����ل َج���ي ِ‬
‫َ‬
‫���ه‬
‫����م����ا َر َأو ُه َوح����������� َد ُه َق‬
‫َف���� َل ّ‬
‫ُ‬
‫َد َروا َأنَّ ك َّ‬
‫����ض����ول‬
‫ال�����ع�����المَ��ي��ن ُف‬
‫ُ��������ل‬
‫َ‬
‫اخل ِّ‬
‫َ‬
‫����ر ٌة‬
‫م����������اح‬
‫َو َأنَّ ِر‬
‫َ‬
‫���������ط َع�����ن����� ُه َق����ص����ي َ‬
‫َو َأنَّ َح������دي������ َد ال�����هِ �����ن ِ‬
‫�����د َع�����ن����� ُه كَ���ل���ي ُ‬
‫���ل‬
‫�������در ِ‬
‫�����ان َو َس���ي��� َف��� ُه‬
‫احل�����ص ِ‬
‫ور َدهُ �������م َ‬
‫ص َ‬
‫َف������� َأ َ‬
‫ِ‬
‫����ط����اء َج����زي ُ‬
‫ُ‬
‫����ل‬
‫ال����ع‬
‫����ث����ل‬
‫������أس������ ُه ِم‬
‫َف‬
‫َ‬
‫����ت����ى َب ُ‬
‫ً‬
‫����ه����م‬
‫َف‬
‫��������ع َف���� َّل ُ‬
‫َ‬
‫���������������و َّد َع َق�����ت��ل��اهُ ����� ْم َو َش�������� َّي َ‬
‫���ض ف���ي ِ���ه ُس���ه ُ‬
‫ِب َ‬
‫���ول‬
‫����رب ُح�������زونُ ال��� َب���ي ِ‬
‫����ض ٍ‬
‫وتطل في قصيدة املتنبي صورة (قسطنطني) ابن الدمستق وقد وقع في األسر‬
‫وك َّبلت األصفاد ساقيه بينما انشغل أبوه عنه بالفرار‪ ،‬فنجا بنفسه وترك ابنه للهالك‪،‬‬
‫‪- 106 -‬‬
‫فكيف يثق به أخالؤه ويركن إليه أصحابه وجنوده بعد أن خذله ابنه وتركه للرماح؟ لقد‬
‫عجز عن إنقاذه ونصرته وألهته اجلراح التي أصابت وجهه‪ ،‬وليس له من نصير سوى‬
‫(((‬
‫الصراخ والعويل‪ ،‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫���ل���ب ُق��س َ‬
‫���ب‬
‫��ط��ن��ط��ي��ـ��نَ ِم���ن��� ُه ت َ‬
‫َع���ل���ى َق ِ‬
‫َ���ع ُّ‬
‫���ج ٌ‬
‫َو ِإن ك�������انَ ف����ي س����ا َق����ي ِ‬
‫����ه ِم����ن���� ُه ُك����ب ُ‬
‫����ول‬
‫ِ‬
‫������وم������ا ي�����ا ُد ُم�����س����� ُت ُ‬
‫�����ع����� َّل َ‬
‫ع����ائ���� ٌد‬
‫�����ق‬
‫َل َ‬
‫�����ك َي ً‬
‫م���������ا ِإ َل��������ي ِ‬
‫��������ه َي�����ئ ُ‬
‫�����ول‬
‫َف������كَ������م‬
‫ِ‬
‫ه�������������ار ٍب مِ ّ‬
‫���ج���تَ��� ْي َ‬
‫جَ َ‬
‫���ح��� ًة‬
‫ن‬
‫َ‬
‫���ك َج���ري َ‬
‫��������وت ِب����� ِإح�����دى ُم���ه َ‬
‫���ك تَ���س���ي ُ‬
‫���ه���ج���تَ��� ْي َ‬
‫���ل‬
‫�����ت ِإح��������دى ُم‬
‫َو َخ����� َّل�����ف َ‬
‫َ‬
‫����ط���� َّي ِ‬
‫����خ ِّ‬
‫َأ ُت�����س����� ِل����� ُم ِل����ل َ‬
‫����ة ِاب������ َن َ‬
‫�����ار ًب�����ا‬
‫������ك ه ِ‬
‫������ك َخ���ل���ي ُ‬
‫َو َي�����س����� ُك�����نُ ف����ي ال���� ُّدن����ي����ا ِإ َل������ي َ‬
‫���ل‬
‫�����وج�����هِ َ‬
‫�����ر َّش ٍ‬
‫�����ة‬
‫�����ك م����ا َأن�����س�����اكَ����� ُه ِم������ن ُم ِ‬
‫ِب َ‬
‫ُ‬
‫�������وي�������ل‬
‫َن������ص������ي������ ُر َك ِم����ن����ه����ا َر َّن�������������� ٌة َو َع‬
‫وكان لهذا احلدث أص��داؤه الكبرى‪ ،‬فتناوله املتنبي في قصيدة أخرى وصف‬
‫فيها مسير جيش سيف الدولة من نهر (جيحان) ببالد الروم إلى (آمد) وهي بلد من‬
‫الثغور‪ ،‬واستحضر قصة أسر (قسطنطني) ابن الدمستق حيث ع َّد االبن يوم أسره‬
‫مماتًا بينما ف َّر والده وع َّد يوم جناته مول ًدا برغم هزميته وترك ابنه وجيوشه أسرى قه ًرا‬
‫منه وعجزًا‪ ،‬وكان االبن فداء ألبيه الذي لم تكن الرماح تطلب أح ًدا سواه‪:‬‬
‫(((‬
‫ِل����� َذ ِل َ‬
‫���وم��� ُه‬
‫���م���ى ِاب������نُ ال��� ُّد ُم���س��� ُت ِ‬
‫�����ك َس ّ‬
‫���ق َي َ‬
‫������م������ا ُه ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ‬
‫����ق َم����و ِل����دا‬
‫م‬
‫مَ�����ا ًت�����ا َو َس ّ‬
‫رض ِ‬
‫آم ٍ‬
‫����د‬
‫ي����ت ِإل�����ى َج���ي���ح���انَ ِم����ن َأ ِ‬
‫����ر َ‬
‫َس َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ب�����ع�����دا‬
‫دن����������اك َر‬
‫َث��ل��ا ًث�����ا َل���� َق����د َأ‬
‫ك��������ض َو َأ َ‬
‫((( ديوانه ‪.228-227 : 3‬‬
‫((( ديوانه ‪.6-5 : 2‬‬
‫‪- 107 -‬‬
‫َ‬
‫������و ّل������ى َو َأع�������ط َ‬
‫����ي����وش���� ُه‬
‫�������اك ِاب������ َن������ ُه َو ُج‬
‫َف َ‬
‫��م��ي��ع��ا َو َل������م ُي ِ‬
‫���ع���ط َ‬
‫��ح��م��دا‬
‫َج‬
‫ً‬
‫اجل���م���ي َ‬
‫���ع ِل�� ُي َ‬
‫�����رف ِ‬
‫�����ي�����اة َو َط ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����ه‬
‫احل‬
‫�����ر‬
‫ض�����ت َل������ ُه دونَ‬
‫َ‬
‫َع َ‬
‫����ف ال���� َل ِ‬
‫������ر َس����ي َ‬
‫����ه ِم����ن َ‬
‫����ج���� َّردا‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫����ك ُم َ‬
‫ب������ص َ‬
‫رق ا َأل ِس������� َّن ِ‬
‫����ت ُز ُ‬
‫����ي����ر ُه‬
‫َوم�������ا َط���� َل���� َب ْ‬
‫�������ة َغ َ‬
‫َو َل ِ‬
‫�ي�ن ك�������انَ َل������� ُه ال ِ‬
‫������ك������نَّ ُق���س َ‬
‫����ف����دا‬
‫���ط���ن���ط َ‬
‫ويرسم املتنبي مشه ًدا ناد ًرا لألب املكلوم (الدمستق) وقد ترهنب ولبس املسوح‬
‫بعد أن كان يلبس الدروع‪ ،‬وقد انقطع عن احلياة واعتكف في الدير وصار ميشي على‬
‫العكاز تائ ًبا بعد أن كان ال يرضى مشى اجلياد الشقر السريعة «وكان ذلك دأب القادة‬
‫البيزنطيني حني يخسرون احلروب فيلجأون إلى الديارات للسلوى»(((‪ ،‬وال يفوته أن‬
‫يسخر من الدمستق فيرى أن توبته وإقالعه عن احلرب لم تكن إال بعد أن تركت احلرب‬
‫(((‬
‫آثارها على وجهه‪ ،‬وبعد أن أصاب الرمد جفونه من كثرة غبار املعارك‪ .‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫���وح َم���خ���ا َف��� ًة‬
‫���اب ال���ـ ُ‬
‫����ح َي���ج���ت ُ‬
‫���م���س َ‬
‫َف���� َأص���� َب َ‬
‫(((‬
‫��س�� َّردا‬
‫الص‬
‫ُ‬
‫��اب ال����� ِّد َ‬
‫َو َق����د ك���انَ َي��ج��ت ُ‬
‫ال��ـ��م َ‬
‫َويمَ���ش���ي ِب ِ‬
‫����ر ت ِ‬
‫��ائ�� ًب��ا‬
‫���ع���كّ ���ا ُز ف���ي ال���� َدي ِ‬
‫����ه ال ُ‬
‫ج�����ردا‬
‫����ر َأ َ‬
‫���ي َأش���� َق َ‬
‫َوم����ا ك����انَ َي���رض���ى َم���ش َ‬
‫����ه���� ُه‬
‫������اب َح����تّ����ى غ��������ا َد َر ال����كَ���� ُّر َوج َ‬
‫َوم������ا ت َ‬
‫رم������دا‬
‫���ح���ا َو َخ���� ّل����ى َج���ف��� َن��� ُه ال��� َن���ق ُ‬
‫َج���ري ً‬
‫���ع َأ َ‬
‫وي�ص��در املتنبي ع��ن ع��داء ص��ري��ح ل�ل��روم فيصفهم ف��ي قصيدة أخ��رى بأنهم‬
‫«الشق ُّيون»‪ ،‬ويؤمن بأهمية أخذ املبادرة واملبادأة معهم‪ ،‬وغزوهم في عقر دارهم ويرى‬
‫أن الصراع بينهم وبني العرب لن ينتهي‪ ،‬وإذا كانت دماؤهم قد بردت فوق «ال ّلقان»‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪.287 :‬‬
‫((( ديوانه ‪.6 :2‬‬
‫((( الدالص ‪ :‬الدروع ‪ .‬املسرد‪ :‬املنسوج‪.‬‬
‫‪- 108 -‬‬
‫فالبد أن ينال العرب منهم ويواصلوا حربهم ويتبعوا ما برد من دمائهم د ًما حا ًرا‬
‫ساخنًا‪ ،‬وفي ذلك يقول املتنبي بعد أن عزم سيف الدولة على لقاء الروم في (السنبوس)‬
‫(((‬
‫سنة ‪340‬هـ‪:‬‬
‫ال����ش ِ‬
‫َّ‬
‫����ق���� ّي����ونَ َأ َّن����ن����ا‬
‫َو َق��������د َع����� ِل����� َم ال���������رو ُم‬
‫َ���رك���ن���ا َأ َ‬
‫�����ه�����م َخ��ل�� َف��ن��ا ُع��دن��ا‬
‫رض ُ‬
‫ِإذا م���ا ت َ‬
‫��وغ��ى‬
‫��م ُ‬
‫ص����� َّر َح ف��ي ال َ‬
‫��وت َ‬
‫َو َأ ّن�����ا ِإذا م��ا ال��ـ َ‬
‫َل ِ��ب��س��ن��ا ِإل���ى ح��اج ِ‬
‫��ات��ن��ا ال َّ‬
‫���رب َوال َّ��ط��ع��ن��ا‬
‫���ض َ‬
‫اجل َ‬
‫��س ِب��ن��ا َ‬
‫لمَ��س�� ًة‬
‫ت َ‬
‫َ��ع�� َّد ال�� ُق��رى َو ُ‬
‫��ي��ش َ‬
‫ال��ـ��م ْ‬
‫����ار ِإل�����ى م���ا تَ��ش��تَ��ه��ي َي������� ُد َك ال�� ُي��م��ن��ى‬
‫ُن����ب ِ‬
‫����ان ِدم ُ‬
‫َ‬
‫�����اؤهُ �����م‬
‫���������ر َدت َف‬
‫�������وق ال���� ُّل����ق ِ‬
‫َف���� َق����د َب َ‬
‫��س��خ��ن��ا‬
‫���ع‬
‫َو َن����ح����نُ ُأ‬
‫ِ‬
‫ن������اس ُن���ت ِ���ب ُ‬
‫ال����ب����ار َد ال ُّ‬
‫ٌ‬
‫ويصف املتنبي الروم بـ «الطغاة» ويطلق الوصف ذاته على ملكهم وينذر كتائبهم‬
‫بالهزمية واملوت‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫َي ُ‬
‫�����ع َأب���� َل ٌ‬
‫�����ش ُّ‬
‫����ق‬
‫�����ق ِب����ل���ا َد‬
‫ال���������روم َوال����� َّن�����ق ُ‬
‫ِ‬
‫س����ي����اف ِ‬
‫ِ‬
‫����ه َو َ‬
‫����ع َأدهَ �������� ُم‬
‫ِب���� َأ‬
‫اجل ُّ‬
‫�����������و ِب����ال���� َن����ق ِ‬
‫���م��� ِل ِ‬
‫���ك ال��ط��اغ��ي َف���كَ���م ِم����ن كَ��ت��ي�� َب ٍ��ة‬
‫ِإل�����ى ال���ـ َ‬
‫ه��������ي تَ���ع��� َل��� ُم‬
‫����س����اي���� ُر ِم����ن���� ُه َح���ت��� َف���ه���ا َو‬
‫ُت‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ويرى املتنبي أن أشقى البالد هي التي أهلها الروم ويردد مصطلح (الفرجنة)‬
‫ويصف هزائمهم في يوم (اللقان) و (هنريط) حيث ساقهم أسرى حتى ابيضت أرض‬
‫آمد من كثرة ما امتألت به من اجلواري والغلمان األسرى وأحلق الهزمية كذلك بأهل‬
‫«الصفصاف» و«سابور» وأحرقهما حتى صارت الصخور رم��ا ًدا‪ .‬يقول املتنبي في‬
‫(((‬
‫استحضار رائع للغزوات وأماكنها في بالد الروم‪:‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.301 -300 : 4‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.211 : 4‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪397-396 : 2‬‬
‫‪- 109 -‬‬
‫���ل��اد ال���� َل ِ‬
‫َو َأش����ق����ى ِب ِ‬
‫����ه م���ا ال�������رو ُم َأه�� ُل��ه��ا‬
‫����د َك ج ِ‬
‫����م����ج ِ‬
‫����اح���� ُد‬
‫ِب َ‬
‫�����ه�����ذا َوم�������ا ف���ي���ه���ا ِل����ـ َ‬
‫ِ‬
‫َ��رك��تَ��ه��ا‬
‫���ت ِب���ه���ا ال�����غ‬
‫َش��� َن���ن َ‬
‫�����ارات َح���تّ���ى ت َ‬
‫جن���� َة س ِ‬
‫َو َج����ف����نُ ا َّل������ذي َخ���ل َ‬
‫����ر َ‬
‫���اه��� ُد‬
‫���ف ال���� َف َ‬
‫����خ َّ‬
‫ُم َ‬
‫ص����رع����ى كَ��� َأ َّن���ه���ا‬
‫����ض���� َب���� ٌة َوال������ َق������و ُم َ‬
‫���اج��� ُد‬
‫َو ِإن َل����م َي���ك���ون���وا‬
‫س���اج���دي���نَ َم���س ِ‬
‫ِ‬
‫ُت���� َن ِّ‬
‫���ه���م‬
‫�����اب‬
‫����ه���� ْم َو‬
‫ُ‬
‫�����ق�����ات ِج���ب���ا ُل ُ‬
‫����س ُ‬
‫ال�����س ِ‬
‫����ك ُ‬
‫َّ‬
‫���اي��� ُد‬
‫����ع����نُ ف���ي���هِ ���م َوال������ ِّر‬
‫���م���ك ِ‬
‫َوتَ����ط َ‬
‫ُ‬
‫م������اح ال���ـ َ‬
‫َو ُتضحي ُ‬
‫ات في ال ُّذرى‬
‫شم ِخ ّر ُ‬
‫احلصونُ ُ‬
‫الـم َ‬
‫ِ‬
‫َو َخ����ي����ـ���� ُل����ك ف�����ي أع����ن����ـ ِ‬
‫����ـ��ل�ائ���� ُد‬
‫����اق����هِ ����ـ����نَّ ق‬
‫���ه��� ْم‬
‫���ص���ف���نَ ِب���هِ ���م َي������و َم ال��� ُّل‬
‫ِ‬
‫���ق���ان َو ُس���ق��� َن ُ‬
‫َع َ‬
‫���ي ِ‬
‫���ط َح���تّ���ى ِاب���� َي َّ‬
‫ِب���هِ ���ن���ري َ‬
‫آم���� ُد‬
‫����ض ِب���ال َّ‬
‫���س���ب ِ‬
‫��ص��ف��ص ِ‬
‫َو َأ َ‬
‫س��اب��ور َف��ان َ��ه��وى‬
‫��اف‬
‫حل���ق���نَ ِب��ال َ‬
‫َ‬
‫اجل ِ‬
‫َو َ‬
‫ذاق ال��������� َّردى َأه��ل�اهُ ����م����ا َو َ‬
‫���ل��ام������ ُد‬
‫وكثي ًرا ما يستحضر املتنبي في املشاهد التي يصور فيها هزائم الروم مشهد‬
‫السبايا من نساء الروم‪ ،‬كأن يشير إلى أن جيش سيف الدولة قد عصف بالروم وأتى‬
‫عليهم حتى لم يبق منهم غير النساء وبنات البطاريق الالتي وقعن في السبي فلم ميلك‬
‫آباؤهن إال البكاء عليهن ‪:‬‬
‫(((‬
‫���ب���ق ِإلاّ َم����ن َح���م���اه���ا ِم�����نَ ال ُّ‬
‫َف��� َل���م َي َ‬
‫��ظ��ب��ا‬
‫�������د ُّي ال���� َن ِ‬
‫���م���ى َش��� َف���تَ���ي���ه���ا َوال������� ُث ِ‬
‫����واه���� ُد‬
‫َل���ـ َ‬
‫ُت��� َب���كّ ���ي َع��� َل���ي���هِ ���نَّ ال��� َب���ط���اري ُ‬
‫���ق ف���ي ال��� ُّدج���ى‬
‫ِ‬
‫َ������واس������ ُد‬
‫�����ات ك‬
‫َوهُ ������������نَّ َل����� َدي�����ن�����ا ُم�����ل����� َق�����ي ٌ‬
‫((( املصدر نفسه ‪.398 : 2‬‬
‫‪- 110 -‬‬
‫ويصف ‪ -‬في مشهد آخر ‪ -‬حسان النصارى وقد وقعن في السبي ووقفن في‬
‫(((‬
‫صفوف بخدودهن األسيلة املهيأة ل َّلطم واإلهانة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫�����ق َن�����ص�����را َن ٍ‬
‫�����������رزَت َل����� ُه‬
‫�����ة َب‬
‫َو ِم���������ن‬
‫ع�����ات ٍ‬
‫َ‬
‫َأس�����ي����� َل ِ‬
‫�����ري�����ب َس��� ُت َ‬
‫���ل���ط��� ُم‬
‫�����ة َخ�������� ٍّد َع������ن َق‬
‫ٍ‬
‫���ث ف���ي ُل����ي ٍ‬
‫ص���ف���و ًف���ا ِل��� َل���ي ٍ‬
‫����وث ُح��ص��و ُن��ه��ا‬
‫ُ‬
‫���و ُم‬
‫���م��� َق َّ‬
‫����ج ال���ـ ُ‬
‫���م���ذاك���ي َوال َ‬
‫����وش����ي ُ‬
‫ُم���ت���ونُ ال���ـ َ‬
‫ويطلق املتنبي وصف (العلوج) على الرعية من الروم وهم الغالظ من كفار العجم‬
‫(((‬
‫وقد يردد وصف (النصارى) في إشارة إلى الروم كقوله‪:‬‬
‫رض تَ�����ه����� ِل ُ‬
‫ُ‬
‫ش�����������������واط ف��ي��ه��ا‬
‫�����ك ا َأل‬
‫ِب��������������� َأ ٍ‬
‫�����روج‬
‫ك�����ض ال����� ُف‬
‫ال�����ر‬
‫ِ‬
‫����ت ِم������نَ‬
‫ِإذا ُم���� ِل���� َئ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫�����س َم�����ل ِ‬
‫ال�����������روم ف��ي��ه��ا‬
‫�����ك‬
‫ت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫حُ������������او ُل َن�����ف َ‬
‫ِ‬
‫������ل������وج‬
‫ال������ع‬
‫َ������ف������دي������ه َر ِع��������� َّي��������� ُت��������� ُه‬
‫َف������ت‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫������رات ت ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����وع����� ُدن�����ا ال���� َّن����ص����ارى‬
‫������م‬
‫َأ ِب‬
‫������ال������غ َ‬
‫������روج‬
‫�����������ي ال������ ُب‬
‫جُ����وم����ه����ا َو ِه‬
‫َو َن������ح������نُ ن ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ويكرر املتنبي وصف الروم بـ(العلوج)‪ ،‬في موضع آخر‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫َن َ‬
‫���ه��� ْم‬
‫������روا َم����ن َح���و َل ُ‬
‫���ر ال ُ‬
‫���ع���ل ُ‬
‫���وج َف��� َل���م َي َ‬
‫���ظ َ‬
‫وك َوق������ي َ‬
‫����م����ا َر َأ َ‬
‫����س���� ِّي���� ُد‬
‫ل����ـ ّ‬
‫������ل هَ ��������ذا ال َّ‬
‫َب ِ‬
‫�����ه����� ُم كَ�������� َأ َّن َ‬
‫��������ك كُ��� ُّل���ه���ا‬
‫�����ق����� َي ْ‬
‫�����وع ُ‬
‫�����ت ُج�����م ُ‬
‫�����ه����� ُم كَ�������� َأ َّن َ‬
‫�����ف�����ر ُد‬
‫��������ك ُم‬
‫َو َب‬
‫َ‬
‫�����ق�����ي�����ت َب�����ي����� َن ُ‬
‫َ‬
‫راض بحكم‬
‫ويتردد اسم (الدمستق) كثي ًرا في روميات املتنبي‪ ،‬فيصوره غير ٍ‬
‫السيوف والرماح في احل��رب التي حكمت بهزميته‪ ،‬ويهدده ويتوعده بالهزمية في‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.211 :4‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.361 : 1‬‬
‫((( ديوان املتنبي‪.58 :2‬‬
‫‪- 111 -‬‬
‫(سمندو) وهي قلعة بالروم ‪ ،‬فإذا أحجم عن اللقاء وآثر الهرب‪ ،‬فسيتتبعه اجليش في‬
‫(((‬
‫اخلليج‪ ،‬إشارة إلى خليج القسطنطينية‪ ،‬وفي ذلك يقول املتنبي‪:‬‬
‫َرض����ي����ن����ا َوال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ‬
‫راض‬
‫������ق َغ�����ي����� ُر‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫�����ج‬
‫مِ������ا َح�����كَ����� َم ال����� َق‬
‫ب‬
‫�����ب َوال َ‬
‫�����وش�����ي ُ‬
‫�����واض ُ‬
‫ِ‬
‫����م����ن����دو‬
‫َف���������� ِإن ُي‬
‫�������ق�������د ْم َف����� َق�����د ُزرن����������ا َس َ‬
‫������م ِ‬
‫َ‬
‫���ل���ي���ج‬
‫اخل‬
‫������وع������ ُد ُه‬
‫َو ِإن ُي‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ح����ج���� ْم َف َ‬
‫ويتغنى املتنبي بهزمية الروم في معركة (احلدث احلمراء) التى دارت رحاها سنة‬
‫(((‬
‫‪ 343‬هـ وذلك في قصيدته املشهورة التي يستهلها بقوله‪:‬‬
‫���ع ِ‬
‫���زائ��� ُم‬
‫����ع����ز ِْم تَ���أت���ي ال َ‬
‫َع��ل��ى َق������ ْد ِر َأه�����لِ ال َ‬
‫َوتَ����أت����ي َع���ل���ى َق������� ْد ِر ال ِ‬
‫���ار ُم‬
‫���م���ك ِ‬
‫�����رام ال���ـ َ‬
‫�����ك ِ‬
‫ُ‬
‫���ص���غ���ي ِ���ر ِص���غ���ا ُره���ا‬
‫َوت‬
‫َ���ع���ظ��� ُم ف���ي َع ِ‬
‫��ي��ن ال َّ‬
‫���ع���ظ ِ‬
‫ُ‬
‫���ائ��� ُم‬
‫َوت‬
‫���ع���ظ���ي ِ���م ال َ‬
‫��ي��ن ال َ‬
‫َ���ص���غ��� ُر ف���ي َع ِ‬
‫وكان سيف الدولة قد سار نحو ثغر احلدث لبنائها‪ ،‬وكان أهلها قد سلموها إلى‬
‫الدمستق باألمان سنة سبع وثالثني وثالثمائة‪ ،‬فنزلها سيف الدولة يوم األربعاء ثامن‬
‫عشر جمادي األخرى سنة ثالث وأربعني‪ ،‬وبدأ من يومه فوضع األساس وحفر أوله‬
‫بيده‪ ،‬فلما كان يوم اجلمعة نازله الدمستق في نحو خمسني ألف فارس وراجل‪ ،‬ووقع‬
‫القتال يوم االثنني سلخ جمادى األخرى من أول النهار إلى العصر‪ ،‬فحمل عليه سيف‬
‫الدولة بنفسه في نحو خمسمائة من غلمانه‪ ،‬فظفر به وقتل ثالثة آالف من رجاله وأسر‬
‫خل ًقا كثي ًرا‪ ،‬فقتل بعضهم وأقام حتى بني احلدث‪ ،‬ووضع بيده آخر شرفة منها في‬
‫يوم الثالثاء لثالث عشرة ليلة خلت من رجب‪ ،‬فقال هذه القصيدة ميدحه‪ ،‬وأنشده إياها‬
‫في ذلك اليوم في احلدث‪.‬‬
‫(((‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.362 :2‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.94: 4‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.94 :4‬‬
‫‪- 112 -‬‬
‫ويصف املتنبي قلعة (احلدث) التي بناها سيف الدولة في بالد الروم بـ(احلمراء)‬
‫ألنها احم َّرت بدمائهم‪ ،‬ويتساءل فيما يشبه جتاهل العارف‪ :‬هل تعرف هذه القلعة‬
‫لونها؟ وهل تعلم أي الساقيني لها‪ :‬أجماجم الروم التي سقتها بالدم‪ ،‬أم السحائب‬
‫التي سقتها باملاء؟ ويجيب بأن السحائب البيض هطلت عليها قبل نزول سيف الدولة‬
‫بها فسقتها باملاء وهو ما يعني أن املعركة جرت في فصل الشتاء‪ ،‬فلما اقترب منها‬
‫سيف الدولة سقتها جماجم الروم بالدماء‪:‬‬
‫احل�������� َد ُث َ‬
‫َ‬
‫هَ �����لِ‬
‫����ر ُف َل��و َن��ه��ا‬
‫احل�����م�����را ُء تَ����ع ِ‬
‫ِ‬
‫ال����س ِ‬
‫َ‬
‫���م���ائ��� ُم‬
‫ال���غ‬
‫��ي�ن‬
‫َوتَ�����ع����� َل����� ُم َأ ُّي‬
‫����اق���� َي ِ‬
‫َّ‬
‫����ل ُن����زو ِل ِ‬
‫ُ‬
‫ال����غ���� ُّر َق����ب َ‬
‫َس��� َق���ت���ه���ا ال َ‬
‫����ه‬
‫����غ����م����ا ُم‬
‫���م���ا َدن������ا ِم���ن���ه���ا َس��� َق���ت���ه���ا َ‬
‫���م���اج��� ُم‬
‫اجل‬
‫ِ‬
‫َف��� َل ّ‬
‫ويشير املتنبي إلى أن بناء القلعة تواصل أثناء املعركة حيث كانت رماح املسلمني‬
‫تشتجر مع رماح الروم واملنايا كالبحر املتالطم األمواج‪ ،‬وكانت القلعة موطنًا للقالقل‬
‫والفنت واالضطرابات من قبل الروم وكأن بها ًّ‬
‫مسا من اجلنون‪ ،‬فجعل سيف الدولة‬
‫جثث الروم املعلقة فوق حيطانها كالتمائم التي أذهبت ما كان بها من جنون‪ ،‬وهي‬
‫صورة نابضة بظاللها الشعبية املوروثة‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫�����ر ُع ال�� َق��ن��ا‬
‫َب���ن���اه���ا َف��� َأع���ل���ى َوال���� َق����ن����ا تَ�����ق َ‬
‫���م���ن���اي���ا َح����و َل����ه����ا ُم����ت ِ‬
‫َ��ل�اط���� ُم‬
‫َو َم‬
‫ُ‬
‫����������وج ال���ـ َ‬
‫���ث���ل ُ‬
‫َوك�������انَ ِب���ه���ا ِم ُ‬
‫���ح���ت‬
‫اجل‬
‫ِ‬
‫����ن����ون َف��� َأص��� َب َ‬
‫����ث ال��� َق���ت���ل���ى َع��� َل���ي���ه���ا ت ِ‬
‫َو ِم�������ن ُج���� َث ِ‬
‫مَ����ائ���� ُم‬
‫ويشير املتنبي كذلك إلى اشتراك الروس مع الروم في تلك املعركة فيقول‪:‬‬
‫َوكَ���ي َ‬
‫��دم��ه��ا‬
‫���ر ّج���ي ال�����رو ُم َو‬
‫ال������روس هَ َ‬
‫ُ‬
‫���ف ُت َ‬
‫ِ‬
‫َوذا ال َّ‬
‫ع������ائ������ ُم‬
‫آس��������اس َل����ه����ا َو َد‬
‫����ط����ع����نُ‬
‫ٌ‬
‫أجناسا مختلفة من أوربا وقد‬
‫ويصف املتنبي جيش الروم اجلرار الذي ض َّم‬
‫ً‬
‫أقبلوا مدججني في السالح وقد وضعت على خيولهم اجلواشن التي تغطي قوائمها‬
‫‪- 113 -‬‬
‫وكأنها تسير ب�لا ق��وائ��م‪ ،‬ويحتفي بوصف كثرة س�لاح ه��ذا اجليش ال��ذي يحدده‬
‫(بالشير) في هذه املعركة بخمسمائة ألف من اجلنود املنظمني(((‪ ،‬ويقول املتنبي إن‬
‫هذا اجليش لكثرته طبق األرض وبلغت أصوات جنوده السماء‪ ،‬وبدت هذه األصوات‬
‫الشديدة املتداخلة كصوت الرعد‪ ،‬وقد جتمع في هذا اجليش جنسيات عديدة مختلفة‬
‫اللغات ال يستطيعون التفاهم فيما بينهم إال من خالل املترجمني‪:‬‬
‫��������ج�������� ّرونَ َ‬
‫َ‬
‫�����ه����� ْم‬
‫َأ‬
‫احل������دي������ َد كَ����� َأ َّن ُ‬
‫ت����������وك َي ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫������وائ������ ُم‬
‫������ه������نَّ َق‬
‫�����ج‬
‫�����ي�����اد م�����ا َل ُ‬
‫�����������روا ِب ِ‬
‫َس َ‬
‫����ر ِف ال ِ���ب���ي ُ‬
‫��ه�� ُم‬
‫���ض ِم��ن ُ‬
‫����رق����وا َل����م ُت����ع َ‬
‫ِإذا َب َ‬
‫�����ع�����م ِ‬
‫�����ائ����� ُم‬
‫ِث�����ي�����ا ُب ُ‬
‫�����ه����� ُم ِم������ن ِم���ث��� ِل���ه���ا َوال َ‬
‫��س ِب َ‬
‫رض َو َ‬
‫���رب َزح�� ُف�� ُه‬
‫���رق ا َأل ِ‬
‫���ش ِ‬
‫ال���غ ِ‬
‫َخ��م��ي ٌ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َم����������از ُم‬
‫������������وزاء ِم����ن���� ُه ز‬
‫اجل‬
‫َوف�������ي ُأ ُذنِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ف�����ي�����ه ك ُّ‬
‫ٍ‬
‫�������������ة‬
‫������س������ن َو ُأ َّم‬
‫ُ����������ل ِل‬
‫��������ع‬
‫ٍ‬
‫تجَ َ َّ‬
‫��������م َ‬
‫َف���م���ا ُت����ف����هِ ���� ُم ُ‬
‫احل����������� ّد َ‬
‫َّ����راج���� ُم‬
‫اث ِإلاّ ال����ت ِ‬
‫ويصف املتنبي اشتداد املعركة وضراوتها فقد تكسر من السيوف ما لم يكن قاط ًعا‬
‫وف َّر من الفرسان من ال يقدر على املصادمة واملواجهة وذ ّوبت النيران َّ‬
‫كل رديء ومغشوش‬
‫شجاعا من احملاربني وأصيلاً من السالح‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫من السالح‪ ،‬ولم يبق إال كل من كان‬
‫ً‬
‫ق���������ت َذ َّو َب ال ِ‬
‫َف����� ِل����� َّل ِ‬
‫������غ َّ‬
‫������ش ن��������ا ُر ُه‬
‫�����ه َو‬
‫ٌ‬
‫����ب����ق ِإلاّ‬
‫ص���������ار ٌم َأو ُ‬
‫َ‬
‫�����ار ُم‬
‫َف���� َل����م َي‬
‫ض�����ب ِ‬
‫ِ‬
‫تَ���� َق َّ‬
‫����ع م�����اال َي����ق َ‬
‫رع َوال��� َق���ن���ا‬
‫����ع ال���������� ِّد َ‬
‫����ط ُ‬
‫����ط َ‬
‫َو َف��������� َّر ِم�������نَ ا َألب������ط������الِ َم�����ن ال ُي�����ص ِ‬
‫�����اد ُم‬
‫ويشير املتنبي إلى خطة سيف الدولة احلربية حيث جنح في ض َّم جناحي جيش‬
‫الروم‪ :‬امليمنة وامليسرة على القلب فأهلك اجلميع وحمل بالسيوف على هاماتهم فانفلتت‬
‫وصارت إلى ل َّباتهم وحتقق النصر‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪( 291 :‬هامش‪.)2‬‬
‫‪- 114 -‬‬
‫��ب َ‬
‫َ‬
‫ض َّ��م�� ًة‬
‫��م��م َ‬
‫��اح�� ْي��هِ �� ْم َع��ل��ى ال�� َق��ل ِ‬
‫ض َ‬
‫��ت َج��ن َ‬
‫ِ‬
‫مَ�������وت َ‬
‫������واد ُم‬
‫حَ���تَ���ه���ا َوال������ َق‬
‫اخل�����واف�����ي ت‬
‫ت‬
‫ُ‬
‫ال��ه��ام��ات َوال��� َن���ص��� ُر غ ِ‬
‫ِ‬
‫ِب َ‬
‫��ب‬
‫���رب َأت����ى‬
‫��ائ ٌ‬
‫���ض ٍ‬
‫ِ‬
‫ص�������ار ِإل�����ى ال���� َّل���� ّب ِ‬
‫ق�����اد ُم‬
‫����ات َوال���� َن����ص���� ُر‬
‫َو‬
‫َ‬
‫ويحتفي املتنبي بوصف تفاصيل املعركة حيث تشير الروايات إلى أنه كان يشارك‬
‫مع سيف الدولة فيها وكان يحارب إلى جانبه(((‪ ،‬فيشير إلى أن سيف الدولة نثر جثث‬
‫قتلى الروم فوق جبل األحيدب وقد أعجب هذا املشهد املتنبي فشبهه بالدراهم املنثورة‬
‫على العروس‪ ،‬ويشير كذلك إلى أن سيف الدولة تتبع فلول الروم الفارين بخيله في‬
‫رؤوس اجلبال وقد كثرت اجلثث وصارت طعا ًما للطير‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���������ي���������د ِب كُ���� ِّل ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����ه‬
‫����������وق ا ُأل َح‬
‫َ�����ه����� ُم َف‬
‫َن����� َث�����رت ُ‬
‫كَ���م���ا ُن ِ‬
‫����روس ال���� َّد ِ‬
‫����ر ْت َف َ‬
‫راه���� ُم‬
‫ال����ع‬
‫������وق‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����ث َ‬
‫اخل���ي ُ‬
‫���ك َ‬
‫َ�����دوس ِب َ‬
‫���ور َع��ل��ى ال��� ُّذرى‬
‫ت‬
‫���ل ال ُ‬
‫ُ‬
‫���وك َ‬
‫��م��ط ِ‬
‫����ر ْت َح َ‬
‫��اع�� ُم‬
‫�����ول‬
‫ال����و ِ‬
‫ُ‬
‫ك����ور ال��ـ َ‬
‫َو َق�����د كَ���� ُث َ‬
‫ويرسم املتنبي صورة تهكمية للدمستق الذي لم يع الدرس في معركة (احلدث)‬
‫ولم يتعظ من خسائره الفادحة‪ ،‬حيث تشير الرواية الرومية إلى أنه خسر في تلك‬
‫املعركة ثالثة آالف قتيل(((‪ ،‬وأسر سيف الدولة جم ًعا من البطارقة واألراكنة ‪Archontes‬‬
‫فظلوا في أيدي العرب‪ ،‬وقتل من هذه الوقعة (ابن بنت ب��رداس فوكاس قائد الروم‬
‫وصهره كوديس األعور وأسر قائد بلدي ليكاندوس وتزامندوس وسجن‪ ،‬وهما بلدان‬
‫بيزنطيان خطيران)‪« .‬أما نيسيفور فوكاس ‪ -‬وكان يومئذ أحد القواد في جيش أبيه ‪-‬‬
‫فلم ينج إال باختفائه في نفق حتى إذا سطا الليل ف َّر حتت ظالمه وحلق بفلول جيشه‬
‫املتقطع في الدرب‪ ،‬احملثحث خطاه نحو القسطنطينية»‪.‬‬
‫(((‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪.292 :‬‬
‫((( املرجع نفسه‪.289 :‬‬
‫((( املرجع نفسه‪.289 :‬‬
‫‪- 115 -‬‬
‫مازجا‬
‫ويصف املتنبي هذه الوقائع من خالل هذا املشهد التهكمي للدمستق‬
‫ً‬
‫مزجا جميلاً ‪ ،‬فيتعجب من حماقة الدمستق الذي أص َّر ‪ -‬برغم هزائمه‬
‫التاريخ بالفن ً‬
‫املتكررة ‪ -‬على مالقاة سيف الدولة وال يلبث أن يولي األدبار وقد أخذ قفاه يلوم وجهه‬
‫على إصراره على اإلقدام وتعريضه للمهانة واملذلة‪.‬‬
‫ويرى املتنبي أن الدمستق أجهل من البهائم‪ ،‬ألنها إذا ش َّمت ريح األسد وقفت ولم‬
‫تتقدم‪ ،‬وهو يرى سيف الدولة الذي يشبه األسد ويأتيه مقاتلاً ثم ينهزم دون أن يرتدع‬
‫بفجيعته بابنه وابن صهره‪ .‬وميعن املتنبي في اإلزراء بالدمستق فيصوره وقد أسرع‬
‫في الفرار وهو يشكر أصحابه وأهله من األسرى والقتلى ألن السيوف اشتغلت بهم‬
‫عنه‪ ،‬فكأنهم كانوا فداء له‪ ،‬ويصوره مرة أخرى وقد استب َّد به الرعب إذا سمع صوت‬
‫وقع السيوف وهي تقطع هامات أصحابه وأنه قد فرح مبا غنمه جيش سيف الدولة من‬
‫أصحابه وأمواله وأمتعته وأسلحته ألنها افتدته وكانت سب ًبا في جناته‪ .‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫(((‬
‫َأف������ي ُك ِّ‬
‫����ق ُم����ق ِ‬
‫�������وم ذا ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ‬
‫����د ٌم‬
‫������ل َي ٍ‬
‫�����وج ِ‬
‫�����ه ِ‬
‫الئ������ ُم‬
‫َق�����ف�����ا ُه َع����ل����ى ا ِإل‬
‫ق�������������دام ِل�����ل َ‬
‫ِ‬
‫َأ ُي�����ن ِ‬
‫�������ح ال���� َّل����ي َ‬
‫����ث َح����تّ����ى َي�����ذو َق����� ُه‬
‫�����ك����� ُر ري َ‬
‫���ي���وث ال��� َب���ه ِ‬
‫ِ‬
‫���ائ��� ُم‬
‫ري�����ح ال��� ُّل‬
‫�����ت‬
‫�����ر َف ْ‬
‫َ‬
‫َو َق������د َع َ‬
‫����ن ِ‬
‫���ع���تْ��� ُه ِب���� ِاب ِ‬
‫���ه���ر ِه‬
‫����ه َو ِا‬
‫ِ‬
‫ب��������ن ِص ِ‬
‫���ج َ‬
‫َو َق������د َف َ‬
‫���غ ِ‬
‫����ر ال َ‬
‫���واش��� ُم‬
‫���ر َح‬
‫ُ‬
‫���م�ل�ات ا َألم����ي ِ‬
‫���ص���ه ِ‬
‫َو ِب���ال ِّ‬
‫��اب ف��ي َف ِ‬
‫��وت ِ��ه ُّ‬
‫الظبى‬
‫َمضى َيش ُك ُر ا َألص��ح َ‬
‫���م���ع ِ‬
‫مِ�����ا َش َ‬
‫���اص��� ُم‬
‫���غ��� َل���تْ���ه���ا‬
‫ب‬
‫ه���ام ُ‬
‫ُ‬
‫���ه���م َوال���ـ َ‬
‫���ش���ر ِف��� َّي ِ‬
‫���ة ف��ي��هِ �� ُم‬
‫ال���ـ���م‬
‫�������وت‬
‫ص‬
‫َ‬
‫َو َي����� ْف َ‬
‫�����ه����� ُم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����اج���� ُم‬
‫ال���س‬
‫ص��������وات‬
‫َع���ل���ى َأنَّ َأ‬
‫َ‬
‫���ي���وف َأع ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع������ط������اك ال َع������ن َج����ه����ا َل ٍ����ة‬
‫مِ������ا َأ‬
‫�����س����� ُّر ب‬
‫ُي َ‬
‫َو َل ِ‬
‫مِ ُ‬
‫جَ������ا ِم�����ن َ‬
‫غ������ان‬
‫�����ك‬
‫����وم����ا ن‬
‫�������ك�������نَّ َم����غ����ن ً‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.106 :4‬‬
‫‪- 116 -‬‬
‫ويعبر املتنبي عن رأيه في الصراع بني العرب والروم‪ ،‬فيتجاوز الرؤية الفردية وال‬
‫يراها حر ًبا بني ملك الروم ونظيره العربي‪ ،‬بل يراها حر ًبا بني التوحيد والشرك‪ ،‬وفي‬
‫(((‬
‫ذلك يقول مخاط ًبا سيف الدولة‪:‬‬
‫����ر ِه‬
‫������س������ت َم���ل���ي���كً���ا‬
‫َو َل‬
‫ه������از ًم������ا ِل���� َن����ظ����ي ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫َو َل ِ‬
‫����ل����ش ِ‬
‫�����ك����� َّن َ‬
‫ه�������از ُم‬
‫����رك‬
‫�����ك ال����تَّ����وح����ي���� ُد ِل‬
‫ِ‬
‫وبالرغم من الهزمية النكراء التي مني بها ال��روم في معركة احلدث احلمراء‪،‬‬
‫فإنهم لم يصرفوا أنظارهم عنها وظلوا يحلمون باستردادها من أيدي العرب ألهميتها‬
‫االستراتيجية «ألنها باب الطريق إلى القسطنطينية»(((‪ ،‬فعادوا لإلغارة عليها سنة‬
‫‪344‬هـ وبلغ سيف الدولة أن جيوش الروم قد نزلوا على حصن احلدث ونصبوا عليه‬
‫مكايد ولكن سيف الدولة ر َّدهم على أعقابهم‪ ،‬ونظم املتنبي قصيدة في ذلك اعترف فيها‬
‫بقوة الروم وكثرة عددهم ولكن جيش سيف الدولة كان أكثر قوة ومنعة‪ ،‬ويشير إلى‬
‫ما كان من إقدام الروم على حصار القلعة وكيف أفسد سيف الدولة خططهم‪ ،‬فكلما‬
‫(((‬
‫باغتوها وه ّموا باالستيالء عليها سبقهم جيش سيف الدولة وصرفهم عنها‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫�������ال َأع ِ‬
‫ُ‬
‫ح ُ‬
‫�����ي�����ف ال���� ْد‬
‫�����دائ�����ن�����ا َع���ظ���ي��� ٌم َو َس‬
‫ـ������ َدو َل ِ‬
‫ِ‬
‫����ي����وف َأ َ‬
‫ع�����ظ����� ُم ح���اال‬
‫ال����س‬
‫������ة ِاب��������نُ‬
‫ُّ‬
‫�����ذي�����ر َم����س����ي���� ًرا‬
‫ع�����ج�����ل�����وا ال����� َّن‬
‫كُ���� َّل����م����ا َأ َ‬
‫َ‬
‫ع�������ج������� َل�������تْ������� ُه ِج����������ي����������ا ُد ُه ا ِإلع�������ج�������اال‬
‫َأ‬
‫َ‬
‫رض م����ا حَ ْ‬
‫ت����ـ‬
‫����ه����م َخ‬
‫������������وار َق ا َأل ِ‬
‫ِ‬
‫َف���� َأتَ����ت ُ‬
‫ُ‬
‫������������ل ِإلاّ‬
‫َ‬
‫احل����������دي���������� َد َوا َألب����������ط����������اال‬
‫ِم‬
‫ويحتفي املتنبي بسرد الوقائع التاريخية‪ ،‬فيشير إلى أن حملة الروم على قلعة‬
‫احلدث كانت بقيادة ابن ليون ملك الروم‪ ،‬ويشير إلى أنه حشد جم ًعا كبي ًرا من الروم‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.107 :4‬‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪.293 :‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.254 : 3‬‬
‫‪- 117 -‬‬
‫والصقالب والبلغار وكان هدفهم تخريب القلعة وهدم سورها وكان ذلك حافزًا لسيف‬
‫(((‬
‫الدولة على تقوية السور واالرتفاع به‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫الو ٍن َم������ ِل َ‬
‫������ك ال������رو‬
‫ال َأل������������و ُم ِاب�����������نَ ُ‬
‫ِم َو ِإن ك����������انَ م������ا مَتَ������� ّن�������ى ُم����ح����اال‬
‫َأق������� َل������� َق�������تْ������� ُه َب ِ‬
‫�����ي�����ن ُأذ َن�������ي�������ـ‬
‫�������ن������� َّي������� ٌة َب‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ال������س������م������ا َء َف����ن����اال‬
‫ب�������������ان َب�����غ�����ى‬
‫ـ��������ه َو‬
‫ٍ‬
‫َّ‬
‫كُ���� َّل����م����ا را َم َح َّ‬
‫�������ع ال��� َب��� ْن���ـ‬
‫َّ�������س َ‬
‫����ط����ه����ا ِات َ‬
‫������غ ّ‬
‫ـ��������ي َف َ‬
‫������ط������ى َج�����ب�����ي����� َن����� ُه َوال�������� َق��������ذاال‬
‫ُ‬
‫����ب َوال���� ُب���� ْل����ـ‬
‫����م ُ‬
‫����ع ال��������رو َم َو َّ‬
‫َي����ج َ‬
‫ال����ص����ق����ا ِل َ‬
‫������������ع اآلج�����������اال‬
‫تجَ������������م‬
‫�������������ر ف�����ي�����ه�����ا َو‬
‫َغ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�����و ُه‬
‫�������ص�������دوا هَ ����������د َم‬
‫ِ‬
‫س������وره������ا َف����� َب����� َن ْ‬
‫َق َ‬
‫��������ص��������رو ُه َف�����ط�����اال‬
‫َو َأت�����������������وا كَ���������ي ُي�������� َق ِّ‬
‫����اي���� َد َ‬
‫��������رب َح���تّ���ى‬
‫احل‬
‫َ������ج������ ّروا َم����ك ِ‬
‫ِ‬
‫َو ِاس������ت َ‬
‫َ�������رك�������وه�������ا َل������ه������ا َع����� َل�����ي�����هِ �����م َوب���������اال‬
‫ت َ‬
‫ويلتفت املتنبي إلى أهمية احلرب النفسية في هزمية الروم‪ ،‬فقد نزلوا في األماكن‬
‫التي ُقتل فيها أصحابهم وأهلهم في املعركة السابقة فبكوهم وندبوا أعمامهم وأخوالهم‬
‫وتوقعوا أن يلقوا مصيرهم‪ ،‬وي��ورد املتنبي ص��و ًرا مرعبة في سياق احلرب النفسية‪،‬‬
‫فيصف ذعرهم وهم يرون الرياح حتمل إليهم جذاذات من شعر هامات أقاربهم القتلى‬
‫وتنثر عليهم ما بقي من أشالئهم وكأنها تنذرهم بأن يصيروا مثلها‪ ،‬وسيطرت عليهم تلك‬
‫اخلياالت املفزعة‪ ،‬فتخيلوا الرماح تطعنهم متتابعة قبل أن يحدث ذلك في احلقيقة واستبد‬
‫(((‬
‫بهم اخلوف ففروا هاربني من احلرب‪ .‬يقول املتنبي واص ًفا هذه املشاهد املرعبة‪:‬‬
‫�����رف�����وه�����ا‬
‫َن��������زَل��������وا ف������ي َم‬
‫ِ‬
‫���������ص���������ار ٍع َع َ‬
‫َي�������ن������� ُدب�������ونَ ا َألع���������م���������ا َم َوا َألخ����������������واال‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.257 :3‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.261-260 : 3‬‬
‫‪- 118 -‬‬
‫ت ِ‬
‫حَ�����م ُ‬
‫�����ر ال��ه��ا‬
‫�����ح َب���� ْي���� َن ُ‬
‫����ه����م َش َ‬
‫�����ل ال�����ري ُ‬
‫�����ع َ‬
‫������م ا َألوص�������������اال‬
‫ِم َوتَ�����������������ذري َع������ َل������ي������هِ ِ‬
‫ُت�������ن ِ‬
‫اجل������س������ َم َأن ُي����ق����ي���� َم َل���� َدي����ه����ا‬
‫�������ذ ُر ِ‬
‫ِ‬
‫�����������ري�����������ه ِل���������كُ ِّ‬
‫��������ض��������و ِم�����ث�����اال‬
‫���������ل ُع‬
‫َو ُت‬
‫ٍ‬
‫�����ص�����روا ال َّ‬
‫���ل���وب ِدراكً������ا‬
‫���ط���ع���نَ ف���ي ال��� ُق‬
‫ِ‬
‫َأب َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م������اح َخ���ي���اال‬
‫����ب����ص����روا ال������ ِّر‬
‫����ب����ل َأن ُي‬
‫َق‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ح��������او َل��������ت ِط������ع������ا َن َ‬
‫����ي����ل‬
‫������ك َخ‬
‫َو ِإذا‬
‫َ‬
‫����������ر ْت َأذ ُر َع ال����� َق�����ن�����ا َأم�����ي�����اال‬
‫َأ‬
‫َ‬
‫ب����������ص َ‬
‫�����س َ‬
‫����م��ي�ن يمَ���ي��� ًن���ا‬
‫ع������ب ف�����ي ال���� َي‬
‫�����ط ال������ ُّر‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َب َ‬
‫َ�������و ّل�������وا َوف���������ي ال ِّ‬
‫������ش������م������الِ ِش����م����اال‬
‫َف�������ت َ‬
‫وع َأ ِ‬
‫َي���ن��� ُف ُ‬
‫����س تَ�����دري‬
‫���ض ال��������� َّر ُ‬
‫ي�����د ًي�����ا َل����ي َ‬
‫�������م�������ل�������نَ َأم َأغ�����ل����اال‬
‫َأ ُس��������ي��������و ًف��������ا َح َ‬
‫وتؤدي احلكمة دورها في تصوير ما يتصف به الروم من جنب متجاوزًا اخلاص‬
‫(((‬
‫إلى العام‪:‬‬
‫َ‬
‫رض‬
‫َو ِإذا م������ا َخ���ل���ا‬
‫اجل�������ب�������انُ ِب����������� َأ ٍ‬
‫������ب ال َّ‬
‫�����ط�����ع�����نَ َوح������������� َد ُه َوال������� ِّن�������زاال‬
‫َط������ َل َ‬
‫وي��ردد املتنبي هذه الصورة املرعبة لقتلى ال��روم في قصيدة أخرى فقد كثرت‬
‫أع��داد هؤالء القتلى وتناثرت هاماتهم وأشالؤهم حتى أط��ارت الريح شعورهم على‬
‫أشجار اجلبال فاسو َّدت بها حتى كأن الغربان ّ‬
‫غطتها‪ ،‬وتخضبت أوراق الشجر‬
‫فصبغت باللون األحمر‪ ،‬وص��ارت ‪ -‬حلمرتها ‪ -‬أشبه بثمار النارجن في‬
‫بدمائهم ُ‬
‫(((‬
‫األغصان‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫اجل����ب����الِ ُش���ع���و ُرهُ ��� ْم‬
‫���ر ِ‬
‫َق����د َس َّ‬
‫��������و َد ْت َش َ‬
‫���ج َ‬
‫������س������ َّف������ َة ال ِ‬
‫ِ‬
‫ف�����ي�����ه ُم ِ‬
‫������ان‬
‫َف���������كَ��������� َأنَّ‬
‫������غ������رب ِ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪262 :3‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.316 :4‬‬
‫‪- 119 -‬‬
‫��ج��ي��ع ال��ق��ان��ي‬
‫ال��������و َر ِق ال�� َن‬
‫َو َج������رى َع���ل���ى‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫��������ار ُ‬
‫غ������ص������ان‬
‫جن ف�����ي ا َأل‬
‫ِ‬
‫َف������كَ������ َأ َّن������ ُه ال�������� َّن َ‬
‫والبيتان من قصيدة أنشدها املتنبي عند منصرف سيف الدولة من بالد الروم‬
‫سنة ‪345‬هـ وأنشده إياها بآمد‪ ،‬وأشاد في مطلعها بحكمة سيف الدولة ورجاحة عقله‬
‫(((‬
‫وتقدمي الرأي وصوت العقل على الشجاعة‪ ،‬وفيها يقول‪:‬‬
‫�����اع ِ‬
‫ُّ‬
‫أي َق�����ب َ‬
‫���ج���ع���ان‬
‫ال���ش‬
‫�����ة‬
‫ِ‬
‫ال������������ َّر ُ‬
‫�����ل َش�����ج َ‬
‫����ح ُّ‬
‫����ل ال���ث���ان���ي‬
‫هُ َ‬
‫����������ي ال����ـ َ‬
‫����م َ‬
‫�������و َأ َّو ٌل َو ِه َ‬
‫����س ِم������� َّر ٍة‬
‫َ����م����ع����ا ِل���� َن����ف ٍ‬
‫َف���������� ِإذا هُ ����م����ا ِاج����ت َ‬
‫ِ‬
‫����ل����ي����اء ُك َّ‬
‫َب����� َل َ‬
‫����ك����ان‬
‫��������ل َم‬
‫ال����ع‬
‫ِ‬
‫�����غ�����ت ِم��������نَ‬
‫َ‬
‫ويصف املتنبي مسيرة اجليش ملالقاة الروم حيث انطلقت اخليول من (منبج)‬
‫بالشام وأسرعت كأن أرجلها مبنبج وأيديها بحصن الران في بالد الروم وقد عبرت‬
‫نهر (أرسناس) في أرض الروم وهو شديد البرودة يجعل الفحل كاخلصي لشدة برده‪،‬‬
‫وقد أخذت الرياح الباردة جتلد اخليول كالسكاكني وقد صار اجليش فريقني‪ :‬أحدهما‬
‫عبر النهر واآلخر لم يعبره ولكل فريق عجاج أو غبار يتطاير واستطاع سيف الدولة‬
‫أن يعبر هذا النهر مبياهه الفضية وأخذ يقاتل الروم حتى سالت دماؤهم في النهر‬
‫فصارت مياهه حمراء‪ ،‬وكثر السبي والغنم حتى ُفتلت حبال السفن من ذوائب سبايا‬
‫(((‬
‫الروم و ُبنيت السفن من خشب الصلبان‪ .‬يقول املتنبي‪:‬‬
‫����ع����ي����ونَ ُغ�����ب�����ا ُر ُه‬
‫����ح���� َف ٍ‬
‫َ�����ر ال ُ‬
‫ف����ي َج ْ‬
‫����ل َس�����ت َ‬
‫ِ‬
‫�����������������اآلذان‬
‫��������رنَ ِب‬
‫مَّ��������ا ُي‬
‫َف��������كَ�������� َأن‬
‫ِ‬
‫��������ب��������ص ْ‬
‫َي����رم����ي ِب����ه����ا ال���� َب���� َل���� َد ال��� َب���ع���ي��� َد ُم َ‬
‫���ظ��� َّف��� ٌر‬
‫ِ‬
‫ك ُّ‬
‫دان‬
‫�����ع�����ي�����د َل����������� ُه َق‬
‫ُ�����������ل ال����� َب‬
‫��������ري��������ب ِ‬
‫ٌ‬
‫رج������ َل������ه������ا ِب������ ُت������ر َب ِ‬
‫����ج‬
‫������ة َم����ن ِ‬
‫َف��������كَ�������� َأنَّ َأ ُ‬
‫����ب ٍ‬
‫�����د َي�����ه�����ا ِب ِ‬
‫�����ر ْح�����نَ َأي ِ‬
‫ان‬
‫����ن ال�������� َّر ِ‬
‫����ح����ص ِ‬
‫َي�����ط َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.307 :4‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.311-310 :4‬‬
‫‪- 120 -‬‬
‫���ح���ا‬
‫�����اس َس ِ‬
‫���واب ً‬
‫رس�����ن َ‬
‫َح����تّ����ى َع����� َب�����رنَ ِب����� َأ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َي������ ْن ُ‬
‫�����ان‬
‫ف����ي����ه َع‬
‫�����م�����ائ����� َم ال����� ُف�����رس ِ‬
‫������ش������رنَ‬
‫ب�����ار ٍد‬
‫���م���دى ِم����ن‬
‫ِ‬
‫���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ‬
‫َي���ق ُ‬
‫���م ْ‬
‫�����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ‬
‫َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ‬
‫����ان‬
‫َ����اخل����ص����ي ِ‬
‫َ��ي�ن ُم َ‬
‫����ص‬
‫ن َع‬
‫َوامل������������ا ُء َب����ي��� َ‬
‫����خ���� ِّل ٌ‬
‫����ج����اج����ت ِ‬
‫َ‬
‫ق��������ان ِب ِ‬
‫������������ه َوتَ������ل������ت ِ‬
‫������ان‬
‫تَ��������تَ�������� َف�������� َّر‬
‫َ������ق������ي ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫��ي�ن َح���ب���ا ُب��� ُه‬
‫َرك‬
‫����ج ِ‬
‫َ���������ض ا َألم�����ي����� ُر َوكَ����ال���� ُّل َ‬
‫�����������و ك ِ‬
‫���ق���ي���ان‬
‫َ���ال���ع‬
‫ِ‬
‫َو َث������ن������ى ا َأل ِع�������� َّن�������� َة َوهْ‬
‫َ‬
‫�����غ ِ‬
‫َ�����ل ِ‬
‫َ‬
‫َف�����ت َ‬
‫�����ب�����ال ِم������نَ ال َ‬
‫�����ر َف����و َق���� ُه‬
‫احل‬
‫�����دائ ِ‬
‫���ان‬
‫���ص���ل���ب ِ‬
‫����س����ف��ي� َ‬
‫ن َل������� ُه ِم�������نَ ال ُّ‬
‫َو َب�����ن�����ى ال َّ‬
‫ِ‬
‫َو َح��������ش��������ا ُه ع ِ‬
‫��������اد َي�������� ًة ِب َ‬
‫������م‬
‫�����ر َق‬
‫�����غ�����ي ِ‬
‫������وائ ٍ‬
‫ُع������ ْق������ َم ال����� ُب�����ط�����ونِ َح�������وا ِل َ‬
‫ل�����������وان‬
‫�������ك ا َأل‬
‫ِ‬
‫لقد تغنى املتنبي في هذه القصيدة بانتصار سيف الدولة على الروم في معركة‬
‫(الدرب) «وهي آخر معركة وصفها املتنبي لسيف الدولة مع ال��روم»(((‪ ،‬وقد نظم في‬
‫تلك املناسبة قصيدة أخرى هي آخر ما أنشده بحلب سنة ‪ 345‬أشار في مطلعها‬
‫إلى قصة املعركة فذكر أنه تردد بحضرة سيف الدولة أن البطريق ‪ -‬وكان لق ًبا ألعظم‬
‫قواد الروم ‪ -‬أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في (الدرب) وسأله أن ينجده‬
‫ببطارقته وعدده‪ ،‬ففعل وجهزه بجيش عظيم فأسرع سيف الدولة إلى لقائه وهزمه شر‬
‫هزمية‪ ،‬وأشار(بالشير) إلى تفاصيل تلك املعركة‪« ،‬فروى أن سيف الدولة ترك حلب‬
‫لهذه الغزوة في ‪ 14‬احملرم سنة ‪ 345‬املوافقة ‪ 28‬نيسان سنة ‪ ، 956‬فمر على الرقة ثم‬
‫على حران وأران وأركنني وبلغ هنريط‪ .‬وفي احملرم املوافق ‪ 11‬مايس بلغ حصن زياد‬
‫(وهو اليوم خربوط) على الشاطئ األيسر من الفرات الشرقي في الشمال الشرقي‬
‫من هنريط ‪ .Anzitene‬ثم أرسل من يتعرف له أحوال الروم على نهر أرسناس‪ ،‬ثم‬
‫((( شعر احلرب في أدب العرب‪.293 :‬‬
‫‪- 121 -‬‬
‫عبر النهر إلى جيوش البيزنطيني وهم بقيادة (يوحنا تزمييسيس) في تل البطريق‪ .‬وتل‬
‫البطريق على الشاطئ األمين من الفرات الغربي‪ ،‬فهزم الروم وسحقهم وعاد فعبر‬
‫النهر بعد أن أحرق أرباض الروم ثم حمل على الروم حملة الحقة فأهلكهم وأسر منهم‬
‫سبعة آالف أسير وقتل منهم مقتلة‪ .‬وفي عشية اليوم الثاني دخل سيف الدولة آمد‬
‫وفيها أنشده شاعره املتنبي هذه القصيدة امليمية املستوحاة من املعركة»(((‪.‬‬
‫ويشير املتنبي في مطلع قصيدته إلى تلك احلادثة التاريخية ويتهكم من قسم‬
‫البطريق (شميشيق) فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫���وغ���ى َن���� َد ُم‬
‫ُع��ق�� َب��ى ال�� َي��م ِ‬
‫�ين َع��ل��ى ُع��ق�� َب��ى ال َ‬
‫ِ‬
‫�������دام َ‬
‫���س��� ُم‬
‫م�������اذا َي������زي������ ُد َك ف����ي ِإق‬
‫�������ك ال��� َق َ‬
‫ن�������ت ِ‬
‫واع�������� ُد ُه‬
‫���م�ي�ن َع���ل���ى م����ا َأ‬
‫َوف������ي ال��� َي‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����������ك ف�����ي امل�����ي�����ع ِ‬
‫َ‬
‫َّ����ه���� ُم‬
‫م�����ا َد َّل َأ َّن‬
‫�����اد ُم����ت َ‬
‫��م��ش��ق��ي ٍ��ق َف��� َأح��� َن��� َث��� ُه‬
‫آل����ى ال��� َف���ت���ى ِاب������نُ ُش ُ‬
‫َّ‬
‫��س��ى ِع���ن��� َد ُه ال��كَ�� ِل�� ُم‬
‫َف��� ًت���ى ِم����نَ‬
‫ال���ض ِ‬
‫���رب ُت��ن َ‬
‫َو ِ‬
‫ف����اع ٌ‬
‫����ل م���ا اش��تَ��ه��ى ُي��غ��ن��ي��ه َع����ن َح��� ِل ٍ‬
‫���ف‬
‫َ����ر ُم‬
‫َع���ل���ى ال ِ���ف���ع���الِ ُح���ض���و ُر ال ِ���ف���ع���لِ َوال����ك َ‬
‫احل���� ْل ُ‬
‫َأي����نَ ال�� َب��ط��اري ُ‬
‫��ق َو َ‬
‫����ف ا َّل����ذي َح�� َل��ف��وا‬
‫ال��ـ��م�� ْل ِ��ك َوال���� َّزع���� ُم ا َّل�����ذي ز ََع���م���وا‬
‫����ر ِق‬
‫مِ َ‬
‫َ‬
‫ب����ف َ‬
‫����م‬
‫���������وار َم��������� ُه ِإ‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫َو ّل���������ى َ‬
‫ك������������ذاب َق����و ِل����هِ ِ‬
‫َ‬
‫������ه������نَّ َأل ِ‬
‫������س������ َن������ ٌة َأف������واهُ ������ه������ا ال ِ‬
‫����م���� ُم‬
‫َف ُ‬
‫����ق َ‬
‫ويتتبع املتنبي مسيرة جيش سيف الدولة قاص ًدا بالد الروم حيث غزا تل بطريق‬
‫وسروج وحصن الران وسمنني وهنريط وأرسناس‪:‬‬
‫(((‬
‫((( املتنبي‪ ،‬بالشير ص ‪ 181-180‬نقلاً عن املرجع السابق ص ‪ 297‬هامش‪.2‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.131-129 :4‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.135-131 :4‬‬
‫‪- 122 -‬‬
‫����رور س ِ‬
‫كَ�����ت ِّ‬
‫���اك��� ُن���ه���ا‬
‫����م����غ ِ‬
‫����ق ال����ـ َ‬
‫َ�����ل ِب����ط����ري ٍ‬
‫دار َك ِق����� َّن�����س�����ري�����نُ َوا َأل َج�������������� ُم‬
‫ِب������������ َأنَّ‬
‫َ‬
‫َف����� َل�����م ُت ِ‬
‫�����ح ن ِ‬
‫����ره����ا‬
‫������ت������ َّم َس‬
‫����اظ ِ‬
‫ٌ‬
‫�����������روج َف�����ت َ‬
‫����ك ف����ي َج���ف��� َن��� ْي ِ‬
‫ُ‬
‫����ي����ش َ‬
‫���ه ُم�����ز َد ِح����� ُم‬
‫ِإلاّ َو َج‬
‫�����ع َي ُ‬
‫���ع���تَ���ه���ا‬
‫�����أخ����� ُذ َح������ ّرا ًن������ا َو َب���ق َ‬
‫َوال����� َّن�����ق ُ‬
‫َ���س���ف��� ُر َأح����ي����ا ًن����ا َوتَ���ل���ت ِ‬
‫ِ‬
‫َوال َّ‬
‫َ���ث��� ُم‬
‫����س ت‬
‫����ش����م ُ‬
‫ان م ِ‬
‫ت������ ُّر ِب ِ‬
‫����ب مَ ُ‬
‫مُ���س���كَ��� ًة‬
‫���ح���ص���نِ ال�������� َّر ِ‬
‫ُس ُ‬
‫����ح ٌ‬
‫َوم�������ا ِب����ه����ا ال���� ُب����خ ُ‬
‫����ل َل�������وال َأ َّن�����ه�����ا ِن���� َق���� ُم‬
‫ٌ‬
‫����ي����ش كَ������ َأ َّن َ‬
‫����ط����او ُل���� ُه‬
‫رض ُت‬
‫َج‬
‫ِ‬
‫������ك ف����ي َأ ٍ‬
‫ُ‬
‫َف�����������ا َأل ُ‬
‫م َو َ‬
‫م‬
‫اجل‬
‫رض ال ُأ مَ ٌ‬
‫������ي������ش ال َأ مَ ُ‬
‫ِّ‬
‫���ع���رى َش��ك ِ‬
‫�����م ِ‬
‫��م��ه��ا‬
‫�����ت‬
‫��ائ َ‬
‫َو ُش��������� َّز ٌب َأ ْح َ‬
‫ال���ش َ‬
‫ِ‬
‫آن����اف����ه����ا َ‬
‫احل�����كَ����� ُم‬
‫�����م�����ت�����ه�����ا َع����ل����ى‬
‫َو َو َّس َ‬
‫َح����تّ����ى َو َردنَ ِب ِ‬
‫���ر ِت���ه���ا‬
‫���س‬
‫���م���ن�ي�ن ُب َ‬
‫ٍ‬
‫���ح��� ْي َ‬
‫ت ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ����ن ُّ‬
‫���ج��� ُم‬
‫�����امل�����اء ف����ي َأ‬
‫����ش ِب‬
‫ش����داق����ه����ا ال��� ُّل ُ‬
‫ِ‬
‫�����ح�����ت ِب����� ُق�����رى ِه����ن����ري َ‬
‫ج���ائ��� َل��� ًة‬
‫����ط‬
‫َو َأص����� َب َ‬
‫تَ��رع��ى ال ُّ‬
‫��ظ��ب��ى ف��ي َخ��ص��ي ٍ��ب َن�� ْب�� ُت�� ُه ال�� ِّل َ��م�� ُم‬
‫�ي�ن ِب ِ‬
‫����ن����اس����ا ُم���ع ِ‬
‫����ه‬
‫رس‬
‫َو‬
‫���ص���م َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ج�����������اوزوا َأ َ‬
‫��ع ِ‬
‫����ف َي���ع ِ‬
‫َوكَ����ي َ‬
‫��ص�� ُم‬
‫���م ُ‬
‫���س َي��ن َ‬
‫���ص ُ‬
‫���ه��� ْم م���ا َل���ي َ‬
‫ويشير املتنبي إلى عبور اجليش بقيادة سيف الدولة نهر (أرسناس) وهو يشق‬
‫مياهه الباردة بصدور اخليل قاص ًدا (تل بطريق) الرومية فأعمل القتل في سكانها‬
‫وأحرق مساكنها‪:‬‬
‫(((‬
‫���ع��� ٌة‬
‫�����ر َل ُ‬
‫����ه����م َس َ‬
‫َوم������ا َي ُ‬
‫�����ح ٍ‬
‫������ص������ ُّد َك َع�����ن َب ْ‬
‫����م���� ُم‬
‫���������و ٍد َل ُ‬
‫َوم�������ا َي������������ ُر ُّد َك َع������ن َط ْ‬
‫����ه����م َش َ‬
‫((( املصدر نفسه ‪.137 :4‬‬
‫‪- 123 -‬‬
‫ِ‬
‫������دور َ‬
‫َ‬
‫اخل�����ي�����لِ‬
‫ح���ام��� َل��� ًة‬
‫������ص‬
‫ِ‬
‫�����ر ْب�����تَ����� ُه ِب ُ‬
‫ض َ‬
‫����دم����ا َف��� َق���د َس�� ِل��م��وا‬
‫����وم����ا ِإذا تَ��� ِل���ف���وا ُق ً‬
‫َق ً‬
‫����وج َع�����ن َل����� ّب ِ‬
‫تجَ َ ����� َّف ُ‬
‫�����ات َخ���ي��� ِل���هِ ِ���م‬
‫����م ُ‬
‫�����ل ال����ـ َ‬
‫كَ����م����ا تجَ َ ������ َّف ُ‬
‫���ع��� ُم‬
‫حَ�������ت‬
‫������ل ت َ‬
‫ال������غ������ار ِة ال��� َّن َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ف����ي����ه َوف��������ي َب���� َل ٍ‬
‫����د‬
‫����ه����م‬
‫َع������ َب َ‬
‫������رت تَ����ق���� ُد ُم ُ‬
‫�����م����� ُم‬
‫ُس������كّ ������ا ُن������ ُه ِر مَ ٌ‬
‫م َم����س����ك����و ُن����ه����ا ُح َ‬
‫ويرسم املتنبي صورة هزلية لقائد الروم (ابن شمشيق) وقد أخذت ميينه التي‬
‫حلف بها تبتسم سخرية وقد الذ بدروعه مختف ًيا من مطاردة الفرسان وراء الشجر‪،‬‬
‫ولو ظهر لهم لكان طعا ًما شه ًيا لكواسر الطير‪:‬‬
‫(((‬
‫���ش���ق���ي���ق َأ ِل����� َّي�����تَ����� ُه‬
‫���م‬
‫َو َأس�������� َل�������� َم ِاب���������نُ ُش ُ‬
‫ٍ‬
‫������ي تَ��ب��ت ِ‬
‫َ��س�� ُم‬
‫َألاّ ان�� َث��ن��ى َف���ه َ‬
‫���و َي���ن���أى َوهْ َ‬
‫����أم ُ‬
‫��ج ِ��ت ِ��ه‬
‫��ـ��م ْ‬
‫���س ا َألق����ص����ى ِل ُ‬
‫ال َي ُ‬
‫��ه َ‬
‫����ل ال��� َّن��� َف َ‬
‫����س ا َألدن��������ى َو َي���غ���ت ِ‬
‫َ���ن��� ُم‬
‫َف���� َي‬
‫ِ‬
‫����س����ر ُق ال���� َّن���� َف َ‬
‫����اب َ‬
‫����غ���� ٌة‬
‫تَ���������� ُر ُّد َع����ن���� ُه َق����ن����ا ال����� ُف�����رس ِ‬
‫�����ان س ِ‬
‫���������و ُب ا َأل ِس������� َّن ِ‬
‫�������ة ف����ي َأث����ن ِ‬
‫����ائ����ه����ا ِديمَ ُ‬
‫ص ْ‬
‫َ‬
‫ت ُ‬
‫َ����خ ُّ‬
‫���ي���س تَ��ن�� ُف�� ُذه��ا‬
‫ال���ع���وال���ي َل‬
‫����ط ف��ي��ه��ا َ‬
‫َ‬
‫كَ������������� َأنَّ ُك َّ‬
‫�������ن�������ان َف�����و َق�����ه�����ا َق����� َل����� ُم‬
‫����������ل ِس‬
‫ٍ‬
‫ال��غ ُ‬
‫َف�ل�ا َس��ق��ى َ‬
‫��ج ٍ��ر‬
‫��ي��ث م���ا وارا ُه ِم���ن َش َ‬
‫���ص��� ُه ال��� َّر َخ��� ُم‬
‫َل����و ز ََّل َع���ن��� ُه َل‬
‫��������وار ْت َش���خ َ‬
‫َ‬
‫وهكذا وظف املتنبي فنه للتشفي من قائد ال��روم املنهزم والسخرية من أفعاله‬
‫وتصوير جبنه وفراره للنجاة بنفسه بعد أن لقي جيشه هزمية نكراء‪.‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.140 :4‬‬
‫‪- 124 -‬‬
‫سفراء الروم‪:‬‬
‫رسم املتنبي في شعره صو ًرا للسفراء والرسل الذين أوفدهم ملوك الروم إلى‬
‫البالط احلمداني يطلبون الهدنة وافتداء أسراهم‪ ،‬وقد رآها املتنبي مناسبة للتشفي‬
‫والزهو‪ ،‬فص َّور وفد الروم الذي وفد على سيف الدولة عقب معركة خرشنة ووصفهم‬
‫وهم يسيرون فوق أشالء جنود الروم القتلى ويدوسون فوق هاماتهم وقد أرسلهم ملك‬
‫الروم بدافع االجتداء والتملق‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ال��������روم ِا ِ‬
‫َرأى َم���� ِل ُ‬
‫�����اح َ‬
‫�����ك ِل���ل��� َّن���دى‬
‫����ك‬
‫رت�����ي َ‬
‫ِ‬
‫���ق‬
‫َف����ق����ا َم َم����ق����ا َم‬
‫َ���م��� ِّل ِ‬
‫���ج���تَ���دي ال���ـ ُ‬
‫ُ‬
‫���م���ت َ‬
‫ال���ـ���م ْ‬
‫ٍ‬
‫���رام���ه���ا‬
‫رض َب‬
‫َ������ب ِم�����ن َأ ٍ‬
‫���ع���ي���د َم ُ‬
‫َوك������ات َ‬
‫����ي����ل َح�����وا َل�����ي َ‬
‫����ق‬
‫�����ب َع����ل����ى َخ ٍ‬
‫�����ك ُس���� َّب ِ‬
‫َق�����ري ٍ‬
‫����س َ‬
‫����راك ِم��ن��ه��ا َرس����و ُل���� ُه‬
‫�����ار ف���ي َم ْ‬
‫َو َق������د س َ‬
‫َ‬
‫����ق‬
‫����������وق‬
‫س��������ار ِإلاّ َف‬
‫َف����م����ا‬
‫ه��������ام ُم���� َف���� َّل ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ويصف املتنبي استقبال سيف الدولة لسفير الروم وهو يخطو في (السماط) وقد‬
‫استب َّد به اخلوف فيقول‪:‬‬
‫�����ل يمَ���ش���ي ف���ي ال���س���م ِ‬
‫َو َأق����� َب َ‬
‫���اط َف���م���ا َدرى‬
‫��در َيرتَقي‬
‫ِإل���ى ال�� َب��ح ِ��ر يمَ��ش��ي َأم ِإل���ى ال�� َب ِ‬
‫وفي قصيدة أخرى يصف املتنبي قدوم سفارة أخرى إلى سيف الدولة أرسلها‬
‫ملك الروم قسطنطني السابع سنة ‪343‬هـ برئاسة رسوله (رودس) وقيل ‪ :‬إنه احلاكم‬
‫(بول ‪ .((() Lemagester Paul‬وكان هدف هذه السفارة فك أسر ابن ملك الروم‪ ،‬ويشير‬
‫املتنبي في مستهل قصيدته إلى الرسائل التي أرسلها ملك الروم إلى سيف الدولة‬
‫وما تضمنته من ثناء ويشبهها بالدروع التي يتخذها ملك الروم حلماية نفسه عن قتال‬
‫(((‬
‫سيف الدولة له‪ ،‬ويراها دليلاً على اخلضوع واالستسالم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫((( املتنبي لبالشير ص ‪ 174‬نقلاً عن شعر احلرب في أدب العرب‪.287 :‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.235-232 :3‬‬
‫‪- 125 -‬‬
‫ال���ر ِ‬
‫���م��� ْل ِ‬
‫س���ائ ُ‬
‫���ل‬
‫ال�������روم هَ �����ذي‬
‫���ك‬
‫ُد ٌ‬
‫روع ِل���ـ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�����س ِ‬
‫َي����������� ُر ُّد ِب����ه����ا َع�������ن َن�����ف ِ‬
‫�����ش�����اغ ُ‬
‫�����ل‬
‫�����ه َو ُي‬
‫�����ي ال��������� َّز َر ُد ال���ض���اف���ي َع��� َل���ي ِ���ه َو َل ُ‬
‫��ف��ظ��ه��ا‬
‫ِه َ‬
‫�������اب������� ٌغ َو َف������ض ِ‬
‫������ائ ُ‬
‫َ‬
‫������ل‬
‫َع����� َل‬
‫�����ي�����ك َث�������ن�������ا ٌء س ِ‬
‫ويصدر املتنبي في قصيدته عن إحساس بالزهو والتشفي‪ ،‬والسخرية من رسل‬
‫الروم‪ ،‬فيتساءل متعج ًبا ساخ ًرا‪ :‬كيف اهتدوا إلى الطريق وغبار املعركة لم يسكن‪ ،‬ومن‬
‫ُ‬
‫تصف منها بع ُد‪:‬‬
‫أي منهل يسقون خيولهم وقد امتألت األنهار بدماء قتلى الروم ولم‬
‫رض ِ‬
‫س����ول ِب���� َأ ِ‬
‫ُ‬
‫����ه‬
‫َو َأ ّن�������ى اه���تَ���دى هَ �����ذا ال���� َّر‬
‫�����ر َت ف��ي��ه��ا ال�� َق��س ِ‬
‫��اط ُ��ل‬
‫َوم����ا َس��كَ�� َن ْ‬
‫��ت ُم���ذ ِس ْ‬
‫ٍ‬
‫م������اء ك������انَ َي���س���ق���ي ِج�����ي�����ا َد ُه‬
‫َو ِم�������ن َأ ِّي‬
‫����زج ال��� ِّد ِ‬
‫م���اء ال��ـ َ��م��ن ِ‬
‫ُ‬
‫��اه ُ��ل‬
‫َو َل����م ت‬
‫َ��ص��ف ِم���ن َم ِ‬
‫ويصور املتنبي سفير ملك الروم وقد متلكه الرعب حتى تخيل السيف واق ًعا عليه‬
‫وقد انفصل رأسه عن عنقه وارتعدت مفاصله من اخلوف والذعر ويصفه وهو يسير بني‬
‫صفني من اجلند بني يدي سيف الدولة وقد متلكته الهيبة فأخذ ينظر بإحدى عينيه إلى‬
‫سيف الدولة وباألخرى إلى سيفه فانشطرت نفسه بني التأميل واخلوف أو احلياة واملوت‪:‬‬
‫َ‬
‫����ح���� ُد ُع���ن��� َق��� ُه‬
‫َأت‬
‫����ج َ‬
‫���������اك َي�����ك�����ا ُد ال���������� َّر ُ‬
‫أس َي ْ‬
‫��م��ف ِ‬
‫��اص ُ‬
‫��ل‬
‫حَ�����ت ال���� ُّذع ِ‬
‫َوتَ���ن��� َق��� ُّد ت َ‬
‫����ر ِم���ن��� ُه ال��ـ َ‬
‫َ‬
‫��ي�ن َم���ش��� َي��� ُه‬
‫ال����س‬
‫مي‬
‫ُي������ َق ِّ‬
‫������و ُم تَ�����ق�����و ُ‬
‫����م����اط ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ف������اك ُ‬
‫َ‬
‫������ل‬
‫������و َج������تْ������ ُه ا َأل‬
‫ِإ َل‬
‫������ي������ك ِإذا م�����ا َع َّ‬
‫����م َ‬
‫َ‬
‫لحَ�����ظ����� ُه‬
‫��ي�ن ِم����ن���� ُه َو‬
‫����ك ال َ‬
‫����ع����ي���� َن ِ‬
‫����اس َ‬
‫َف����ق َ‬
‫َس ِ‬
‫�����ك َو ِ‬
‫ُّ‬
‫������زاي ُ‬
‫�����م����� ُّي َ‬
‫������ل‬
‫اخل‬
‫������������ل ا َّل���������ذي ال ُي ِ‬
‫زق َوال�������� ِّر ُ‬
‫���ك ال������� ِّر َ‬
‫����ر ِم���ن َ‬
‫زق ُم��ط ِ��م ٌ��ع‬
‫َو َأ َ‬
‫ب����ص َ‬
‫���وت ه ِ‬
‫��ائ ُ‬
‫��ل‬
‫���م ُ‬
‫���م َ‬
‫َو َأب َ‬
‫���وت َوال���ـ َ‬
‫����ر ِم���ن��� ُه ال���ـ َ‬
‫����ص َ‬
‫‪- 126 -‬‬
‫ويحتفي املتنبي بوصف مراسم استقبال سفير ملك الروم في لقطات تسجيلية‬
‫وثائقية نادرة‪ ،‬فيشير إلى أن السفير أو الرسول ق َّبل األرض بني يدي سيف الدولة‬
‫ثم ق َّبل ُك َّمه وسط فرسان سيف الدولة الذين يقفون متصاغرين هيبة له‪ ،‬فنال الرسول‬
‫بذلك شر ًفا عظي ًما لم يحظ مبثله امللوك‪ ،‬ولكنه لم يبلغ هذا الشرف ملنزلته بل تعط ًفا من‬
‫سيف الدولة واستجابة لطلب الرسول‪:‬‬
‫ًّ‬
‫كُ�����م�����ا َق����� ِّب َ‬
‫َو َق������� َّب َ‬
‫�������ر َب َق���ب��� َل��� ُه‬
‫�������ل‬
‫�����ل ال������� ُّت ْ‬
‫ُ�������������ل ك ِ‬
‫�������������ف ُم�����تَ�����ض ِ‬
‫�������ي ِ‬
‫ٌ‬
‫ُّ‬
‫�����ائ ُ‬
‫�����ل‬
‫واق‬
‫َوك‬
‫َ�������م ٍّ‬
‫����ب‬
‫س�������ع������� ُد ُم‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫����ش����ت����اق َو َأظ������� َف������� ُر ط����ا ِل ٍ‬
‫������ك ِ‬
‫واص ُ‬
‫������م َ‬
‫��������ل‬
‫هُ ������م������ا ٌم ِإل��������ى تَ���ق���ب���ي���لِ ُك ِّ‬
‫ِّ‬
‫ال�����ش�����ف�����ا ُه َودو َن������������ ُه‬
‫َم������ك������انٌ مَتَ�������� ّن��������ا ُه‬
‫واب ُ‬
‫����ل‬
‫���م���ذاك���ي َوال����� ِّر‬
‫م�����اح ال���� َّذ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ص������دو ُر ال���ـ َ‬
‫َف�����م�����ا َب����� َّل َ‬
‫َ�������رام������� ٌة‬
‫�����غ�����تْ����� ُه م������ا َأرا َد ك‬
‫َ‬
‫����ك َو َل ِ‬
‫ِ‬
‫�����ك�����ن َل�����م َي ِ‬
‫س���ائ ُ‬
‫�����ب َل َ‬
‫َع���� َل����ي َ‬
‫���ل‬
‫������ك‬
‫�����خ ْ‬
‫وميضي املتنبي في وص��ف مشهد االستقبال‪ ،‬فيشير إل��ى إكبار ال��روم لهذا‬
‫الرسول الذي سعى ليحميهم من احلرب‪ ،‬ويصف لهفة جيش الروم وقواده ملعرفة نتائج‬
‫هذه السفارة وأملهم في استجابة سيف الدولة لرغبتهم في الهدنة والفداء‪ ،‬ويشير إلى‬
‫حتول موقف الرسول حيث أقبل حاملاً رسائلهم‪ ،‬ناط ًقا مبا يتردد على ألسنتهم‪ ،‬فلما‬
‫عاد إليهم عذلهم والمهم على محاربتهم سيف الدولة وعدم خضوعهم له‪:‬‬
‫�����ت ِب ِ‬
‫�����ه‬
‫�����ع����� َث ْ‬
‫������م������ ًة َب َ‬
‫���������ر ِم�����ن����� ُه ِه َّ‬
‫َو َأك��������� َب َ‬
‫����ك ِ‬
‫اجل���ح ِ‬
‫���اف ُ‬
‫���رت��� ُه َ‬
‫ِإ َل����ي َ‬
‫ال���ع���دا َواس���تَ��� ْن َ‬
‫���ل‬
‫���ظ َ‬
‫����اب ِ‬
‫����رس ٌ‬
‫َف���� َأق���� َب َ‬
‫����ل‬
‫����ل ِم�����ن َأص����ح ِ‬
‫����ه َوهْ َ‬
‫��������و ُم َ‬
‫�����اب ِ‬
‫���������و ع ِ‬
‫�������اذ ُل‬
‫َوع���������ا َد ِإل�������ى َأص�����ح ِ‬
‫�����ه َوهْ َ‬
‫‪- 127 -‬‬
‫ويصف املتنبي ردود أفعال سفراء الروم ورسلهم بعد لقاء سيف الدولة‪ ،‬فهم‬
‫يشعرون بالتصاغر والتضاؤل وتهون نفوسهم ملا عاينوه وشاهدوه من املهابة والفخامة‪،‬‬
‫وقد سعت هذه الوفود أملاً في عفوه وخو ًفا من مغبة الهزمية وما ينالهم من قتل وأسر‪:‬‬
‫ْ���ك ال���� ُّرس ُ‬
‫ِإذا ع���ا َي��� َن���ت َ‬
‫��وس��ه��ا‬
‫����ل ه���ا َن ْ‬
‫���ت ُن��ف ُ‬
‫َع��� َل���ي���ه���ا َوم������ا ج��������ا َء ْت ِب ِ‬
‫����م ِ‬
‫����راس ُ‬
‫����ل‬
‫������ه َوال����ـ ُ‬
‫���ر َج���ى ال��� َّن ِ‬
‫���واف ُ‬
‫���ل كُ�� ُّل��ه��ا‬
‫َرج����ا ال�����رو ُم َم���ن ُت ْ‬
‫�����رج�����ى َل����� َد ِ‬
‫َل����� َد ِ‬
‫ال����ط ِ‬
‫����وائ ُ‬
‫َّ‬
‫����ل‬
‫ي�����ه‬
‫ي�����ه َوال ُت َ‬
‫َف���� ِإن ك���انَ َخ ُ‬
‫������ر س��ا َق ُ��ه�� ْم‬
‫����وف ال�� َق��ت��لِ َوا َألس ِ‬
‫���ل َوا َألس�������� ُر ف ِ‬
‫���اع ُ‬
‫���ع���ل���وا م���ا ال��� َق���ت ُ‬
‫���ل‬
‫َف��� َق���د َف َ‬
‫وللمتنبي قصيدة رائية ارجتلها سنة ‪343‬هـ مبناسبة إرسال سفارة أخرى وكان‬
‫يو ًما مشهو ًدا حيث جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم ولم يستطع املتنبي أن يصل‬
‫إليه لشدة تزاحم الناس لالحتفال بهذه املناسبة‪ ،‬وعاتبه سيف الدولة على تأخره‬
‫وانقطاعه فارجتل أمامه قصيدته تلك‪ ،‬وذكر فيها أن وصفه لهذا اليوم دون أن يشاهد‬
‫املراسم التي جرت فيه يعد ظل ًما له ألن صدق الوصف منوط باملشاهدة‪ ،‬ويصف‬
‫املتنبي فرحة ملك الروم لعفو سيف الدولة ألن هذا العفو ُيع ّد ظف ًرا له وانتصا ًرا يحق‬
‫له فيه أن يرفع عينيه بعد أن َّ‬
‫ظل مطر ًقا منكس الرأس استخذا ًء وخو ًفا‪ ،‬كما يحق له أن‬
‫يفتخر بني امللوك إن أجابه سيف الدولة عن رسائله؛ ألن الروم هم املستفيدون بالهدنة‬
‫والصلح حيث تستريح رقابهم من السيوف‪ ،‬وسيظل أع��داء سيف الدولة اآلخ��رون‬
‫(((‬
‫ينتظرون قراره بالغزو أو الصلح‪ ،‬وفي ذلك يقول املتنبي‪:‬‬
‫����ت ِ‬
‫����ل ُرؤ َي ِ‬
‫����وم َوص ٌ‬
‫������ف َق���� ْب َ‬
‫����ه‬
‫ُظ���ل��� ٌم ِل�����ذا ال���� َي ِ‬
‫��وص ُ‬
‫���ص��� ُد َق ال�� َّن َ‬
‫��ظ�� ُر‬
‫���ص��� ُد ُق ال َ‬
‫��ف َح��تّ��ى َي ْ‬
‫ال َي ْ‬
‫اجل���ي ُ‬
‫َ����زاح���� َم َ‬
‫���ج��� ْد َس�� َب�� ًب��ا‬
‫���ش َح���تّ���ى َل���م َي ِ‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫����س����اط َ‬
‫����ص���� ُر‬
‫����ك ل����ي َس‬
‫ِإل�������ى ِب‬
‫ٌ‬
‫����م����ع َوال َب َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.201 :2‬‬
‫‪- 128 -‬‬
‫َ����ص َو َأغ����� َي����� َب����� ُه‬
‫َف����كُ ����ن ُ‬
‫����ت َأش َ‬
‫������ه������ َد ُم����خ����ت ٍّ‬
‫�����ع�����اي����� ًن�����ا َو ِع������ي������ان������ي ُك������� ُّل������� ُه َخ����� َب����� ُر‬
‫ُم‬
‫ِ‬
‫ال���������روم ن ِ‬
‫�����ع َم ُ‬
‫�����ر ُه‬
‫����ل����ك‬
‫ال����� َي�����و َم َي�����ر َف ُ‬
‫ِ‬
‫�����اظ َ‬
‫�������ف�������و َك َع������ن������ ُه ِع�������ن������� َد ُه َظ����� َف����� ُر‬
‫لأِ َنَّ َع‬
‫َ‬
‫����ائ���� ِل ِ‬
‫�����يء َع�����ن َرس ِ‬
‫������ت ِب َ‬
‫�����ش ٍ‬
‫����ه‬
‫َو ِإن َأ َج������ ْب َ‬
‫م�����ل�����اك َي���ف���ت ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ���خ��� ُر‬
‫����������زال َع����ل����ى ا َأل‬
‫َف����م����ا َي‬
‫َق ِ‬
‫�����ت ِإل������ى َو ٍ‬
‫����ه���� ُم‬
‫������د ِاس�����ت‬
‫َ�����راح ْ‬
‫ق�������ت ِرق����ا ُب ُ‬
‫َ‬
‫����وم َي��ن��ت ِ‬
‫���س���ي ِ‬
‫َ��ظ�� ُر‬
‫ِم�����نَ ال ُّ‬
‫���وف َوب����اق����ي ال���� َق ِ‬
‫وتبرز صورة رسل الروم في قصيدة أخرى نظمها املتنبي لثالث عشرة بقني من‬
‫احملرم سنة ‪344‬هـ مبناسبة ورود فرسان الثغور ومعهم رسول ملك الروم يطلب الهدنة‬
‫وأنشدها أمام سيف الدولة بحضرتهم وقت دخولهم‪ ،‬ويشير فيها إلى تقاطر رسل امللوك‬
‫(((‬
‫وخضوعا واستجارة به؛ يقول‪:‬‬
‫فزعا‬
‫ً‬
‫سح الغمام ً‬
‫وتواليهم على سيف الدولة مثل ّ‬
‫�����م�����ل ِ‬
‫راع كَ���������ذا ُك َّ‬
‫�����وك هُ �����م�����ا ُم‬
‫َأ َ‬
‫���������ل ال�����ـ ُ‬
‫����م����ل ِ‬
‫����������ح َل�������� ُه ُر ْس َ‬
‫����وك َغ����م����ا ُم‬
‫����������ل ال����ـ ُ‬
‫َو َس َّ‬
‫ويؤكد املتنبي في قصيدته ما يلقاه هؤالء الرسل في كنف سيف الدولة من أمن ورعاية‪،‬‬
‫فهم آمنون ما داموا في حماه بينما يفتقد ملوكهم األمان‪ ،‬فال تنام أجفانهم خو ًفا وذع ًرا‪:‬‬
‫�����ك ال����� ُّر ْس ُ‬
‫تَ����ن����ا ُم َل����� َدي َ‬
‫�����ل َأم���� ًن����ا َو ِغ َ‬
‫���ب���ط��� ًة‬
‫����ي����س تَ����ن����ا ُم‬
‫َو َأج�������ف�������انُ َر ِّب ال������ ُّر ْس������لِ َل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����ي����اد َف����ج����ا َء ًة‬
‫اجل‬
‫����ر ْو َرى ِ‬
‫����ـ����م ْ‬
‫ِح��������ذا ًرا ِل ُ‬
‫����ع َ‬
‫����ط����ع����نِ ُق�����ب اً‬
‫ِإل�������ى ال َّ‬
‫�����ه�����نَّ لجِ������ا ُم‬
‫��ًل�� م�����ا َل ُ‬
‫ويشير إلى قدرة سيف الدولة على اتخاذ القرار برفض الهدنة أو املوافقة عليها‪،‬‬
‫ويؤكد على الشيم العربية األصيلة التي تقضي بأن من يلوذ بالكرماء وجبت له الذمة‪،‬‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.112-109 :4‬‬
‫‪- 129 -‬‬
‫وطاملا قصده رسل الروم راجني العفو والهدنة فقد حرمت إراقة دمائهم وقد أدركوا‬
‫أنهم مهزومون في احلرب فعمدوا إلى الرسل والكتب يتلطفون بها طل ًبا للصلح وتعل ًقا‬
‫بحب احلياة برغم ما في أساليبهم من مذلة‪:‬‬
‫ِإل�����ى كَ����م تَ������� ُر ُّد ال����� ُر ْس َ‬
‫َ��������وا َل��� ُه‬
‫�����ل َع ّ‬
‫���م���ا َأت ْ‬
‫��������ب��������ت َم����ل���ا ُم‬
‫��������ه�������� ُم ف������ي م������ا َوهَ‬
‫َ‬
‫كَ�������� َأ َّن ُ‬
‫����واع���� ًة‬
‫َو ِإن ك َ‬
‫ُ���ن���ت ال ُت��ع��ط��ي ال����� ِّذم�����ا َم َط َ‬
‫َ������رمي ِذم��������ا ُم‬
‫�������و ُذ ا َألع�������������ادي ِب������ال������ك‬
‫َف َ‬
‫�������ع ْ‬
‫ِ‬
‫م���������ت َ‬
‫���ن���ي���ع��� ٌة‬
‫ْ���������ك َم‬
‫َو ِإنَّ ُن‬
‫َ‬
‫�����ف�����وس�����ا َأ مَّ َ‬
‫ً‬
‫َو ِإنَّ ِدم����������������ا ًء َأ َّم�������� َل��������ت َ‬
‫ْ��������ك َح�����������را ُم‬
‫خ������اف َم���� ْل ٌ‬
‫َ‬
‫������رتَ������ ُه‬
‫ِإذا‬
‫����ك ِم�����ن َم���ل���ي ٍ���ك َأ َج ْ‬
‫َو َس����� ْي����� َف َ‬
‫اجل�������������وا ُر ُت����س����ا ُم‬
‫�����ك خ����اف����وا َو ِ‬
‫���ض ِ‬
‫ِ‬
‫���ه���م َع َ‬
‫����ف����اف تَ���� َف���� ُّر ٌق‬
‫اخل‬
‫���ن���ك ِب���ال ِ���ب���ي ِ‬
‫َل ُ‬
‫ِ‬
‫َو َح�������و َل َ‬
‫����ط����اف ِزح�������ا ُم‬
‫ْ����ب ال���� ِل‬
‫�������ك ِب����ال����كُ����ت ِ‬
‫ت ُ‬
‫�����وس ُق���ل���و َب���ه���ا‬
‫َ�����غ����� ُّر َح‬
‫������ل�����اوات ال����� ُّن�����ف ِ‬
‫ُ‬
‫َف���تَ���خ���ت���ا ُر َب���ع َ‬
‫������و ِح���م���ا ُم‬
‫���ع��� ْي ِ‬
‫���ض ال َ‬
‫���ش َوهُ َ‬
‫ويرى املتنبي أن وفود رسل الروم لطلب الصلح يقترن باإلذالل واملهانة‪ ،‬ألنهم‬
‫تشفعوا بفرسان الثغور ووسطوهم في طلب الهدنة وه��و ما لم يجرؤوا على طلبه‬
‫بأنفسهم فكان ذلك م ًّنا من هؤالء الفرسان وتفضلاً ‪:‬‬
‫���ح���ا َل�����م َي���� ُك����ن ِب َ‬
‫���اع ٍ���ة‬
‫���ش���ف َ‬
‫َف���� َل����و ك������انَ ُ‬
‫ص���ل ً‬
‫َو َل ِ‬
‫��������ه��������م َو َغ�����������������را ُم‬
‫���������ك��������� َّن��������� ُه ُذ ٌّل َل ُ‬
‫�����ور َع��� َل���ي���هِ ��� ُم‬
‫َو َم�����������نٌّ ِل����� ُف‬
‫ِ‬
‫�����رس�����ان ال����� ُّث�����غ ِ‬
‫ِب����تَ����ب����ل����ي ِ‬
‫����غ����هِ ���� ْم م������ا ال َي�������ك�������ا ُد ُي����������را ُم‬
‫ِ‬
‫كَ����ت ِ‬
‫���ع�ي�ن َف���� َأق���� َدم����وا‬
‫خ���اض‬
‫����ب ج�������اؤوا‬
‫َ‬
‫����ائ ُ‬
‫ِ‬
‫خَ���ام���وا‬
‫���ع�ي�ن ل‬
‫خ���اض‬
‫َو َل�������و َل�����م َي���ك���ون���وا‬
‫َ‬
‫‪- 130 -‬‬
‫لقد اقترنت الهدنة بإذالل الروم ألنها كانت مشروطة بجالئهم عن قراهم ونزوحهم‬
‫عن أرضهم‪ ،‬فإذا خرقوا الهدنة كانت سيوف سيف الدولة في انتظار رقابهم وكان‬
‫مصيرهم القتل أو السبي‪:‬‬
‫ع�����او َد َ‬
‫�������او ْد َت َأ َ‬
‫���ه��� ْم‬
‫َم��ت��ى‬
‫رض ُ‬
‫اجل����ال����ونَ ع َ‬
‫َ‬
‫�����س�����ي ِ‬
‫�����وف َوه���������ا ُم‬
‫َوف����ي����ه����ا ِر‬
‫ٌ‬
‫ق������������اب ِل�����ل ُّ‬
‫�����������وا َل َ‬
‫������ك ا َألوال َد َح����تّ����ى ُت��ص��ي�� َب��ه��ا‬
‫َو َر َّب‬
‫ْ‬
‫�����������ب ُغ���ل���ا ُم‬
‫�����ن�����ت َو َش‬
‫�����ت ِب‬
‫ٌ‬
‫َ�����ع����� َب ْ‬
‫َو َق����������د ك َ‬
‫َّ‬
‫وعلى هذا النحو اف َّ‬
‫نت املتنبي في رسم تلك املشاهد الواقعية لرسل ملوك الروم‬
‫ووفودهم وهم يتقاطرون على البالط احلمداني طل ًبا للهدنة والصلح وهم في موقف‬
‫الضعف واخلزي واملهانة‪.‬‬
‫‪XXXX‬‬
‫‪- 131 -‬‬
‫حضور األماكن األجنبية‬
‫في شعر املتنبي‬
‫كان املتنبي كثير األسفار والتنقل جر ًيا وراء طموحه وأحالمه في املجد والثراء‪،‬‬
‫فش َّرق وغ� َّرب واحتفى بوصف األماكن التي شاهدها وكثر ترددها في شعره حتى ب َّذ‬
‫الشعراء اآلخرين في ذلك‪ ،‬وأصبحت هذه األماكن متثل معج ًما طري ًفا يعكس رؤيته لتلك‬
‫األماكن وامتزاجها بعاطفته في حالتي الرضا والسخط واحلب والكراهية والسلم واحلرب‪.‬‬
‫حضور األماكن الفارسية‪:‬‬
‫لألماكن الفارسية حضور واضح في شعر املتنبي حيث ارحتل إلى بالد فارس‬
‫وشاهد بعض مدنها ووصف األماكن التي زارها ومن أشهرها (شعب بوان) الذي‬
‫وصفه وص ًفا في قصيدة قال فيها(((‪:‬‬
‫َم���غ���ان���ي ال ِّ‬
‫��م��غ��ان��ي‬
‫���ش���ع ِ‬
‫���ب ط��ي�� ًب��ا ف���ي ال��ـ َ‬
‫�������ن�������ز َل ِ‬
‫�������ان‬
‫ب‬
‫������ع ِم���������نَ ال������� َّزم ِ‬
‫ِ‬
‫مِ َ‬
‫�������ة ال������ َّرب������ي ِ‬
‫َو َل ِ‬
‫�������ي ف��ي��ه��ا‬
‫���������ك���������نَّ ال����� َف�����ت�����ى‬
‫َ‬
‫ال�������ع َ‬
‫�������ر ِب َّ‬
‫ال������و ِ‬
‫ج������ه َوال������� َي ِ‬
‫�����ان‬
‫�����ري�����ب‬
‫َغ‬
‫�������د َوال����� ِّل�����س ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫���������ب ِج�������� َّن ٍ‬
‫س�����������ار ف���ي���ه���ا‬
‫��������ة َل���������و‬
‫َم‬
‫����ل����اع ُ‬
‫َ‬
‫������م������ان‬
‫َ������رج‬
‫ُس������ َل������ي������م������انٌ َل‬
‫ِ‬
‫��������س��������ار ِب������ت ُ‬
‫َ‬
‫((( ديوان املتنبي ‪.389-383 :4‬‬
‫‪- 132 -‬‬
‫������ت ُف����رس����ا َن����ن����ا َو َ‬
‫َ‬
‫�������ي�������ل َح����تّ����ى‬
‫اخل‬
‫َط������ َب ْ‬
‫ِ‬
‫ان‬
‫َخ‬
‫���������ر ِ‬
‫���ش���ي���ت َو ِإن كَ������ ُرم������نَ ِم�������نَ‬
‫ُ‬
‫احل َ‬
‫َغ������� َدون�������ا تَ�����ن����� ُف ُ‬
‫�����ض ا َألغ��������ص��������انُ ف��ي��ه��ا‬
‫ِ‬
‫������ث������ل ُ‬
‫َ‬
‫������م������ان‬
‫اجل‬
‫ع�������راف�������ه�������ا ِم‬
‫َع�����ل�����ى َأ‬
‫ِ‬
‫َف ِ‬
‫َّ‬
‫���م���س َع��� ّن���ي‬
‫ال���ش‬
‫��ب�ن‬
‫����ج َ‬
‫�����س ُ‬
‫�����رت َو َق�������د َح َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫مِ������ا كَ���ف���ان���ي‬
‫����ي����اء ب‬
‫ال����ض‬
‫َو َج����� ْب�����ـ�����نَ ِم�������نَ‬
‫َّ‬
‫ال������ش ُ‬
‫������رق ِم���ن���ه���ا ف�����ي ِث���ي���اب���ي‬
‫َو َأل������ق������ى‬
‫َدن��������ان��������ي�������� ًرا ت ِ‬
‫������ان‬
‫َ��������ف�������� ُّر ِم�����������نَ ال������ َب������ن ِ‬
‫َ‬
‫��������ي��������ك ِم����ن���� ُه‬
‫�������م������� ٌر ُت�����ش�����ي����� ُر ِإ َل‬
‫َل�����ه�����ا َث َ‬
‫���������ر َب ٍ‬
‫���������ة َو َق���������ف���������نَ ِب����ل����ا َأوان�����������ي‬
‫ِب��������� َأش ِ‬
‫َو َأم��������������������وا ٌه ت ِ‬
‫َ�������ص ُّ‬
‫�������ل ِب�����ه�����ا َح����ص����اه����ا‬
‫���ل َ‬
‫ص���ل���ي َ‬
‫�����ي ف����ي َأي�������دي ال َ‬
‫���غ���وان���ي‬
‫َ‬
‫احل����� ْل ِ‬
‫َ‬
‫������ش������ق َث����ن����ى ِع���ن���ان���ي‬
‫َو َل���������و ك�����ا َن�����ت ِد َم‬
‫��������رد ص�����ي ِ‬
‫�����ق ال�������� ُّث ِ‬
‫َل�����ب�����ي ُ‬
‫������ف������ان‬
‫اجل‬
‫ِ‬
‫�����ي ِ‬
‫�����ن ُّ‬
‫�������ت ِل َ‬
‫����ض����ي ٍ‬
‫����ف‬
‫�������ع ْ‬
‫�����ج ِ‬
‫�����ي م�����ا ُر ِف َ‬
‫َي����� َل����� ْن ُ‬
‫�����وج ُّ‬
‫ِب ِ‬
‫خ���������ان‬
‫���������ه ال������ن������ي������رانُ َن������������� ِّد ُّي ال��������� ُّد‬
‫ِ‬
‫(((‬
‫�������������ل ِب ِ‬
‫حَ ِ‬
‫ُّ‬
‫������اع‬
‫ت‬
‫�����������ه َع������ل������ى َق�������ل ٍ‬
‫�������ب ُش������ج ٍ‬
‫َ���������رح ُ‬
‫�����ان‬
‫���������ل ِم�����ن����� ُه َع�������ن َق‬
‫َوت‬
‫�����ل�����ب َج�����ب ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫�����ي�����ال‬
‫���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ‬
‫َم‬
‫ِ‬
‫ُي َ‬
‫ج�����ان‬
‫����ع����ن����ي ِإل��������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ‬
‫ِ‬
‫����ش���� ِّي ُ‬
‫(((‬
‫َ‬
‫ال��������������و ْر ُق ف��ي��ه��ا‬
‫احل������م������ا ُم‬
‫ِإذا َغ����� ّن�����ى‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫������������ي ال ِ‬
‫�������ان‬
‫غ������������ان‬
‫َأج���������ا َب���������ت��������� ُه َأ‬
‫�������ق�������ي ِ‬
‫ُّ‬
‫((( اليلنجوجي ‪ :‬عود الطيب أو البخور نسبة إلى اليلنجوج‪.‬‬
‫((( النوبنذجان‪ :‬مدينة فارسية‪.‬‬
‫‪- 133 -‬‬
‫َو َم��������ن ِب����ال ِّ‬
‫����ام‬
‫����ب َأ‬
‫����ش����ع ِ‬
‫َ‬
‫ح����������و ُج ِم�����ن َح����م ٍ‬
‫�����ان‬
‫ِإذا َغ������ ّن������ى َو‬
‫ن�������������اح ِإل����������ى ال����� َب�����ي ِ‬
‫َ‬
‫������ان ِج�������� ًّدا‬
‫َو َق����������د َي������ت‬
‫������وص������ف ِ‬
‫َ������ق������ار ُب ال َ‬
‫َ‬
‫َو َم�������وص�������وف�������اهُ �������م�������ا ُم�������تَ�������ب ِ‬
‫�������دان‬
‫�������اع‬
‫ِ‬
‫�������ول ِب ِ‬
‫َي�������ق ُ‬
‫��������������و ٍان ِح���ص���ان���ي‬
‫�����ع�����ب َب‬
‫�����ش‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫����ع����ان‬
‫ال����ط‬
‫َأ َع������������نْ هَ ���������ذا ُي������س������ا ُر ِإل���������ى‬
‫ِ‬
‫����م����ع����اص����ي‬
‫َأب���������و ُك���������م آ َد ٌم َس�����������نَّ ال����ـ َ‬
‫�������ن�������ان‬
‫اجل‬
‫�������م�������كُ �������م ُم‬
‫ِ‬
‫��������ف��������ار َق�������� َة ِ‬
‫َو َع������� َّل َ‬
‫َ‬
‫هذه القصيدة ذات طبيعة خاصة ألنها من القصائد القليلة النادرة التي تصور‬
‫رؤية الشاعر العربي القدمي للعالم اخلارجي‪ ،‬فاملتنبي في رحلته إلى بالد فارس توقف‬
‫عند (شعب بوان) وهو متنزه قريب من بلدة (شيراز) ويعد من أجمل متنزهات الدنيا‬
‫مبا فيه من شجر كثيف ورياض مثمرة ومياه جارية‪ .‬إنه يصور الطبيعة اخلالبة في‬
‫أبهى صورها ومناظرها‪.‬‬
‫وق��د انبهر املتنبي بهذه اللوحة الطبيعية الساحرة فرآها في سحرها وطيب‬
‫هوائها تفضل سائر األمكنة كما يفضل الربيع سائر الفصول واألزمنة فرأى فيها‬
‫ربي ًعا دائ ًما متجد ًدا يحفل بالبهجة واملسرة‪.‬‬
‫ويصور املتنبي مشاعره وقد َّ‬
‫حل غري ًبا على هذه املدينة األجنبية التي تختلف عن‬
‫املدن العربية في لغتها وعاداتها وأزيائها‪ ،‬ويكني نفسه بـ(الفتى العربي) وهو وصف‬
‫له داللته في ترسيخ روح االنتماء واالعتزاز بالعروبة‪.‬‬
‫إنه يبدو في هذه البالد غريب الوجه في عيون أهلها‪ ،‬فال أحد يعرفه وال يعرف‬
‫أح ًدا‪ ،‬وهو ببشرته العربية السمراء ينفرد عن الوجوه الشيرازية الشقراء‪ ،‬وهو غريب‬
‫اليد ألنه يكتب بخط غير خطهم‪ ،‬فهو يكتب بالعربية وهم يكتبون بالفارسية‪ ،‬وهو خالي‬
‫الوفاض ال ميلك شي ًئا في تلك األرض‪ ،‬وهو غريب اللسان يتكلم بلغة غير لغة هؤالء القوم‪.‬‬
‫‪- 134 -‬‬
‫إنها صورة دالة تعكس وضع الفتى العربي الغريب في تلك البالد األجنبية حيث‬
‫يبدو في حالة انفصال تام عن هذا املجتمع الغريب الفتقاد وسائل التفاهم والتواصل‬
‫مما يوحي بتغلغل اإلحساس بالغربة‪.‬‬
‫ويتوقف املتنبي وقفة إعجاب مطولة أمام شعب بوان‪ ،‬فيتخيله في إعجازه وبديع‬
‫حسنه كمالعب اجلن جر ًيا على عادة العرب حني يعجزهم وصف شيء فينسبونه‬
‫إلى اجلن أو إلى قوة خارجية خارقة على نحو ما صنع البحتري في وصف إيوان‬
‫كسرى‪ ،‬ويستحضر املتنبي في هذا السياق صورة النبي سليمان الستدعاء األجواء‬
‫اخليالية أو األسطورية التي اقترن بها‪ ،‬وفي إشارة إلى تصوره عن (مالعب اجلنة)‬
‫وكأن سكان الشعب من اجلن العباقرة الذين يتكلمون بلغة بعيدة عن األفهام حتى لو‬
‫سار سليمان في تلك البالد الحتاج إلى ترجمان يرافقه برغم علمه بلغات الكائنات من‬
‫جن وإنس وطير‪.‬‬
‫ويشير املتنبي إل��ى اجن��ذاب الفرسان واخل�ي��ل إل��ى ه��ذا امل�ك��ان الساحر فقد‬
‫استمالهم بروعته وخصوبته فطاب لهم املقام فيه وتعلقوا به حتى خشي على اخليل‬
‫من احلران وعدم مبارحة املكان برغم أنها خيول كرمية ال تعرف احلران‪.‬‬
‫ويصور املتنبي األجواء اخليالية لتلك الطبيعة الساحرة‪ .‬فيصف تنزهه فيها في‬
‫الصباح الباكر بني األشجار الكثيفة والرياض املزهرة وقد تساقطت قطرات الندى‬
‫على األغصان فصارت تنفضها على أعراف اخليول كأنها حبات اللؤلؤ‪ .‬وهي صورة‬
‫لونية حركية متتزج فيها حركة سير اجلياد بحركة اهتزاز األغصان مع املشاكلة بني‬
‫لون كرات الندى الثلجية الصغيرة وحبات اجلمان‪.‬‬
‫ويصف املتنبي املنظر الطبيعي بدقة متناهية من خالل خيال فنان مبدع مصور‪.‬‬
‫وهو ال يكتفي بوصف املنظر الطبيعي بل يضع نفسه داخل اللوحة‪ ،‬فيصف سيره بني‬
‫هذه األشجار الكثيفة التي حجبت ضوء الشمس عنه ولكنها منحته من ضياء نورها‬
‫وأزهارها ما يكفيه من نور مما أشاع ج ًوا خيال ًّيا ساح ًرا‪.‬‬
‫‪- 135 -‬‬
‫ويستطرد املتنبي في وصفه هذا اجلو اخليالى البديع‪ ،‬فيصف أشعة الشمس‬
‫وهي تنفذ من خالل الشجر فتتسلل إلى ثيابه كأنها دنانير ذهبية ظنها حقيقية وحاول‬
‫إمساكها ولكنها فرت من بني أصابعه‪ ،‬وهي صورة تعكس اجلو اخليالي الذي استغرق‬
‫املتنبي كما تشي بدالالت نفسية تتعلق بولع املتنبي بالذهب‪.‬‬
‫ويفنت اخليال الشعري في تصوير مفردات تلك الطبيعة‪ ،‬فتجذبه الثمار العجيبة‬
‫املتدلية من األغصان بقشورها املتناهية الرقة حتى ليخيل للرائي أنها أشربة بلورية‬
‫شفافة تشير إليه وتغريه بالشراب وهي واقفة بغير أوان‪.‬‬
‫وفي صورة صوتيه لونية رائعة يلتفت إلى أصوات املياه وهي جتري في الغدران‬
‫وتصطك باحلصى الفضي كأنها صليل احللي في معاصم النساء‪.‬‬
‫وف��ي تلك األج��واء الساحرة تستحضر مخيلة الشاعر املغترب ص��ورة غوطة‬
‫دمشق في معرض املقارنة ويتخيل لو أنه كان هناك الستضافه كرمي من كرمائها‬
‫وأذهب جوعه بأكلة عربية خالصة (الثريد املوضوع في اجلفان)‪.‬‬
‫وف��ي سياق «االس�ت��رج��اع» تستحضر مخيلة الشاعر املغترب ص��ورة العربي‬
‫الكرمي الذي يوقد النيران لألضياف بالعود (اليلنجوجي) الذي تفوح رائحته بالند من‬
‫دخانه‪ ،‬وهي صورة عطرية شم ّية يستكمل بها لوحة األجواء اخليالية‪.‬‬
‫إن املتنبي وهو يعبر عن إنبهاره بهذا العالم اخلارجي الساحر ال ينفصل عن‬
‫عامله األصلي‪ ،‬فيستدعي مفرداته وأجواءه وثقافته‪ .‬لقد أحس أن هذا العالم اخلارجي‬
‫برغم جماله وسحره يفتقد ال��روح العربية واألج��واء العربية والكرم العربي‪ ،‬ولذلك‬
‫استحضر صورة (غوطة دمشق) كمعادل موضوعي لشعب بوان‪.‬‬
‫لقد اختلطت الصورتان في مخيلة الشاعر الغريب في بالد الفرس وطفت صورة‬
‫األرض العربية املتجذرة في وجدانه وذاكرته فإذا بها تتبعه وتصحبه حيثما حل‪:‬‬
‫‪- 136 -‬‬
‫ٌ‬
‫�����ي�����ال‬
‫���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ‬
‫َم‬
‫ِ‬
‫ُي َ‬
‫ج�����ان‬
‫�����ع�����ن�����ي ِإل����������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ‬
‫ِ‬
‫�����ش����� ِّي ُ‬
‫إن خيال دمشق ومنازل أحبته والطبيعة العربية اخلالبة لم تفارق مخيلة املتنبي‪،‬‬
‫فظلت تصاحبه في نومه وصحوه‪ ،‬وتتراءى له وهو يتنقل بني املدن الفارسية‪.‬‬
‫إن غناء احلمام العجمي ميتزج بغناء القيان الدمشقية ويتجاوب معها في إشارة‬
‫للتقارب والتمازج بني احلضارتني العربية والفارسية‪ .‬وقد جمعت (العجمة) بني احلمام‬
‫وأهل شعب بوان مع اختالف اجلنس وتباعد املوصوفات‪.‬‬
‫وفي سياق (االستعجام) يستنطق الشاعر املغترب فرسه فينكر عليه أن يكون‬
‫هذا املكان اجلميل قاعدة للحرب واالقتتال بني البشر‪ ،‬وتأتي احلكمة البليغة على لسان‬
‫اجلواد األعجم ‪ -‬في مفارقة بديعة ‪ -‬فيعيب على اإلنسان السير في طريق احلرب‬
‫وارتكاب املعاصي‪ ،‬ويرى أن أبناء آدم يصنعون هذا الصنيع اقتداء بأبيهم الذي سن‬
‫لهم اقتراف الذنوب واملعاصي فأخرج من اجلنة‪.‬‬
‫إنه صوت الشاعر احلكيم يختفي وراء قناع صوت الفرس األعجمي ليعبر عن‬
‫إدانته لسلوك البشر العدواني ويؤكد رؤيته السمحة وقيمه املثالية في احلب والسالم‪.‬‬
‫لقد أوحى (شعب ب��وان) للمتنبي بهذه الرؤية اإلنسانية احلكيمة‪ ،‬وأزعجه أن‬
‫تشوه هذه الطبيعة اجلميلة التي منحها الله لإلنسان باحلرب والعدوان واالقتتال بني‬
‫البشر‪.‬‬
‫إن رؤية املتنبي للعالم اخلارجي ‪ -‬من خالل شعب بوان ‪ -‬لم تقف عند حدود‬
‫اإلعجاب بجمال الطبيعة ولكنه نفذ من خاللها إلى تأكيد اعتزازه بالقيم العربية في‬
‫الكرم والضيافة كما ألهمته بطرح رؤيته اإلنسانية في نشر السالم واحملبة في قلوب‬
‫البشر جمي ًعا‪.‬‬
‫‪- 137 -‬‬
‫وتكشف القصيدة من ناحية أخ��رى عن ق��درة املتنبي على التصوير البارع‬
‫واخليال املبدع‪.‬‬
‫ومن األماكن الفارسية التي وصفها املتنبي (دشت األرزن) وهو موضع بأرض‬
‫فارس بالقرب من شيراز ُّ‬
‫حتف به اجلبال وفيه غاب ومروج ومياه‪ ،‬وقد شاهده املتنبي‬
‫حني خرج إليه في صحبة عضد الدولة للتنزه والصيد‪ ،‬وكانت الوحوش إذا اعتصمت‬
‫باجلبال أخذت عليها الرجال املضايقة‪ ،‬فإذا أثخنتها النشاب هربت من رءوس اجلبال‬
‫إلى الدشت فتسقط بني يديه‪ ،‬فأقام بذلك املكان أيا ًما على عني ماء حسنة‪ ،‬ووصف‬
‫أبو الطيب احلال وأنشده قصيدته في رجب سنة‪354‬هـ‪ ،‬وهي السنة التي قتل فيها‪،‬‬
‫(((‬
‫واستهل قصيدته بقوله‪:‬‬
‫م�������ا َأج����������������� َد َر ا َأل ّي�������������������ا َم َوال����� َل�����ي�����ال�����ي‬
‫َ‬
‫َ��������ق��������ول م�������ا َل������������ ُه َوم������������ا ل���ي‬
‫ِب�������������� َأن ت‬
‫ويصف املتنبي «دشت األرزن» داع ًيا له بالسقيا ويصوره وهو محاط باملروج‬
‫والقيم الواسعة وقد جتمعت فيه الوحوش وأن��واع الصيد من احليوان وجت��اور فيه‬
‫األس��د واخلنزير‪ ،‬واجتمعت فيه األض ��داد‪ ،‬فمنها املفترس كاألسد وغير املفترس‬
‫كالظباء واألرانب وقد جاءه عضد الدولة باألفيال ليكتمل شمل احليوان وقد صيدت‬
‫(((‬
‫األيائل وقيدت باحلبال‪ ،‬يقول املتنبي في قصيدته التي نحا فيها منحى األرجوزة‪:‬‬
‫�������ف�������وس َع����������������� َد ُد اآلج������������الِ‬
‫ِإنَّ ال������� ُّن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫ال������ط������والِ‬
‫ش�������ت ا َألر ُز ِن‬
‫َس����ق���� ًي����ا ِل������� َد‬
‫����ح َوا َألغ�������ي�������الِ‬
‫������م‬
‫َب����ي��� َ‬
‫ن ال������ـ ُ‬
‫������روج ال����ف����ي ِ‬
‫ِ‬
‫����������ج����������او ِر ِ‬
‫�������ن�������زي�������ر ِل�����ل����� ِّرئ�����ب�����الِ‬
‫اخل‬
‫ُم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫دان��������ي َ‬
‫����ن����ان����ي����ص ِم��������نَ ا َألش������ب������الِ‬
‫اخل‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ال�������غ�������زالِ‬
‫َ�������ر ِف ال������������� ُّد ِّب َع�����ل�����ى‬
‫ُم�������ش�������ت ِ‬
‫�����ع ا َألض�����������������دادِ َوا َألش���������ك���������الِ‬
‫ُم�����ج����� َت�����مِ ِ‬
‫((( ديوانه ‪.35-27 :4‬‬
‫((( نفسه ‪.32-31 :4‬‬
‫‪- 138 -‬‬
‫كَ������������ َأنَّ َف����� ّن ُ‬
‫�����ر ذا ا ِإلف���������ض���������الِ‬
‫�����اخ�����س َ‬
‫(((‬
‫َ‬
‫����������������و َز ال������كَ������م������الِ‬
‫خ�����������اف َع����� َل�����ي�����ه�����ا َع‬
‫َ‬
‫َف������ج������اءه������ا ِب������ال������ف������ي������لِ َوال�������� َف��������يّ��������الِ‬
‫�����������������ل ف�������ي ِ‬
‫َف ِ‬
‫ُ‬
‫احل�������ب�������الِ‬
‫��������ق�������� ْي�������� َد ِت ا ُأل َّي‬
‫ه���������وق َ‬
‫اخل�����ي�����لِ َوال�������� ِّرج��������الِ‬
‫��������وع ُو‬
‫َط‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫(((‬
‫ومن املدن الفارسية التي ذكرها املتنبي مدينة (نوبنذجان) وعبر عن إعجابه بها فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫ٌ‬
‫�����ي�����ال‬
‫���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ‬
‫َم‬
‫ِ‬
‫ُي َ‬
‫ج�����ان‬
‫�����ع�����ن�����ي ِإل����������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ‬
‫ِ‬
‫�����ش����� ِّي ُ‬
‫حضور األماكن الرومية‪:‬‬
‫لألماكن الرومية حضور كبير في شعر املتنبي يتضاءل أمامه حضور الفارسية‬
‫حيث ارتبطت هذه األماكن بالصراع بني العرب والروم واقترنت باحلروب والغزوات‬
‫التي خاضها جيش سيف الدولة احلمداني وصحبه املتنبي في كثير منها‪ ،‬وقد تنوعت‬
‫هذه األماكن بني املدن واجلبال واحلصون والقالع والثغور واألنهار‪.‬‬
‫املدن‪:‬‬
‫فمن املدن الرومية التي ذكرها املتنبي في شعره مدينة (أنطاكية) وهي مدينة‬
‫عظيمة ذات سور كبير كان يحرسه أربعة آالف حارس ويحيط بها ثالثمائة وستون‬
‫برجا‪ ،‬وكان اجلند ينفذون من القسطنطينية حلراستها(((‪ ،‬وقد شاهدها املتنبي خالل‬
‫ً‬
‫(((‬
‫غزوات سيف الدولة ووصف تساقط الثلج على أرضها وتعذر املرعى على املهر فقال‪:‬‬
‫((( َفنّاخُ سر ‪ :‬اسم عضد الدولة‪.‬‬
‫((( الوهوق‪ :‬احلبال ‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.388 :4‬‬
‫((( معجم البلدان ‪.267-266 :1‬‬
‫((( ديوانه ‪.92 :3‬‬
‫‪- 139 -‬‬
‫ِ‬
‫�����روج ُ‬
‫�����ض�����ر َو َ‬
‫�������ق‬
‫احل‬
‫اخل‬
‫�����ل�����م‬
‫م�����ا ِل‬
‫ِ‬
‫�������دائ ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�����ق‬
‫ال�����ع‬
‫َ�������ث�������ر َة‬
‫َي����ش����ك����و َخ��ل��اه�����ا ك‬
‫�����وائ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ����ال����ـ����م ِ‬
‫����ق‬
‫�����ج ك‬
‫����راف ِ‬
‫ُ‬
‫َأق������������ا َم ف���ي���ه���ا ال����� َث�����ل ُ‬
‫ِ‬
‫َي����ع ِ‬
‫�����س�����نِّ ري َ‬
‫َ‬
‫���ق‬
‫�������ق‬
‫����ق���� ُد َف‬
‫ال���ب���اص ِ‬
‫��������وق ال ِّ‬
‫�������ف�������ار ِق‬
‫ُث���������� َّم َم�����ض�����ى ال ع����������ا َد ِم��������ن ُم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�������ق�������ائ ٍ‬
‫��������ق‬
‫������������������ه َو‬
‫وب‬
‫ِب‬
‫س��������ائ ِ‬
‫�������د ِم���������ن َذ ِ‬
‫ُّ‬
‫��������ق‬
‫كَ�������� َأنمَّ��������ا‬
‫ال�������ط�������خ�������رو ُر ب�����اغ�����ي ِآب ِ‬
‫����ر ِ‬
‫َي������أك ُ‬
‫ُ������ل ِم������ن َن�����ب ٍ‬
‫����������ق‬
‫�����ت َق����ص����ي ِ‬
‫الص ِ‬
‫(((‬
‫ويشير في قصيدة أخرى إلى إقامته بأنطاكية واضطراره إلى مفارقتها إلى حلب‬
‫طل ًبا للعطاء‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫�����م�����ت ِب���� ِإن����ط ِ‬
‫����ت‬
‫���م���ا َأ َق‬
‫َ‬
‫����اك���� َّي���� َة ِاخ����تَ���� َل���� َف ْ‬
‫ل���ـ ّ‬
‫َ‬
‫�����ر ال����� ُّرك�����ب�����انُ ف����ي َح��� َل���ب���ا‬
‫���������ي ِب‬
‫�����اخل����� َب ِ‬
‫ِإ َل َّ‬
‫َف ِ‬
‫�����و َك ال َأل�������وي َع���ل���ى َأ َح ٍ‬
‫������د‬
‫�����س ُ‬
‫�����رت َن�����ح َ‬
‫�����������ث ِ‬
‫ُّ‬
‫����ق����ر َوا َأل َدب������������ا‬
‫َ������ي ال���� َف‬
‫َأ ُح‬
‫َ‬
‫راح������ َل������ت َّ‬
‫وذكر املتنبي مدينة (سمندو) وهي في وسط بالد الروم وقد غزاها سيف الدولة‬
‫وهرب منها ال ُّدمستق فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫َرض����ي����ن����ا َوال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ‬
‫راض‬
‫������ق َغ�����ي����� ُر‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫�����ج‬
‫مِ������ا َح�����كَ����� َم ال����� َق‬
‫ب‬
‫�����ب َوال َ‬
‫�����وش�����ي ُ‬
‫�����واض ُ‬
‫ِ‬
‫����م����ن����دو‬
‫َف���������� ِإن ُي‬
‫�������ق�������د ْم َف����� َق�����د ُزرن����������ا َس َ‬
‫������م ِ‬
‫َ‬
‫���ل���ي���ج‬
‫اخل‬
‫������وع������ ُد ُه‬
‫َو ِإن ُي‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ح����ج���� ْم َف َ‬
‫((( الطخرور‪ :‬اسم املهر‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.248 :1‬‬
‫((( معجم البلدان ‪.253 :3‬‬
‫‪- 140 -‬‬
‫وأشار املتنبي إلى مدينة (صارخة) الرومية التي غزاها سيف الدولة وأقام بها‬
‫صالة اجلمعة فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫���ار َخ ٍ���ة‬
‫���رج َم��ن��ص��و ًب��ا ِب���ص ِ‬
‫���م ُ‬
‫��ى َل���� ُه ال���ـ َ‬
‫ُم��خ��ل ً‬
‫���اب��� ُر َم����ش����ه����و ًدا ِب���ه���ا ُ‬
‫����ع‬
‫���م���ن ِ‬
‫����م ُ‬
‫اجل َ‬
‫َل������ ُه ال���ـ َ‬
‫وذكر املتنبي (ملطية) وهي بلدة من بالد الروم غزاها سيف الدولة‪ ،‬وفيها يقول‬
‫املتنبي‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫م���������اء َم��� َل ْ‬
‫���ط��� َي ٍ���ة‬
‫������م������ َّر ْت ف����ي ِد‬
‫َوكَ������������ َّر ْت َف َ‬
‫����ن َث������ ُك ُ‬
‫َم������ َل ْ‬
‫������ول‬
‫������ط������ َي������ ُة ُأ ٌّم ِل����ل���� َب����ن����ي����ـ ِ‬
‫وأشار املتنبي إلى (ال ّلقان) وهي بلد من بالد الروم فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫�����ان َو ِ‬
‫واس ٍ‬
‫����������ط‬
‫���ي���ن ال����� ُّل�����ق ِ‬
‫ُي����غ����ي���� ُر ِب����ه����ا َب َ‬
‫َو ُي ِ‬
‫ِ‬
‫������ق‬
‫ن ال������� ُف‬
‫������رك������ ُزه������ا َب����ي��� َ‬
‫�������رات َو ِج������ ِّل ِ‬
‫الثغور‪:‬‬
‫مسرحا للغزوات واملعارك‪،‬‬
‫أكثر املتنبي من ذكر (الثغور) الرومية التي كانت‬
‫ً‬
‫ومنها (عرقة) و(موزار) وقد جمعهما املتنبي في وصف معركة ظافرة فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫���س���ب���اي���ا َي���ن���ت ِ‬
‫���ع���ر َق ٍ���ة‬
‫َ���ح َ‬
‫�ب�ن ِب َ‬
‫َو َأم�����س�����ى ال َّ‬
‫������ي������وب ال������� َّث ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ي���������ول‬
‫���ل���ات ُذ‬
‫�������اك‬
‫كَ������������ َأنَّ ُج‬
‫َ‬
‫�������������وزار ُق���� َّف اً‬
‫َوع������������ا َدت َف َ‬
‫��ًل�‬
‫ب‬
‫����ظ���� ّن����وه����ا مِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫����ف����ول‬
‫خ�������ول ُق‬
‫������ي������س َل����ه����ا ِإلاّ ال������� ُد‬
‫َو َل‬
‫َ‬
‫((( املصدر نفسه ‪.388 :3‬‬
‫((( ديوانه ‪.224 :3‬‬
‫((( ديوانه ‪.54 :3‬‬
‫((( نفسه ‪.223 :3‬‬
‫‪- 141 -‬‬
‫وذكر (هنريط) و(سمنني) فقال ‪:‬‬
‫(((‬
‫���م���ن�ي�ن ِل��ل ُّ‬
‫َوف�����ي َب���ط���نِ ِه���ن���ري ٍ‬
‫��ظ��ب��ى‬
‫���ط َو ِس‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫����دي����ل‬
‫م��������ن َأ َب�������������دنَ َب‬
‫َو ُ‬
‫ص����������� َّم ال���� َق����ن����ا مِ َّ‬
‫وأشار إلى (هنريط) و(اللقان) في موضع آخر وأضاف إليهما (آمد) فقال‪:‬‬
‫���ه���م‬
‫���ص���ف���نَ ِب���هِ ���م َي������و َم ال��� ُّل‬
‫ِ‬
‫���ق���ان َو ُس���ق��� َن ُ‬
‫َع َ‬
‫���ي ِ‬
‫��ن��ري��ط َح���تّ���ى ِاب���� َي َّ‬
‫َ‬
‫آم���� ُد‬
‫ِب��هِ‬
‫����ض ِب���ال َّ‬
‫���س��� ْب ِ‬
‫وذكر (سميساط) فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫���م���ي���س َ‬
‫ال��ـ��م�لا‬
‫��م��ط��ام��ي�� ُر َو َ‬
‫���اط ال��ـ َ‬
‫َودونَ ُس َ‬
‫َو َأ ِ‬
‫ُ‬
‫�������ج�������ول‬
‫ود َي������������������������ ٌة َم�����ج�����ه�����و َل����� ٌة َوهُ‬
‫ومن القرى التي ذكرها املتنبي (كلواذي) وهي قرية قرب مدينة السالم‪ ،‬وفيها يقول‪:‬‬
‫����ور َو َن����ش����ؤه‬
‫����ب ا ِإل‬
‫م�����������ار َة ف����ي ال���� ُّث����غ ِ‬
‫َط���� َل َ‬
‫َ‬
‫ن كَ������رخ������اي������ا ِإل����������ى كَ������ل������واذا‬
‫م������ا َب�����ي���� َ‬
‫احلصون والقالع والتالل‪:‬‬
‫ومن احلصون الرومية التي ذكرها املتنبي حصن (الران) وفيه يقول‪:‬‬
‫ن ِب ِ‬
‫َو ِب��ت� َ‬
‫��ح��ص��نِ ال����� َّرانِ َرزح����ى ِم���نَ ال َ��وج��ى‬
‫ُ (((‬
‫ُّ‬
‫�������زي�������ز ِل���ل�� َ‬
‫م������ي������ر َذل��������ي��������ل‬
‫أ‬
‫�������������ل َع‬
‫َو ُك‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ومن القالع املشهورة التي ذكرها قلعة (احلدث) وهي قلعة حصينة بني ملطية‬
‫وسميساط أخذها سيف الدولة من الروم سنة ‪443‬هـ‪ ،‬وفيها يقول املتنبي‪:‬‬
‫احل�������� َد ُث َ‬
‫َ‬
‫هَ �����لِ‬
‫����ر ُف َل��و َن��ه��ا‬
‫احل�����م�����را ُء تَ����ع ِ‬
‫ِ‬
‫ال����س ِ‬
‫َ‬
‫���م���ائ��� ُم‬
‫ال���غ‬
‫��ي�ن‬
‫َوتَ�����ع����� َل����� ُم َأ ُّي‬
‫����اق���� َي ِ‬
‫َّ‬
‫((( نفسه ‪224 :3‬‬
‫((( نفسه ‪224 :3‬‬
‫((( ديوانه ‪.224 :3‬‬
‫‪- 142 -‬‬
‫وذكر املتنبي حصن (مرعش) وهو من أعمال ملطية فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫���رع ً‬
‫���ش���ا َي���س���تَ���ق ِ���ر ُب ال��� ُب���ع��� َد ُم��ق ِ��ب�ًلً‬
‫َأت����ى َم َ‬
‫���ل���ت َي���س���تَ���ب ِ‬
‫���ع��� ُد ال�� ُق��رب��ا‬
‫����������ر ِإذ َأق��� َب َ‬
‫َو َأد َب َ‬
‫وذكر (خرشنة) فقال‪:‬‬
‫رب���������اض َخ َ‬
‫���رش��� َن ٍ���ة‬
‫َح����تّ����ى َأق��������ا َم َع���ل���ى َأ‬
‫ِ‬
‫تَ��ش��ق��ى ِب ِ‬
‫���ع‬
‫���ص���ل���ب���انُ َوال ِ���ب��� َي ُ‬
‫����ه ال������رو ُم َوال ُّ‬
‫وأشار إلى (تل بطريق) فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫����رور س ِ‬
‫كَ�����ت ِّ‬
‫���اك��� ُن���ه���ا‬
‫����م����غ ِ‬
‫����ق ال����ـ َ‬
‫َ�����ل ِب����ط����ري ٍ‬
‫دار َك ِق����� َّن�����س�����ري�����نُ َوا َأل َج�������������� ُم‬
‫ِب������������ َأنَّ‬
‫َ‬
‫ومن اجلبال التي ت��رددت في شعر املتنبي جبل (األح�ي��دب) القريب من ثغور‬
‫الروم‪ ،‬ويشير إلى انتثار هامات قتلى الروم وأشالئهم فوقه‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����ر ًة‬
‫���������وق ا ُأل َح‬
‫َ�����ه����� ُم َف‬
‫َن����� َث�����رت ُ‬
‫��������ي��������د ِب َن����� ْث َ‬
‫كَ���م���ا ُن ِ‬
‫�����روس ال����� َد ِ‬
‫����رت َف َ‬
‫راه����� ُم‬
‫�����ع‬
‫ِ‬
‫������وق ال َ‬
‫����ث َ‬
‫وأشار إلى جبل (اللكام) املشرف على (أنطاكية) فقال‪:‬‬
‫ِب����ه����ا َ‬
‫�����ر‬
‫اجل������� َب‬
‫ِ‬
‫�����ر َو َف�����خ ٍ‬
‫ص�����خ ٍ‬
‫���ل���ان ِم������ن َ‬
‫����م����غ����ي ُ‬
‫����ث َوذا ال���� ِّل����ك����ا ُم‬
‫َأن������اف������ا ذا ال����ـ ُ‬
‫األنهار‪:‬‬
‫ومن األنهار الرومية التي ترددت في شعر املتنبي نهر (آلس) وهو ‪ -‬كما ذكر‬
‫ي��اق��وت((( ‪ -‬نهر سلوقية القريب من البحر‪ ،‬وم��ن طرسوس‪ ،‬وعليه ك��ان الفداء بني‬
‫املسلمني والروم‪ ،‬وذكره املتنبي فقال‪:‬‬
‫((( ديوانه ‪.188 :1‬‬
‫((( نفسه ‪.132 :4‬‬
‫((( معجم البلدان ‪55 :1‬‬
‫‪- 143 -‬‬
‫تَ�������ذري ال���� ُّل����ق����انُ ُغ�����ب�����ا ًرا ف����ي َم���ن ِ‬
‫���اخ ِ���ره���ا‬
‫�������ر ُع‬
‫َوف�������ي َح‬
‫����ن����اج ِ‬
‫ِ‬
‫����ره����ا ِم������ن آ ِل ٍ‬
‫���������س ُج َ‬
‫وتردد اسم نهر (أرسناس) الواقع في بالد الروم‪ ،‬ويوصف ببرودة مائه‪ ،‬وقد‬
‫عبره سيف الدولة ليغزو(((‪ .‬وفي ذلك قال املتنبي‪:‬‬
‫ب�����ار ٍد‬
‫���م���دى ِم����ن‬
‫ِ‬
‫���م���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ‬
‫َي���ق ُ‬
‫�����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ‬
‫َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ‬
‫����ان‬
‫َ����اخل����ص����ي ِ‬
‫���ح���ا‬
‫�����اس َس ِ‬
‫���واب ً‬
‫رس�����ن َ‬
‫َح����تّ����ى َع����� َب�����رنَ ِب����� َأ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫�����ان‬
‫ف����ي����ه َع‬
‫َي‬
‫�����م�����ائ����� َم ال����� ُف�����رس ِ‬
‫�����ن�����ش�����رنَ‬
‫ب�����ار ٍد‬
‫���م���دى ِم����ن‬
‫ِ‬
‫���م���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ‬
‫َي���ق ُ‬
‫�����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ‬
‫َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ‬
‫����ان‬
‫َ����اخل����ص����ي ِ‬
‫وأشار إلى نهر (جيحان) ومخرجه من بالد الروم ويصب في بحر الشام((( فقال‬
‫مخاط ًبا سيف الدولة‪:‬‬
‫رض ِ‬
‫آم ٍ‬
‫����د‬
‫ي����ت ِإل�����ى َج���ي���ح���انَ ِم����ن َأ ِ‬
‫����ر َ‬
‫َس َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ب�����ع�����دا‬
‫دن����������اك َر‬
‫َث��ل��ا ًث�����ا َل���� َق����د َأ‬
‫ك��������ض َو َأ َ‬
‫وتردد اسم نهر (سيحان) وهو نهر بالثغر من نواحي املصيصة يصب في بحر‬
‫الروم((( وفيه يقول املتنبي ‪:‬‬
‫َوات م�����ا ُت ِ‬
‫َأخ��������و َغ��������������ز ٍ‬
‫������ب ُس����ي����و ُف���� ُه‬
‫������غ ُّ‬
‫�������ه������� ُم ِإلاّ َو َس������ي������ح������انُ ج ِ‬
‫�����ام����� ُد‬
‫ِرق�������ا َب ُ‬
‫((( املصدر نفسه ‪.151 :1‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.196 :2‬‬
‫((( معجم البلدان ‪.293 :3‬‬
‫‪- 144 -‬‬
‫وأشار إلى نهر (قباقب) وهو قرب ملطية((( فقال‪:‬‬
‫ض�����ع�����ف�����نَ م����ا كُ���� ِّل����ف���� َن���� ُه ِم������ن ُق ِ‬
‫���ب‬
‫َو َأ‬
‫َ‬
‫���ب���اق ٍ‬
‫ِ‬
‫ف����ي����ه َع���ل���ي ُ‬
‫���ل‬
‫َف����� َأض�����ح�����ى كَ����������� َأنَّ امل����������ا َء‬
‫وعلى ه��ذا النحو ك��ان للروم حضور كثيف في شعر املتنبي‪ ،‬فاستحضرهم‬
‫ً‬
‫وقالعا وثغو ًرا‬
‫وجيوشا وجنو ًدا وسبايا وسفراء ورهبانًا وبطارق ومدنًا‬
‫ملو ًكا وقوا ًدا‬
‫ً‬
‫وجسد صراع العرب والروم في أدق تفاصيله وصوره‪ ،‬ونظم قصائد رائعة‬
‫وأنها ًرا‪،‬‬
‫َّ‬
‫تتغنى بانتصار العرب وهزائم الروم‪.‬‬
‫‪XXXX‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.303 : 4‬‬
‫‪- 145 -‬‬
‫صورة املمالك املسيحية في الشعر األندلسي‬
‫‬
‫احتدم الصراع في األندلس بني املسلمني واملمالك النصرانية التي كانت متتد‬
‫على احلدود الشمالية وأهمها‪:‬‬
‫ •مملكة جليقية‪ :‬وتقع في الشمال الغربي وتسمى ً‬
‫أيضا (مملكة ليون)‬
‫ •مملكة نافار‪ :‬وتقع شرقي مملكة ليون وسكانها في البشكونس‪.‬‬
‫ •مملكة قشتالة‪ :‬وتعرف بـ(القالع) وكانت من أكبر املمالك‪.‬‬
‫ •مملكة برشلونة‪ :‬وتقع شرقي األندلس‪.‬‬
‫وكان لألندلس ثالثة ثغور تقع في مواجهة املمالك النصرانية ومتثل خط الدفاع‬
‫مسرحا للجهاد واملعارك‪ ،‬وهذه الثغور هي‪:‬‬
‫أو الهجوم األول وكانت‬
‫ً‬
‫ •الثغر األع��ل��ى‪ :‬ويقع على احل��دود الشمالية الشرقية وقاعدته مدينة‬
‫(سرقسطة) وكانت تواجه إقليم أرغون ومملكة نافار وبرشلونة‪.‬‬
‫ •الثغر األوس��ط‪ :‬ويقع على احل��دود الوسطى‪ ،‬وقاعدته مدينة (طليطلة)‬
‫ويواجه مملكتي ليون وقشتالة‪.‬‬
‫ •الثغر األدنى‪ :‬ويقع على احلدود الغربية وقاعدته مدينة (بطليوس)‪.‬‬
‫ وقد أطلق العرب مسميات عدة على سكان املمالك النصرانية‪ ،‬منها‪ :‬الروم‬
‫والفرجنة والنصارى واملجوس والنورمان‪ .‬وتبرز صورة الروم بوصفهم أعداء ميثلون‬
‫‪- 146 -‬‬
‫خط ًرا على اإلسالم‪ ،‬ويصور الشعر األندلسي ما دار من غزوات ومعارك وحروب‪،‬‬
‫ويعنى بتسجيل الوقائع التاريخية واألماكن اجلغرافية والسفارات املتبادلة‪ ،‬ويحتفي‬
‫برسم مشاهد مللوك الروم وقوادهم حني ينهزمون أو يقعون في األسر‪ ،‬ونرى صو ًرا من‬
‫هذا الصراع منذ عصر اإلمارة حني دارت موقعة بني العرب والروم في وادي سليط‬
‫في اجلنوب الغربي من طليطلة سنة ‪240‬هـ‪ ،‬وقد وصف عباس بن فرناس هزمية الروم‬
‫في تلك املعركة ووصفهم بـ «العصبة الغلف» ووصمهم باجلنب وشبههم باجلعالن‬
‫املتحلقة حول البعر وذكر اسم قائدهم (ابن بلوش) وتغنى بهزمية الروم وكثرة قتالهم‬
‫فقال(((‪:‬‬
‫��ًل� وادي َس����ل����ي ِ‬
‫َب����ك����ى ج����ب اً‬
‫�����وال‬
‫����ط َف ْ‬
‫�����أع َ‬
‫��ص�� َب ِ��ة ال ُ��غ�� ْل ِ‬
‫��ف‬
‫ع��ل��ى ال�� َّن��ف��ر ال ُ‬
‫���ع��� ْب���دانِ وال��ع ْ‬
‫ص���ري ُ‬
‫���خ َ‬
‫���ن ف��اج��ت��م��ع��وا ل�� ُه‬
‫احل��� ْي���ـ ِ‬
‫دع���اه��� ْم َ‬
‫��ع ِ��ر ف���ي ُق ِّ‬
‫اج��ت��م��ع ُ‬
‫���ف‬
‫ك��م��ا‬
‫اجل����ع��ل�انُ ل��ل�� َب ْ‬
‫َ‬
‫�����وش مل���وس���ى وق�����د َدن����ا‬
‫ي���ق���ول اب������نُ ب����� ّل ٍ‬
‫وت��ت��ي ِ‬
‫أرى ال��ـ َ��م��وت ُق�� ّدام��ي حَ ْ‬
‫وم���ن َخ ْلفي‬
‫ق����تَ����ل����ن����اهُ ���� ُم أل������ ًف������ا وأ ْل������� ًف�������ا وم���ث��� َل���ه���ا‬
‫ٍ‬
‫أل��������ف إل������ى أل���ف‬
‫وأل������ ًف������ا وأل������ ًف������ا ب���ع���د‬
‫��ج ِ��ه‬
‫��س��تَ�� َل ِّ‬
‫ِس����وى َم���ن َط������وا ُه ال��ن��ه�� ُر ف���ي ُم ْ‬
‫َف ْ‬
‫�����رف‬
‫������أغ ِ‬
‫������ر َق ف���ي���ه أو َت������دهْ ������ َد َه ِم�����ن ُج ْ‬
‫�����ور َن�����ا‬
‫ل����ق����د َن‬
‫����ع����م����ت ف����ي����ه غ����������زا ُة ُن�����س ِ‬
‫ْ‬
‫���م���ع ِ‬
‫���ت ال����ذؤب����انَ ق��ص�� ًف��ا ع��ل��ى قصف‬
‫وس ّ‬
‫وملؤمن بن سعيد قصيدة في وصف املعركة ذاتها يصف فيها ما َّ‬
‫حل بطليطلة‬
‫على يد اجليش العربي من وحشة وحزن ويصف أهلها بالفسق فيقول(((‪:‬‬
‫((( املقتبس‪ ،‬حتقيق د‪ .‬محمود مكي‪ ،‬ص ‪.301-298‬‬
‫((( الذخيرة ‪.621 :2/2‬‬
‫‪- 147 -‬‬
‫�����اق م���ق���ف���ر ًة‬
‫ْ‬
‫�����س ِ‬
‫أض����ح����ت ط���ل���ي���ط���ل��� ُة ال����� ُف َّ‬
‫���ل���ت م���ن أه��� ِل���ه���ا ال������ ُّدو ُر‬
‫م���ح���زون��� ًة ق���د َخ ْ‬
‫أق�����������دت ب������أس َ‬
‫������ك م������ن ف���ي���ه���ا ف����ق����ادهُ ���� ُم‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن وتَ�����غ�����ري����� ُر‬
‫إل��������ى‬
‫م�����ص�����ارع�����ه����� ْم َح�����ي���� ٌ‬
‫ وتقترن ص��ورة ال��روم في الشعر األندلسي باجلنب والعار واملهانة والتنبؤ‬
‫باندحارهم ‪ ،‬ويفنت ال�ش�ع��راء ف��ي رس��م ص��ور س��اخ��رة م��زري��ة لهم كقول اب��ن بقي‬
‫القرطبي(((‪:‬‬
‫���ت ن��ع��ام��تُ��كُ �� ْم‬
‫ي���ا م��ع��ش َ��ر ال‬
‫�������روم ق���د ش���ال ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫���ب��ن أو م���ن ش������ َّد ِة ال��ف��ش��لِ‬
‫إم�����ا ِم�����نَ‬
‫اجل ِ‬
‫ّ‬
‫ل���م َي���ك ِ‬
‫اخل�����زي أس��ب ُ��غ��ه��ا‬
‫ْ���س���كُ��� ْم م���ن ث��ي��اب‬
‫ِ‬
‫������در ب���ال���ك���ف���ل‬
‫إال ا ِّت�������ق�������اؤك�������م ل������ل������ص ِ‬
‫أم����ك���� ُم‬
‫ي�����ا وي����ل����كُ���� ْم م����ع����ش���� ًرا ب�����ل وي������ل ّ‬
‫ف����إن����ه����ا و َل���������������� َد ْت ل����ل���� ُّث����ك����لِ‬
‫وال����ه����ب����ل‬
‫َ‬
‫ ومن هذه النماذج التي تصور جنب قيصر ملك الروم وجنوحه إلى السلم هر ًبا‬
‫من بأس املسلمني قول ابن حربون(((‪:‬‬
‫������ر ف��������ي ُم������ ْل������ك ِ‬
‫������ه‬
‫أ َل���������������� ْم‬
‫ت�����������ر ق������ي������ص َ‬
‫َ‬
‫�����ل�����م م������ن ب ِ‬
‫ي����ه����رب‬
‫�����أس�����ك�����م‬
‫ال�����س‬
‫إل��������ى‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ول������ـ������م������ا تَ�������� َن�������� ْل�������� ُه س�����������وى َع ّ‬
‫�������ض ٍ‬
‫�������ة‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫أك��������ت��������اف��������ه ِم ْ‬
‫�������ب‬
‫ل������ه������ا ب����ي����ن‬
‫�������خ������� َل ُ‬
‫صورة اآلخر في شعر ابن دراج‪:‬‬
‫ يع ُّد اب��ن دراج القسطلي (‪421-347‬ه� �ـ) من أب��رز الشعراء الذين احتفوا‬
‫بوصف اآلخر في شعرهم ولعله ينافس املتنبي في هذا املجال‪ ،‬بل لعله الوجه املقابل‬
‫((( املن باإلمامة‪262-261 :‬‬
‫((( أدب السياسة واحلرب في األندلس ‪.297 :‬‬
‫‪- 148 -‬‬
‫له في الغرب‪ ،‬فقصائده في هذا السياق «تضاهي سيفيات املتنبي التي تغنى فيها‬
‫بالبطولة اإلسالمية التي أبداها سيف الدولة احلمداني في مواجهة الزحف الرومي‬
‫على الثغور اإلسالمية هناك‪ ،‬بل هما يتكامالن‪ ،‬ألن أحدهما يواكب الصراع اإلسالمي‬
‫النصراني في اجلناح الغربي من العالم اإلسالمي‪ ،‬واآلخر يواكب الصراع اإلسالمي‬
‫الرومي في الشرق اإلسالمي في فترات متزامنة تقري ًبا(((»‪.‬‬
‫وقد عاصر ابن دراج املنصور بن أبي عامر في عهد احلجابة الذي اضطلع‬
‫بدور عظيم في الدفاع عن الثغور اإلسالمية «مما جعل حياة هذا القائد العظيم جها ًدا‬
‫متواصلاً ‪ ،‬حتى إن املؤرخني يق ّدرون غزواته إلى املمالك املسيحية باثنتني وخمسني‬
‫غزوة»‪.‬‬
‫وكان ابن دراج يرافق املنصور في بعض غزواته‪ ،‬فكان املنصور أشبه بسيف‬
‫الدولة‪ ،‬وابن دراج أشبه باملتنبي‪ ،‬ولذلك لقب بـ «متنبي الغرب»‪.‬‬
‫وقد صنع ابن دراج في شعره صنيع املتنبي‪ ،‬فسجل الوقائع التاريخية والغزوات‬
‫واألم��اك��ن التي دارت حولها امل�ع��ارك‪ ،‬ووص��ف ال��روم وق��واده��م وملوكهم وجنودهم‬
‫والسفارات املتبادلة وغير ذلك‪ ،‬فمن ذلك وصفه الغزوة التي وجهها املنصور في سنة‬
‫‪384‬هـ إلى قشتالة التي كان يحكمها آنذاك غرسية بن فرذلند وفيها فتحت قلعة ُقلنية‬
‫‪ Culnia‬وكانت من املعاقل املنيعة في قشتالة‪ ،‬وأشار ابن دراج إلى شهوده تلك الغزوة‬
‫فقال‪:‬‬
‫��������������ر ْأ ِي َع���� ْي ِ‬
‫����ن����ي م���ن���ه ي�������و َم ُق��� ُل��� ْن��� َي ٍ���ة‬
‫وب‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫�����اب‬
‫ش��������ه��������اب‬
‫م�����ن�����ه‬
‫خ��������اط��������ف ل�����ش�����ه ِ‬
‫ٌ‬
‫���ن���ي ِب ِ‬
‫ال���ـ���م��� ْف ِ‬
‫س����ي ُ‬
‫����ه‬
‫����ف اإلل�������ه وح������ز ُب������ ُه‬
‫ُ‬
‫ال������ض���ل��الِ ِ‬
‫َّ‬
‫ح����������زاب‬
‫�������ر َق������� َة ا َأل‬
‫�����ع‬
‫ِ‬
‫ِش����� َي َ‬
‫وف ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪ ،‬املقدمة ‪.32 :‬‬
‫‪- 149 -‬‬
‫ويصف ابن دراج هزمية الروم حيث استطاعت كتائب املنصور أن متحو رسوم‬
‫الكفر وأن جتعل أرضهم قف ًرا‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫ِب����كَ����ت ِ‬
‫����ه����ا ُس���� ُب ُ‬
‫����ه���� َدى‬
‫����ل ال ُ‬
‫����ب َع�������� َّز ْت ِب َ‬
‫َ����ائ ٍ‬
‫َ����اب‬
‫�����ح ْ‬
‫����و ِك����ت ِ‬
‫����ح َ‬
‫َ‬
‫وم َ‬
‫�����ت ُر ُس���������و َم ال���ك���ف ِ���ر َم ْ‬
‫غ�������������ا َد ْرنَ َأ ْر َ‬
‫��������ه�������� ُم كَ����������� َأنَّ ف���ض���اءهَ ���ا‬
‫ض ُ‬
‫ُ‬
‫�����اب‬
‫������ه‬
‫َأ‬
‫������ر َأ ْو ُس ُ‬
‫������وب َي����� َب ِ‬
‫غ������������وال َق������ ْف ٍ‬
‫ُ‬
‫ت��������ت ُّ‬
‫ٍ‬
‫حَ ْ‬
‫ه�����داي�����ة‬
‫ب����غ����ي����ر‬
‫َ��������ث س�����ا ِل�����كَ�����ه�����ا‬
‫ِ‬
‫������ب س����ائ���� َل����ه����ا َ‬
‫اب‬
‫ب����غ ِ‬
‫�����������و ِ‬
‫����ي����ر َج َ‬
‫وجت������ي ُ‬
‫ وميثل شعر ابن دراج قيمة تاريخية كبرى في حتديد املواضع التي دارت فيها‬
‫املعارك بني املسلمني والقشتاليني في عهد املنصور بن أبي عامر‪ ،‬ففي قصيدة أخرى‬
‫يذكر عدة مواضع مثل «بربديل» وهو حصن كان في قشتالة((( فيقول(((‪:‬‬
‫ال م����� ْث َ‬
‫����و ْي����تَ����ه����ا‬
‫������ر َب������ ِّدي������ل ي�������وم َح َ‬
‫�����ل َب ْ‬
‫َف ْ‬
‫�����ان و َأ جْ َ‬
‫�����خ����� ًرا َأ‬
‫ن��������� َدا‬
‫غ��������ار َع���� َل����ى ال�����زم ِ‬
‫َ‬
‫ص�����ار ًم�����ا‬
‫����ي����ه����ا‬
‫���ل���إ‬
‫ِ‬
‫َج�������������� َّر ْد َت ل ِ‬
‫س���ل���ام ِف َ‬
‫ِ‬
‫����������ر َب ال ُّ‬
‫��������و ْدتَ�������� ُه َ‬
‫�����و َدا‬
‫َ�����ع َّ‬
‫َع َّ‬
‫����ط����ل����ى َف�����ت َ‬
‫ض ْ‬
‫ويذكر في القصيدة ذاتها قلعة (شنت إشتينب‬
‫‪San Estebandes Gornaz‬‬
‫التي‬
‫فتحها املنصور في قشتالة فيقول(((‪:‬‬
‫اش ِ‬
‫�����ت ْ‬
‫���ت���ي���ب��� ًن���ا وك����� َأنمَّ�����ا‬
‫وت�����رك�����ت َش����� ْن َ‬
‫َ‬
‫َح َّ‬
‫����ت س���ي���و ُف َ‬
‫����ر َق���� َدا‬
‫����ط ْ‬
‫���ك م���ن ِع����داه����ا ال���� َف ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪ ،‬حتقيق د‪ .‬محمود على مكي‪.91 :‬‬
‫((( كان يعرف هذا احلصن باسم ‪ Barba dillo‬ويعرف اآلن باسم ‪( Barbadillo Del Mercado‬ديوان ابن‬
‫دراج ص‪ 600‬هامش‪. )1‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.600 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.602 :‬‬
‫‪- 150 -‬‬
‫������ر َت ُم����� َّدتَ�����ه�����ا ب����وق����ف ِ‬
‫س����اع ٍ‬
‫����ة‬
‫����ة‬
‫َ‬
‫َف������ َق َ‬
‫������ص ْ‬
‫َ‬
‫������ت َل َ‬
‫اجل���ل���ي���ل ُم���خ��� َّل���دا‬
‫ال���ف���خ���ر‬
‫�������ك‬
‫َأ ْب������ َق ْ‬
‫َ‬
‫ويسجل ابن دراج غزوات املنصور إلى مملكته (ليون) التي كان يحكمها آنذاك‬
‫(برمند الثاني) فيقول(((‪:‬‬
‫ن ك���ت ِ‬
‫َأ َ‬
‫وط�������������� ْأ َت َأ َ‬
‫���ائ��� ًب���ا‬
‫رض امل����ش����رك��ي� َ‬
‫����ه����ا َوش������ي ُ‬
‫������ك َف����ن����ائ����ه����ا و َد َم�������ا ُره�������ا‬
‫ِف����ي َ‬
‫����ت َأ َ‬
‫�������ي كَ��� َأ َّن���ه���ا‬
‫وت����رك َ‬
‫رض « ِل����� ُي�����ونَ » َوهْ َ‬
‫َل������ ْم ت ْ‬
‫ال���ق���ري���ب ِدي����ا ُره����ا‬
‫�����س‬
‫َ����غ����نَ ب�����ا َألم ِ‬
‫ِ‬
‫ويفهم من قصيدة ابن دراج أن الغزوة التي توجهت إلى بالد (ليون) كانت في‬
‫فصل (الشتاء) فيشير إلى تغطية جبالها بالثلوج وجت ُّمد أنهارها وقسوة طبيعتها مما‬
‫يضفي على الفتح أهمية ويجسد حسن بالء املقاتلني‪ ،‬ويشير إلى عبور اجليش خليج‬
‫(دوير) فيقول(((‪:‬‬
‫���ت‬
‫����اب ا َألم��������نِ ح َ‬
‫���ع ْ‬
‫����س ْ‬
‫َل ِ‬
‫��ي��ن مَتَ��� َّن َ‬
‫����ت ث����ي َ‬
‫����ب َ‬
‫وت��������ب��������اع�������� َد ْت َأق������ط������ا ُره������ا‬
‫آف������ا ُق������ه������ا‬
‫َ‬
‫����ت ُح���� َل َ‬
‫����وج ِج��ب��ا ُل��ه��ا‬
‫وت����س����ر َب���� َل ْ‬
‫����ل ال���� ُّث���� ُل ِ‬
‫�����ت َم������� َّد َ‬
‫احل����ي����ا َأن����ه����ا ُره����ا‬
‫�����ر َغ ْ‬
‫ْ‬
‫واس�����تَ����� ْف َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ب�������ط�������ال جت����ه���� ُد َخ��� ْل��� َف���ه���ا‬
‫واخل�����ي�����ل وا َأل‬
‫َألاّ َي ِ‬
‫�����ش َّ‬
‫�����ط َع����� َل�����ى اخل����ل����ي����لِ َم�����زا ُره�����ا‬
‫��ج « ُدو ْي����������� ُر»((( كَ�� َأ َّن��ه��ا‬
‫����رنَ خ��ل��ي َ‬
‫َح���تَّ���ى َع���� َب ْ‬
‫ِ‬
‫ب����احل����ت����وف ِب����ح����ا ُره����ا‬
‫ُس����� ُف�����نٌ ت�����رام�����ى‬
‫((( نفسه ‪.550 :‬‬
‫((( نفسه‪.552-551 :‬‬
‫((( نفسه‪.552 :‬‬
‫‪- 151 -‬‬
‫ويردد ابن دراج اسم (لونة) ‪ Luna‬وهي قلعة منيعة في مقاطعة (ليون) غزاها عبد‬
‫امللك املظفر بن املنصور بن أبي عامر سنة ‪395‬هـ فيقول(((‪:‬‬
‫�������ذي َأ ْو َر ْد َت « ُل�����و َن����� َة» ق ِ‬
‫و َأن������ت ا َّل ِ‬
‫���اه��� ًرا‬
‫���ح���و ُره���ا‬
‫خ����ي����ولاً ‪ ،‬س���م���ا ُء ا َأل ْر ِ‬
‫ض ف��ي��ه ُن ُ‬
‫وق������د الح ب���ال���ن���ص���ر ال����ع����زي����ز ل����واؤه����ا‬
‫ن َب ِ‬
‫����ش����ي���� ُرهَ ����ا‬
‫���ح امل�����ب��ي�� ِ‬
‫و َأ ْع������� َل�������نَ ب���ال���ف���ت ِ‬
‫ويذكر (لونة) في قصيدة أخرى فيقول(((‪:‬‬
‫َ‬
‫����رتَ���� ُه‬
‫م���ث���ل‬
‫وال‬
‫ي������وم ن���ح���و « ُل������و َن������ َة» ِس ْ‬
‫ٍ‬
‫���ار َغ��� َي ِ‬
‫���اه��� ُب��� ْه‬
‫����س ال���ن���ه ِ‬
‫���ع ْ‬
‫وق����د َق��� َّن َ‬
‫���ت َش���� ْم َ‬
‫���ار ًق���ا‬
‫������ار ِ‬
‫���ع َب ِ‬
‫���ه���ا ِف����ي ع ِ‬
‫����ع َ‬
‫����ت َل َ‬
‫َر َف ْ‬
‫ض ال��� َّن��� ْق ِ‬
‫ت ِ‬
‫����ح ِ‬
‫����ائ���� ُب���� ْه‬
‫َ�����س ُّ‬
‫����ب امل����ن����اي����ا َس َ‬
‫�����ح ش����آب����ي َ‬
‫‪Santiago de‬‬
‫وم��ن امل��واض��ع اإلسبانية ال�ت��ي ذك��ره��ا اب��ن دراج (شنتياقب)‬
‫‪ Compostela‬وقد غزاها املنصور بن أبي عامر في حملة إلى جليقية ‪ Galicia‬في‬
‫أقصى الشمال الغربي من أسبانيا ويسجل فيها أسماء املواضع التي اجتازتها‬
‫احلملة مثل (مليق) و(كرنة) و(بوغة) فيقول في معرض اإلشادة باملنصور وابنيه عبد‬
‫امللك وعبد الرحمن حلسن بالئهم في تلك الغزوة(((‪:‬‬
‫�����اس�����تَ�����ب�����اح�����ا‬
‫َ‬
‫وراح�����������������ا ب�����امل�����ن�����اي�����ا ف ْ‬
‫ُ (((‬
‫���������ار « َل ِ‬
‫�����ن‬
‫�����ـ�����م‬
‫�����ع����� ِّر َد ْي ِ‬
‫����ر ُم َ‬
‫�����ي�����ق» غ����ي َ‬
‫دي َ‬
‫�����ت ُج�����ي ُ‬
‫ِ‬
‫َو َق��������� ْد ج َ‬
‫��ي��ه��ا‬
‫�����وش‬
‫�����اش ْ‬
‫امل�������وت ِف َ‬
‫����ـ����ن‬
‫����م���� ْي ِ‬
‫�������و َل م����ن ت����واف����ي ا َأل ْي َ‬
‫ب������� َأهْ َ‬
‫����ه َ‬
‫(((‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.97 :‬‬
‫((( نفسه ‪.99 :‬‬
‫((( نفسه ‪.512-511 :‬‬
‫((( مليق‪ :‬مدينة تقع في البرتغال اآلن شمال غربي لشبونة (د‪.‬مكي‪ ،‬ديوان ابن دراج‪ 511 :‬هامش ‪.)28‬‬
‫((( يعني باأليهمني‪ :‬السيل واحلريق‪.‬‬
‫‪- 152 -‬‬
‫ِ‬
‫������ت‬
‫����������ج���������� َّر َة ا َأل‬
‫ف��������ل��������اك َح������ َّف ْ‬
‫كَ��������������� َأنَّ َم َ‬
‫ِّ‬
‫�������ه�������ا م�����ح�����ف�����و َف����� ًة‬
‫ِب َ‬
‫������ر َي���ْي��نْ ِ‬
‫ب������ال������ش ْ‬
‫������ع َ‬
‫ِّ‬
‫�������ر ِك م��ن��ه��ا‬
‫ك�����������اب‬
‫�����������ت ِر‬
‫َو َق����������� ْد ُز َّم‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ال�������ش ْ‬
‫�������ر َوكَ���������ا َن���������ا احل ِ‬
‫���������اد َي����ْي����نْ ِ‬
‫ِإ َل�����������ى َس������� َق ٍ‬
‫ِ‬
‫ب�������ال�������دم�������اء َع������� َل�������ى ُرب������اه������ا‬
‫ون�������������اءا‬
‫ي�����ن َن‬
‫َح������ ًي������ا ل�����ل����� ِّد ِ‬
‫�����������رز ََم�����ْي�����نِْ‬
‫ْ‬
‫�������������و َء ا ِمل ْ‬
‫���وا ِل���ي‬
‫���س���ـ���ف���ا «كُ�������� ُر َّن�������� َة»((( ب���ال َ‬
‫���ع َ‬
‫َو َق�������� ْد َخ َ‬
‫����اد َئ���� ْي����ـ����نِ وع ِ‬
‫��������وغ�������� َة»((( ب ِ‬
‫َ‬
‫����ن‬
‫و « ُب‬
‫����ائ���� َد ْي����ـ ِ‬
‫ويتغنى اب��ن دراج في قصيدة أخ��رى بفتح املنصور مدينة (شنت ياقب) أو‬
‫شنتياقة وهي العاصمة القدمية ملنطقة جليقية «وكانت هذه املدينة وال تزال من أقدس‬
‫بقاع املسيحية اإلسبانية واألوربية عامة‪ ،‬إذ كان إليها حجهم وتعبدهم»(((‪ ،‬وقد ارتفعت‬
‫مكانتها في العصور الوسطى بني املسيحيني في غرب أوربا كله حتى أصبحت من أول‬
‫مراكز احلج بني أمم النصرانية واشتهرت بكنيستها((( وقد غزاها املنصور سنة ‪387‬‬
‫وشهد ابن دراج الغزوة بنفسه‪ ،‬ووصفها في قصيدة رائعة قال فيها(((‪:‬‬
‫���س َع��� َل���ى َع ِ��ق ِ��ب��ـ�� ْه‬
‫ال���ي���وم َأ ْن�����ك َ‬
‫َ�����ص ِإب���ل���ـ���ي ٌ‬
‫���ب ال���غ���ـ���اوي���نَ م��ـ��ن َس�� َب ِ��ب��ـ�� ْه‬
‫ُم����� َب����� َّر ًءا َس��� َب���ـ ُ‬
‫��ار َح�� ْي��ـ ُ‬
‫��ث َن���� َأ ْت‬
‫���ع ال��ك�� َّف ِ‬
‫واس��تَ�� ْي�� َق�� َن ْ‬
‫��ت ِش��� َي ُ‬
‫ْ‬
‫��رب َأنَّ ال ِّ‬
‫ِف��ي ال َّ‬
‫��ش َ‬
‫��رك م��ن ك َِ��ذ ِب�� ْه‬
‫��ش ْ��ر ِق وال��غ ِ‬
‫((( لعله يعني (بوغو) وهو اسم نهر صغير وكان من الطرق التي يسلكها النصارى في احلج إلى «شنتياقب»‬
‫د‪.‬مكي‪ ،‬ديوان ابن دراج‪ 512 :‬هامش‪.)2‬‬
‫((( يرجح د‪ .‬مكي أن ابن دراج إمنا عني بهذا املوضع» كورونيو ‪ »Corono‬وهو اسم نهير تقع عليه بلدة‬
‫صغيرة حتمل نفس االسم وتقع في مقاطعة «الكرونيا» انظر‪ :‬ديوان ابن دراج‪ 512 :‬هامش‪. )1‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪ ،‬املقدمة ‪.34 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪( 583 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.583 :‬‬
‫‪- 153 -‬‬
‫ِب���ـ«ش��� ْن���ـ ِ‬
‫����ـ����ت َل���ـ��� ُه‬
‫���ت���ـ���ي���ا َق��� َة» مل���ـ���ا َأن َد َل���� ْف َ‬
‫��س ِ��ري ِف��ي َس��ن��ا ُش ُ��ه ِ��ب�� ْه‬
‫بالب ِ‬
‫يض ك��ال��ب ِ‬
‫ِ‬
‫��در َي ْ‬
‫س�����ل�����ام ع ِ‬
‫���اط��� َف���ـ��� ٌة‬
‫وح���� ْل���� َب����ـ���� ُة ال����دي����نِ وا ِإل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫���ك ك���ال��� َف��� َل ِ‬
‫���ك اجل������اري َع��� َل���ى ُق ُ‬
‫َع��� َل��� ْي َ‬
‫��ط ِ��ب��ـ�� ْه‬
‫����رى دي����نِ ال َّ‬
‫���ض�ل�ا َل ِ���ة من‬
‫��ص�� ْم َ‬
‫َح��تَّ��ى َف َ‬
‫��ت ُع َ‬
‫راس����ي ال��ق ِ‬
‫مم��ن��وع ِ‬
‫احل��م��ى َأ ِش��ب��ـِ�� ْه‬
‫��واع��ـ ِ��د‬
‫ِ‬
‫ويصف ابن دراج في قصيدته ما تتمتع به مدينة (شنتياقب) من مكانة دينية في‬
‫نفوس النصارى ويشير إلى كنيستها املشهورة التي كان يقصدها حجاج النصارى‪،‬‬
‫ويصدر في وصفه عن وجهة النظر اإلسالمية فيقول(((‪:‬‬
‫��اغ ِ‬
‫��ت ُع�� َّب�� ُد ال َّ‬
‫��ط ُ‬
‫اص َ‬
‫��وت واع��ت��ق�� َد ْت‬
‫��ط�� َف ْ‬
‫ّ‬
‫مم��ا ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫اآلالف م���ن ِح��� َق ِ���ب��� ْه‬
‫وش���� َّي���� َد ال��� ُك��� ْف��� ُر ِف����ي‬
‫ال����س ِ‬
‫ع����م����و ُد ِش ِ‬
‫ِ‬
‫ذوائ������ ُب������ ُه‬
‫����ام����ي‬
‫�����رك�����هِ ����� ُم‬
‫َّ‬
‫واحل��� ْب ُ‬
‫ُ‬
‫���ش وا َأل ْف�������رنجْ ُ م��ن ُط�� ُن ِ��ب�� ْه‬
‫وال������ ُّرو ُم‬
‫�������ار س ِ‬
‫�����ائ����� َل����� ًة‬
‫حَ�������ج������� ُه ِف‬
‫�������������ر ُق ال�������كُ������� َّف ِ‬
‫ت ُّ‬
‫َ‬
‫����و َأ ْظ����� َل����� َم ِف����ي ِ‬
‫َ‬
‫���ب��� ْه‬
‫���ح ِ‬
‫ك����اجل ِّ‬
‫����ه ُم���ل���تَ���ق���ى ُس ُ‬
‫رض َح�� ْي ُ‬
‫��ث َن�� َأى‬
‫��اب ا َأل ِ‬
‫َ��و َد ٌع ِف��ي ِش��ع ِ‬
‫��س��ت ْ‬
‫ُم ْ‬
‫��ج ِ��ب�� ْه‬
‫������ج‬
‫ِ‬
‫ُش����� ُّم ِ‬
‫اجل����ب����الِ و ُل ُّ‬
‫ال��ب��ح��ر م���ن ُح ُ‬
‫���ف���ار ِب ِ‬
‫م���ن كُ ِّ‬
‫����ر م���ن َع ِّ‬
‫���ه‬
‫ال���س‬
‫�����ض‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫�����ل َأغ���� َب َ‬
‫وس ِ‬
‫��س َ��رى َش ِج ِب ْه‬
‫��اه ِ��م ال َ‬
‫��و ْج ِ��ه م��ن ُط���ولِ ال ُّ‬
‫����ت ِ‬
‫����ع ِ‬
‫ِّ‬
‫������ه ٍ‬
‫����ه‬
‫������د ِإ َل����������ى َأ‬
‫ِ‬
‫وك��������ل ُم ْ‬
‫رك�������������ان ِب����ي َ‬
‫َم����ا ع���� َّز م���ن ن���ف ِ‬
‫���ه���ا وم����ن َن َ‬
‫���ش ِ���ب��� ْه‬
‫���س ِ���ه ِف���ي َ‬
‫َق������ ْد ط���امل���ا َأ ْح����� َف ِ‬
‫ُ‬
‫م����ل����اك َأ ْر ُج���� َل����ه����ا‬
‫�����ت ا َأل‬
‫���ب��� ْه‬
‫ِف���ي ِ���ه َو َخ�������� َّر ْت َع��� َل���ى ا َأل ْذق��������انِ م���ن َرهَ ِ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.584 :‬‬
‫‪- 154 -‬‬
‫ويصور اب��ن دراج احل��رائ��ق التي أشعلها جيش املنصور في املدينة مبش ًرا‬
‫بانتصار الهدى على الكفر والضالل‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِّ‬
‫م�������تَ������� ُه ب����ج����ن ِ‬
‫���ت‬
‫����ود‬
‫احل�������ق ف���ا ْن��� َق��� َل��� َب ْ‬
‫َأ مَ ْ‬
‫ُ‬
‫���ب��� ْه‬
‫ب�����غ����� َّر ِة‬
‫ال���ف���ت���ح م����ن ت���غ���ي���ي ِ���ر ُم��� ْن��� َق��� َل ِ‬
‫ِ‬
‫���ار َم�����ا َب ِ‬
‫وس���� ْم����تَ���� ُه ج ِ‬
‫���ت‬
‫����م����ا ل���ل���ن ِ‬
‫���ق��� َي ْ‬
‫����اح ً‬
‫ُ‬
‫������ي م���ن َح َ‬
‫��ط ِ��ب�� ْه‬
‫ن��ف��س م���ن‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ال��ك��ف��ر ِإلاّ َوهْ َ‬
‫��ح َم�� ْن َ‬
‫��ظ ِ��ر ِه‬
‫��س��نَ م���ر َأى ال ُ‬
‫��ه��دى م��ن ُق�� ْب ِ‬
‫ي��ا ُح ْ‬
‫���������ر َد َأك�����ب ِ‬
‫���ب��� ْه‬
‫�����اد‬
‫���ه ِ‬
‫ح������زب ال���ل���ه م����ن َل َ‬
‫ِ‬
‫و َب ْ‬
‫وكان لهذا الفتح صداه الواسع في شعر ابن دراج‪ ،‬فتغنى به في قصيدة أخرى‬
‫قال فيها(((‪:‬‬
‫«ش������� ْن ِ‬
‫َو ِف����������ي َ‬
‫�������ب» َأ ْو َر ْدتَ���������ه���������ا‬
‫�������ت ي�������ا ُق َ‬
‫ش�����������واز َب َي����� ْب ِ‬
‫����ر ث�����ارا‬
‫�����غ َ‬
‫��ي��ن ِف������ي ال����ب����ح ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���ل��ال‬
‫��������ر َت ِه������ل�����الاً ُت‬
‫��������ب��������اري ال������هِ‬
‫ِ‬
‫ف��������س ْ‬
‫ُ‬
‫����ب����ح����ارا‬
‫�������ح������� ًرا ي�����خ‬
‫�����وض ال ِ‬
‫ِإ َل����� ْي�����ه�����ا و َب ْ‬
‫وش����م����س����ا ت َ‬
‫����م ْ‬
‫����ن‬
‫����ر َب���� ْي����ـ ِ‬
‫����غ ِ‬
‫َ�����ط����� َّل ُ‬
‫�����ع ب����ال����ـ َ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ب����ح����ي ُ‬
‫��������واف��������ي ُذكَ���������������ا ُء ال ُ‬
‫�����غ�����ب�����ارا‬
‫����ث ُت‬
‫������ت ج ِ‬
‫���ان���ب���اه���ا‬
‫ف���م���ا ِر ْم‬
‫َ‬
‫�����������ت َح�����تَّ�����ى َع������ َل ْ‬
‫ال����ـ����م���� َذ ِ‬
‫ب������ َأي ِ‬
‫����اج����ا ُم����ث����ارا‬
‫������دي‬
‫اك����ي َع����ج ً‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ال��������ه��������واء ال����� ِّري�����ا‬
‫������ه������ا ِف��������ي‬
‫ُ‬
‫������ب ِب َ‬
‫ت������ه ُّ‬
‫ُح ِإ َّم�������������ا ُدخ���������ا ًن���������ا و ِإم�������������ا ُغ������ب������ارا‬
‫����س����ت ِ‬
‫����ره����ا‬
‫َ����ط ْ‬
‫����ع «ي�������ا ُق ٌ‬
‫�������ب» َن ْ‬
‫َو َل���������� ْم َي ْ‬
‫����ص َ‬
‫������ف ع����ن���� ُه ا ْن ِ‬
‫������س َ‬
‫����������ع َ‬
‫����ت����ص����ارا‬
‫وال َد َف َ‬
‫اخل ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.607 :‬‬
‫‪- 155 -‬‬
‫َل ِ‬
‫�����������و َر ْت ِف�����ي َش�����غ ِ‬
‫ّ‬
‫ال���ش���م���الِ‬
‫�����اف‬
‫�����ئ�����نْ َغ‬
‫َّ‬
‫ل���ق���د َأ جْ َ‬
‫ْ�����ح ِم���� ْن����ه����ا َ‬
‫وغ��������ارا‬
‫ن������������ َد ال����� َف�����ت ُ‬
‫ ويذكر ابن دراج في قصيدته موض ًعا آخر هو حصن (لنيوش) الذي افتتحه‬
‫املنصور وكان حصنًا استراتيج ًّيا مه ًّما ويقع اآلن في حدود البرتغال‪ ،‬ويشير ابن‬
‫دراج إلى حتطيم هذا احلصن فيقول(((‪:‬‬
‫ُ‬
‫������وش» َأ ْم َ‬
‫�����رتَ�����ه�����ا ص���ائ���ب ٍ‬
‫���ات‬
‫و« َل������ ْن������ ُي‬
‫�����ط ْ‬
‫ُت ِ‬
‫َ����ع����ف����و ال����� ِّدي�����ارا‬
‫����وس وت ْ‬
‫����ص����ي ُ‬
‫����ب ال����ن����ف َ‬
‫��������اح��������ا ِط���������والاً‬
‫هَ ���������������� َزز َْت ِإ َل������ ْي������ه������ا ِرم ً‬
‫ق�����������وم ِق������ص������ارا‬
‫ع���������م���������ار‬
‫�������ص������� ِّي������� ُر َأ‬
‫ُت َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ف������غ������ا َد ْرتَ������ه������ا ِف��������ي َ‬
‫ل������ـ������ه‬
‫�������م�������ان ا ِإل‬
‫ض‬
‫ِ‬
‫���������ت أع�����ل�����ى و َأ ْن����������������� َأى َم�����������زَارا‬
‫وي��������� ْم َ‬
‫مَ َّ‬
‫س ال���ل���ي ُ‬
‫���اب‬
‫َو َق������� ْد َي���� ْف ِ‬
‫���ث َأ ْروى ال���هِ ���ض ِ‬
‫����ر ُ‬
‫����ه ِ‬
‫اح ِ‬
‫ش ال ِّ‬
‫����م ُ‬
‫��������ر َ‬
‫���ت���ق���ارا‬
‫و ُي ْ‬
‫����ض����ب ِ‬
‫����اب ْ‬
‫����ل َح ْ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ال�����ض��ل��الِ‬
‫�����ب�����ي����� َد‬
‫������ت ِف‬
‫وخ������ َّل������ ْف َ‬
‫����ي����ه����ا ُم ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�������ع�������ارا‬
‫ُي������� َق������� ِّر ُب�������ه�������ا َل‬
‫������������ك ث�������و ًب�������ا ُم َ‬
‫ُي�����كَ�����ف ِ‬
‫�����ك ُ‬
‫����ام����ا‬
‫����������������ع َع‬
‫�����ف َأ ْد ُم‬
‫�����ْي�����نْ ِس����ج ً‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫�����������رارا‬
‫و ُي��������� ْب ِ‬
‫���������ر ُد َأح�������ش�������ا َء َ‬
‫ص������������ ْد ٍر ِح َ‬
‫وسجل ابن دراج في شعره غزوات املنصور في بالد «بنبلونة» أو «نبارة» التي‬
‫َّ‬
‫كان يحكمها امللك غرسيه الثاني بن شاجنة (ت‪391‬هـ)‪ ،‬ويذكر أسماء مواضع مسيحية‬
‫دارت حولها املعارك‪ ،‬ويشير إلى كنيسة (شنت اقروج) التي خربتها أو أحرقتها تلك‬
‫احلمالت التي استهدفت روما املسيحية فيقول(((‪:‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.609 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪ 529 :‬والهامش (‪.)1‬‬
‫‪- 156 -‬‬
‫ِ‬
‫ف ِ��ت��ل َ‬
‫واحل��م��ى‬
‫��ك ال��� ُّرب���ى م���ن « َب��� ْن ِ���ب��� ُل���و َن��� َة»‬
‫����ائ ِ‬
‫����و ٌّد ب���� َأ ْرج ِ‬
‫��ح‬
‫����ه‬
‫ُّ‬
‫����س َ‬
‫ال��ص�� ْب ُ‬
‫م����نَ ال������� َّر ِ‬
‫اح ُم ْ‬
‫��ع�� ُة َ‬
‫��و َق��ه��ا‬
‫���ت ا ْق‬
‫������روج» َأ ْو َر ْي َ‬
‫«ش��� ْن َ‬
‫وب��ي َ‬
‫�������ت َف ْ‬
‫َ‬
‫�����ب ِف ِ‬
‫���ع��� ْم���ي ِ‬
‫�������ر ُح‬
‫َس����ن����ا َل َ‬
‫����ي����ه ل َ‬
‫�����ه ٍ‬
‫���ائ���ه���ا َش ْ‬
‫���ح ا َأل َج ُّ‬
‫��ت‬
‫��ح ْ‬
‫َوكَ������انَ َل َ‬
‫���ص ُ‬
‫������ل ف�� َأ ْ‬
‫���ه���ا ال ِ���ف ْ‬
‫ص�� َب َ‬
‫���ح‬
‫ل����ن ِ‬
‫���ح���ا َم����ا َل َ‬
‫���ه���ا َب ْ‬
‫���ص ً‬
‫���ص ُ‬
‫����ع���� َد ُه ِف ْ‬
‫����ار َك ِف ْ‬
‫ف���� ِل���� َّل ِ‬
‫����ه َع��� ْي���ن���ا م����ن ر َأى ِب َ‬
‫���ر َح���ه���ا‬
‫������ك َ‬
‫ص ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫���ر ُح‬
‫وم����نْ‬
‫ج��اح ِ��م ال�� ِّن��ي��رانِ ِف���ي َس�� ْم ِ��ك ِ��ه َ‬
‫ص ْ‬
‫���رص ِ‬
‫���ات���ه���ا‬
‫رف���ع���ت م���ن‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫ال���ص��� ْل��� َب���انِ ِف����ي َع َ‬
‫��������ه ُر ِ‬
‫و ُق���������و ًدا َل������ ُه ِف�����ي َو ْج ِ‬
‫وم������ َّي ٍ‬
‫���ح‬
‫������ة َل��� ْف ُ‬
‫م���������اء ُح���م ِ‬
‫ِ‬
‫���ات���ه���ا‬
‫���ي���ه���ا م����ن ِد‬
‫������ر َت ِف َ‬
‫و َف َّ‬
‫������ج ْ‬
‫ت�����اج ُم���ل ِ���ك���هِ ��� ُم َن ْ‬
‫���ح‬
‫���ه���ا ِف����ي‬
‫�����ح�����و ًرا َل َ‬
‫ُب ُ‬
‫���ض ُ‬
‫ِ‬
‫وترددت أصداء فتوحات (بنبلونة) غير مرة في شعر ابن دراج‪ ،‬فوصف هزمية‬
‫غرسية بن شاجنة وصور احلرائق واخلراب الذي َّ‬
‫حل ببالد ِّ‬
‫الشرك فقال(((‪:‬‬
‫ح�����ري�����ق ال خ�����م�����و َد َل����� ُه‬
‫وج������اح������ ٌم م�����ن‬
‫ٍ‬
‫وس����ط ُم���ف���ت��� َأ ِد ْه‬
‫ِإ َّال و َن���ف ُ‬
‫���ج» ْ‬
‫���س «اب����ن َش���ن ٍ‬
‫�����ت ِ‬
‫َ���������ت ُع�������� َّب��������ا َد ِم����� َّل ِ‬
‫كَ�����ت ِ‬
‫�����ه‬
‫َ���������رك ْ‬
‫�����ائ����� ًب�����ا ت َ‬
‫�����ام م��ن َأ َح ِ‬
‫�����د ْه‬
‫��س��ب َ‬
‫ال ت���ع ِ���ر ُف ال َّ‬
‫��ت ِف���ي األي ِ‬
‫�����ب ال��ف��ض ِ‬
‫ِإن ض َ‬
‫��اء فقد‬
‫����اق ع��ن َم��� ِّره���ا َر ْح ُ‬
‫���ل���ب ِ‬
‫َن ِ‬
‫���ه���ا ِإ َل�������ى كَ����ب ِ‬
‫����د ْه‬
‫������ف������ ْذ َت م����ن َق ِ‬
‫���ه ِف���ي َ‬
‫َّ�����ت م���ن���ه���ا ق�����واص�����ي « َب���ن���ب��� ُل���و َن ِ‬
‫���ت���ه»‬
‫ف�����ت َّ‬
‫�����ت ِف����ي ع���ض ِ���د ْه‬
‫����ار َف��� ًّت���ا َف َّ‬
‫ب���ال���ه��� ْد ِم وال���� َّن ِ‬
‫َ‬
‫((( املصدر نفسه‪.240 :‬‬
‫‪- 157 -‬‬
‫ويشير ابن دراج في إحدى قصائده إلى غارة قام فرسان (ابن شاجنة)((( على‬
‫أهل قلعة أي��وب من أعمال سرقسطة وقتلوا فيها أخا واليها «حكم بن عبد العزيز‬
‫النجيبي» وقو ًما معه‪ ،‬فأمر املنصور بن أبي عامر بضرب أعناق من كان في أسره‬
‫بقرطبة من فرسان اب��ن شاجنة وأق��ارب��ه األش��راف الذين ظفر بهم في مدينة (أون��ة‬
‫قشتيل) على مقربة من (سرقسطة) وغيرها من بالد «بنبلونة» وركب ابنه عبد الرحمن‬
‫بن املنصور املعروف باسم (شنجول) إلى باب (السدة) وهو باب قصر اخلالفة بقرطبة‬
‫ وهو املكان الذي تعرض عليه رؤوس من يتم إعدامه بقرطبة من زعماء النصارى‬‫الذين يظفر بهم املسلمون في املعارك ‪ -‬وقام عبد الرحمن شنجول بقتل شريف منهم‬
‫بيده‪ ،‬وسجل ابن دراج هذا احلدث فقال مشي ًرا إلى مقتل شهيد املسلمني فقال(((‪:‬‬
‫َق�������ت َ‬
‫�������ل امل�������ش�������رك�������ونَ ِم������� َّن�������ا ش����ه����ي���� ًدا‬
‫َ‬
‫�����������ش����������� ُرو ُه‬
‫�������ه������� ْم َأ ْن‬
‫�������وا ب������� َأ َّن ُ‬
‫َ�������م������� َّن ْ‬
‫َف�������ت َ‬
‫ُس ِ‬
‫ال�������ك�������رمي ِدم����������ا ٌء‬
‫َ������ت ب��������ال�������� َّد ِم‬
‫������ف������ك ْ‬
‫ِ‬
‫����س ِ‬
‫��������وب ُ‬
‫��������ق َ‬
‫����ف����ي���� ُه‬
‫وك���������ذا ُي ِ‬
‫احل�����ل�����ي����� َم ال َّ‬
‫�����������������������و َد ْو ُه‬
‫���������ص��������� َّف��������� ًدا َف‬
‫َ‬
‫َق�������ت�������ل�������و ُه ُم َ‬
‫�������ر ِف ِ‬
‫�������ه َل�������� ْم َي��������� ُدو ُه‬
‫��������و َع���ل��ا َظ ْ‬
‫َل ْ‬
‫������ه َ‬
‫������ر ِط ْ‬
‫ويشير إلى ر ّد فعل املسلمني وإقدامهم على قتل وجهاء النصارى فيقول(((‪:‬‬
‫َل ِ‬
‫������وت ِف����ي «ال����� َّر ِص�����ي ِ‬
‫�����ف»((( ِرج ٌ‬
‫�����ال‬
‫���ي امل َ‬
‫���ق َ‬
‫������ن������ي َأب�������ي ِ‬
‫������ه������ ْم ِف��������ي َب ِ‬
‫�������ه َو ِج������ي������ ُه‬
‫كُ ������ ُّل ُ‬
‫ص�����������وار ُم ال����ه����ن ِ‬
‫����د وال�������� ُّز ْر‬
‫ْ������ه������ ْم‬
‫ِ‬
‫غ������ا َد َرت ُ‬
‫ُق َح ِ‬
‫����ص����ي���� ًدا َي�����ا ُب ْ‬
‫���������و ٍم َل���� ُق����و ُه‬
‫س َي ْ‬
‫���������ؤ َ‬
‫((( يرجح د‪ .‬مكي أن يكون املقصود هو ملك البشكنس (نبارة) صاحب (بنبلونة) أو غرسية بن شاجنة املعروف‬
‫بـ(الرعديد) الذي كان يحكم (نبارة) بني سنتي ‪391 ،384‬هـ (ديوان بن دراج‪ ،‬هامش‪1‬ص‪.)570‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.571 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.572-571 :‬‬
‫((( الرصيف‪ :‬مكان بقرطبة‪.‬‬
‫‪- 158 -‬‬
‫ِ‬
‫������ج ز َْر َق������������������ ًة ت�����ركَ�����تْ����� ُه‬
‫ز ََر َق‬
‫ال������ع������ ْل َ‬
‫����������ر ً‬
‫ض����������ا َق������������ ْد َأظ���������� َّل���������� ُه امل�������ك�������رو ُه‬
‫َح ِ‬
‫م��������ات ُذ ْع������������ ًرا م���ن���ه وك������م َل ِ‬
‫������ي ا َألب������ـ‬
‫َ‬
‫������ق َ‬
‫َ‬
‫��������و ٍة ف����م����ا َذ َع��������������� ُرو ُه‬
‫َط‬
‫�����������ال ِف��������ي هَ �������� ْب َ‬
‫ي�������������������ا َل�������������� ُه و َق ِ‬
‫�������ت�������ي اً‬
‫���ًل���‬
‫ول����������كَ���������� ْم َأ مِّ ً‬
‫����ب َم�������نْ َي������ ْد ُع������و ُه‬
‫ص������� َّم ع����ن َأنْ ُي ِ‬
‫َ‬
‫����ج����ي َ‬
‫������������اق‬
‫�������ص������� َّف������� ًدا ِف��������ي َو َث‬
‫و َأس���������ي��������� ًرا ُم َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫������������ف ُف����������و ُه‬
‫ل����������ط����������ار ٍق َج‬
‫وغ�������ي�������ا ًث�������ا‬
‫ِ‬
‫َذ َ‬
‫اك َح������تَّ������ى إ َذا ال������ ِّل������ق������ا ُء َدع���������ا ُه‬
‫َ���ع َ‬
‫���م���و ُه‬
‫اس���ت ْ‬
‫���ظ ُ‬
‫َع����ا َي����نَ ال����ن ُ‬
‫����اس م���ن��� ُه َم����ا ْ‬
‫ومن املواضع املسيحية التي غزاها املنصور بن أبي عامر وحرص ابن دراج على‬
‫ذكرها في شعره (شرنبة) و(قنتيش) ووادي (آر) ويصف انتصار املنصور على كتائب‬
‫اإلفرجن في تلك املواضع فيقول(((‪:‬‬
‫��ي َ‬
‫��ع�� ًة‬
‫���ر ْن��� َب��� َة»((( َوق َ‬
‫واس���ت ْ‬
‫«ش َ‬
‫َ���و َد ُع���وا ج��ن�� َب ْ‬
‫������ال ال������راس������ي ِ‬
‫ه������� َّد اجل������ب َ‬
‫������ات َوئ����ي���� ُده����ا‬
‫د َل����ف����وا ِإ َل�������ى َش���ه���ب���ا َء ح�����ان َح���ص���ا ُده���ا‬
‫ب ُ‬
‫ؤوس ال����� َّدارع��ي��ن َح��ص��ي�� ُده��ا‬
‫���ى ُر ُ‬
‫���ظ���ب ً‬
‫ِ‬
‫��ش» َو َق������ ْد َح َ‬
‫��ه�� ْم‬
‫وش‬
‫����ر ْت َل ُ‬
‫���ع���اب « َق��ن��ت��ي ٍ‬
‫ُ‬
‫����ش َ‬
‫�������ك�������ت ع�����دي����� ُده�����ا‬
‫مم ُب��������غ��������ا ٌة ال ُي‬
‫ُّ‬
‫ُأ ٌ‬
‫���ه���ا ِف���ي «آ ُر»‬
‫و َد َن ْ‬
‫������ت َل َ‬
‫(((‬
‫حَ ْ‬
‫������وار ٍم‬
‫ص‬
‫ِ‬
‫ت َ‬
‫�����ت َ‬
‫ن ُزن������و ُده������ا‬
‫َو ِر َي‬
‫���������������ت ب�����ع����� ِّز امل����س����ل����م��ي� َ‬
‫ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.147-146 :‬‬
‫((( شرنبة‪ :‬نهير يسمى اآلن ‪ Riojarama‬وهو فرع من نهر تاجه ‪( EL Tajo‬ديوان ابن دراج‪ 146 :‬هامش ‪)1‬‬
‫((( وادي آر‪.‬‬
‫‪- 159 -‬‬
‫م���اح وأص�� َل�� ُت��وا‬
‫م��ن ْ‬
‫ب��ع ِ��د َم���ا َق��ص�� ُف��وا ال��� ِّر َ‬
‫ِب����� ْي ً‬
‫�����ع ح����� َّده�����ا ت���وح���ي��� ُده���ا‬
‫�����ض�����ا ُي�����ش����� ِّي ُ‬
‫ص���ل���ب���ا ُن���ه���ا‬
‫ف�����ك����� َأنمَّ�����ا ُر ِف‬
‫ْ‬
‫�������ع�������ت َل َ‬
‫������ه������ا ُ‬
‫ِف�����ي ِظ ِّ‬
‫���ج���و ُده���ا‬
‫������ل هَ ���ب َ‬
‫�����ح�����انَ ُس ُ‬
‫���و ِت���ه���ا َف َ‬
‫ويشير إلى غزوة أخرى جرت أحداثها في (ناجر) أو (ناجرة) باإلسبانية ‪Najera‬‬
‫وكانت ثغ ًرا مه ًّما‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫وس���ي��� ُف َ‬
‫����وق ُم�� ْق��ت ٍَ��د‬
‫����س ِ‬
‫���ك ِف����ي األع����ن ِ‬
‫����اق وال ُّ‬
‫ِ‬
‫��ح‬
‫ب��س��ي��ف س��ل��ي��م��انَ‬
‫ُ‬
‫ال���ـ���م َ‬
‫��س ِ‬
‫���وكَّ ���لِ ب��ال��ـ َ‬
‫��م ْ‬
‫����ت ِب ِ‬
‫������ر» مل��ع�� ًة‬
‫ج�����و‬
‫�������ه ِف�����ي‬
‫����ع َ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫����م ْ‬
‫َل����ـ َ‬
‫«ن������اج َ‬
‫���ان ِ‬
‫دام����� َي����� َة ُ‬
‫������ر ِح‬
‫َ����ب���� َد ال���ش���ي���ط ِ‬
‫َث���� َن ْ‬
‫����ت ك ِ‬
‫اجل ْ‬
‫���ح���تَ���ه���ا ِف����ي ج��ن��ح ل���ي ٍ���ل م���ن ال�� َق��ن��ا‬
‫وص��� َّب ْ‬
‫���ق ُ‬
‫َأ َح َّ‬
‫���ط ِ���ب َ‬
‫َ‬
‫ل��ي��ل ا َألس�����ى ُم ْ‬
‫���ح‬
‫���ه���ا‬
‫������ل ِب َ‬
‫اجل��� ْن ِ‬
‫�����رتَ�����ه�����ا‬
‫ف��������� َأ َّي��������� ُة ُأ ٍّم ل�����ل�����ض��ل��الِ َق َ‬
‫�����ه ْ‬
‫��ط��ل��ى ف ِ‬
‫ب��ض��رب ِف���ي ال ُّ‬
‫���ائ ِ���ز ال ِ���ق��� ْد ِح‬
‫َب ِ��ن��ي��ه��ا‬
‫ٍ‬
‫ويشيد ابن دراج بغزوة أخرى فتح فيها املظفر بن املنصور حصن «ممقصر»‬
‫وكان من أهم حصون برشلونة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫�����م����� ْم�����تَ�����ه�����ا‬
‫و َب������������� ْل������������� َد ِة ِش‬
‫������������������ر ٍك تَ����� َي َّ‬
‫ْ‬
‫ال����س ِ‬
‫����ائ���� ِل����ي����ن����ا‬
‫ف�������غ�������ا َد ْرتَ�������ه�������ا آ َي������������� َة‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫م��������ج��������د تَ������� َق������� َّل������� ْدتَ�������ه�������ا‬
‫������������������������ع‬
‫ودائ‬
‫ُ‬
‫ال��������ق��������و َّي ا َألم����ي����ن����ا‬
‫�����ت ع���ل���ي���ه���ا‬
‫ف�����كُ�����ن َ‬
‫ِ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.405 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.594 :‬‬
‫‪- 160 -‬‬
‫ويشير إلى قلعة (بطر شلج) وكانت من معاقل أعمال (وشقة) املنيعة فيقول(((‪:‬‬
‫����ر ُزوا ِف��ي « ُق ْ‬
‫وس ُه ْم‬
‫��ط ِ��ر َش�� ْن ٍ��ج»((( ُن ُف َ‬
‫و ِإنْ َأ ْح َ‬
‫����ح���� َف ُ‬
‫ف�����غ مِ ُ‬
‫�����ار ُم����� ْه‬
‫����ظ ال����ل���� ُه غ ِ‬
‫�����ان َم�����ا ال َي ْ‬
‫ف����كَ���� ْم ُق�������� ْد َت ِف�����ي َأك ِ‬
‫ْ���ن���اف���ه���ا م����ن ُم��� َق��� َّن ٍ���ع‬
‫�����ر ُب����� ُه وم���ط ِ‬
‫ِ‬
‫���م��� ْه‬
‫�����وس ا َأل‬
‫���اع ُ‬
‫ُن����� ُف ُ‬
‫ع����������ادي ُش ْ‬
‫ويذكر ابن دراج مدينة (إيلياء) اإلسبانية التي غزاها املنصور‪ ،‬فيقول(((‪:‬‬
‫و « ِإي����ل����ي����ا ُء» ا َّل ِ‬
‫����ت َأ ِل����� َّي����� َة ِذي‬
‫����ت����ي ك����ا َن ْ‬
‫��ه ٍ��د م��ن ال ِّ‬
‫���ر ِك خ ِ‬
‫�����م ُم ْ��رت َِ��ق ِ��ب�� ْه‬
‫َج ْ‬
‫��اش��ي ا ِإل ْث ِ‬
‫���ش ْ‬
‫���ه��� ْم‬
‫�����ت م��ن��ه��ا َس���ن���ا‬
‫�����ع َ‬
‫ن������ار َأض��������ا َء َل ُ‬
‫ر َف ْ‬
‫ٍ‬
‫���ب��� ْه‬
‫َم����ا كَ�����انَ َأ ْو َد َع�����ه�����ا ال��ش��ي��ط��انُ م���ن ِر َي ِ‬
‫ي ُ‬
‫َ‬
‫������و َو َن��������ى َ‬
‫������ر ٌم‬
‫���ش��� ُّب���ه���ا‬
‫م���ن���ك ع������ز ٌم َل ْ‬
‫ض َ‬
‫����ر َم����ه����ا ِف����ي ال���ل ِ���ه م����نْ َغ َ‬
‫م��ن��ه��ا َأل ْ‬
‫��ض ِ��ب�� ْه‬
‫ض َ‬
‫وعلى هذا النحو كان شعر ابن دراج ‪ -‬في بعض جوانبه ‪ -‬مبثابة وثائق تاريخية‬
‫وجغرافية على قدر كبير من األهمية إذ تتبع فيه الوقائع واألح��داث التاريخية وسجل‬
‫مسرحا للصراع بني املسلمني واملمالك املسيحية في عصره‪.‬‬
‫املواضع اجلغرافية التي كانت‬
‫ً‬
‫صور امللوك والقواد اإلسبان في شعر ابن دراج‪:‬‬
‫يحتفظ شعر ابن دراج بصورة نادرة للملوك والقواد اإلسبان في مواقف الهزمية‬
‫واألسر والهدنة واملصاهرة والسفارة وغيرها‪ ،‬فمن هؤالء غرسية بن شاجنة ملك نبارة‬
‫((( هي باإلسبانية ‪ Peta Seleg‬ومعناها (الصخرة املاحلة) ويتردد اسمها كثي ًرا في الوثائق املسيحية احملفوظة‬
‫عن مملكة (بنبلونة)‪( ،‬ديوان ابن دراج‪ 297 :‬هامش‪.)2‬‬
‫((( وردت في ديوان ابن دراج‪ ،‬طبعة البابطني (بطر شلج)‪ .‬انظر‪ :‬ص ‪.297‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪ .585 :‬إيلياء‪ :‬تسمى اآلن بادرون ‪ Padron‬من أعمال الكورونيا على الساحل الشمالي‬
‫الغربي ألسبانيا وتقع بالقرب من شنت ياقب‪.‬‬
‫‪- 161 -‬‬
‫الذي حكم بني سنتي ‪391 ،384‬هـ وقد واجه املنصور بن أبي عامر في عدة معارك‬
‫منها معركة جرييرة ‪ Geyveya‬سنة ‪390‬هـ التي ائتلفت فيها املمالك النصرانية حملاربة‬
‫املنصور‪ ،‬فاشتركت في االستعداد للحرب قشتالة التي كان يحكمها شاجنة بن غرسية‬
‫‪Carrion‬‬
‫بن فرذلند ونبارة التي كان يحكمها غرسية بن شاجنة وقريون‬
‫التي كان‬
‫يضطلع بحكمها غرسية بن غومس وأسرته وليون التي كانت خاضعة لسلطان الفنش‬
‫بن برمند (ألفونسو اخلامس ‪ )Alfonso‬وكان شاجنة بن غرسية قومس قشتالة هو‬
‫زعيم هذا االئتالف النصراني‪ ،‬وقد انتهت هذه املعركة بانتصار املنصور العامري على‬
‫جيوش املسيحيني بعد أن كادت الهزمية تلحق بجيوش قرطبة‪ ،‬وكان البني املنصور‬
‫عبد امللك وعبد الرحمن في هذا اليوم بالء حسن‪ ،‬وقد اقتحمت اجليوش اإلسالمية‬
‫بعد ذلك النصر أرض بنبلونة وخربتها»(((‪.‬‬
‫وقد تغنى ابن دراج بانتصار املنصور في هذه املعركة فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫���ت ت��ي��ج��انَ ال َّ‬
‫���ع َ‬
‫َف َ‬
‫��ع ٍ��ة‬
‫���ع َ‬
‫����ض��ل�الِ ب��و ْق َ‬
‫���ض ْ‬
‫���ض ْ‬
‫َع�� َل��ى ال ِّ‬
‫���ر ِك ال ُي ْ‬
‫����ر ُح‬
‫���ؤس���ى َل َ‬
‫��ه��ا َأب����� ًدا ُج ْ‬
‫���ش ْ‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫م�����اء َ‬
‫وال��ط��ل��ى‬
‫����م‬
‫����������ت م���ن‬
‫ور َّو ْي َ‬
‫اجل����م ِ‬
‫����اج ِ‬
‫َ‬
‫����ي����اد َش��� َّف���ه���ا ال َّ‬
‫ٍ‬
‫َّ����ر ُح‬
‫ُم����ت����ونَ ِج‬
‫����ظ َ‬
‫����م���� ُأ ال����ت ْ‬
‫ويصور ابن دراج وقع الهزمية على غرسية بن شاجنة ويصفه بـ(عميد الشرك)‬
‫(((‬
‫ويشير إلى فراره الئ ًذا باجلبال وقد تركت الهزمية أثرها على جسده ونفسه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ت����ركْ����نَ ع��م��ي�� َد ال ِّ‬
‫�����ر ِك َم����ا َب���ْي��نْ َ ج��ف ِ��ن ِ��ه‬
‫�����ش ْ‬
‫���ح‬
‫و َب����ْي���نْ َ ِغ‬
‫ِ‬
‫�����و ِم ع���ه��� ٌد وال ُ‬
‫ص��� ْل ُ‬
‫��������رار ال����� َّن ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪( 525 :‬هامش)‪.‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.526 :‬‬
‫((( املصدر نفسه‪.527 :‬‬
‫‪- 162 -‬‬
‫ي����ل����وذ ِب ُ‬
‫ِ‬
‫������ح������ ُر ُه‬
‫������ش������ ِّم‬
‫وس ْ‬
‫ال�����راس�����ي�����ات َ‬
‫���ب ل��ل ُ��م��خ ِ‬
‫م���ن ال َّ‬
‫��ح‬
‫����و ِد ِش ْ‬
‫��ات��لِ َأ ْو َس�� ْف ُ‬
‫����ط ْ‬
‫���ع ٌ‬
‫����م����ع ِ‬
‫ِ‬
‫َو َم�����������ا كَ��������� َّر ِإلاّ‬
‫����اه ٍ����د‬
‫ن�������اد ًب�������ا ل����ـ َ‬
‫����و ُح ال���ب ِ‬
‫َل َ‬
‫َّ����ر ُح‬
‫���اق���ي ِب َ‬
‫�����ك ال���� َف َ‬
‫���ه���ا َو َل������� ُه ال����ت ْ‬
‫وتطل صورة شاجنة بن غرسية خامس ملوك البشكنس أصحاب بنبلونة الذي‬
‫حكم بني سنتي ‪427 ،391‬هـ وقد هزمه املنصور في معركة بنبلونة هزمية نكراء وص ّور‬
‫(((‬
‫ابن دراج هروب شاجنة بعد هزميته فقال‪:‬‬
‫����ج» َف َّ‬
‫َ���ر ٍك‬
‫����رك َ‬
‫ْ����ت «اب������نَ َش����ن ٍ‬
‫�����ل ُم���ع���ت َ‬
‫وق����د ت َ‬
‫َ���م ِ‬
‫���د ْه‬
‫مَ����ت م���ن ُظ���ب���ا ُه‬
‫َ‬
‫ِإن َل���� ْم ي ْ‬
‫م����ات م���ن ك َ‬
‫ُم َ‬
‫��غ��ت��ر ًب��ا‬
‫�����ش����� َّر ًدا ِف����ي ق���واص���ي ال���ب���ي ِ���د ُم‬
‫ِ‬
‫َو َق������ ْد َم���ل�� ْ‬
‫ض م���ن ُخ������ ُر ِد ْه‬
‫���اج ا َأل ْر ِ‬
‫أ َت ِف���ج َ‬
‫ويشير ابن دراج في قصيدته إلى شخصية مسيحية قيادية أخرى هي شخصية‬
‫(فرذلند) ولعله «كان أحد األم��راء املستق ّلني على بعض اإلم��ارات املسيحية احمليطة‬
‫مبملكة نبرة وال�ت��ي ك��ان اب��ن شنج يبذل ك��ل ج�ه��وده لالستيالء عليها واح��دة بعد‬
‫(((‬
‫األخرى»((( وفيه يقول ابن دراج‪:‬‬
‫َو ِ‬
‫���ك ِف����ي َي ِ‬
‫���م���ل َ‬
‫�����د ِه‬
‫�����ر َذل����� ْن����� ُد» َر َد ْد َت ال���ـ ُ‬
‫«ف ْ‬
‫���س ِ‬
‫���د ْه‬
‫���ر َر ِّد ال������ ُّر ِ‬
‫وح ِف���ي َج َ‬
‫َو َم�����ا َرج����ا َغ���ي َ‬
‫ِش������ب ٌ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫�������������د ف������وق������ ُه ِل����� َب����� ٌد‬
‫دع�����������اك ُأل ْس‬
‫������ل‬
‫���ت ع���ن���ه وا َألظ������ف������ا ُر ِف�����ي ِل���� َب ِ‬
‫����د ْه‬
‫ف���أق���ش���ع ْ‬
‫����ع ِ‬
‫����دام ِ‬
‫���ب���ح���ا ِف�����ي َم ِ‬
‫����ه‬
‫وط�������ار ن�����ح َ‬
‫�����و َك َس ً‬
‫َ‬
‫َو َق������� ْد ت��������ز ََّو َد ِم ْ‬
‫����ص����در م���ن ُز ُؤ ِد ْه‬
‫�������ل َء ال َّ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.241 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪( 241 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.241 :‬‬
‫‪- 163 -‬‬
‫ِّ‬
‫ث����م ان���ث���ن���ى وم�����ل ُ‬
‫������ر ِك َأع����� ُب����� ُد ُه‬
‫�����وك‬
‫ال������ش ْ‬
‫ِ‬
‫ِإ ْذ ج������ا َء ع���ب��� َد َي ٍ‬
‫ب���ي���د ْه‬
‫����ه����ا‬
‫������د َأل����ق����ى َل َ‬
‫وتتردد ص��ورة اب��ن شنج في قصيدة أخ��رى يشير فيها اب��ن دراج إل��ى تبادل‬
‫األسرى فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ف���� ِل���� َّل ِ‬
‫����س���� ِل ٍ����م‬
‫����ه ك�����م َأغ����� َل����� ْي َ‬
‫�����ت م�����ن َد ِم ُم ْ‬
‫ع�����دائ ِ‬
‫ِ‬
‫و َأ َ‬
‫�����ه م���ن َد ٍم غ���الِ‬
‫������ت ِف����ي َأ‬
‫������ص َ‬
‫رخ ْ‬
‫���اع��� ًة‬
‫ل��ل��إ‬
‫و َأس����� َل����� ْم َ‬
‫�����ت ِ‬
‫س��ل��ام ِف َ‬
‫���ي���ه���ا ب���ض َ‬
‫ِ‬
‫ت�����ع�����و ُد ب����� َأض�����ع ٍ‬
‫�����اف و ُت�����وف�����ي ب���� َأم����ث����الِ‬
‫وح��س�� ُب َ‬
‫وج��� ْن ِ���د ِه‬
‫��ك ِف��ي َ��ه��ا ِب���ـ «ا ْب ِ‬
‫���ج» ُ‬
‫�����ن َش��� ْن ٍ‬
‫����ي َأ ْب�������������دالاً ‪ ،‬و َأ َّي���������� ُة َأب��������دالِ‬
‫م����ن‬
‫َّ‬
‫ال����س���� ْب ِ‬
‫���ع ِ‬
‫���ض ِ���ه‬
‫�����ر ْي َ‬
‫�����ت ِب��� َب ْ‬
‫م��ل��ي��كً��ا َو َم������ا ي���ح���وي َش َ‬
‫����������������ح ِب ِ‬
‫������اع مب���ث���ق���الِ‬
‫����ق‬
‫و َأ ْر ِب‬
‫����ن����ط����ار ُي������ب ُ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫����������ي َء َم ْ‬
‫����غ���� َن ٍ����م‬
‫ف���م���ا ح�������ا َز‬
‫ٍ‬
‫غ�������از م����ث���� َل���� ُه َف ْ‬
‫َ‬
‫����ي َأن����ف����الِ‬
‫ن������ال‬
‫وال‬
‫ٍ‬
‫س������اب م��ث�� َل��ه��ا َس���� ْب َ‬
‫وتبرز شخصية غرسية بن فرذلند قومس قشتالة بصورة واضحة في شعر ابن‬
‫دراج وقد هزمه املنصور في غزوته التي وجهها إلى قشتالة في سنة ‪ 384‬وفتح فيها‬
‫قلعتي «شنت إشتينب» و«قلنيه» ويصور ابن دراج هزمية غرسية وما َّ‬
‫حل به من خزي‬
‫(((‬
‫ومذلة فيقول‪:‬‬
‫اش ِ‬
‫وت����رك����ت َ‬
‫�����ت ْ‬
‫���ت���ي���ب��� ًن���ا» وك���� َأنمَّ����ا‬
‫«ش����� ْن َ‬
‫َح َّ‬
‫����ت س���ي���و ُف َ‬
‫����ر َق���� َدا‬
‫����ط ْ‬
‫���ك م���ن ِع����داه����ا ال���� َف ْ‬
‫������ر َت ُم����� َّدتَ�����ه�����ا ب����وق����ف ِ‬
‫س����اع ٍ‬
‫����ة‬
‫����ة‬
‫َ‬
‫َف������ َق َ‬
‫������ص ْ‬
‫َ‬
‫������ت َل َ‬
‫اجل���ل���ي���ل ُم���خ��� َّل���دا‬
‫ال���ف���خ���ر‬
‫�������ك‬
‫َأ ْب������ َق ْ‬
‫َ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.400 :‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.602 :‬‬
‫‪- 164 -‬‬
‫ب������ه������ ْد ِم َم���ا‬
‫امل���س���ل���م�ي�ن‬
‫َش������� َّي������� ْد َت ع������ َّز‬
‫َ‬
‫َ‬
‫����ر م���ن���ه���ا َش����� َّي����� َدا‬
‫َق������� ْد كَ���������انَ ِع������� ُّز ال����ك����ف ِ‬
‫ْ�������ت َ‬
‫�����رس����� َي����� ًة» ب���ن���ق���م ِ���ة َغ��������� ْد ِر ِه‬
‫َ�������رك َ‬
‫وت َ‬
‫«غ ْ‬
‫رض ال���ف���ض ِ‬
‫���اء ُم��� َق��� َّي��� َدا‬
‫ب�����ال����� َّر ْو ِع ِف����ي ا َأل ِ‬
‫������رو ًع������ا‬
‫ل����ه����ف����انَ‬
‫�����ار ُم َّ‬
‫ُ‬
‫ي����ج����ت����اب ال�����ن�����ه َ‬
‫����اك وال�����ل�����ي َ‬
‫ب����ظ����ب َ‬
‫����ه����دا‬
‫����س َّ‬
‫�����ل ال�����ت�����م�����ا َم ُم َ‬
‫ِ‬
‫ب���ل���اد ِه‬
‫��������ت ُح������� َّر‬
‫��������ع َ‬
‫خ�����زي�����انَ َق������� ْد َأ ْو َس ْ‬
‫����م����و َق���� َدا‬
‫ال���س‬
‫�����ب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ودي������������ار ِه َل َ‬
‫���ع���ي���ر ال����ـ ُ‬
‫َّ‬
‫�����ه َ‬
‫أح��������زاب ال����كُ ����م ِ‬
‫���م���ى‬
‫َق������ ْد َغ������ َّر‬
‫����اة َو َم�������ا َح َ‬
‫َ‬
‫ض َّ‬
‫�����اع ال َّ‬
‫و َأ َ‬
‫�����ض��ل��الِ َو َم�������ا هَ ����� َدى‬
‫���������ل َأش�����ي َ‬
‫ولم يرتدع غرسيه بن فرذلند برغم هزميته الساحقة‪ ،‬فعاود الهجوم على الثغور‬
‫اإلسالمية الواقعة على ضفاف نهر «نويرة»‪ ،‬فسار املنصور بن أبي عامر ملالقاته مرة‬
‫أخرى‪ ،‬وانتهت املعركة بوقوع غرسية في األسر سنة ‪385‬هـ‪ ،‬وأمر املنصور بحمله إلى‬
‫(((‬
‫قرطبة غير أنه توفي بعد ذلك بعدة أيام‪ ،‬وقد تغنى ابن دراج بهذا احلدث العظيم فقال‪:‬‬
‫������ه������نِ ال��������دِّي��������نَ وال�����دن�����ي�����ا ب���ش���ي��� ٌر‬
‫َف������ َي ْ‬
‫������ر ِس������ َي ِ‬
‫ِ‬
‫ِب������ـ َ‬
‫وال������ع������ َد ِاء‬
‫ع������������ادي‬
‫������ة» ا َأل‬
‫َ‬
‫«غ ْ‬
‫َ‬
‫اآلم��������������ال ِق������ ْد ًم������ا‬
‫���������ج��������� َز‬
‫ُ‬
‫�����ع َأ ْع َ‬
‫ب�����ص����� ْن ٍ‬
‫ِ‬
‫ج�������اء‬
‫��������ر ُدو َن���������������� ُه َأ َم�������������� ُد ال������� َّر‬
‫و َق َّ‬
‫��������ص َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ح����ي����اة‬
‫������ع م������ن‬
‫َأل������������ َّذ َع������ َل������ى‬
‫امل������س������ام ِ‬
‫ِّ‬
‫ال���ش ِ‬
‫و َأ جْ َ‬
‫ن‬
‫���ف���اء‬
‫����وس م����ن‬
‫������������ع ِف�����ي ال����ن����ف ِ‬
‫َ‬
‫����ـ����م���� ْف����ت ِ‬
‫����ح و ُب�����ش�����رى‬
‫ْ�����ح�����ا ِل ُ‬
‫ف����ي����ا َف�����ت ً‬
‫َ����ت ٍ‬
‫مل������ن������ت ِ‬
‫ِ‬
‫�������������راء‬
‫�����������������������ر َأ ًى ِل‬
‫������ر وي�����������ا َم‬
‫������ظ ٍ‬
‫ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.578 :‬‬
‫‪- 165 -‬‬
‫ويصف ابن دراج هذا األسير الثمني الذي ال يعادله أحد في الفداء ويشبهه بالداء‬
‫العياء الذي شفي منه الدين فيقول‪:‬‬
‫َأ ِس��������ي�������� ٌر َم��������ا ُي���������ع���������ا َد ُل ِف��������ي ِف������ك ٍ‬
‫َ������اك‬
‫ِ‬
‫�����������داء‬
‫���������اوى ِف���������ي ِف‬
‫وع�������������ان َم���������ا ُي���������س‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫�����ت م���ن��� ُه‬
‫�����ع�����ي�����ا ُء َش����� َف����� ْي َ‬
‫��������و ال������������ َّدا ُء ال َ‬
‫هُ َ‬
‫ِ‬
‫ي��������ن م��������ن ٍ‬
‫ع�����ي�����اء‬
‫داء‬
‫ف�����م�����ا ِل��������ل�������� ِّد ِ‬
‫وف��ي القصيدة «تصوير رائ��ع لشخصية غرسية ال يخلو من إعجاب ب��ه‪ ،‬وهو‬
‫إعجاب اخلصم باخلصم على ما كانت تقضي به سنن الفتوة والفروسية في العصور‬
‫الوسطى»(((‪ ،‬فال يتحرج ابن دراج من اإلشادة بفروسية غرسية وشجاعته وصالبته‬
‫(((‬
‫ودهائه وجاللة قدره وسمو مكانته ومنزلته‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ل����ق����د ك������������ا َد ْت س�������ع�������و ُد َك م����ن���� ُه جَ ْ‬
‫����م����ا‬
‫ن ً‬
‫ِ‬
‫م����ن����ي����ع َ‬
‫����������ق����������اء‬
‫��������������ر ا ِإل ْر ِت‬
‫������������و َو ْع‬
‫اجل‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�����ض��ل��ا َل ِ‬
‫�������ظ������� َم ِف������ي ال َّ‬
‫و َأ ْع َ‬
‫�����ة م����ن ص��ل��ي ٍ��ب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫��������واء‬
‫����ب م�����ن ِل‬
‫و َأ ْع������� َل�������ى ِف�������ي‬
‫ال����ك����ت����ائ ِ‬
‫َّ‬
‫ال�������ض���ل���الِ ف����� َأهَّ ����� َل�����تْ����� ُه‬
‫������ع‬
‫َح�����م�����ى ِش������ َي َ‬
‫ِل������ـ ِ‬
‫������م������ ْل ِ‬
‫ِ‬
‫وال�������������والء‬
‫������ك ال��������������� ِّر ِّق م����ن����ه����ا‬
‫������م������ َذ ِ‬
‫زع������ي������ ٌم ب�����ال�����ك�����ت ِ‬
‫اك������ي‬
‫�����ائ ِ‬
‫�����ب وال������ـ َ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ع������������اء‬
‫����������م����������ال ل�������ل������� َّرع�������اي�������ا وال������������ ِّر‬
‫ِث‬
‫������ف ِ‬
‫ُم�������ب�������اري َس������ ْي ِ‬
‫������ه َق�������� َد ًم��������ا وب������ ْأ ًس������ا‬
‫ِ‬
‫ه�����اء‬
‫َّ�������ج�������ار ِب ب�����ال����� َّد‬
‫وم�����ش�����ف�����وع ال�������ت‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ويلهج ابن دراج بعظمة جيش املسلمني الذي أوقع هذا امللك العظيم في األسر‬
‫وينعاه إلى ذوي جلدته من الروم واإلفرجن في لهجة ال تخلو من التشفي‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫((( ديوان ابن دراج‪ ،‬املقدمة‪.34 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.578 :‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.579 :‬‬
‫‪- 166 -‬‬
‫س�������ل�������ام ج���ي ٌ‬
‫���ش‬
‫�������م������� ُه ِإ َل�����������ى ا ِإل‬
‫و َأس������� َل َ‬
‫ِ‬
‫�����ع ِ‬
‫�����ج����� ْم ِ‬
‫�����������ب ال���� َف����ض ِ‬
‫����اء‬
‫�����ه َر ْح‬
‫َأ َغ‬
‫َّ‬
‫�����������ص ِب َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫����ع����وال����ي‬
‫ل�����ئ�����نْ َخ������ َذ َل������تْ������ ُه َأ‬
‫ط�������������راف ال َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫������ك������اء‬
‫ع��������������������وال ال������ ُب‬
‫ل�����ق�����د آس���������������ا ُه ِإ‬
‫ب������ك ِّ‬
‫������و ِح ُي ْ‬
‫����ج����ي‬
‫����ش ِ‬
‫���������ع ل������ل������ َّن ْ‬
‫ُ������ل ُم َ‬
‫���������ر ِّج ٍ‬
‫���������و ِ‬
‫ِ‬
‫��������داء‬
‫ي������ب ال�������� ِّن‬
‫اك��������� َي��������� ُه ب������تَ������ ْث ِ‬
‫������و ِ‬
‫َب َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������ع������اء ِإ َل����������ى‬
‫َن‬
‫وم ُط��������� ّرًا‬
‫م�����ل�����وك ال�������������� ُّر ِ‬
‫������ر ِس������ َي������ ًة» َن����ع ِ‬
‫����ان َ‬
‫����اء‬
‫َذوي ال���� ِّت����ي����ج ِ‬
‫«غ ْ‬
‫ْ‬
‫������������������������رنجْ ِ م���ن��� ُه‬
‫ل�������ل�������روم وا ِإل ْف‬
‫������������ل‬
‫وهَ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال�����ع�����زاء‬
‫����������وء‬
‫َو َق����������� ْد أودى ِس��������وى ُس‬
‫������س ِب ِ‬
‫�����م����� ْل ُ‬
‫��������ي‬
‫�����ك ال�����كُ����� ْف ِ‬
‫َف َ‬
‫�����ر َل������ ْي َ‬
‫���������ذي َو ِل ٍّ‬
‫ِّ‬
‫���������و ِاء‬
‫وث����������� ْأ ُر‬
‫������س ب������ذي َب َ‬
‫�������ر ِك َل������ ْي َ‬
‫ال�������ش ْ‬
‫ومن املصادفات أن صاع ًدا البغدادي تنبأ بأسر غرسيه في اليوم ذاته‪ ،‬وذلك‬
‫(((‬
‫حني بعث بأيل هدية إلى املنصور بن أبي عامر وكتب معه بأبيات يقول فيها‪:‬‬
‫ِّ‬
‫������خ������و ٍف وأم����������انَ كُ��� ْل���ـ‬
‫ك������ل ُم‬
‫����������ر َز‬
‫َّ‬
‫ي�����ا ِح ْ‬
‫وم ِ‬
‫ّ‬
‫ك���������ل ُم�������ذ َّل�������لِ‬
‫���������ع��������� َّز‬
‫ـ���������لِ م��������ش�������� َّر ٍد ُ‬
‫���ع ِ‬
‫ب���ب���ض ِ‬
‫ْ‬
‫ج����ذب����ت‬
‫ع����ب���� ٌد‬
‫�����ت ِم����نْ‬
‫ُ‬
‫���ه ورف�����ع َ‬
‫ِ‬
‫م����������ق����������داره أه�������������دى إل�������ي�������ك ِب��������أ ِّي��������لِ‬
‫������م������ي������ ُت������ ُه «غ�������رس�������ي������� ًة» وب����ع����ث���� ُت���� ُه‬
‫س َّ‬
‫ف������ي َح������ ْب������ ِل ِ‬
‫�����اح ف����ي����ه ت���ف���اؤل���ي‬
‫������ه ل����� ُي�����ت َ‬
‫فقضى في سابق علم الله تعالى وق��دره أن غرسية ملك ال��روم‪ ،‬وهو أمنع من‬
‫النجوم‪ُ ،‬أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد باأل ّيل وسماه «غرسيه» على‬
‫التفاؤل بأسره‪ ،‬وكان أسره في ربيع األول سنة خمس وثمانني وثالثمائة‪.‬‬
‫(((‬
‫((( الذخيرة‪.34 :1/4‬‬
‫((( الذخيرة ‪.35-34 : 1/4‬‬
‫‪- 167 -‬‬
‫وقد ص َّور عبادة القزاز مصرع «غرسية» بعد أسره وع َّبر عن إحساسه بالتشفي‬
‫والشماتة إزاء هذا احلدث‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(((‬
‫����������ت ب���ي���ن دم���������اغ ِ‬
‫ِ‬
‫�����������������ؤاده‬
‫���������ه و ُف‬
‫ف���������� َّر ْق َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�����ي�����د‬
‫وال�����س‬
‫��������راب��������ه‬
‫وج�����م�����ع�����ت ب���ي��ن ُغ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫������وت ح����� َّن َ‬
‫������و ُه‬
‫وك�����أمن�����ا ال������تَّ������اب ُ‬
‫�����ط ِش������ ْل َ‬
‫�����ح ِ‬
‫ف������أت َ‬
‫�����ود‬
‫������اك ف�������وق ال����ظ����ه ِ‬
‫����ر ف�����ي َم����� ْل ُ‬
‫ودي������ع������تَ������ ُه ال�����وغ�����ى وك����أمن����ا‬
‫�������ت‬
‫أكَ������� َل ْ‬
‫َ‬
‫ف������������ع ال����������ذي أ ْب������� َق�������تْ������� ُه ف������ي س���� ّف����ود‬
‫ُر‬
‫َ‬
‫رأس أم������ي َ‬
‫������ل ع�����ق�����وب����� ًة إذ ل������م ي������دنُ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫���������������ام���������������ه ب��������س��������دود‬
‫ل��������ل��������ه ف�����������ي أ َّي‬
‫������ت إل�����ي�����ه ع�����ي�����و ُن����� َن�����ا ف���ك���أمن���ا‬
‫������م������ح ْ‬
‫َط َ‬
‫����ت ِ‬
‫رص���������������� َد ْت ب����ط����ل����ع ِ‬
‫َ‬
‫ه�����ل����ال ال���ع���ي���د‬
‫����ه‬
‫َ‬
‫ومن الشخصيات اإلسبانية التي ذكرها ابن دراج في شعره شخصية (برمند)‬
‫الثاني ‪ Bermando‬ملك (ليون) وجليقية بني سنتي ‪ 372‬و‪390‬هـ «وكان السبب في‬
‫إعالنه مل ًكا هو فشل سلفه وابن عمه رذمير الثالث في حروبه ضد املنصور بن أبي‬
‫عامر مما أدى بأهل جليقية ‪ Galicia‬إلى الثورة على ذلك امللك وتنصيب برمند هذا‬
‫على عرش ليون‪ .‬على أن برمند لم يسعه حني ولي امللك إال إعالن اخلضوع الكامل‬
‫للمنصور ودفع اجلزية له وطلب احلماية منه مما حمل املنصور على أن يرسل إليه‬
‫ً‬
‫جيشا من املسلمني يتكفل بحمايته‪ ،‬غير أن برمند لم يلبث أن نقض عهده‪ .‬وطرد‬
‫ذلك اجليش من ب�لاده فوجه املنصور إليه حملة لتأديبه في سنة ‪377‬ه �ـ‪ ،‬واحتلت‬
‫اجليوش اإلسالمية عند ذلك مدينة قلبرية ‪( Coimbret‬في البرتغال اآلن)‪ ،‬وفي السنة‬
‫التالية ‪378‬هـ احتلت جيوش املنصور عاصمة ملكه ليون ‪ Leon‬وكذلك مدينة سموره‬
‫وحينئذ طلب برمند الصلح فقبل املنصور منه‪ ،‬بل إن برمند أهدى إليه ابنته‬
‫‪Zamora‬‬
‫ٍ‬
‫((( التشبيهات البن الكتاني‪.460 :‬‬
‫‪- 168 -‬‬
‫في سنة ‪ 383‬هـ لتكون جارية له فأعتقها املنصور وتزوج منها‪ .‬غير أن برمند حاول‬
‫الثورة مرة أخرى وأعلن مترده على املنصور بإيوائه عبد امللك املرواني الذي تآمر‬
‫على املنصور‪ ،‬فأرسل هذا إليه حملة ثالثة احتلت مدينة أستورقة ‪ Astorga‬وخربت‬
‫مملكة ليون‪ ،‬وكان ذلك في سنة ‪385‬هـ‪ ،‬وفي سنة ‪387‬هـ سار املنصور بنفسه على‬
‫إيقاعا شدي ًدا كما‬
‫رأس حملة رابعة خربت مدينة «شنت ياقب» وأوقعت بـ«جليقية»‬
‫ً‬
‫أرسل عدة حمالت إلى نواحي مملكة «ليون»‪ ،‬وفي سنة ‪389‬هـ أوطن املنصور عد ًدا‬
‫كبي ًرا من جنود املسلمني مبدينة «سمورة» وجعل أمر هذه احلامية إلى قائده معن بن‬
‫عبدالعزيز التجيبي(((‪.‬‬
‫ويضفي ابن دراج على شخصية «برمند» الظالل التاريخية التي احتفظت بها‬
‫(((‬
‫الروايات‪ ،‬فيصف هزميته ويصمه بنقض العهود واإلخالل باملعاهدات واملواثيق‪ ،‬يقول‬
‫و َأ ْخ������� َل َ‬
‫������رم������ ْن������ َد» م���ن���ه���ا ال����� َّرج�����ا ُء‬
‫�������ف ِ‬
‫«ب ُ‬
‫ِّ‬
‫��������ر ُك ِإلاّ‬
‫َو َم�����������ا زا َد ُه‬
‫ال��������ش ْ‬
‫�������ر ْي ِ‬
‫���������������ر َت ِإ َل����������ى َن ِ‬
‫����اج����ا‬
‫َأ َط‬
‫�������ه َع����ج ً‬
‫�������اظ َ‬
‫ْ‬
‫تَ������ َب������ارا‬
‫�������ت ِب ِ‬
‫�����س�����تَ�����ط�����ارا‬
‫ت�������رك َ‬
‫�����������ه َع������� ْق������� َل������� ُه ُم ْ‬
‫�����ه����� َد ِإلاّ ا ْم ِ‬
‫ُ‬
‫�������ت�������را ًء‬
‫ي�����ع�����رف‬
‫ف����م����ا‬
‫ال�����ع ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫��������وق��������نُ ال�����ع�����ه����� َد ِإلاّ ا ِّدك������������ارا‬
‫وال ُي‬
‫ويشير ابن دراج في قصيدة أخرى إلى قائدين من كبار قواد «ابن شنج» ويعني‬
‫به « شاجنه األكبر» ملك نبارة‪ ،‬وهي تلك اململكة النصرانية املتاخمة ململكة التجيبيني‬
‫في سرقسطة‪ ،‬ويبدو أن جيوش منذر بن يحيى استطاعت قتل هذين القائدين‪ ،‬وأن‬
‫منذ ًرا أمر بنصب رأسيهما على باب «طليطلة» من أبواب مدينة سرقسطة جر ًيا على‬
‫(((‬
‫العادة املتبعة في العصور الوسطى(((‪ ،‬وص ّور ابن دراج هذا احلدث فقال‪:‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪( 608 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( نفسه ‪.610-609 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪(650 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( نفسه ‪.650:‬‬
‫‪- 169 -‬‬
‫��ر ْه‬
‫��ص�� ُر َم���نْ َن َ‬
‫َو ْع����� ًدا َع�� َل��ى ال��ل ِ��ه َح�� ًّق��ا َن ْ‬
‫��ص َ‬
‫���ك ِف���ي ه���ام ِ‬
‫وح���كْ��� ُم َس��� ْي ِ���ف َ‬
‫���ر ْه‬
‫ُ‬
‫���ات َم����نْ كَ��� َف َ‬
‫«ط���ل��� ْي ِ‬
‫رأس ُم ِ‬
‫����ط ُّ‬
‫����ي ُ‬
‫���ط��� َل ٍ���ة»‬
‫ٌ‬
‫����ل َع���� َل����ى ب����ا َب ْ‬
‫ُي ِ‬
‫���و ِع��� ُد ال��كَ�� َف َ��ر ْه‬
‫���وم���ي إل���ى ال���كُ��� ْف ِ���ر‪ :‬هَ ���� َذا َم ْ‬
‫��ب ِ‬
‫���ام ُ‬
‫���ام��� ٌة َق��� ْد َق َ‬
‫��ى‬
‫��ض ْ‬
‫وه َ‬
‫��ت َن ْ‬
‫احل���م ِ‬
‫��ح َ‬
‫ض��ح ً‬
‫���ج» ُم�� ْن��ت ِ‬
‫��ح��ي َ‬
‫���ام��� ٌة َف َ‬
‫َ��ظ َ��ر ْه‬
‫«ش��� ْن ُ‬
‫����وق َ‬
‫وه َ‬
‫ص�� ْف َ‬
‫�������د م����ن���� ُه ُت ِ‬
‫�������و ِع ٍ‬
‫�����راق����� ُب����� ُه‬
‫أوف�������ى َع����� َل�����ى َم ْ‬
‫َ‬
‫ال����غ���� َد َر ْه‬
‫����س����تَ����و َد ِع‬
‫تَ���� ْد ُع����و‪ :‬هَ ���� ُل���� َّم إل����ى ُم ْ‬
‫ِ‬
‫������س ِف����ي ال���ب���ي���داء م���ن ِع َ‬
‫���ظ ٍ���م‬
‫ون����اخ���� ًرا أ ْم ِ‬
‫���م���ا َن ِ‬
‫أع ُ‬
‫����ر ْه‬
‫����ح ِف���ي َ‬
‫���ه���ا ْ‬
‫���ظ ً‬
‫وال����ي����و َم أص���� َب َ‬
‫����خ َ‬
‫ِ‬
‫ن��س��ب‬
‫����ي ل����ه ف���ي���ه���ا وذي‬
‫ك����م م����ن‬
‫ٍ‬
‫س����م ٍّ‬
‫(((‬
‫ل����م ي ِّ‬
‫�������ر ْه‬
‫�����ر ن�����ا َب����� ُه ع���ن���ه وال ُظ������� ُف َ‬
‫�����دخ ْ‬
‫وقد صرح ابن دراج باسم أحد هذين القائدين وهو ( ُل ّبس) ‪ -‬بضم الالم وتشديد‬
‫(((‬
‫الباء ‪ -‬وهو اسم كان وما زال شائ ًعا في أسبانيا النصرانية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫���و ٌ‬
‫��ه ْ‬
‫ض‬
‫��ل ِل��ن��ف ِ‬
‫��س «اب ِ‬
‫َف َ‬
‫����ن ش�� ْن ٍ��ج» ب��ع�� َده��ا ِع َ‬
‫����س»((( أو م��ن ك ِ‬
‫���اف ِ���ر ال��كَ�� َف َ��ر ْه‬
‫ِم����نْ ُل ِّ‬
‫����ب « ُل���� ِّب َ‬
‫���ت ِ‬
‫����رب ِ‬
‫ض�ل�ا َل ِ‬
‫����ه أو ِف����ي َ‬
‫���ه‬
‫ِص����� ْن�����وا ُه ِف����ي ح ِ‬
‫���ر ْه‬
‫���ع��� ُه ِف َ‬
‫َق����� ْد ك�����انَ ذا َس��� ْم َ‬
‫��ي��ه��ا وذا َب َ‬
‫���ص َ‬
‫((( يستدل د‪ .‬محمود مكي على أن «في هذا البيت داللة على أن ابن دراج كان يعرف الالتينية الشائعة في‬
‫أيامه بني األندلسيني‪ ،‬فهو يشير هنا إلى اسم أحد القائدين النصرانيني وهو ‪ Lopez‬الذي أشرنا إليه‬
‫في التعليق على مناسبة هذه القصيدة‪ ،‬وهذا االسم مشتق من الالتينية ‪ Lupus‬ومعناها الذئب (وهي‬
‫باإلسبانية احلديثة ‪ )Lobo‬فابن دراج إمنا عرض باألصل الذي اشتق منه اسم القائد املذكور‪ ،‬إذ إنه يقصد‬
‫أن يقول‪« :‬كم من ذئب مثل هذا القائد مسمى باسمه لم يأل جهدًا في إيذاء املسلمني والعدوان عليهم بنابه‬
‫وظفره حتى رد الله كيده وبطش به على يد منذر»‪( .‬ديوان ابن دراج ‪ 650:‬هامش ‪.)2‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.652 :‬‬
‫((( أشار د‪ .‬محمود مكي إلى قائدين من قواد شاجنه األكبر‪ ،‬أحدهما اسمه (لُ ّبس بن غندشلب‪ ،‬واآلخر‪ :‬لُ ّبس‬
‫بن شاجنه‪ ،‬ولعل ابن دراج يقصد أحدهما‪.‬‬
‫‪- 170 -‬‬
‫ُ‬
‫م�����اؤهُ �����م�����ا َث����������أ ًرا ف���ل���م َي���� َدع����ا‬
‫����������ت ِد‬
‫َو َف ْ‬
‫َّ‬
‫�����ر ْه‬
‫ح�����رب‬
‫ن َع��� َل���ى‬
‫ل��ل��م��س��ل��م�ي َ‬
‫ِ‬
‫ال����ض��ل�الِ ِت َ‬
‫السفارات والسفراء والوفود‪:‬‬
‫لم تكن احلروب واملعارك هي الوجه الوحيد للعالقة بني املسلمني واإلسبان‪ ،‬وإمنا‬
‫كانت هناك صور أخرى تعكس اجلوانب اإليجابية والسلمية لعالقة الطرفني‪ ،‬ومنها‬
‫تبادل السفارات والسفراء والوفود في ما يشبه العالقات الدبلوماسية‪ ،‬واضطلعت‬
‫قرطبة بدور كبير في هذا املجال في فترة اخلالفة األموية‪ ،‬و«ك��ان الوفد السفاري‬
‫يتكون من مجموعة من األفراد‪ ،‬بينهم رئيس للوفد‪ ،‬تتوافر فيه الصفات الالزمة من‬
‫عراقة النسب‪ ،‬ومهارة في التفاوض وحنكة سياسية‪ ،‬واطالع واسع‪ ،‬وفصاحة‪ ،‬وكان‬
‫السفير ومن معه يتمتع مبا يسمى اليوم باحلصانة الدبلوماسية‪ ،‬وهو محط احترام‬
‫وتقدير منذ وصوله إلى رحيله‪ ،‬وكان السفير يقدم وثائقه في حفل رسمي يقام لهذا‬
‫اً‬
‫مجال‬
‫الغرض‪ ،‬يدل على تقدم كبير في قواعد اللياقة‪ ..،‬وكان استقبال السفراء‪..‬‬
‫إلبراز عظمة الدولة ورخائها وقوتها»‬
‫(((‬
‫وتنوعت أهداف تلك السفارات ما بني رغبة في عقد هدنة أو صلح أو صداقة أو‬
‫تبادل جتاري‪.‬‬
‫وحتتفظ املصادر األندلسية بأخبار كثير من هذه السفارات بد ًءا من عهد اإلمارة‪،‬‬
‫فيذكر امل ّقري أن ملك القسطنطينية توفلس ‪ Theophilus‬بعث إلى األمير عبد الرحمن‬
‫بن احلكم سنة ‪225‬هـ بهدية يطلب مواصلته‪ ،‬فكافأه األمير عبد الرحمن عن الهدية‬
‫وبعث إليه بسفارة من كبار رجال الدولة(((‪ ،‬ونشطت السفارات في عهد اخلالفة ال‬
‫سيما في خالفة الناصر‪ ،‬وتذكر الروايات أنه ملا هلك غرسية بن شاجنة ملك البشكنس‬
‫((( أدب السياسة واحلرب‪.60-59 :‬‬
‫((( نفح الطيب ‪.346 :1‬‬
‫‪- 171 -‬‬
‫قام بأمرهم بعده أمه (طوطة) ‪ Teoda‬أو ‪ Toda‬وكفلت ولده ثم انتقضت على الناصر‬
‫فغزا بالدها فجاءته (طوطة) بطاعتها وعقد البنها غرسية على بنبلونة‪.‬‬
‫(((‬
‫كما وف��دت على الناصر سنة ‪336‬ه �ـ رس��ل صاحب قسطنطينية اإلمبراطور‬
‫قسطنطني واحتفل الناصر لقدومهم في يوم مشهود حيث «ركب في ذلك اليوم العساكر‬
‫وج ّمل‬
‫بالسالح في أكمل ش ّكة‪ ،‬وزين القصر اخلالفي بأنواع الزينة وأصناف الستور‪ُ ،‬‬
‫السرير اخلالفي مبقاعد األبناء واألخوة واألعمام والقرابة‪ ،‬و ُرتّب ال��وزراء واخلدمة‬
‫يومئذ‬
‫في مواقفهم‪ ،‬ودخل ال ُّرسل فهالهم ما رأوه‪ ،‬و ُق ّربوا حتى أ ّدوا رسالتهم‪ ،‬وأمر‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫ويعظموا من أمر اإلسالم واخلالفة‪ ،‬وشكروا نعمة‬
‫األعالم أن يخطبوا في ذلك احلفل‪،‬‬
‫الله على ظهور دينه وإعزازه‪ ،‬وذ ّلة عد ّوه‪ .. ،‬ثم انصرف هؤالء الرسل وبعث الناصر‬
‫معهم هشام بن هذيل بهدية حافلة ليؤكد املودة‪ ،‬ويحسن اإلجابة‪ ،‬ورجع بعد سنتني‬
‫(((‬
‫وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطينية»‬
‫وتشير الروايات إلى توافد السفارات والرسل على الناصر‪ ،‬فقد جاءه رسول‬
‫من ملك الصقالبة (هوتو) ‪ ،Otton‬ورسول آخر من ملك األملان‪ ،‬ورسول آخر من ملك‬
‫الفرجنة (أوقه ‪ )Hugo‬ورسول آخر من ملك اإلفرجنة بقاصية الشرق (كلدة ‪)Guido‬‬
‫واحتفل الناصر لقدومهم وبعث مع رسول الصقالبة ربي ًعا األسقف إلى ملكهم هوتو‬
‫(((‬
‫ورجع بعد سنتني‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ 344‬جاء رسول أردون يطلب السلم فعقد له‪ ،‬ثم بعث يطلب إدخال‬
‫فرذلند قومس قشتيلة في عهده‪ ،‬فأذن له في ذلك‪ ،‬و ُأدخل في عهده‪ .‬وكان ملك الناصر‬
‫باألندلس في غاية الضخامة ورفعة الشأن‪ ،‬وهادته الروم‪ ،‬وازدلفت إليه تطلب مهادنته‬
‫ومتاحفته بعظيم الذخائر‪ ،‬ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم واإلفرجنة واملجوس‬
‫(((‬
‫وسائر األمم إال وفدت عليه خاضعة راغبة‪ ،‬وانصرفت عنه راضية‪.‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.364-363 :1‬‬
‫((( البيان املغرب ‪ ،319 :2‬تاريخ ابن خلدون ‪.142 :4‬‬
‫((( نفح الطيب ‪.365 :1‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.366-365 :1‬‬
‫‪- 172 -‬‬
‫وحتتفظ املصادر بتفاصيل دقيقة عن مراسم استقبال السفارات‪ ،‬ومنها سفارة‬
‫امبراطور القسطنطينية حيث رحل الناصر من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول‬
‫ولي العهد من بنيه‪،‬‬
‫وفود الروم عليه‪ ،‬فقعد لهم في بهو املجلس الزاهر‪ ،‬وقعد عن ميينه ّ‬
‫اً‬
‫احلجاب من أهل اخلدمة من أبناء‬
‫وشمال‪ ،‬ووقف‬
‫وحضر الوزراء على مراتبهم ميينًا‬
‫ّ‬
‫الوزراء واملوالي والوكالء وغيرهم‪ ،‬وقد ُبسط صحن الدار أجمع بعتاق ال ُبسط وكرائم‬
‫وظ ّللت أبواب الدار وحناياها ُ‬
‫الدرانك‪ُ ،‬‬
‫بظلل الديباج ورفيع الستور‪ ،‬فوصل رسل ملك‬
‫الروم حائرين مما رأوه من بهجة امللك وفخامة السلطان‪ ،‬ودفعوا كتاب ملكهم صاحب‬
‫القسطنطينية العظمى قسطنطني بن ليون‪ ،‬وهو في رقّ مصبوغ لونًا سماو ًيا‪ ،‬ومكتوب‬
‫بالذهب باخلط اإلغريقي‪ ،‬وداخل الكتاب ُمدرجة مصبوغة ً‬
‫أيضا مكتوبة بخط إغريقي‬
‫ً‬
‫أيضا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها‪ ،‬وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة‬
‫مثاقيل‪ ،‬على الوجه منه صورة املسيح‪ ،‬وعلى اآلخر صورة قسطنطني امللك وصورة‬
‫ولده‪ ،‬وكان الكتاب بداخل درج ّ‬
‫فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطني‬
‫امللك معمولة من الزجاج املل ّون البديع‪ ،‬وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج‪ ،‬وكان‬
‫في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه‪ :‬قسطنطني ورومانس املؤمنان باملسيح‪ ،‬امللكان‬
‫العظيمان ملكا ال��روم‪ ،‬وفي سطر آخر‪ :‬العظيم االستحقاق املفخر الشريف النسب‬
‫عبدالرحمن اخلليفة احلاكم على العرب باألندلس ‪ -‬أطال الله بقاءه‪.‬‬
‫(((‬
‫وحتتفظ امل �ص��ادر ك��ذل��ك مب��راس��م استقبال (أردون ب��ن أذف��ون��ش) على عهد‬
‫املستنصر وذلك عندما بلغه اعتزام املستنصر الغزو إليه‪ ،‬فخرج قبل أمان ُيعقد له‬
‫أو ذمة تعصمه في عشرين رجلاً من وجوه أصحابه وتقدموا إلى باب قرطبة‪ ،‬فمروا‬
‫السدة وب��اب اجلنان سأل عن مكان‬
‫بباب قصرها‪ ،‬فلما انتهى أردون إلى ما بني ّ‬
‫قبر الناصر فأشير له إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة‪ ،‬فخلع‬
‫قلنسوته‪ ،‬وخضع نحو مكان القبر‪ ،‬ودعا‪ ،‬ثم ر َّد قلنسوته إلى رأسه‪ ،‬وأمر املستنصر‬
‫((( نفح الطيب ‪.368-366 :1‬‬
‫‪- 173 -‬‬
‫بإنزال (أردون) في دار الناعورة‪ ،‬وقد كان تق َّدم في فرشها بضروب الغطاء والوطاء‪،‬‬
‫وتوسع له في الكرامة وألصحابه ثم استدعاه املستنصر‬
‫وانتهى من ذلك إلى الغاية‪،‬‬
‫َّ‬
‫بالله بعد إقامة الترتيب وتعبئة اجليوش واالحتفال في ذلك من العدو واألسلحة والزينة‪،‬‬
‫وقعد املستنصر على سرير امللك في املجلس الشرقي وقعد األخوة وبنوهم والوزراء‬
‫ونظراؤهم ص ًفا في املجلس ومعهم القضاة والفقهاء‪ ،‬وأتى الوزير محمد بن القاسم بن‬
‫رومي‬
‫ديباجي‬
‫طملس ‪ -‬صاحب احلشم ‪ -‬بامللك (أردون) وأصحابه وعالي لبوسه ثوب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أبيض و َبلْيوال من جنسه وفي لونه‪ ،‬وعلى رأسه قلنسوة رومية منظومة بجوهر وقد‬
‫صفي‬
‫حفته جماعة من نصارى وجوه الذمة باألندلس يؤنسونه ويبصرونه‪ ،‬فدخل بني‬
‫ّ‬
‫الترتيب يق ّلب الطرف في نظم الصفوف‪ ،‬ويجيل الفكر في كثرتها وتظاهر أسلحتها‬
‫فترجل جميع من‬
‫ورائق حليتها حتى وصلوا إلى باب األقباء أول باب قصر الزهراء‬
‫َّ‬
‫كان خرج إلى لقائه وتق َّدم امللك أردون وخاصة قوامسه على دوابهم‪ ،‬حتى انتهوا إلى‬
‫فترجلوا ودخل امللك‬
‫بالترجل هنالك واملشى على األقدام‪،‬‬
‫السدة‪ ،‬فأمر القوامس‬
‫ُّ‬
‫ّ‬
‫باب ُّ‬
‫أردون وحده وخرج اإلذن ألردون امللك من املستنصر بالدخول عليه فلما قابل املجلس‬
‫الشرقي الذي فيه املستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع ُبرنسه‪ ،‬وبقي حاس ًرا‬
‫إعظا ًما‪ ،‬واستنهض فمضى بني الصفني وخ َّر ساج ًدا سويعة ثم استوى قائ ًما ثم نهض‬
‫خطوات‪ ،‬وعاد إلى السجود‪ ،‬ووالى ذلك مرا ًرا إلى أن قدم بني يدي اخلليفة وأهوى إلى‬
‫يده فناوله إياها وك َّر راك ًعا مقهق ًرا على عقبه إلى وساد ديباج مثقل بالذهب‪ ،‬جعل له‬
‫هناك‪ ،‬ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير‪ ،‬فجلس عليه‪ ،‬والبهر قد عاله‪ ،‬وأنهض‬
‫خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه‪ ،‬فدنوا ممتثلني في تكرير اخلنوع وناولهم‬
‫اخلليفة يده فق ّبلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم‪ ،‬ووصل بوصولهم‬
‫وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة‪ ،‬وكان الترجمان عن امللك (أردون) في ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬فأطرق املستنصر عن تكليم امللك (أردون) إثر قعوده أمامه وقتًا كيما ُيفرخ‬
‫روعه‪ ،‬ومتضي الرواية فتنقل احلوار الذي دار بني املستنصر و(أردون)‪ ،‬وفيه يشكو‬
‫(أردون) من ابن عمه شاجنه ويلتمس وساطة املستنصر الذي وعده بإنصافه وصرفه‬
‫(((‬
‫ً‬
‫مغبوطا إلى بلده بعد أن أبدى كل مظاهر اخلضوع للمستنصر‪.‬‬
‫((( نفح الطيب‪393-388 :1‬‬
‫‪- 174 -‬‬
‫وكان لهذه السفارات أصداء واسعة في نفوس الناس أو الرعية الذين استشعروا‬
‫عزة اإلسالم وعظمة اخلالفة‪ ،‬وواكب الشعراء هذه املناسبات وص َّوروها تصوي ًرا رائ ًعا‬
‫على نحو ما جنده في قصيدة عبدامللك ابن سعيد املرادي التي يصف فيها سفارة امللك‬
‫(أردون) وجلوئه إلى املستنصر لنجدته ونصرته وعقد أواصر الذمة واملودة‪ ،‬وفيها يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫��������ك اخل�����ل�����ي�����ف ِ‬
‫ُم�������� ْل ُ‬
‫�����ة آي������������ ُة اإلق�������ب�������الِ‬
‫وس����������ع����������و ُده م�������وص�������ول������� ٌة ب�����ت�����وال�����ى‬
‫ٍ‬
‫وب�����رف�����ع�����ة‬
‫وامل�������س�������ل�������م�������ونَ ب���������ع��������� ّز ٍة‬
‫وامل���������ش���������رك���������ونَ ب���������ذ ّل ٍ‬
‫وس��������� َف���������الِ‬
‫���������ة َ‬
‫�����و ُه‬
‫أل������ق ْ‬
‫������ت أي�����ادي�����ه�����ا األع�������اج������� ُم ن�����ح َ‬
‫ِ‬
‫�������ول�������ة ال������ ِّرئ������ب������ال‬
‫ل�������ص‬
‫ن‬
‫م�����ت�����وق�����ع��ي�� َ‬
‫َ‬
‫ه������������ذا أم����������ي���������� ُرهُ ���������� ُم أت��������������اه آخ������������ ًذا‬
‫�����������������ة ِ‬
‫ٍ‬
‫وح�������ب�������ال‬
‫ذم‬
‫م������ن������ه‬
‫أواص��������������������ر ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫جل���ل���ال�������ه م����ت����خ ّ‬
‫����ع����ا‬
‫������ع������ا‬
‫����ش ً‬
‫م������ت������واض ً‬
‫�����������������ر ْع ب����ق����ت����الِ‬
‫ل�����ـ�����م�����ا ُي‬
‫م������ت������ب������ ّر ًع������ا‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫س����ي����ن ُ‬
‫����ال ب���ال���ت���أم���ي���لِ ل���ل���م���ل���ك ال���� ّرض����ي‬
‫ِع������������������� ًّزا َي��������ع�������� ُّم ِع����������������داه ب����������������اإلذاللِ‬
‫فاملرادي يرى في وفادة امللك (أردون) يو ًما مشهو ًدا أدخل املس ّرة على اخلالفة‬
‫وتواصلت به السعود‪ ،‬وه��و يؤكد ع��زة اإلس�لام ورفعته في مقابل إذالل املشركني‬
‫واتضاعهم‪ ،‬ويشير الرمادي إلى ما أظهره (أردون) من خضوع للخليفة طم ًعا في نيل‬
‫رضاه وإنصافه من بني جلدته‪.‬‬
‫ويشيد املرادي بعظمة هذا اليوم وال يبخس امللك اجلليقي ح ّقه من املنزلة التي‬
‫يتمتع بها في قومه فيقول‪:‬‬
‫((( نفح الطيب‪.394-393 :1‬‬
‫‪- 175 -‬‬
‫ال ي������������و َم أع�������ظ������� ُم ل�������ل�������والة م������س������ ّر ًة‬
‫وأش���������������� ّده غ�����ي ً‬
‫�����ظ�����ا ع�����ل�����ى األ ْق��������� َي���������الِ‬
‫ي���������وم (أردون) ال���������ذي إق����ب����ال���� ُه‬
‫م������ن‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫أم�������������ل امل�������������دى ون�������ه�������اي������� ُة اإلق�������ب�������ال‬
‫األع������اج������م ك��� ّل���ه���ا اب������ن م���ل ِ‬
‫م����ل ُ‬
‫���وك���ه���ا‬
‫����ك‬
‫ِ‬
‫وال����������ي ال�������� ُّرع��������اة ول���ل��أع������اج������م وال������ي‬
‫إن ك�������ان ج�������اء ض������������رور ًة ف���ل���ق���د أت����ى‬
‫ٍ‬
‫وط��������������وع رج�������ال‬
‫مم�����ل�����ك�����ة‬
‫ع�������ن ع���������� ّز‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫�����ام����� َن�����ا‬
‫ال����ـ����م‬
‫ف�����احل�����م����� ُد ل����ل����ه‬
‫ُ‬
‫����ن����ي����ل إم َ‬
‫ِ‬
‫امل������ل������وك ب�������� َق�������� ْد ِ‬
‫َّ‬
‫���م���ت���ع���ال���ى‬
‫ح�������ظ‬
‫ره ال���ـ ُ‬
‫ويحتفي املرادي بوصف مراسم استقبال (أردون) وصحبه‪ ،‬ويشبه جتمع الناس‬
‫وتزاحمهم وكثرتهم بيوم احلشر‪ ،‬ويصف اجليش الذي اصطفت كتائبه ومألت الفضاء‬
‫وتصاعد غباره فغ َّبر األفق وكأنه لبس ثو ًبا قامتًا وأحال النهار ظال ًما حتى ال يستطيع‬
‫الساري فيه أن يهتدي إال ببريق السيوف والرماح‪ ،‬ويشير إلى رسوم العقبان املنقوشة‬
‫ُّ‬
‫تنقض على أهل الشرك والضالل‬
‫على الرايات وكأنها حقيقة ال مجرد رسوم ويتخيلها‬
‫ويصف الرماح الطويلة التي يحملها اجلنود ويراها كاجلبال املمتدة ويتخيل التجافيف‬
‫وهي تبرق كأنها اكتست بنيران تؤججها دون اتقاد حقيقي‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ال������ن������اس إال أن����ه���� ْم‬
‫ح����ش����ر‬
‫ه�����و ي��������و ُم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ل�������م ُي������س������أل������وا ف�����ي�����ه ع�������ن األع�������م�������الِ‬
‫ِ‬
‫ب��ج��ي��وش��ه‬
‫���م���ا‬
‫أض����ح����ى ال����ف����ض����ا ُء م���ف ّ‬
‫���ع ً‬
‫ُ‬
‫�����س�����رب�����ال‬
‫واأل ْف‬
‫����������������ق أق������ت������ ُم أغ������ب������ ُر ال ّ‬
‫ال�������س�������اري ل����ل����ي����لِ ق���ت���ام ِ‬
‫���ه‬
‫ال ي����ه����ت����دي‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫������������������وارم وع������وال������ي‬
‫ص‬
‫إال ِب‬
‫��������ض��������وء َ‬
‫ٍ‬
‫‪- 176 -‬‬
‫�����م ِ‬
‫����ت‬
‫����رب����ل ْ‬
‫وك���������أنَّ أج�����س�����ا َم ال����� ُك َ‬
‫�����اة ت َ‬
‫َ����س ْ‬
‫���������ت ع����ن����ه ج������س������و َم ِص���ل��ال‬
‫ُم��������ذ ُع��������� ِّر َي ْ‬
‫وك������أمن������ا ال�����ع�����ق�����ب�����انُ ع�����ق�����ب�����انُ ال���� َف��ل�ا‬
‫ال��������ض اّ‬
‫������ض������ ٌة ل������ت������خ ُّ‬
‫ُّ‬
‫������ط َ‬
‫م������ن������ق ّ‬
‫����ّل���ل‬
‫������ف‬
‫����ب ال�����ق�����ن�����ا م�����ه�����ت����� َّز ٌة‬
‫وك�������������أنّ م����ن����ت����ص َ‬
‫ٍ‬
‫ن��������ازح��������ة ب�����ع�����ي�����دة ج�������الِ‬
‫أش��������ط��������انُ‬
‫�����ل ال����تَّ����ج����اف����ي ِ‬
‫وك�����أمن�����ا ُق����� ْب ُ‬
‫���ت‬
‫����ف اك���ت���س ْ‬
‫������ج������ه������ا ب����ل����ا إش������ع������ال‬
‫ن�����������������ا ًرا ت������وه ُّ‬
‫وحتدث ابن حيان عن سفارة أخرى في عهد احلكم املستنصر سنة ‪360‬هـ حيث‬
‫وفد على بالطه (بون فليو ‪ )Bonfill‬بن سندريط سفي ًرا لبريل ‪ Borrell‬بن شنير حاكم‬
‫إمارة برشلونة وكان بصحبته مجموعة من الفرسان وكان هدف هذه السفارة هو عقد‬
‫معاهدة ِس ٍلم وصداقة بني إمارتي برشلونة وقرطبة‪ ،‬وقد استجاب اخلليفة لهذا الطلب‬
‫واستقبلهم أحسن استقبال‪ ،‬وأنزلهم في منية نصر التي تقع خارج قرطبة على نهر‬
‫الوادي الكبير وعني اخلليفة هشام بن محمد حاكم طرطوشة وبلنسية ليشرف على‬
‫راحتهم وكان يقوم بالترجمة لهم وللخليفة عنهم بعض القرطبيني املستعربني(((‪ ،‬ويذكر‬
‫ابن حيان أن سفير حاكم برشلونة تقرب إلى اخلليفة احلاكم املستنصر بإهدائه ثالثني‬
‫أسي ًرا من أسارى املسلمني‪ ،‬وشارك الشعر في هذه املناسبة‪ ،‬ونظم أحمد بن إبراهيم‬
‫اخلازن قصيدة ص َّور فيها حاكم برشلونة بـ(الطاغية) ورأى أنه كان على صواب في‬
‫إيثار الهدنة وأنه لو لم يسلك هذا السبيل وجاء طائ ًعا مذعنًا جلاء أسي ًرا مقي ًدا في‬
‫(((‬
‫األصفاد‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���ق ف���ي األرض ن��اك ٌ‬
‫���ك أن ل���م ي���ب َ‬
‫���ه��� َن َ‬
‫��ث‬
‫ِل��� َي ْ‬
‫أت�������������اك ب���ل���ا ع����ه ِ‬
‫وال م�������ش ٌ‬
‫َ‬
‫����د‬
‫�������رك إال‬
‫((( املقتبس في أخبار بلد األندلس‪ ،‬البن حيان القرطبي‪ ،‬حتقيق عبد الرحمن احلجي ص ‪.20‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.123-122‬‬
‫‪- 177 -‬‬
‫ف��ه��ـ��ذا «اب�����ن ش���ن���ج» وه���ـ���و ط���اغ���ي��� ٌة لهم‬
‫ِ‬
‫القصد‬
‫رأى ال ُّرش َد في التحكيم واألمنَ في‬
‫ٍ‬
‫إف�������رجن�������ة وع���م���ي���ده���ا‬
‫وأل�������ق�������ت ي��������دا‬
‫ْ‬
‫ول���������وال ي������� ُد اإلل�������ق�������اء ج���������اءك ف������ي ق���� ِّد‬
‫َّ‬
‫وه�����ذا مل���ن ف���ي‬
‫����رق وال����غ����رب م����ؤذنٌ‬
‫ال����ش ِ‬
‫ك��م��ا أنَّ خ���ط َ‬
‫����رق ي������ؤذنُ ب���ال��� َّرع ِ���د‬
‫���ف ال����ب ِ‬
‫ويع ُّد اب��ن د َّراج من أكثر الشعراء األندلسيني وص ًفا للسفارات والوفود‬
‫مم��ا هيأه لذلك كثرة‬
‫األجنبية‪ ،‬وميثل ه��ذا اجل��ان��ب‬
‫ً‬
‫ملمحا ب ��ارزًا ف��ي ش�ع��ره‪ ،‬و ّ‬
‫السفارات في عهد املنصور بن أبي عامر‪ ،‬فقد أخافت انتصاراته الروم‪ ،‬فسعوا‬
‫إلى التماس الصلح معهم‪ ،‬وأنفذوا رسلهم ووزراءهم يعلنون خضوعهم وانقيادهم‪،‬‬
‫ورسم ابن دراج صو ًرا لهؤالء الرسل الذين وفدوا على املنصور يحملون كت ًبا تنطق‬
‫بالتضرع واالستسالم‪ ،‬ومن ذلك تصويره موقف «غرسية بن شاجنة» واضطراره‬
‫إلى اخلضوع للمنصور بعد أن أدرك أنه ال يستطيع الصمود أم��ام قوة جيش‬
‫املنصور‪ ،‬وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫���م���ا ر َأى َ‬
‫�����ر ِس����� َّي����� ٌة» َأ َّن�������� ُه ال������ َّردى‬
‫ول���ـ ّ‬
‫«غ ْ‬
‫ي���ق���ي��� ًن���ا و َأنَّ ال�����ل����� َه ال َش َّ‬
‫��������ك غ����ا ِل���� ُب���� ْه‬
‫���اف ِ‬
‫ح������زب ال����ل ِ‬
‫����ه دونَ َش���غ ِ‬
‫َو َق�������� ْد َح َّ‬
‫���ه‬
‫������ل‬
‫ُ‬
‫�����ر ْي ِ‬
‫َ����ت ِف�����ي ن ِ‬
‫�����ه ك��ت��ائ�� ُب�� ْه‬
‫َو َق�������� ْد َس���� َل����ك ْ‬
‫�����اظ َ‬
‫�����وع����� ُه‬
‫������ح‬
‫ال����ع����زم ي��س��ق��ي ُر ُب َ‬
‫وواف���������ا ُه ري ُ‬
‫ِ‬
‫ؤام س���ح ِ‬
‫����ل ب�����امل ِ‬
‫����ه ُّ‬
‫���ائ��� ُب��� ْه‬
‫وت����ن َ‬
‫�����وت ال������������ ُّز ِ‬
‫ِ‬
‫امل���������وت َط������� َّم ُع����ب����ا ُب���� ُه‬
‫����ر‬
‫و َأب َ‬
‫�������ر ب����ح َ‬
‫�������ص َ‬
‫ن���واح ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫غ����وار ُب���� ْه‬
‫����ت‬
‫���ي���ه‬
‫����ت‬
‫ِ‬
‫وج����اش ْ‬
‫وف����اض ْ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.518-517 :‬‬
‫‪- 178 -‬‬
‫ص����������ادق َو ْع ِ‬
‫ُ‬
‫�����������د ِه‬
‫و َأي������� َق�������نَ َأن ال�����ل����� َه‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ال�������ض���ل���الِ‬
‫ك�������واذ ُب������� ْه‬
‫م�������ان�������ي‬
‫و َأنَّ َأ‬
‫َّ‬
‫�����ام ِإ َل�������ى ا َّل ِ‬
‫ض����� ْن ُ‬
‫�����م����� ُه َ‬
‫���ت���ي‬
‫و َأس����� َل َ‬
‫�����ك امل�����ق ِ‬
‫����اع����ي ِ‬
‫����ه����ا ق������ا َم ن ِ‬
‫ِ‬
‫����ه َ‬
‫ن�����واد ُب����� ْه‬
‫�����ت‬
‫�����ج ْ‬
‫َل َ‬
‫وض َّ‬
‫َو َق������������ ْد را َب������������ ُه َأن���������ص���������ا ُر ُه وكُ�����م�����ا ُت����� ُه‬
‫َ‬
‫ق���������ار ُب��������� ْه‬
‫ش������ي������اع������ ُه و َأ‬
‫�����������ش����������� ُه َأ‬
‫و َأ ْو َح‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وع�������د ِه‬
‫خ����������اد َع‬
‫و َأخ�����ل����� َف����� ُه ال����ش����ي����ط����انُ‬
‫َ‬
‫�����ح�����ار ُب����� ْه‬
‫ع����ن����ك ُم‬
‫و َأي�������ق�������نَ َأنَّ ال�����ل����� َه‬
‫ِ‬
‫ت����ل���� َّق َ‬
‫ج���ي���ش م����ن ال�������� ُّذ ِّل ج��ح��ف ٍ��ل‬
‫����اك ِف�����ي‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ورغ�������ائ������� ُب������� ْه‬
‫ص������������وار ُم������������ ُه آم���������ا ُل��������� ُه‬
‫ِ‬
‫ويشير ابن د ّراج إلى إحفاء امللك النصراني رسله ووزراءه طم ًعا في طلب الصلح‬
‫من املنصور بعد أن تخلى عنه أنصاره وجنوده ولم تفلح محاوالته العسكرية الفاشلة‪،‬‬
‫(((‬
‫وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫وم���ن َق�� ْب ُ‬
‫��ل َأح��ف��ى ال��� ُّر ْس َ‬
‫��ار ًع��ا‬
‫��و َك ض ِ‬
‫���ل ن��ح َ‬
‫َ‬
‫ل���دي���ك م��ط��ال�� ُب�� ْه‬
‫َع��� َل���ى ح��ي��ـ��نَ َأنْ َع������� َّز ْت‬
‫ِ‬
‫َّ������ر ِّ‬
‫ض������ي وزي���������� ُر ُه‬
‫و َأ ْع�������ي�������ا‬
‫ب�����������آراء ال������ت َ‬
‫�������اظ ال������تَّ������ َذ ُّل������لِ ك ِ‬
‫و َأ ْن�������� َف�������� َذ َأل�������ف َ‬
‫����ات���� ُب���� ْه‬
‫راح�����تَ����� ْي ِ‬
‫ف���� َأ ْع����ط����ى ِب ِ‬
‫�����ه ُم�����ب ِ‬
‫�����اد ًرا‬
‫َ����ي َ‬
‫����ك���� ْل����ت ْ‬
‫��������ر ٍض ب�����ا َّل ِ‬
‫ن�������ت راغ���� ُب���� ْه‬
‫�����ذي َأ‬
‫َ‬
‫َأل ْم ِ‬
‫�����������ر َك ُم ْ‬
‫����ل ال������� ِّر ِّق م���ن ُح����� ِّر ِج ِ‬
‫و َأ ْم�����كَ�����نَ َح���� ْب َ‬
‫���ي���د ِه‬
‫ِ‬
‫����ع َع��������ز ٍْم َح���� ْي ُ‬
‫ج����اذ ُب���� ْه‬
‫����ث َأ ْم���������� ُر َك‬
‫ُم����ت ِ‬
‫����اب َ‬
‫ف���� َأ ْع َ‬
‫����اع���� ًة‬
‫�������ر س َ‬
‫����ط���� ْي����تَ���� ُه َم������ا َل ْ‬
‫�������و تَ������� َأ َّخ َ‬
‫���م َرك ِ‬
‫����ائ���� ُب���� ْه‬
‫������ت ِإ َل�������ى‬
‫ِ‬
‫َل������ ُز َّم ْ‬
‫ن������ار اجل���ح���ي ِ‬
‫((( املصدر نفسه ‪.519-518‬‬
‫‪- 179 -‬‬
‫ويرصد ابن دراج في شعره «وف��ود ملك البشكنس (إم��ارة نبارة) شاجنة بن‬
‫غرسية ‪ Garces Sancho‬على قرطبة محك ًما للمنصور في نفسه ومعلنًا له بالطاعة‬
‫واخلضوع‪ ،‬وكان شاجنة قد ج َّدد من قبل عهود السلم للمنصور ثم نقض تلك العهود‪،‬‬
‫وحينئذ لم ير‬
‫فأوقع به العامري عدة هزائم قتل في إحداها ابن له في سنة ‪371‬هـ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫امللك املسيحي ب ًّدا من العودة إلى إعالن طاعته للمنصور وجتديد العهد له‪ ،‬بل إنه‬
‫لم يلبث أن أهدى إلى املنصور ابنة له‪ ،‬فأعتقها هذا وتزوج منها فأجنبت له ابنه عبد‬
‫الرحمن الذي كان ُينبز من أجل ذلك بلقب (شنجول)‪ ..‬وهو تصغير اسم (ساجنة) ج ّده‬
‫ألمه‪ .‬وفي سنة ‪382‬هـ ورد إلى قرطبة مقدم امللك املسيحي صهر املنصور إلى قرطبة‬
‫اً‬
‫ً‬
‫استقبال فخ ًما(((‪،‬‬
‫مستصرخا» فاستقبله املنصور‬
‫«محك ًما في نفسه» ‪ ..‬أو «زائ� ًرا‬
‫(((‬
‫وبهذه املناسبة قال ابن دراج قصيدته التي مطلعها‪:‬‬
‫���س��� ُم ل��ل��م��ج ِ��د َم�����نْ َس��م��ا‬
‫َأال هَ ����كَ���� َذا َف��� ْل��� َي ْ‬
‫م������ار امل���ل ِ‬
‫���ك وال����دي����نِ َم�����نْ َح��م��ى‬
‫����م ِذ‬
‫و َي ْ‬
‫����ح ِ‬
‫َ‬
‫ويحرص ابن دراج في قصيدته على تعظيم صورة امللك النصراني واإلعالء من‬
‫شأنه فيصفه بـ «عظيم الشرك» و«سليل ملوك النصارى»‪ ،‬و«وارث ملك الروم» وواسطة‬
‫العقد في أنساب القياصرة ‪ ،‬وبرغم هذه املنزلة الرفيعة التي يتبوؤها في قومه‪ ،‬فقد‬
‫(((‬
‫جاء إلى املنصور خاض ًعا منقا ًدا‪ .‬يقول ابن دراج‪:‬‬
‫وه����ذا ع��ظ��ي�� ُم ال ِّ‬
‫����ر ِك َق���� ْد ج����ا َء خ ِ‬
‫��اض ً��ع��ا‬
‫����ش ْ‬
‫و َأل������ق������ى ب����ك���� َّف���� ْي ِ‬
‫����ه ِإ َل�������� ْي َ‬
‫���ح ِّ‬
‫���ك���م���ا‬
‫��������ك ُم َ‬
‫��ل م���ل ِ‬
‫س��ل��ي ُ‬
‫��س��ن��ا‬
‫���وك‬
‫ِ‬
‫ال��ك��ف��ر ِف����ي ِذ ْر َو ِة ال َّ‬
‫ِ‬
‫وم َأ ْق����������� َد َم َأ ْق����� َدم�����ا‬
‫ووار ُث‬
‫ِ‬
‫م���ل���ك ال���������� ُّر ِ‬
‫ِ‬
‫�����وس َ‬
‫���ر ف��ان��ت��م��ى‬
‫ن�����س�����اب‬
‫�����ط َأ‬
‫ال���ق���ي���اص ِ‬
‫ت َّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ق��������ر َب ُم�� ْن��تَ��م��ى‬
‫���ص���ي ِ���د وا َأل‬
‫م���ن ال ِّ‬
‫م����ل����اك َأ َ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪ ،‬املقدمة ‪.30:‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.534 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.535 :‬‬
‫‪- 180 -‬‬
‫ويعلل ابن دراج أسباب وفود امللك النصراني خاض ًعا‪ ،‬ويعزو ذلك إلى خوفه من‬
‫قوة املنصور العسكرية ويأسه من مواجهته ورغبته في احلياة وتشبثه بها مما دفعه‬
‫مشرعا رماح التذلل وسيوف اخلنوع‬
‫إلى االرحتال إلى كنف املنصور واالستجارة به‬
‫ً‬
‫واخلضوع‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫س���ي���ف َ‬
‫���س��� ُه‬
‫���������ر ُب‬
‫���ك َن��� ْف َ‬
‫ومل������ا ت���ق���اض���ى َغ ْ‬
‫وح َ‬
‫���ح���تَ��� َق���نَ ال��� ِّد َم���ا‬
‫����اط ْ‬
‫����ت َل����� ُه ا َألق���������دا ُر ُم ْ‬
‫َو َل�������� ْم ي���س���ت ِ‬
‫ِ‬
‫احل����ي����اة ت���� َأ ُّخ���� ًرا‬
‫���و‬
‫���ع ن���ح َ‬
‫���ط ْ‬
‫����و ال����� َّن�����ج ِ‬
‫�����اة تَ���� َق���� ُّدم����ا‬
‫�������و ٍت وال ن����ح َ‬
‫ِب������� َف ْ‬
‫������دارك������ ُه امل�����ق�����دا ُر ِف�����ي ق���ب���ض ِ���ة ال������ َّردى‬
‫ت‬
‫َ‬
‫������اط������ َب������ ُه ح����� ًّن�����ا َع����� َل����� ْي ِ‬
‫وخ َ‬
‫����م����ا‬
‫�����ه ف���� َأ ْف َ‬
‫����ه َ‬
‫َّ‬
‫�������ر ُه ال�����تَّ����� ْأ ِم�����ي ُ‬
‫�����ل م����ن َ‬
‫ب���ع ْ‬
‫���ط��� َف ٍ���ة‬
‫����ك َ‬
‫وب�������ش َ‬
‫ِ‬
‫���س���م���ا‬
‫����ه����ا َر ْو َح‬
‫ت���ل��� َّق���ى ِب َ‬
‫احل�����ي�����اة تَ��� َن ُّ‬
‫ِ‬
‫م�����������اح ال������تَّ������ َذ ُّل������لِ‬
‫ظ���اع��� ًن���ا‬
‫أر‬
‫َ‬
‫ف������� َأ ْش َ‬
‫�������ر َع ْ‬
‫�����ت َأس����ي َ‬
‫��ص ِّ��م��م��ا‬
‫ص����� َل َ‬
‫����وع ُم َ‬
‫و َأ ْ‬
‫����اف اخل����ض ِ‬
‫ويشير ابن دراج إلى ما وجده امللك النصراني من تبجيل في رحاب املنصور‬
‫وكيف حظي في بالطه بالنعيم بعد أن سامه الذل في بالده وسقاه كؤوس الهزمية في‬
‫عقر داره مؤك ًدا سنن اخللق العربي في الشهامة وإكرام الضيف‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫وق���������ا َد حل����ب����لِ ال���������� ِّر ِّق ن�����ح َ‬
‫����س���� ُه‬
‫�����وك َن���� ْف َ‬
‫وواف������������اك ُم��� ْن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫���ع���م���ا‬
‫م�����تَ����� ًّن�����ا‬
‫َف‬
‫���ل��اق������اك مُ ْ‬
‫�����ت ِب ِ‬
‫���ب ال����ق ِ‬
‫����د ا َّل ِ‬
‫����ائ ِ‬
‫������ذي‬
‫وح����� َّف ْ‬
‫������ه ل���ل���ح ِ‬
‫���اج ِ‬
‫َ‬
‫َأب�������ى ال�����ده����� ُر ِإلاّ َم�����ا َأ َم��������� َّر و َأ ْح����كَ����م����ا‬
‫ٍ‬
‫ق����������ادر‬
‫آب���������������اء وم������ن������ع������ ُة‬
‫ح�������م�������ا َي������� ُة‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫���ح��� َّر َم���ا‬
‫ي���تَ���ي��� ُه َع���� َل����ى‬
‫ص������رف ال�����زم ِ‬
‫�����ان ُم َ‬
‫((( ديوانه ‪.535 :‬‬
‫‪- 181 -‬‬
‫����������راح ذل�����ي اً‬
‫����ج��ًلً‬
‫َف‬
‫��ًل�� ُث�������� َّم َأض�����ح�����ى ُم���� َب َّ‬
‫َ‬
‫ْ���رم���ا‬
‫و َأم����س����ى ُم���ه���ا ًن���ا ُث������ َّم َأ‬
‫َ‬
‫ص����ب����ح ُم���ك َ‬
‫ِ‬
‫��ل�ام����ة ِ‬
‫ِّ‬
‫واف�������� ًرا‬
‫ال����س‬
‫ح�����ظ‬
‫ص�����ب�����ح م����ن‬
‫و َأ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫���ع ِ‬
‫���دم���ا‬
‫راح م����ن ع����� ِّز ا ِإل‬
‫م�������������ار ِة ُم ْ‬
‫ب������� َأن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�����اس�����ت ْ‬
‫ل�����دي�����ك ت����ذ ُّل��ًلً‬
‫َ�����خ�����ذى‬
‫والق�����������اك ف ْ‬
‫َ‬
‫َ����ر ُّح����م����ا‬
‫ل���ي���ح���ت���ا َز م����ن أدن�������ى‬
‫رض��������اك ت َ‬
‫َ‬
‫ق��������ادر‬
‫ذم������������ ُة‬
‫�������رتْ������� ُه‬
‫م�����ن�����ك َّ‬
‫ٍ‬
‫ل����ئ����ن َخ������� َف َ‬
‫َ‬
‫����ر َ‬
‫اخل����������� ُذ َ‬
‫مَّ����ا‬
‫ول ُم���� َذم‬
‫ل���ق���د ف‬
‫��������ارق ال����كُ���� ْف َ‬
‫دار ِه‬
‫����ر ِ‬
‫ل��ئ��ن ُس��� ْم���تَ��� ُه ال���ب��� ْأس���ا َء ِف����ي ُع���� ْق ِ‬
‫دار م���ل ِ‬
‫���ك َ‬
‫ل���ق���د ُع ْ‬
‫���ع���م���ا‬
‫����ض����تَ���� ُه ِف�����ي ِ‬
‫���ك َأ ْن ُ‬
‫ويعتمد ابن دراج على «املقابلة» بني موقف املنصور من امللك النصراني وقومه‬
‫في حالة احلرب حني سقاهم علق ًما‪ ،‬وحاله حني وفد عليه (شاجنة) فبسط له يد األمن‬
‫واستقبله مبا ميليه عليه اخللق العربي من مروءة‪:‬‬
‫����س َ‬
‫ب���س ْ‬
‫����ط ال�� َق��ن��ا‬
‫���ط َ‬
‫���ت َل����� ُه َأ ْم���� ًن����ا َو َق������� ْد َب َ‬
‫�������رى َأ ِ‬
‫ب�����ك َأع ُ‬
‫رض��������ه م����ن أه���ل���ه���ا َ‬
‫���ظ���م���ا‬
‫َث َ‬
‫س���ق���ي���ت ِب ِ‬
‫�������ه ا ِإلس�����ل�����ا َم َأ ْر ًي�����������ا وط���امل���ا‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫وع�� ْل�� َق��م��ا‬
‫س���ق���اهُ ��� ْم ب���ك��� ْأ ِس‬
‫امل�����وت ص���ا ًب���ا َ‬
‫ وتستهوي اب��ن دراج ص��ورة (ش��اجن��ة) وه��و في موقف التذلل واخلضوع‬
‫واالنقياد فيرددها غير مرة‪:‬‬
‫راح�����تَ����� ْي َ‬
‫�����ك ُم����� َذ َّل��ًل�ً‬
‫وه������ا هُ َ‬
‫�������و َذا ِف������ي َ‬
‫�����ت ِف ِ‬
‫ره���ي��� ًن���ا مل����ا َأ ْم َ‬
‫���ح���كَّ ���م���ا‬
‫�����ض����� ْي َ‬
‫����ي����ه ُم ْ‬
‫ال��ـ��م�� ِل ِ‬
‫��ك ا َّل ِ‬
‫����ذي‬
‫����س���� ًرا ِإ َل�����ى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رم����ى ن��ف َ‬
‫��س�� ُه َق ْ‬
‫���م���ا‬
‫������ر مم���ل���وكً���ا َل������� ُه َف���ت َ‬
‫َ���ع��� َّل َ‬
‫ر َأى ال������ َّده َ‬
‫‪- 182 -‬‬
‫ويؤكد ابن دراج على دور القوة العسكرية للمنصور في إخضاع (شاجنة)‬
‫ويرسم مشه ًدا رائ ًعا يجسد عزة اإلسالم في األندلس وفيه نرى امللك النصراني وهو‬
‫يتقدم ملالقاة املنصور وقد حاصره الرعب واستب َّد به اخلوف فمشى إليه بخطوات‬
‫متثاقلة وكأن الرعب يقيده وقد بدا كالدابة التي أرخيت لها حبال اخلضوع‪ ،‬ويصفه‬
‫وهو يتكلم فيكاد الرعب يقيد لسانه وقد ضاعف من رعبه مشهد اجلنود املصطفة‬
‫بأسلحتها فيحجم عن احلديث ويتردد ولكنه ال يلبث أن يتذكر ما أحاطه به املنصور‬
‫من رضى فيتق َّدم وهي ص��ورة نابضة بالدالالت النفسية املوحية حلالة هذا امللك‬
‫املضطرب النفس‪:‬‬
‫ُ‬
‫�ي�ن ا ْن��ت َ‬
‫َ��ض�� ْي��تَ��ه��ا‬
‫ول����وال‬
‫س��ي��وف ال��ن��ص ِ��ر ح َ‬
‫ل���ق���د ج َّ‬
‫َ���وهَّ ���م���ا‬
‫�����ل هَ ������� َذا‬
‫ال���ص ُ‬
‫ُّ‬
‫���ن���ع أن ُي���ت َ‬
‫���ص��� ُر َخ ْ‬
‫����و ُه‬
‫ف���ج���ا َء و َق���� ْي���� ُد ال��������� َّر ْو ِع َي���ق ُ‬
‫����ط َ‬
‫وي������تَ������ ُّد ِف�����ي ح���ب���لِ‬
‫اخل����ض����وع تَ��� َق��� ُّدم���ا‬
‫مَ ْ‬
‫ِ‬
‫ي���خ ِ‬
‫مفصحا‬
‫������ب و ِإن كَ�����انَ‬
‫ً‬
‫���اط ُ‬
‫���ب ع���ن ُر ْع ٍ‬
‫و ُي���� ْف ِ‬
‫ذع�����ر و ِإن كَ������انَ َأع��ج��م��ا‬
‫����ح ع���ن‬
‫����ص ُ‬
‫ٍ‬
‫�������ول اجل�����ن ِ‬
‫راع��������� ُه ه ُ‬
‫���ج���م���ا‬
‫ِإذا َ‬
‫�����ود ف��� َأ ْح َ‬
‫َ‬
‫ض������������اك ف���� َأق����دم����ا‬
‫ت���������داركَ��������� ُه ِذك�����������رى ِر‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫تصطف فيه كتائب اجلنود‬
‫وميضى ابن دراج في وصف مشهد االستقبال الذي‬
‫حاملة األعالم التي رسمت عليها صور األسود والعقبان حيث تذ ّكر (شاجنة) بهول‬
‫املعارك وتضاعف من رعبه مبا توحي به من دالالت اخلوف والرهبة‪:‬‬
‫ال����ط ِ‬
‫����رف ِإلاّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫وض���ي َ‬
‫���غ��� ٌم‬
‫������ع‬
‫رج َ‬
‫َو َم������ا ك���� َّر ْ‬
‫��������ب ا َأل ِس������ َّن ِ‬
‫������ة َ‬
‫ض��ي َ‬
‫��غ��م��ا‬
‫ُي�����س ِ‬
‫�����او ُر ِف�����ي ُر ْع ِ‬
‫اض ِ‬
‫���ط���و ب����ال����ه ِ‬
‫و َأ ْر َق����������� ُم ي���س ُ‬
‫����واء ْ‬
‫����ط����را ُب���� ُه‬
‫ي����ن ِ‬
‫����ع َأرق���م���ا‬
‫����س ِف�����ي‬
‫ٍ‬
‫ل���ي���ل م����ن ال���� َّن����ق ِ‬
‫����اه ُ‬
‫‪- 183 -‬‬
‫ِ‬
‫ع�������ل������ام مَ ُ‬
‫ت������������ ُّر ي���خ���ا ُل���ه���ا‬
‫وع������ق������ب������انُ َأ‬
‫ٍ‬
‫َع��� َل���ى ن��ف ِ‬
‫��وم��ا‬
‫�����رب ُح َّ‬
‫����ر ِك احل ِ‬
‫��س ِ��ه ِف���ي َم ْ‬
‫����ع َ‬
‫َف�����ل����� َّل ِ‬
‫ِ‬
‫�����ه ي����������و ٌم َج َّ‬
‫�������دي�������د ِه‬
‫����������ل َق������������� ْد ُر َع‬
‫وع����������� َّد ِت ِ‬
‫مَّ�������ا‬
‫�����������ه ع�������ن ِم����� ْث����� َل�����م�����ا وك������� َأن‬
‫ُ‬
‫وفي سياق التذكر واالسترجاع يشير ابن دراج في قصيدة أخرى إلى وفادة (ابن‬
‫شنج) خاض ًعا منقا ًدا بعد أن ضاقت به األرض ولم يجد أمامه وسيلة لإلبقاء على حياته‬
‫سوى اللجوء إلى املنصور‪ ،‬فوفد عليه معتر ًفا بأخطائه وذنوبه مشتملاً مبالبس الرهبان‬
‫(((‬
‫ليبدو في صورة أخرى مناقضة لصورته كداعية حرب‪ .‬وفي ذلك يقول ابن دراج‪:‬‬
‫�����ك خ ِ‬
‫�����و َم َأ َّم َ‬
‫��اض ً��ع��ا‬
‫���ج» َي ْ‬
‫َح���تَّ���ى «ا ْب�����نُ َش��� ْن ٍ‬
‫�������ك ِب ِ‬
‫ام�������� ُة ت ِ‬
‫تَ���س���ع���ى ِإ َل������� ْي َ‬
‫����ب‬
‫����ائ ِ‬
‫��������ه َن�������� َد َ‬
‫���ع ِ‬
‫���ج��� ْد‬
‫���د َم����ا َرا َز((( ال���ب�ل�ا َد َف��� َل��� ْم َي ِ‬
‫م����نْ َب ْ‬
‫ض ع���ن م������� ْأ َ‬
‫ه����ار ِب‬
‫����ر َب‬
‫ِف����ي ا َأل ْر ِ‬
‫ِ‬
‫واك َم ْ‬
‫����ه َ‬
‫ِ‬
‫����ع َ‬
‫ور َأى ال َّ‬
‫��ل�ال َع��� َل��� ْي َ‬
‫����ض َ‬
‫���ك َأ ْ‬
‫ن��اص ٍ��ر‬
‫����ف‬
‫ض َ‬
‫ي���������نَ ص ِ‬
‫ورأى ال ِ‬
‫ار ِإ َل����� ْي َ‬
‫���ب‬
‫���اح ِ‬
‫�����ك َأ مْ َ‬
‫������ر َ‬
‫������ف َ‬
‫�������ذ َّل ِ‬
‫َ�����ر ًف�����ا ِب ِ‬
‫َ‬
‫������ب‬
‫�����ع�����ت ِ‬
‫ودع�����������اك ُم ْ‬
‫�������ة ُم������ ْذ ِن ٍ‬
‫����س ِ‬
‫����ش����ت ِ‬
‫����ة ِ‬
‫َ����م اً‬
‫ت�����������اك ُم ْ‬
‫َ‬
‫�������ب‬
‫و َأ‬
‫راه ِ‬
‫��ًل� ِب���� ِل���� ْب َ‬
‫ويسجل ابن دراج في قصيدة أخرى وفادة أمير قشتالة «شاجنة بن غرسية‬
‫بن فرذلند» سنة ‪382‬هـ موف ًدا من قبل أبيه «غرسية» قومس قشتالة‪ ،‬وترجع أهمية‬
‫هذه القصيدة إلى أنها تع ُّد الوثيقة الوحيدة التي حتتفظ بوصف هذه السفارة حيث‬
‫َّ‬
‫استهل ابن‬
‫«لم تتحدث كتب التاريخ اإلسالمية وال املسيحية عن تلك السفارة»(((‪ ،‬وقد‬
‫دراج قصيدته بإظهار قوة املنصور بن أبي عامر احلربية وهيمنته على الب ّر والبحر‬
‫((( ديوانه‪.267-266 :‬‬
‫((( راز‪ :‬امتحن‪ ،‬ج َّرب‪.‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪ ،‬املقدمة ‪30:‬‬
‫‪- 184 -‬‬
‫مما أفزع املمالك املسيحية فلم يجد ملوكها ُب ًّدا من مهادنته وخطب و ّده والوفود إليه‬
‫من كل حدب وصوب‪ .‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫اخل�����ائ ِ‬
‫َ‬
‫ِإ َل������ ْي َ‬
‫�����و ِج�����لِ‬
‫م���ن���ك ف�������را ُر‬
‫������ك‬
‫�����ف ال َ‬
‫َ‬
‫ال�����ف�����ار ِس ال��� َب َ‬
‫���ط���لِ‬
‫َو ِف�������ي َي‬
‫����دي����ك َأم��������انُ‬
‫ِ‬
‫����و َك اآلف ُ‬
‫���ت‬
‫���ع ْ‬
‫ت���ق���ا َب��� َل ْ‬
‫َ���م َ‬
‫���ت ن����ح َ‬
‫واج���ت َ‬
‫��������اق ْ‬
‫���ك َش���تَّ���ى ال ُّ‬
‫َع��� َل���ى مي���ي ِ���ن َ‬
‫���س��� ُب���لِ‬
‫�����ر ِق وال ُّ‬
‫�����ط ْ‬
‫����ع ِ‬
‫ْ�����ك م�����ل ُ‬
‫�����م�����ت َ‬
‫����م���� َل���� ًة‬
‫�����وك ا َأل ِ‬
‫رض ُم ْ‬
‫مَ َّ‬
‫وي َ‬
‫ِ‬
‫ِإ َل������� ْي َ‬
‫جن�������اء اخل�����ي�����لِ وا ِإلب���������لِ‬
‫�������ص‬
‫�������ك َن َّ‬
‫����ك ِف����ي ُش ُ‬
‫ف���ال��� َب��� ُّر وال���ب���ح��� ُر ِم�����نْ ِآت����ي َ‬
‫���غ ٍ���ل‬
‫َّ‬
‫راج���ي َ‬
‫���ك ِف���ي َج��� َذلِ‬
‫���رب م��ن ِ‬
‫���ر ُق وال���غ ُ‬
‫وال���ش ْ‬
‫ُّ‬
‫وتطل ص��ورة «شاجنة» وقد جاء على رأس وفد حاملاً الكتب التي تدعو إلى‬
‫ً‬
‫جيشا من الذل‬
‫االستعطاف في لهجة مفعمة بالتهكم والتشفي‪ ،‬فيتصوره وهو يقود‬
‫واخلضوع‪ ،‬وقد تخلى عن أسلحته وكتائبه ورفع راية االستسالم وقد استبشروا خي ًرا‬
‫بعفو املنصور وإجابة طلبهم‪ .‬يقول ابن دراج‪:‬‬
‫(((‬
‫����ك ع ِ‬
‫����م���� َم َ‬
‫������ج» م����ن َ‬
‫�����ائ����� َد ًة‬
‫َو َق��������� ْد تَ���� َي َّ‬
‫«ش������ ْن ٌ‬
‫تجُ ِ ����ي���� ُر ُه م���ن س���ي ِ‬
‫����وهَ ����لِ‬
‫َ����ر ِب وال َ‬
‫���وف ال����ك ْ‬
‫َّ�����و ِف�����ي ُ‬
‫�����ق َي���� ْق���� ُد ُم���� ُه‬
‫وق��������ا َد ن�����ح َ‬
‫�����و َك وال�����ت ْ‬
‫ج��ي ً‬
‫��ش��ا م���ن ال������ ُّذ ِّل ِم ْ‬
‫��س��ه��ل واجل��ب��لِ‬
‫������ل َء ال َّ‬
‫���ت���ع ِ‬
‫حل����ي����اة َج َّ‬
‫�������ل َم ْ‬
‫ٍ‬
‫���ط��� َل��� ُب���ه���ا‬
‫���ط��� ًف���ا‬
‫���س ْ‬
‫ُم ْ‬
‫َ��ع ِ��ط ِ‬
‫��ف ال�� ُّر ُس��لِ‬
‫��س��ت ْ‬
‫ع��ن ُم�� ْب�� ِل ِ��غ ال��كُ��ت ِ‬
‫ْ��ب َأ ْو ُم ْ‬
‫ِ‬
‫����ت‬
‫ل��س��ي��وف‬
‫م��س��ت��خ��ذ ًي��ا‬
‫ِ‬
‫ال��ن��ص��ر ح�ي�ن َأ َب ْ‬
‫�����اع�����ت ِ‬
‫����م����لِ‬
‫م�����ن دي��������نِ ط َ‬
‫�����ه ق��������ولاً ب��ل��ا َع َ‬
‫((( ديوانه‪.554:‬‬
‫((( ديوانه ‪.555-554 :‬‬
‫‪- 185 -‬‬
‫َخ��� َّل���ى ال���ك���ت ِ‬
‫����س���� ًرا وال ُّ‬
‫���ظ���ب���ى َ‬
‫وغ����دا‬
‫���ائ َ‬
‫���ب َق ْ‬
‫ع����ن ا َأل ِح������� َّب ِ‬
‫ش�������ي�������اع ِف������ي ُش ُ‬
‫����غ����لِ‬
‫�������ة وا َأل‬
‫ِ‬
‫����ح ِ‬
‫ُم ِ‬
‫ع��������ان َج َّ‬
‫��������ل م���ط��� َل��� ُب��� ُه‬
‫����ة‬
‫ٍ‬
‫�����������ذ َّل ص����ف َ‬
‫ص��� ْف ِ‬
‫���ح َ‬
‫���ك امل����� ْأم�����ولِ ُم��� ْب��� َت���هِ ���لِ‬
‫داع ِإ َل������ى َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫����ي����ع ٍ‬
‫����ه���� ُم‬
‫����ة َم‬
‫ف�����ي ِش‬
‫�����ل�����أ ْت ُذ ّاًل ُق���� ُل����و َب ُ‬
‫َ‬
‫�����ل ِإ َل���� ْي����ه����ا ِل���� ْل���� َق���� َن����ا ُذ ُل�������لِ‬
‫������وج ُس����� ْب ٍ‬
‫ُن ُ‬
‫������ه ُ‬
‫����ك ِ‬
‫����ح ِّ‬
‫����وس ِإ َل�����ى‬
‫����م��ي� َ‬
‫ُم َ‬
‫ن ي����س����وق����ونَ ال����ن����ف َ‬
‫����اذ ُح���ك ِ‬
‫ِإن����ف ِ‬
‫ْ���م َ‬
‫���ي وال��� َّن��� َف���لِ‬
‫���ك َس ْ‬
‫������و َق ال َّ‬
‫���س��� ْب ِ‬
‫���س���تَ��� ْب ِ‬
‫�����ل‬
‫���ري���نَ ب‬
‫����ت م���ن َأ َم ٍ‬
‫مِ����ا َأ ْح���� َي���� ْي َ‬
‫���ش ِ‬
‫ُم ْ‬
‫َ���س��� ِل ِ‬
‫�ي�ن مل����ا َأم َ‬
‫����ت م����ن َأ َج������لِ‬
‫���م َ‬
‫����ض���� ْي َ‬
‫ُم���س���ت ْ‬
‫وفي مشهد احتفالي نادر‪ ،‬يصف ابن دراج رحلة الوفد القشتالى وما تعرضوا‬
‫له من مخاطر حتى وصلوا إلى بالط املنصور فر َّوعوا مبظاهر االستقبال والعرض‬
‫العسكري ال��ذي ك��ان في انتظارهم حيث ضاقت األرض باحلشود العسكرية وقد‬
‫تز ّودت بأسلحتها ومع َّداتها ورفعت راياتها وقد امتطى الفرسان ظهور اجلياد التي‬
‫أخذت تتهادى في زينتها كالغيد يرفلن في حليهن وحللهن وقد سار «شاجنة» والرسل‬
‫مخترقني الصفوف وقد امتألت قلوبهم رع ًبا بهذا املشهد املخيف وانشطرت نفوسهم‬
‫(((‬
‫بني اخلوف والرجاء ‪ .‬يقول ابن دراج‪:‬‬
‫امل������وت ِ‬
‫ِ‬
‫خ ُ‬
‫����اض����وا ِإ َل����� ْي َ‬
‫�������ر ًة‬
‫ب���ح���ار‬
‫�����ك‬
‫زاخ َ‬
‫َ‬
‫����ع ك���ال ُّ‬
‫���ظ��� َل���لِ‬
‫مي�������و ُر ف���ي���ه���نَّ م‬
‫ُ‬
‫�������وج ال���� َّن���� ْق ِ‬
‫��ح ِ‬
‫��ت ا َأل ُ‬
‫و َأ ْ‬
‫��ج��ا‬
‫رض ِف��ي َر ْح ِ‬
‫���ب َ‬
‫ض َ‬
‫الـمال لجُ َ ًَ‬
‫��ي��ض ال��ه��ن ِ��د وا َأل َس�����لِ‬
‫���ت َع�� َل�� ْي��هِ �� ْم ِب ِ��ب ِ‬
‫س���ا َل ْ‬
‫ِ‬
‫������م‬
‫������ار َق������ ُة ا َأل‬
‫وا ُأل ْس����������� ُد ب ِ‬
‫حل����������اظ ِف�����ي َأ َج ٍ‬
‫���ش���ت ِ‬
‫���ح ِ���ب���ي ِ‬
‫���ض ُم ْ‬
‫َ���ع���لِ‬
‫���ك ال���ب��� ْي ِ‬
‫م���ن ال��ق��ن��ا ِب َ‬
‫((( ديوانه ‪.555 :‬‬
‫‪- 186 -‬‬
‫ِ‬
‫�����ه����� ُم‬
‫�����ه����� ْم َس‬
‫�����������ت‬
‫َر َّق‬
‫ْ‬
‫�������������ر ًدا كَ����� َأ َّن ُ‬
‫غ��ل��ائ����� ُل ُ‬
‫ْ‬
‫��������راق م����ن ال ُ‬
‫���غ��� َل���لِ‬
‫����س رق‬
‫ٍ‬
‫����ر َب���� ُل����وا ُل���� ْب َ‬
‫ت َ‬
‫َ����س ْ‬
‫����ن����ات تَ�����ه�����ا َدى ِف�����ي َأ ِع��� َّن ِ‬
‫وال����ص ِ‬
‫���ت���ه���ا‬
‫����اف‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ك��ال��غ ِ‬
‫ُ‬
‫��ي��د ي���ر ُف��� ْل���نَ َب���ْي��نْ َ َ‬
‫واحل��� َل���لِ‬
‫����ي‬
‫احل���� ْل ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����ق����ات ك���� َأم����ث����الِ‬
‫���ت‬
‫وخ����اف‬
‫ٌ‬
‫احل����ش����ا َخ��� َف��� َق ْ‬
‫َر ْوع ِ‬
‫����ات����ه����ا َخ َ‬
‫وال����و َج����لِ‬
‫����ر‬
‫�����ر ُ‬
‫ات ال����ذع ِ‬
‫َ‬
‫�����ط َ‬
‫����اب����تَ���� ًة‬
‫ت����� َز َّي����� َن ْ‬
‫ب����س����ك����ونِ اجل���������� ْأ ِش ث ِ‬
‫�����ت ُ‬
‫���وات ال��ط ِ‬
‫���ر ْت هَ ��� َف ِ‬
‫واس���ت ْ‬
‫ال��و ِج��لِ‬
‫��ائ ِ‬
‫َ���ش َ‬
‫��ش َ‬
‫ْ‬
‫���ع َ‬
‫َح��تَّ��ى ا ْن��تَ��ه��ى َي����� َد َك ال ُ��ع�� ْل��ي��ا َو َق����� ْد ُق ِ‬
‫��ت‬
‫��س َ��م ْ‬
‫َأح����ش ُ‬
‫����اؤ ُه َب��ْي��نْ َ َأ ْي ِ‬
‫������دي ال���� َّر ْي ِ‬
‫��ج��لِ‬
‫����ث‬
‫َ‬
‫وال��ع َ‬
‫وفي وثيقة تاريخية فنية أخرى يسجل ابن دراج وفادة األمير «غندشلب» ابن‬
‫ملك البشكنس «نبارة» «شاجنة الثاني بن غرسية» الذي وفد على املنصور بقرطبة سنة‬
‫‪382‬هـ ووصف ابن دراج سفارته في القصيدة السابقة‪ .‬وقد أوفد ابنه «غند شلب» إلى‬
‫قرطبة في أواخر حكمه وبتكليف منه ليؤكد عهود الوالء للمنصور‪ ،‬وإن كانت املراجع‬
‫التاريخية لم تذكر شي ًئا عن هذه السفارة(((‪ ،‬مما يضفي على قصيدة ابن دراج أهمية‬
‫تاريخية خاصة‪.‬‬
‫ويستهل ابن دراج قصيدته مفتخ ًرا بقوة املنصور بن أبي عامر وعظمة إجنازاته‬
‫العسكرية التي أخضعت له امللوك واألحرار والسادة وأسلمت أز ّمتها له‪ ،‬وانقادت إليه‪،‬‬
‫فقد أظهر للروم من القوة ما تن ّهد له اجلبال الش ّم حتى خلت متون اخليل من فرسانها‪،‬‬
‫(((‬
‫وأقفرت البيع ممن كانوا يعمرونها والكنائس من عبادة الصليب‪ .‬يقول‪:‬‬
‫�������ك ا َألح������������را ُر ب���اس���ت���ع���ب ِ‬
‫�����ت َل َ‬
‫���اده���ا‬
‫�����اع ْ‬
‫ط َ‬
‫�����ب ِق ِ‬
‫�������اح ِ‬
‫ُ‬
‫���ي���اده���ا‬
‫�������ت ا َأل‬
‫ص ْ‬
‫م�����ل����اك َ‬
‫و َأب َ‬
‫�����ع َ‬
‫((( ديوان ابن دراج‪( 574 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.574 :‬‬
‫‪- 187 -‬‬
‫����ك ال����ي����و َم ُح������ ُّر ُو ُج ِ‬
‫ف��ل� َ‬
‫����ص���� ْي َ‬
‫���وه���ه���ا‬
‫����م َ‬
‫أ ْخ َ‬
‫���������س ُح������ ُّر ِب ِ‬
‫ول�����������و ْط ِء خ���ي��� ِل َ‬
‫��ل�اده����ا‬
‫���ك َأ ْم ِ‬
‫َ‬
‫���ب ب���ال ُّ‬
‫��������ت ت���خ ْ‬
‫رواح�����ه�����ا‬
‫���ظ���ب���ى َأ‬
‫م����ا ِز ْل َ‬
‫���ط ُ‬
‫َ‬
‫ْ������ك ِب�����هِ �����نَّ ِف������ي َأج����س ِ‬
‫َح����تَّ����ى َأتَ������ت َ‬
‫����اده����ا‬
‫اخل ِّ‬
‫�������م ُ‬
‫�������ل َ‬
‫حُ َ‬
‫�������ي َأ ْر ُؤ َس���������ه���������ا ف��ق��د‬
‫وت ِّ‬
‫�������ط َّ‬
‫ْ�������ك حت���م��� ُل���ه���ا َع����� َل�����ى َأكْ�����ت ِ‬
‫ج�������ا َءت َ‬
‫�����اده�����ا‬
‫����د َم������ا َق�������� ْد ُر ْع�����تَ�����ه�����ا ب����ع ِ‬
‫م�����ن ب����ع ِ‬
‫����م‬
‫����زائ ٍ‬
‫������ه������نَّ ال ُّ‬
‫ِ‬
‫ط������واده������ا‬
‫������ش������ ُّم م�����ن َأ‬
‫هُ ����������� َّد ْت َل ُ‬
‫َ‬
‫�����ت م����ت����ونُ اخل����ي����لِ م����ن َأب���ط���ا ِل���ه���ا‬
‫وخ����� َل ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫آس������اده������ا‬
‫اآلج�������������ام م������ن‬
‫���������ض‬
‫وم���������راب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وم�����ش ِ‬
‫����ب����ي����ع ِ‬
‫����اره����ا‬
‫����م ِ‬
‫�����اه����� ُد ال ِ‬
‫����ات م�����ن ُع َّ‬
‫����ب����ان م�����ن ُع���� َّب ِ‬
‫وم�����ع�����ا ِل ُ‬
‫����اده����ا‬
‫ال����ص���� ْل‬
‫�����ق‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫وتبرز ص��ورة امللك النصراني «اب��ن شنج» مرة أخ��رى في سياق االستعطاف‬
‫والتذلل ويشير إلى تكليفه ابنه وفلذة كبده بالوفادة على املنصور أملاً في استرضائه‪،‬‬
‫(((‬
‫يقول ابن دراج‪:‬‬
‫ورم����ى «ا ْب�����نُ َش��� ْن���ج» ِإ َل��� ْي َ‬
‫��ح ِّ��ك ٍ��م‬
‫���ك َن�� ْف��س ُم َ‬
‫َ‬
‫���ل َرش ِ‬
‫���ه���ا س ِ���ب���ي َ‬
‫����اده����ا‬
‫����ج اخل����ض ُ‬
‫����وع َل َ‬
‫َن َ‬
‫����ه َ‬
‫����ك ِ‬
‫�����ة م�����ن ُم���� ْل ِ‬
‫َ����ع ِ‬
‫����ط���� ًف����ا ُ‬
‫حل�����ش َ‬
‫�����اش ٍ‬
‫����ه‬
‫����س����ت ْ‬
‫ُم ْ‬
‫����������������ت ب����ن����ف ِ‬
‫و ُث�������م�������ا َل ٍ‬
‫����اده����ا‬
‫�������ة َق���������� ْد آ َذ َن‬
‫ْ‬
‫����ك ع����������و َد ُة ُم���� ْن ِ‬
‫ف����اس����تَ���� ْن���� َق���� َذتْ���� ُه م����ن َ‬
‫����ع ٍ����م‬
‫ْ‬
‫�����ت ِ‬
‫�����ج ِ‬
‫�����ه م������ق������ا َم َم�����ع ِ‬
‫�����اده�����ا‬
‫ق�����ام�����ت مل�����ه َ‬
‫ن��������واج�������� َذ ُه ِ‬
‫وف�������� ْل�������� َذ َة ِك������ ْب ِ‬
‫������د ِه‬
‫و َث�����ن�����ى‬
‫ِ‬
‫�����ن ِ‬
‫������ر َع����� ْي ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وس�����واده�����ا‬
‫�����ه‬
‫َش���� َف���� ًق����ا‬
‫ون������اظ َ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.575 :‬‬
‫‪- 188 -‬‬
‫ويردد ابن دراج وصف مظاهر االستعراض الذي قوبل به األمير «غندشلب» من‬
‫حشد اجليش العامري ويشير إلى سفارة أبيه «شاجنة» إلى املنصور في سنة ‪382‬هـ‬
‫وكيف استطاع أن يغنم بها احلياة‪ ،‬وينجو من بأس املنصور ويعيش في طاعته وأمنه‪،‬‬
‫فإذا فكر في خيانة العهد فإن السيوف كفيلة بردعه والقضاء عليه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫����ر ك���ت ِ‬
‫ف��س��م��ا ُ‬
‫ُ‬
‫����وض ِإ َل����� ْي َ‬
‫���ب‬
‫ي����خ‬
‫�����ك َب ْ‬
‫���ائ ٍ‬
‫����ح َ‬
‫رض ع���ن َأج���س ِ‬
‫���اده���ا‬
‫���ت ج���ن���و ُد ا َأل ِ‬
‫ض���ا َق ْ‬
‫�����ات ُد ُر ِ‬
‫�����اب�����غ ِ‬
‫وم���� َث���� َّق���� َف����ا‬
‫ف�����ي س ِ‬
‫وع��������ه��������ا ُ‬
‫ِ‬
‫������ات ِج����ي ِ‬
‫������وم ِ‬
‫����اده����ا‬
‫ِت ِر‬
‫������س َّ‬
‫م����اح����ه����ا ُ‬
‫وم َ‬
‫ِ‬
‫����ع ِ‬
‫ِن َ‬
‫ع�ل�ام���ه���ا‬
‫����د ِم������نْ َأ‬
‫���ي���ط ْ‬
‫����س ْ‬
‫���ت جن������و ُم ال َّ‬
‫���ر م���ن َأ ْم ِ‬
‫َ‬
‫�����داده�����ا‬
‫وغ�������� َد ْت ج���ن���و ُد ال��� َّن���ص ِ‬
‫ِ‬
‫�����ط ِ‬
‫������ر ِّي م����ج ِ‬
‫�����ع ْ‬
‫����اه���� ٌد‬
‫�����ف‬
‫ال������ع������ام ِ‬
‫غ��������از ل َ‬
‫ٍ‬
‫�����اع ِ‬
‫ِ‬
‫����ور َح َّ‬
‫���ه���اده���ا‬
‫������ق ِج‬
‫�����ة امل����ن����ص ِ‬
‫ِف�����ي ط َ‬
‫ِ‬
‫�����ع‬
‫����ج���� ٌد م����ن����ه َم��������� َذ َّل��������� َة‬
‫م����س����ت����ن ِ‬
‫خ�����اض ٍ‬
‫َغ ِ‬
‫�����ن����� َم احل�����ي�����ا َة َأ ُب����������و ُه ب���اس ِ���ت��� ْن���ج ِ‬
‫���اده���ا‬
‫����ك ا َّل ِ‬
‫����م����تْ���� ُه ط����اع���� ُت َ‬
‫������و خ��ا َن��ه��ا‬
‫�����ت�����ي َل ْ‬
‫����ح َ‬
‫َف َ‬
‫ط��������ار ْت ِإ َل����� ْي ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫غ���م���اده���ا‬
‫���ي���ض م����ن َأ‬
‫ال���ب‬
‫�����ه ِ‬
‫َ‬
‫ويسجل ابن دراج في قصيدة أخرى وفادة القومس (الكونت) ابن غومس وبعض‬
‫رؤساء أسرته على املنصور مجد ًدا عهد الوالء بعد أن نكثوا عهودهم فغزاهم املنصور‬
‫(((‬
‫ون ّكل بهم‪ ،‬وقال في مطلعها‪:‬‬
‫األمم‬
‫ج������اءت������ك خ����اض����ع���� ًة أع����ن����ا ُق����ه����ا‬
‫ُ‬
‫حَ�����ت ِ‬
‫م���س���ت���س���ل���م�ي�ن مل�����ا ت ِ‬
‫َ�����ك����� ُم‬
‫مُ�����ض�����ي وت‬
‫((( ديوانه ‪.575 :‬‬
‫((( ديوانه‪.542 :‬‬
‫‪- 189 -‬‬
‫ويكرر ابن دراج مشهد اخلضوع واإلذالل مصو ًرا مظاهر االستعراض مبفرداتها‬
‫حيث الرايات التي رسمت عليها صور العقبان والرخم واحليات واخليل املطهمة‬
‫بفرسانها واألفق الذي يزدحم بالفرسان والسيوف املشرعة الالمعة والرماح السمر‬
‫وغير ذلك من مظاهر القوة التي تبث الرعب في قلوب الوفد اخلانع‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫����ك ب���� َأي ِ‬
‫����وا ِإ َل���� ْي َ‬
‫����دي ال������� ُّذ ِّل ف��اع��ت��ق��دوا‬
‫َأل���� َق ْ‬
‫ً‬
‫م‬
‫م������ن َم‬
‫ع���ه��� ًدا م���ن ا َأل ِ‬
‫��ح��ف��وظ��ا َل����� ُه ال����� ِّذ مَ ُ‬
‫���ت‬
‫���م ْ‬
‫����و ُه ع���ن َأ ْن����� ُف ٍ‬
‫وج�����اه����� ُدوا ع����ف َ‬
‫�����س َع��� ِل َ‬
‫��م��وا‬
‫���ه���ا م���ن‬
‫ِ‬
‫َأنَّ احل���ي���ا َة َل َ‬
‫ب��ع��ض َم����ا َغ ِ��ن ُ‬
‫ُ‬
‫مي���ش���ونَ ِف����ي ُظ��� َل���لِ ال����� َّراي ِ‬
‫�����ات ُت���� ْذ ِك���� ُرهُ ���� ْم‬
‫َأي���������ا َم ت���غ���ش���اهُ ��� ُم ال ِ‬
‫����ع���� ْق����ب����انُ وال����� َّر َخ����� ُم‬
‫م�����ن كُ ِّ‬
‫ِ‬
‫ب�������������واد ُر ُه‬
‫م������ح������ذور‬
‫غ������ل������ب‬
‫��������ل َأ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫������ح َأح����ي����ا ًن����ا و َي���� ْل���� َت����هِ ���� ُم‬
‫ي������س ِ‬
‫������او ُر ال������ ِّري َ‬
‫ِّ‬
‫وك������ل َف����ت َ‬
‫���ره���ا‬
‫����خ����ا َء‬
‫���س ِ‬
‫ٍ‬
‫م������اض َح������ ُّد ِم��� ْن َ‬
‫ِ‬
‫ن����ح����و َأك�������ب ِ‬
‫��������ر ُم‬
‫�������اد‬
‫كَ�������� َأ َّن�������� ُه‬
‫ال������ع������دا َق ِ‬
‫َ‬
‫�����وى ن����ح����و َأ ْر ُؤ ِس���������هِ ��������� ْم‬
‫و َأر َق‬
‫��������������م ي�����ت����� َل َّ‬
‫ٍ‬
‫����ه����ا ِف�����ي اجل�����و َي��� ْل���ت ِ‬
‫َ���ق��� ُم‬
‫َح����تَّ����ى ي����ك����اد َل َ‬
‫ِ‬
‫خ���اف��� َق��� ٌة‬
‫وال�������راي�������ات‬
‫وا ُأل ْس������������ ُد ت����������� ْز َأ ُر‬
‫ُ‬
‫����وب����هِ ���� ُم‬
‫كَ����� َأ َّن�����ه�����ا ُم����� ْث����� َب�����ت ٌ‬
‫�����ات ِف�������ي ُق���� ُل ِ‬
‫واخل�����ي ُ‬
‫ك��ت��ب‬
‫م���ن���ظ���وم��� ٌة ب���اخل���ي���لِ ال‬
‫�����ل‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫م���ن���ه���ا ل����غ����ا َي ِ‬
‫م‬
‫����ة ِذي َس ْ‬
‫�����ي وال َأ مَ ُ‬
‫�����ع ٍ‬
‫رض م����ن ره����ب ِ‬
‫����ة ا َألب�����ط�����الِ م ِ‬
‫وا َأل ُ‬
‫����ائ���� َد ٌة‬
‫ال���ف���رس���ان ُم����� ْز َد ِح����� ُم‬
‫�������ج‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫واجل������و م���ن َرهَ ِ‬
‫((( ديوانه‪.544-543 :‬‬
‫‪- 190 -‬‬
‫ِ‬
‫���ع ث��اق��ب�� ٌة‬
‫����س���� ْم���� ُر ِف�����ي هَ ����� َب‬
‫وال ُّ‬
‫�����وات ال���ن���ق ِ‬
‫ِ‬
‫وال ِ���ب���ي ُ‬
‫����م����اد ت��ض��ط ِ��ر ُم‬
‫���ض ِف����ي ُق������ ُر ِب ا َأل ْغ‬
‫���������ب ال����ف����ض ِ‬
‫كَ����� َأنمَّ�����ا م����ل��� َ‬
‫����ه���� ْم‬
‫����اء َل ُ‬
‫أ ْت َر ْح َ‬
‫ال����ض ِ‬
‫َّ‬
‫����ات وا َأل َج������� ُم‬
‫����ب‬
‫����م وال����غ����اب ُ‬
‫ُغ���� ْل ُ‬
‫����راغ ِ‬
‫ويصل اب��ن دراج مشهد االستعراض مبشهد مثول الوفد بني ي��دي املنصور‬
‫ويصفهم بـ(شيعة الكفر) ويصور ما أصابهم من رعب وقد اسو َّدت وجوههم وتعلقت‬
‫(((‬
‫حياتهم بكلمة من املنصور تنجيهم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫���ع��� ُة ال���ك���ف ِ���ر ِف����ي َم��� ْث��� َن���ى ح��ب ِ‬
‫��ائ�� ِل��هِ �� ْم‬
‫وش���ي َ‬
‫������ص������ ِّد ُق ال����ع����ي َ‬
‫����ش َأح����ي����ا ًن����ا وتَ���� َّت����هِ ���� ُم‬
‫ُت َ‬
‫��س��م ِ‬
‫َ‬
‫��اط َو َق��� ْد‬
‫َح��تَّ��ى ت‬
‫َ������راءاك م��ن َأق��ص��ى ال ِّ‬
‫ِش���ي��� َم ِ‬
‫وس���� ْي ُ‬
‫ال��ع��ف��و ُم��ح��ت ِ��ك�� ُم‬
‫����ف‬
‫ِ‬
‫احل����م����ا ُم َ‬
‫ِ‬
‫مُ����� َّث ٌ‬
‫ه�����وادي�����هِ ����� ْم و َأ ْر ُؤ ِس��������هِ �������� ْم‬
‫�����ل ِف������ي‬
‫م‬
‫���ه��� ُم امل���ص���ق���و َل��� ُة ُ‬
‫اخل������ ُذ ُم‬
‫���������و َد ْت م���ن ُ‬
‫َم����ا ُع ِّ‬
‫��م��ا ان���ت َ‬
‫���ار ِق���هِ ��� ْم‬
‫���ت َس���ن���اه���ا ِف����ي م���ف ِ‬
‫���ض��� ْي َ‬
‫ل��ـ ّ‬
‫�����ك ا َألع�����ن ُ‬
‫�����ج�����و ًدا َل َ‬
‫���م��� ُم‬
‫خ������ َّر ْت ُس ُ‬
‫�����اق وال ِ���ق َ‬
‫������ر َب خ ِ‬
‫���ع��� ًة‬
‫���اض َ‬
‫و َأ ْو ُج������������ ٌه ع��� َّف���روه���ا ال������ ُّت ْ‬
‫َّ‬
‫������ه������ ُم َق����������� َد ُم‬
‫كَ���������������� َأنَّ‬
‫���ي��ن م������ن ُ‬
‫ك���������ل ج������ب ٍ‬
‫ف���� ِإنْ َي ِ���ف ْ‬
‫���ه��� ْم فلقد‬
‫��ح ِ��ي��ي َل ُ‬
‫���ض ب���ح��� ُر َك ال��ـ ُ��م ْ‬
‫���ر َي�� ْل��ت ِ‬
‫��ص��ف َ‬
‫َ��ط�� ُم‬
‫����وج ال��� ُّذ ْع ِ‬
‫ج����ا ُزوا ال ُّ‬
‫��وف وم ُ‬
‫���از ِل ِ���ه‬
‫����در ِف����ي َأع���ل���ى م���ن ِ‬
‫َأ ْو ع���ا َي��� ُن���وا ال����ب َ‬
‫دون ِ‬
‫������ت ِب�����هِ ����� ْم م����ن ِ‬
‫ف���ق���د َأح َ‬
‫���������ه ُظ��� َل��� ُم‬
‫������اط ْ‬
‫����ن م���ؤتَ��� َل ٌ‬
‫���ف‬
‫����وت ف���ف���ي ال���� َّرح����م ِ‬
‫ف������� ِإنْ ع����ف َ‬
‫و ِإنْ َس َ‬
‫���ن ُم��� ْن���تَ��� َق��� ُم‬
‫�����و َت ف��ف��ي ال���رح���م ِ‬
‫�����ط ْ‬
‫((( ديوانه‪.545 :‬‬
‫‪- 191 -‬‬
‫�����ت ف���ي���ه��� ْم َل���� َن����ا ِن��� َق��� ٌم‬
‫واس����� َل����� ْم وال َب ِ‬
‫�����ر َح ْ‬
‫ْ‬
‫تَ������تْ������رى ِب������هِ ������ ْم ول َ‬
‫����ع���� ُم‬
‫��������ك اآلال ُء وال���� ِّن َ‬
‫وعلى نحو ما وصف ابن دراج السفارات التي وفدت على املنصور بن أبي عامر‬
‫فقد وصف كذلك سفارات أمراء املسيحيني على سرقسطة خالل حكم منذر التجيبي‪،‬‬
‫قومسا إلمارة صغيرة‬
‫ومن ذلك قصيدة يصف فيها قدوم األمير «ابن ميرو» الذي كان‬
‫ً‬
‫متاخمة للثغر األعلى (سرقسطة) وكان لهذا األمير ولدان هما «جيرمو» و «رميند» فأوفد‬
‫أحدهما إلى حاكم سرقسطة لالستعانة به على (شاجنة) األكبر ملك البشكنس الذي‬
‫كان يسعى لضم هذه اإلمارة الصغيرة إلى ملكه(((‪ ،‬واستهل ابن دراج قصيدته بقوله‪:‬‬
‫(((‬
‫�����ي ُ‬
‫����ج���� ًب����ا ِل َ‬
‫���ب���ي��� ُل��� ُه‬
‫الح َس ِ‬
‫احل ِّ‬
‫���������ب َ‬
‫َع َ‬
‫�����غ ِّ‬
‫������د ِح���� ْل ِ‬
‫و ِل������ ُر ْش ِ‬
‫ض َّ‬
‫����ك كَ���� ْي َ‬
‫����م َ‬
‫����ف َ‬
‫������ل َدل���ي��� ُل��� ُه‬
‫ويتكئ ابن دراج في قصيدته على األبعاد واملعاني الدينية‪ ،‬فيصم اآلخرين بأنهم‬
‫ض ّلوا عن احلق والشريعة وعكفوا على عبادة الصلبان ويؤكد قوة األمير املسلم وبأسه‬
‫مما جعلهم يأتون إليه خاضعني‪:‬‬
‫����ت ِب ِ‬
‫����ش ِ‬
‫����ل ال َّ‬
‫�����ه ُس���� ُب ُ‬
‫َ‬
‫����ع واهْ ����تَ���� َد ْت‬
‫ض���� َّل ْ‬
‫����رائ ِ‬
‫ي����ع ِ‬
‫َ‬
‫����ة ال���� ُّزل����ف����ى ِإ َل������ ْي َ‬
‫���ب���ي��� ُل��� ُه‬
‫ب����ش ِ‬
‫������ك َس ِ‬
‫����ر َ‬
‫���ج ِ‬
‫���ود َو َم������ا َدرى‬
‫������ن‬
‫������اش َع��� َل���ى ِدي ِ‬
‫َن ٍ‬
‫ال���س ُ‬
‫ُّ‬
‫����س����ج ِ‬
‫����ود ِإ َل������ ْي َ‬
‫َق����� ْب َ‬
‫������ك َم�����ا ت���� ْأ ِوي���� ُل���� ُه‬
‫�����ل ال ُّ‬
‫ض َّ‬
‫������س������ا ُه َق����������� ْد ُر َك َم�����ا َأ َ‬
‫ص��� ِل���ي��� ُب��� ُه‬
‫���������ل َ‬
‫َأ ْن َ‬
‫و َأرا ُه َس���� ْي���� ُف َ‬
‫ن����ي���� ُل���� ُه‬
‫����ك َم�����ا َح�������وى ِإ جْ ِ‬
‫�����ح�����ي�����ا ُه ِإ َل�������� ْي َ‬
‫َاع������� ُه‬
‫��������ك ِن�������ز ُ‬
‫ف�������� َأ َج��������ا َز َم ْ‬
‫وأع������������ َّز ُه ِب َ‬
‫ال�����������ورى تَ���� ْذ ِل����ي���� ُل���� ُه‬
‫��������ك ِف������ي‬
‫َ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪( 301 :‬هامش‪.)1‬‬
‫((( ديوانه ‪.301 :‬‬
‫‪- 192 -‬‬
‫ويشير ابن دراج إلى منزلة «ابن ميرو» الرفيعة في قومه‪ ،‬وال يبخسه حقه من‬
‫اإلجالل والتعظيم فيقول‪:‬‬
‫و َل ِ‬
‫����ئ����نْ َح���م���ى َع��� ْن َ‬
‫��ح�� َّل�� ًة‬
‫���ك «ا ْب������نُ ِم���ي��� ُر» َم َ‬
‫ِ‬
‫����ج����و َم ُح��� ُل���و ُل��� ُه‬
‫ِف�����ي‬
‫����خ َأ ْع����ي����ا ال���� ُّن ُ‬
‫ش����ام ٍ‬
‫ون�����������ا ُه ُم����� ْل ٌ‬
‫����ع َ‬
‫�����ك ال ُي َ‬
‫مَ َ‬
‫����اج���� ُه‬
‫����ض ُ‬
‫����ض ْ‬
‫����ع ت ُ‬
‫ُ‬
‫�����م�����و ُل����� ُه‬
‫ووق��������������ا ُه ِع��������� ٌّز ال ُي‬
‫������خ������اف ُخ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫����������اك َو ُدو َن����������� ُه‬
‫�����������اك ِإ َل��������ى ِرض‬
‫ف���ل��� َق���د َد َع‬
‫َّ‬
‫����ه����و ُل���� ُه‬
‫���������و ُل‬
‫وس ُ‬
‫َغ ْ‬
‫ال�����ض��ل��الِ ُح������� ُزو ُن������� ُه ُ‬
‫ ويشير إل��ى ال��رس��ل والكتب التي حملها األم�ي��ر وال��وف��د امل��راف��ق أم�ًل�اً في‬
‫استرضاء األمير املسلم واالستنجاد به فيقول‪:‬‬
‫�����ح����� ُت����� ُه ِإ َل������� ْي َ‬
‫�������ك ِك����ت����ا ُب���� ُه‬
‫َف َ‬
‫�����ه�����وى َ‬
‫وص����� ْف َ‬
‫�����ج����� ُت����� ُه ِإ َل������� ْي َ‬
‫�������ك َر ُس������و ُل������ ُه‬
‫وم ْ‬
‫وهَ �����ف�����ا ُ‬
‫�����ه َ‬
‫�����ج اً‬
‫���ج���ي��� ُل��� ُه‬
‫��ًل�� ِإ َل���������ى َأ َم ٍ‬
‫َ���ع ِ‬
‫َع ِ‬
‫����������ل َد َن���������ا ت ْ‬
‫�����ًل����� ِب ِ‬
‫اً‬
‫��������ه َأ َج ٌ‬
‫�����������ل َن���������� َأى تَ���� ْأ ِج����ي���� ُل���� ُه‬
‫َو ِج‬
‫ويصف ابن دراج مسيرة األمير املسيحي وسط الزحام واحلشود واملظاهر‬
‫االستعراضية وكأنهم أس��رى أذالء مقيدون في األصفاد وقد علت أنفاسهم وعلت‬
‫وجوههم كظامة وجهامة وكلت أبصارهم؛ يقول‪:‬‬
‫������ك ِب ِ‬
‫َف���م���ش���ى ِإ َل������ ْي َ‬
‫�������ه ال������� ِّز َح�������ا ُم كَ����� َأ َّن����� ُه‬
‫�����ص����� ُر َخ ْ‬
‫ْ����ب����ي���� ُل���� ُه‬
‫َع‬
‫��������و ُه تَ����ك ِ‬
‫ٍ‬
‫����������ان ُي����� َق ِّ‬
‫��������ط َ‬
‫�����اة ك ِ‬
‫احل�����ي ِ‬
‫������اس َ‬
‫��م��ه��ا‬
‫����ه����و ُر َأ ْن������ َف ِ‬
‫َم���� ْب ُ‬
‫َ��ظ��ي ُ‬
‫�������ظ ال���� َّن ِ‬
‫����ض لحَ ْ ِ‬
‫وغ ِ‬
‫����ض����ي ُ‬
‫َ‬
‫����ري����نَ كَ��� ِل���ي��� ُل��� ُه‬
‫����اظ ِ‬
‫‪- 193 -‬‬
‫ويصور ابن دراج في قصيدة أخرى سفارة للقوط وقد وفدوا على األمير املسلم‬
‫(((‬
‫خانعني منقادين مستجيبني لدعوته لهم باالستسالم‪ ،‬ومن ذلك يقول‪:‬‬
‫�����ص ي�����و ُم ال���ق���وط م���ن َ‬
‫���ك ِب��� ُر ْس��� ِل���هِ ��� ْم‬
‫إن َغ َّ‬
‫ِ‬
‫َف َ‬
‫ت���������������راك‬
‫وم وا َأل‬
‫��������غ�������� ًدا ب�����ي�����وم ال��������������� ُّر ِ‬
‫�����ك ا َّل ِ‬
‫س���م���ع���وا ب�����دع ِ‬
‫�����وت َ‬
‫ْ�����ه����� ُم‬
‫�����ت�����ي ن�����ا َدت ُ‬
‫َ����������ر ِ‬
‫َ�������������ر ِ‬
‫اك!‬
‫�������ه������� ْم م���ن���ه���ا‪ :‬ت‬
‫َأ ْوط�������ا ُن ُ‬
‫اك! ت َ‬
‫َ‬
‫����ع إل����ي����ه����م َو ِ‬
‫اص ٌ‬
‫����������ل‬
‫ف��������ال�������� َّر ْو ُع ُم����ن����ق����ط ٌ‬
‫ِ‬
‫�����ل ال������ َب������ َي ِ‬
‫ل�����ي َ‬
‫���������راك‬
‫������وم ِع‬
‫������ات ل����ه����م ب������ي ِ‬
‫ويسترسل ابن دراج في مشاهده الوصفية محتف ًيا كدأبه بإبراز اجلانب النفسي‬
‫للرسل الوافدين ووصف الرعب الذي يحاصرهم وهم في طريقهم للقاء األمير املسلم‪،‬‬
‫ويصف حالة اخلوف واالضطراب التي أملّت بهم وانعكست على سلوكهم وأجسادهم‬
‫ووجوههم من خالل الصور املوحية الدالة؛ يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫����م َ‬
‫س��ل�اح����هِ ���� ْم‬
‫ش����������ك‬
‫����وك وم�������ن َأ‬
‫����م ُ‬
‫ف����ت����ي َّ‬
‫ال������ه اَّ‬
‫���َّل�� ِك‬
‫اخل������ض������وع وب����������� َّز ُة‬
‫ِس����ي����م����ى‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫����و ِذي����نَ م����ن ال���� َف����ن ِ‬
‫َ���ي‬
‫َ����ع ِّ‬
‫ُم����ت َ‬
‫����اء ب َ‬
‫���ص��� ْف َ‬
‫���ح���ت ْ‬
‫ِ‬
‫دم�������ائ�������هِ �������م َس������� َّف ِ‬
‫ٍ‬
‫س������ي������ف مل������ث������لِ‬
‫�������اك‬
‫�����ه����� ْم‬
‫ف�����ك����� َأنمَّ�����ا‬
‫ْ‬
‫خ�����اض�����ت إل����ي����ك وج�����وهُ ُ‬
‫غ�����ض�����اء َأ َر ِ‬
‫ِ‬
‫ن����������ا ًرا ت َ‬
‫اك‬
‫َ��������ض�������� َّر ُم ِف�������ي‬
‫ق���م���ر اخل��ل��اف ِ‬
‫�����ة ح���و َل��� ُه‬
‫����وا‬
‫ح���ت���ى اج����ت���� َل ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ف������ل�����اك‬
‫َ��������واك��������ب ا َأل‬
‫�������������ر ك‬
‫َأ‬
‫م��������ث��������ال َزهْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫هكذا استطاع ابن دراج بشعره التسجيلي أن يصف هذا اجلانب املهم من‬
‫سفارات املمالك النصرانية إلى بالط األمراء املسلمني طل ًبا لهدنة أو صلح أو استرضاء‬
‫من خالل بنية تسجيلية حتتفي بتفاصيل احلدث ودقائقه‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.133 :‬‬
‫‪- 194 -‬‬
‫وصف الصهر بني ابن فرذلند وابن رميند‪:‬‬
‫وف��ي شعر اب��ن دراج ما يكشف بعض اجلوانب الطريفة وال�ن��ادرة ع َّما بلغته‬
‫العالقات الدبلوماسية في بعض األحيان بني املسلمني واملمالك املسيحية من تصالح‬
‫ومودة ومهادنة ومتثل ذلك في السياسة احلكيمة التي انتهجها منذر التجيبي حاكم‬
‫سرقسطة مع جيرانه من األمراء النصارى ‪ ،‬وكان من ثمار هذه السياسة أنه تولى‬
‫بنفسه عقد الصهر بني جاريه األميرين املسيحيني رميند بن بريل قومس برشلونة‬
‫وشاجنة بن غرسية ابن فرذلند قومس قشتالة حيث تزوج ابن األول من ابنة الثاني‪،‬‬
‫وكان هدف األمير منذر من ذلك هو توطيد عالقته بجيرانه النصارى وتوفير جو من‬
‫السالم واألمن لبلده وهو ما فطن إليه ابن حيان حني قال(((‪« :‬وكان (منذر) ألول واليته‬
‫ً‬
‫حوطا للثغر وأهله‪ ،‬وتأن ًيا للجماعة حتى تثوب ألهل‬
‫قد ساس عظماء اإلفرجن وهداهم‬
‫يومئذ رميند اجلليقي وشاجنة‬
‫اإلسالم‪ ،‬يناهضون بها عدوهم‪ .‬وكان رؤساء اجلاللقة‬
‫ٍ‬
‫فحفِ ظت أطرافه وك ّفت‬
‫القشتلي‪ ،‬فسلك معهما سبيل االسترضاء واملوافقة واالستخذاء‪ُ ،‬‬
‫املع ّرة عن عمله‪ .‬ورمبا أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبا منهم‪ ،‬ورميند‬
‫وشاجنة باقيان على معاقدته إلى أن مضى بسبيله‪ ،‬والثغر مسدود ال ثغرة فيه وال‬
‫و ْه َي في حاله‪ .‬وبلغ من استمالة احلاجب منذر لهذين الطاغيتني أن أجريا تصاهرهما‬
‫على يديه و ُكتب عقد النكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل امللتني‪ .‬ف َق َر َفت‬
‫األلسنة منذ ًرا لسعيه في نظم سلك الطاغيتني ملا فيه من سوء العاقبة وقد قيل إنَّ رأي‬
‫منذر كان في ذلك أحصف‪ ،‬من رأي من قدح فيه وقرف لنظره في شأن وقته وعلمه‬
‫ٍ‬
‫بانصداع عصا أهل كلمته‪ ،‬فآثر من املوادعة ما ستر به العورة ‪ ،‬وشراه بغليظ ال ُكلفة‪،‬‬
‫يومئذ مبناهضة أهل‬
‫واختدع به عظيمي اجلاللقة رميند وشاجنة احملدثني أنفسهما‬
‫ٍ‬
‫وح ّب َب إليهما ال َّدعة‪ .‬وأعقب احلاجب منذر أهل الثغر‬
‫األندلس‪ ،‬فألهاهما عن احلرب َ‬
‫في مغبة ذلك عاجل السالمة‪ ،‬واستظهروا به على العمارة ‪ ،‬فحيوا وعاشوا في نعمة‬
‫((( الذخيرة ‪.182-181 : 1/1‬‬
‫‪- 195 -‬‬
‫مبنذر املنية‪ ،‬وقد اعترف‬
‫ضافية‪ ،‬وعيشة راضية‪ ،‬لم يتغير به عنهما حال‪ ،‬إلى أن ألوت‬
‫ٍ‬
‫الناس لرأيه‪ ،‬وأقروا بسياسته‪ ،‬ولم يأت بعده من َي ُس ُّد مس َّده‪ ،‬ولم ينفع الله الطاغيتني‬
‫بصهرهما الذي كانا عقداه للتآليف على املسلمني‪ ،‬إذ أعجل عنه شاجنه بن غرسية‬
‫شيطانهم الرجيم‪ ،‬وهوى أميرهم رميند ظهير املذكور وابنه بعده‪ ،‬فشتت الله شمل تلك‬
‫يومئذ وكفى املسلمني ش َّرهم برحمته»‪.‬‬
‫الطواغيت‬
‫ٍ‬
‫وينقل ابن حيان رواية شاهد عيان لذلك احلدث وفيها يقول‪ :‬إن القومس شاجنة‬
‫بن غرسية صاحب قشتيلة اجتاز بباب تطيلة صدر أيام احلاجب منذر‪ ،‬فسلك مجتازًا‬
‫يريد ط��رف الثغر األعلى لالجتماع هنالك بالقومس رميند صاحب برشلونة لعقد‬
‫املصاهرة بينهما‪ ،‬واط ًئا ألرضنا عن علم من منذر والينا‪ ،‬وضمان منه ّ‬
‫لكف عادية‬
‫يومئذ بحال عزّة وقوة‪ ،‬وذهبوا إلى عصيان أميرهم‬
‫جيشه عنَّا‪ ،‬فأنكره أهل تطيلة وهم‬
‫ٍ‬
‫منذر تفاد ًيا من وصمته فنمى ذلك إلى الطاغية شاجنة‪ ،‬فلما ش��ارف البلد أرسل‬
‫يستدعي قو ًما من أعيانهم‪ ،‬يكلمهم في سبيله‪ ،‬ووصلوا إلى مضربه فإذا هو جالس‬
‫على مرتبته‪ ،‬عليه ثياب من ثياب املسلمني‪ ،‬ورأسه مكشوف أصلع كهل‪ ،‬لم يغلب عليه‬
‫الشيب بعد‪ ،‬أسمر اللون‪ ،‬جميل الصورة‪ ،‬فكلمنا بكالم لطيف حسن بينَّ فيه وجه‬
‫(((‬
‫سيره‪ ،‬وذكر احلرب وعدواءها‪ ،‬فلم يتقبله عوام الناس‪.‬‬
‫وكان لهذا احلدث صداه في شعر ابن دراج‪ ،‬فنظم قصيدتني في هذه املناسبة‪،‬‬
‫استهل إحداهما بقوله‪:‬‬
‫(((‬
‫ل����ع ّ‬
‫ال�����ب�����رق ال�������ذي أن������ا ش���ائ��� ُم‬
‫����ل َس����ن����ا‬
‫ِ‬
‫ي����ه����ي���� ُم م�����ن ال����� ّدن�����ي�����ا مب�����ن أن�������ا ه����ائ���� ُم‬
‫ويتبنى ابن دراج في قصيدته سياسة األمير منذر حاكم سرقسطة في التقارب‬
‫واملهادنة واملساملة ويشير إلى مناخ الهدوء والسالم والطمأنينة الذي ع َّم نتيجة لسياسة‬
‫((( الذخيرة ‪.184-183 :1/1‬‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.257-251 :‬‬
‫‪- 196 -‬‬
‫منذر وتوليه عقد املصاهرة بني األميرين املسيحيني وما له من أثر في التقريب بينهما‬
‫(((‬
‫وإشاعة السالم مكان احلرب وإراقة الدماء‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫��ت‬
‫��س «ا ْب ِ‬
‫��ح ْ‬
‫َ‬
‫����ن َش��� ْن ٍ���ج» ف�� َأ ْس َ��م َ‬
‫وم�� َّن�� ْي��تَ��ه��ا َن�� ْف َ‬
‫ِ‬
‫����س����ا ِل���� ُم‬
‫������س������المِ َ������ ًة م�����ن َب‬
‫������ع������د ِه َم��������نْ ُت َ‬
‫ُم َ‬
‫���و َق���ت ٌ‬
‫���ع َ‬
‫وم ْ‬
‫���غ��� َن��� ٌم‬
‫���ع��� ْف ِ‬
‫���ض ال َ‬
‫َع��� َل���ى َأنَّ َب ْ‬
‫ْ���ل َ‬
‫����ح ال��ـ ُ��م�� ْل ِ��ك ِف���ي َ‬
‫ح���از ُم‬
‫�����ر ِب‬
‫ِ‬
‫َو َم����ا َر َّد ِر ْب َ‬
‫احل ْ‬
‫����س����ي ِ‬
‫ف������� ِإنَّ ق���ت���ي َ‬
‫����ب َم ْ‬
‫���ع��� ٌم‬
‫���ط َ‬
‫����ف ل����ل���� ِّذي ِ‬
‫���ل ال َّ‬
‫ل���ل���م��� ْل ِ‬
‫ِ‬
‫و ِإنَّ ق���ت���ي َ‬
‫خ�������اد ُم‬
‫���ك‬
‫����و‬
‫���ل‬
‫ال����ع���� ْف ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫������روق َل������� ْم َي������ َز ْل������نَ ص ِ‬
‫����واع���� ًق����ا‬
‫َف���� َي����ا ِل������ ُب‬
‫ٍ‬
‫َع�� َل��ى ال�� ُك�� ْف ِ��ر َغ��� ْي ُ‬
‫��اج�� ُم‬
‫���ث ا َأل ْم ِ‬
‫������ن م��ن ُ��ه��نَّ س ِ‬
‫ُت���� َق ِّ‬
‫�����ت‬
‫�����س ال����� ِّر‬
‫����ع ب�����ا َأل ْم ِ‬
‫ص����� َل ْ‬
‫ق�����اب َو ُو ِّ‬
‫����ط ُ‬
‫ِ‬
‫�����ار ُم‬
‫�����ح ِ‬
‫�����و َم َأ ْر َح�����������ا ٌم َل ُ‬
‫ِب َ‬
‫����ه����ا ال����� َي ْ‬
‫����ه���� ْم َ‬
‫وم َ‬
‫�����س‬
‫اس َل ُ‬
‫�����ر ِائ ٌ‬
‫���������ر ٌ‬
‫����ه���� ْم َو َع َ‬
‫������ي َأ ْع َ‬
‫َغ������� َد ْت َوه َ‬
‫مِ ُ‬
‫وم���������آت‬
‫������������و ٌت ِف�����ي�����هِ ����� ُم‬
‫���������س َم‬
‫وب���������ا َأل ْم ِ‬
‫ْ‬
‫ويشير ابن دراج إلى قيام األمير منذر بكتابته عقد املصاهرة بني أميري برشلونه‬
‫وقشتاله ويشيد بصنيعه وسياسته وما أضفاه موقفه من أهمية على الصهر ويشيع‬
‫أجواء احتفالية مناسبة لهذا احلدث السعيد فيقول‪:‬‬
‫ب����ع���� ْق ِ‬
‫����د ب�����ن ٍ‬
‫�����������ت ِش����������� ْد َت ب�����ن�����ا َء ُه‬
‫�����اء َأ ْن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ه�����اد ُم‬
‫����ر َك‬
‫�����س َل����� ُه ِف����ي ا َأل ْر ِ‬
‫َو َل����� ْي َ‬
‫ض غ����ي َ‬
‫����ش ِ‬
‫ِ‬
‫����ت ُّ‬
‫ن������� ُة» َأ ْع����ل����ا ُه و « َق ْ‬
‫�������ر جْ َ‬
‫����ل» ُأ ُّس������ ُه‬
‫«ف َ‬
‫ِ‬
‫������م ُ‬
‫ع��������ائ�������� ُم‬
‫������ك َأ ْركَ�����������������انٌ َل��������� ُه َو َد‬
‫َوس������ ْل ُ‬
‫ال���ـ���م��� ْل ِ‬
‫َ�������اج َم��� ِل���ي���ك ٍَ���ة‬
‫ت������اج‬
‫ْ����ت‬
‫����م���� َّل����ك َ‬
‫ُ‬
‫َف َ‬
‫���ك ت َ‬
‫َ‬
‫َ���ع��� ُن���و امل����ل ُ‬
‫����وك َ‬
‫اخل َ‬
‫�����ار ُم‬
‫�����ض ِ‬
‫َ��اج�� ْي��هِ ��م��ا ت ْ‬
‫ل��ت َ‬
‫((( ديوانه ‪.256 :‬‬
‫‪- 197 -‬‬
‫��������و َق ا َألك����ا ِل����ي����لِ وال������� ُّذرى‬
‫َوت َّ‬
‫َ����و ْج����تَ����ه����ا َف ْ‬
‫���ش ِ‬
‫َخ ِ‬
‫���س���و ُر ال��� َق َ‬
‫����واف َ‬
‫���اع��� ُم‬
‫����ق تَ��غ��ش��اه��ا ال��� ُّن ُ‬
‫����را‬
‫وح��� َّل��� ْي���تَ���ه���ا َب ْ‬
‫����ع���� َد ال���� َّد َم����ا ِل����ي ِ‬
‫َ‬
‫����ج وال���� ُب َ‬
‫ِ‬
‫وال�������ص�������وار ُم‬
‫������ي������ه ال���� َق����ن����ا‬
‫ُح����� ِل����� ًَّي�����ا آل ِل‬
‫َّ‬
‫وض َّ��م ْ‬
‫َ‬
‫����و َرى‬
‫��ب ِذك ِ‬
‫��خ��تَ��ه��ا م��ن ط��ي ِ‬
‫ْ�����ر َك ِف���ي ال َ‬
‫���دي ِإ َل�� ْي��ه��ا ال�� َّل ِ‬
‫ِ‬
‫���ه ِ‬
‫��ط��ائ�� ُم‬
‫ب�� َأ‬
‫ض��ع��اف َم���ا ُت ْ‬
‫(((‬
‫����ز ِ‬
‫و َن َّ‬
‫َ‬
‫ف����اف����ه����ا‬
‫������ت‬
‫آف����������اق ال����� َف��ل��ا ِل ِ‬
‫������ظ������ ْم َ‬
‫����و ِ‬
‫اظ���� ُم‬
‫����م ْ‬
‫����ت َم����ا َق��� َّل��� َدتْ���ه���ا ال���� َّن َ‬
‫ُخ���� ُي����ولاً َح َ‬
‫خفي من هذا احلدث‪ ،‬فيشير إلى أن الصهر بني‬
‫ويلتفت ابن دراج إلى جانب‬
‫ّ‬
‫األميرين املسيحيني بتدبير منذر لم يكن يتوافق مع مصالح «شاجنة ابن غرسيه» فقبله‬
‫على كره منه وفي ذلك يقول ابن دراج‪:‬‬
‫(((‬
‫����ج» َم ِ��ن�� َّي�� ٌة‬
‫���ى كَ�����انَ ِف��ي َ‬
‫��ه��ا ِل����ـ«ا ْب����نِ َش���� ْن ٍ‬
‫ُم���ن ً‬
‫وح ك ِ‬
‫����ر ِغ���� ُر م��ن��ه��ا ِ‬
‫راه ُ‬
‫ُي َ‬
‫���اظ��� ُم‬
‫��������ق ال��������� ُّر ِ‬
‫����غ ْ‬
‫�����ت َع��� َل��� ْي ِ‬
‫����ن َي�� ْل��ت ِ‬
‫َ��ق��ي‬
‫����ر ْي ِ‬
‫�����ر ْج َ‬
‫���ه ُل َّ‬
‫�����ج َب ْ‬
‫����ح َ‬
‫َم َ‬
‫�����س ِ‬
‫َع����� َل�����ى َن����� ْف ِ‬
‫����م����ت ِ‬
‫َ��ل�اط���� ُم‬
‫�����ه تَ������� َّي�������ا ُر ُه ال����ـ ُ‬
‫������ن َأ ْط��� َب���ق���ا‬
‫������و َد ْي ِ‬
‫وغ�������ا َد ْرتَ������� ُه َم�����ا َب���ْي���نْ َ َط ْ‬
‫������ص ِ‬
‫������اد ُم‬
‫����س���� ُه و ُت َ‬
‫ُح���� ُت����و ًف����ا ُت َ‬
‫�����ص�����ادي َن���� ْف َ‬
‫َّ‬
‫واستهل ابن دراج قصيدته األخرى التي نظمها في املناسبة ذاتها مبدح األمير‬
‫منذر فقال(((‪:‬‬
‫��������ر ْت ِب ُ‬
‫�������ط�������ولِ ب����� َق�����ائ َ‬
‫�����ك األع�����م�����ا ُر‬
‫َع ُ‬
‫��������م َ‬
‫������ع ِ‬
‫������ة َق�������������� ْد ِر َك األق����������دا ُر‬
‫وج‬
‫�������������ر ْت ِب������ر ْف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫((( اللطائم‪ :‬جمع لطيمة وهي العير التي حتمل املسك والطيب‪.‬‬
‫((( ديوانه ‪.257 :‬‬
‫((( ديوان ابن دراج‪.242 :‬‬
‫‪- 198 -‬‬
‫ويشيد ابن دراج بسياسة األمير منذر احلكيمة التي جنح فيها إلى السلم فوفد‬
‫عليه ملوك املمالك النصرانية يخطبون وده ويأملون في التقرب إليه ويذكر من هؤالء‬
‫امللوك ابن رذمير ملك ليون واسمه ألفونسو اخلامس ويلقب بالنبيل ‪Al fonso El noble‬‬
‫(((‬
‫الذي تولى حكم مملكة ليون بني سنتي ‪ ،418-390‬ويذكر كذلك امللك فرذلند‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���س��� ْل ِ���م ا َّل ِ‬
‫��ه��ا‬
‫وج��� َن���ح َ‬
‫����ت����ي َج���ن���ح���وا َل َ‬
‫���ت ل���ل َّ‬
‫���������ك ِف������ي ال ِ‬
‫�����ع�����ب ِ‬
‫وق������ض������ا ُء ر ِّب َ‬
‫�����اد ِخ����ي����ا ُر‬
‫َ���ب ِ‬
‫�ي�ن َق������ ْد َق�������� ُر َب امل����دى‬
‫���ق َ‬
‫������و َك ُم���س���ت ِ‬
‫ف������ َأت ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫�����������������ل امل�����ض�����م�����ا ُر‬
‫ل��������ي��������ك و ُذ ِّل‬
‫م�����ن�����ه����� ْم ِإ‬
‫���ط���و ُه‬
‫������ز ُل َخ‬
‫و َدن������ا «اب������نُ ُر ْذ‬
‫م�����ي�����ر» ُي������ َز ْل ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ن������ف������س������ ُه ِ‬
‫ٌ‬
‫وح���������������ذا ُر‬
‫ت�����ق�����س�����م‬
‫أم�������������ل‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫������������ر س����ي����ف َ‬
‫����ك ط����ائ���� ٌر‬
‫ف�������� ُف��������ؤا ُد ُه م�����ن ُذ ْع ِ‬
‫َ‬
‫ل������ي������ك ُم�����ط�����ا ُر‬
‫�����ج�����ل ِإ‬
‫��������������و ًرا وم�������ن َع‬
‫َط‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫�����ل َأ ْي������ق������نَ ِ‬
‫و َل����� َق�����ب ُ‬
‫�������ر ِذ َل�������ن������� ٌد» َم������ا َل����� ُه‬
‫«ف ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���������م���������ام ِف���������رار‬
‫احل‬
‫ل��������ي��������ك م�������ن‬
‫ِإلاّ ِإ‬
‫ِ‬
‫ويتطرق ابن دراج إلى عقد الصهر الذي باركه األمير منذر وما اقترن به من‬
‫إخالص النفوس وتوطيد عرى املودة وتقارب البعداء وتواصلهم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫���اك ُأ ْخ���� ِل����ص ِ‬
‫ف���ه���ن َ‬
‫����وس و ُأ ِّك��������� َد ْت‬
‫����ت ال���� ُّن���� ُف ُ‬
‫�����ه ِ‬
‫�����ود َ‬
‫وش������������ َّد ِت ا َأل ْن������ص������ا ُر‬
‫ُع����� َق����� ُد‬
‫ال�����ع ُ‬
‫ُ‬
‫������ع������ َدا ُء م����ن َ‬
‫اص َ‬
‫���اع ٍ���ة‬
‫����ك ب���ط َ‬
‫��������ل ال������ ُب َ‬
‫وت َ‬
‫َ��������و َ‬
‫����ه����ا ا َأل ْرح�������������ا ُم وا َألص������ه������ا ُر‬
‫ُو ِص������ل ْ‬
‫������ت ِب َ‬
‫ويؤكد ابن دراج أهمية هذا احل��دث ويشيد بصنيع األمير منذر ويتحدث عن‬
‫اآلثار اإليجابية الناجمة عن هذا الصنيع‪ ،‬فقد دان الرهبان واألحبار بهذه املواثيق‬
‫((( ديوانه ‪.246 :‬‬
‫‪- 199 -‬‬
‫التي عقدها األمير منذر وكان لها أثر كبير في استعادة األمن وارتفاع شأن قشتالة‬
‫وبرشلونة‪ ،‬وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫ال����ض��ل�الِ َم ِ‬
‫َّ‬
‫���واث��� ًق���ا‬
‫���ن���ق‬
‫َف����ع���� َق���� ْد َت ِف����ي ُع ِ‬
‫�����ه�����ا ال������ ُّره������ب������انُ وا َألح�������ب�������ا ُر‬
‫دا َن‬
‫ْ‬
‫�����������ت ِب َ‬
‫ِ‬
‫������م‬
‫ك�������ان�������ت ُع��������ق��������و َد‬
‫وك��������أنمَّ��������ا‬
‫ْ‬
‫مت������ائ ٍ‬
‫ُ‬
‫���������������ال وا َأل ْذع�������������ا ُر‬
‫�����ه�����ا ا َأل ْو َج‬
‫َس����ك����ن ْ‬
‫����ت ِب َ‬
‫����ت م��ن��ه��ا ُم����ل َ‬
‫�������ر» َو َق������ ْد‬
‫َأح���� َي����ي َ‬
‫����ك « ُر ْذم�������ي ٍ‬
‫�����ت ال������ ُّده������ور َع���� َل���� ْي ِ‬
‫�����ش ِ‬
‫َم َ‬
‫����ه وا َألع������ص������ا ُر‬
‫����ن ِ‬
‫ت�������اج َج����ب����ي ِ‬
‫����ه م������نْ ب���ع ِ���دم���ا‬
‫�������ت‬
‫و َأ َق������� ْم َ‬
‫َ‬
‫ع������� َف ِ‬
‫�������ت امل�������ع�������ا ِل������� ُم م������ن������ ُه واآلث��������������ا ُر‬
‫�����ة» َي������� َد ِ‬
‫�����ت م�����ن « َق�����ش ِ‬
‫�����ت����� َّل ٍ‬
‫������ن‬
‫�����س�����ط َ‬
‫آم ٍ‬
‫و َب َ‬
‫ي�������������ار ٌق ِ‬
‫َ‬
‫وس�����������وا ُر‬
‫�����ه�����ا‬
‫���������ر‬
‫ِل ِ‬
‫ض���������اك ِف�����ي َ‬
‫َ‬
‫ويشيد ابن دراج في ختام قصيدته بالسياسة احلكيمة التي اتبعها األمير منذر‬
‫وما ترتب عليها من نتائج أسهمت في إشاعة األم��ن واالهتمام باملصالح الداخلية‬
‫وارتفاع منزلة األمير املسلم في نظر أمراء املمالك النصرانية‪.‬‬
‫سفارة الغزال إلى بالد الروم‪:‬‬
‫قام يحيى بن حكم اجلياني امللقب بالغزال (‪250-156‬هـ) بسفارة مشهورة إلى‬
‫ملك القسطنطينية‪ ،‬وقد تخ ّيره األمير عبد الرحمن بن احلكم للقيام بهذه السفارة ملا‬
‫عرف عنه من حنكة وخبرة بالعالقات الدبلوماسية‪ ،‬وكان ملك القسطنطينية (توفلش)‬
‫الذي ذكره أبو متام في فتح عمورية قد أرسل رسله إلى األمير عبد الرحمن يطلب‬
‫شن الروم حملة ضاربة على مدينة إشبيلية سنة ‪230‬هـ ودخلوها قس ًرا‬
‫الصلح بعد أن ّ‬
‫((( ديوان ابن دراج ‪.247 :‬‬
‫‪- 200 -‬‬
‫وفتكوا بأهلها وقتلوا منهم خل ًقا كثي ًرا‪ ،‬فبعث األمير عبد الرحمن بجيوشه وهزمهم‬
‫وقتل قائد أسطولهم‪ ،‬فأوفد ملك القسطنطينية رسله طل ًبا للصلح «وكان (توفلش) هذا‬
‫أول من م َّد ذلك احلبل من ملوك الطاغية بينهم وبني ملوك األندلس واستجاز فيه خطة‬
‫االبتداء التي يلوذ منها اجلبابرة‪ ،‬فأنفذ رسوله بكتاب منه إلى األمير عبد الرحمن بن‬
‫(((‬
‫احلكم يتودد إليه فيه ويستلطفه‪ ،‬ويخطب صداقته»‬
‫وقد أكرم األمير عبد الرحمن وفادة رسول ملك القسطنطينية‪ ،‬وأجابه بكتاب قال‬
‫فيه‪« :‬قد بلغني كتابك الذي كان عليه من ّ‬
‫مضامتكم ألولنا من املودة واملصادقة‪ ،‬وأنه قد‬
‫دعاك ذلك إلى مكاتبتنا‪ ،‬وإرسال (قرطيوس) رسولك إلينا‪ ،‬لتجديد تلك املودة‪ ،‬وترتيب‬
‫تلك املصادقة‪ ،‬وتسأل أن ينعقد في ما بيننا وبينك من ذلك ما نتمسك به ونتواصل‬
‫له‪ ،‬ونبعث رسلاً من عندنا ليعلموك بالذي نحن عليه من الرغبة في ما حضضت عليه‬
‫ودعوت إليه لنثبت بقدومهم عليك مودتنا‪ ،‬وتتم به صداقتنا ‪ ...‬وقد أدخلنا رسولك‬
‫(قرطيوس) علينا‪ ،‬وكشفناه على الذي أوصيت به إلينا‪ ،‬وعن كل ما يجب للصديق أن‬
‫يعرفه من حال صديقه‪ .‬ووجهنا إليك بكتابنا هذا رسولني من صاحلي من قبلنا‪ .‬فاكتب‬
‫إلينا معهما بالذي أنت عليه من األمر الذي كتبت به إلينا‪ ،‬والذي نحب علمه من سا ّر‬
‫خبرك‪ ،‬ومتعة عافيتك‪ ،‬للنظر في ما يتصرفان به من عندك على حسب ما يأتياننا به‬
‫(((‬
‫من عندك‪ ،‬إن شاء الله»‪.‬‬
‫والكتاب وثيقة دبلوماسية نادرة تكشف عن فهم عميق للعالقات الدبلوماسية مع‬
‫راق في املخاطبة‪ .‬وقد أنفذ األمير عبد الرحمن‬
‫«اآلخ��ر» وتن ّم عن أسلوب حضاري ٍ‬
‫رسولني إلى ملك القسطنطينية‪ ،‬أحدهما يحيى ابن احلكم الغزال «ملا كان الغزال‬
‫عليه من ح� ّدة اخلاطر‪ ،‬وبديهة ال��رأي‪ ،‬وحسن اجل��واب والنجدة واإلق��دام والدخول‬
‫واخلروج من كل باب»((( وقد أشاد به ابن حيان فقال «وكان ممن جنم في دولة األمير‬
‫((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د‪ .‬محمود على مكي‪ ،‬الطبعة األولى ‪ ،2003‬مركز امللك فيصل للبحوث‬
‫والدراسات اإلسالمية ‪ ،‬الرياض ص ‪.431‬‬
‫((( املقتبس‪ ،‬السفر الثاني‪ ،‬حتقيق د‪ .‬محمود مكي‪.435-432 :‬‬
‫((( املطرب من أشعار أهل املغرب البن دحية ‪.139 :‬‬
‫‪- 201 -‬‬
‫احلكم من احلكماء‪ ،‬الشعراء الدهاة‪ ،‬العلماء‪ ،‬يحيى الغزال‪ ،‬حكيم األندلس‪ ،‬وشاعرها‬
‫وع َّرافها»(((‪ ،‬وكان في صحبة الغزال إلى بالد الروم يحيى بن حبيب‪.‬‬
‫(((‬
‫وبدأت رحلة الغزال ورفيقه إلى بالد الروم من مدينة (شلب) وقد أنشئ لهما‬
‫مركب حسن كامل اآلل��ة‪ ،‬ومشى رس��ول ملك ال��روم في مركبه ال��ذي ج��اء به وسار‬
‫املركبان مبحاذاة بعضهما‪ ،‬فلما حاذوا الطرف األعظم الداخل في البحر الذي هو ح ّد‬
‫األندلس في داخل الغرب هاج عليهم البحر‪ ،‬وعصفت بهم رياح هوجاء‪ ،‬فقال الغزال‬
‫في وصف ذلك املوقف‪:‬‬
‫(((‬
‫َ‬
‫ق�����������������ال ل����������ي َي�������ح�������ي�������ى َو ِص����������رن����������ا‬
‫َ�����������اجل�����������ب�����������الِ‬
‫������������������������وج ك‬
‫ن َم‬
‫َب����������ي��������� َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ي������������������������اح‬
‫َ�����������������و َّل�����������������تْ����������������� َن�����������������ا ِر‬
‫َوت‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ب�������������������������������ور َو َش����������������م����������������الِ‬
‫ِم������������������ن َد‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َش��������� َّق ِ‬
‫���ي���ن َو ِا ْن��������� َب���������تْ���������ـ‬
‫ال�������ق‬
‫���������ت‬
‫َ‬
‫�������ل�������ع ِ‬
‫�����������ل�����������ك ِ‬
‫َ‬
‫احل�����������ب�����������الِ‬
‫ـ��������������ت ُع�����������������رى ِت‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫�������م�������و‬
‫َ�����������������ط�����������������ى َم������������� َل‬
‫َو مَت‬
‫�������������ك ال�������ـ َ‬
‫ِت ِإ َل�����������ي�����������ن�����������ا ِع����������������ن ِح����������ي����������الِ‬
‫رأي ا ْل��������ـ‬
‫��������وت‬
‫ال��������ـ��������م‬
‫���������ر َأي���������ن���������ا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َف َ‬
‫����������ي���������ن ح��������������������الاً َب������������ع������������ َد ح������������الِ‬
‫َع‬
‫ِ‬
‫�����������وم ف����ي����ن����ا‬
‫َل��������������م َي�����������كُ�����������ن ِل�����������ل����������� َق‬
‫ِ‬
‫ي������������ا‬
‫َرف���������ي���������ق���������ي‬
‫أس‬
‫َر ُ‬
‫م������������الِ‬
‫و ُق َّدر للغزال أن ينجو من الغرق وواصل رحلته إلى بالد الروم حتى بلغها‪ ،‬فأمر‬
‫لهم امللك مبنزل حسن من منازلهم‪ ،‬وأخرج إليهم من يلقاهم‪ ،‬واحتفل الروم لرؤيتهم‪،‬‬
‫((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د‪ .‬محمود مكي ص ‪.243‬‬
‫((( املطرب ‪.139 :‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.139 :‬‬
‫‪- 202 -‬‬
‫فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم(((‪ ،‬وتهيأ لهم بذلك أن يكتسبوا جتارب‬
‫جديدة ويتعرفوا على بالد غريبة وناس غرباء وعادات يرونها ألول مرة(((‪.‬‬
‫ويحتفظ ابن دحية في (املطرب) بتفاصيل ما جرى في رحلة الغزال إلى بالد الروم‪،‬‬
‫ومنها ما يؤكد ما وصف به من دهاء وذكاء وسياسة وما عرف عنه من حصافة وحضور‬
‫بديهة وحسن تصرف وخروج من املآزق‪ ،‬فمن ذلك رفضه أن يسجد مللك الروم واحتياله‬
‫لذلك بحيلة لطيفة وذلك حني استدعاه ملك الروم لرؤيته‪ ،‬فلما مشى إليه وصاحبه قعد‬
‫لهما ملك الروم في أحسن هيئة‪ ،‬وأمر باملدخل الذي ُيفضي إليه‪ُ ،‬‬
‫فض ّيق حتى ال يدخل‬
‫عليه أحد إال راك ًعا‪ ،‬فلما وصل إليه جلس إلى األرض وق َّدم رجليه وزحف على إليته‬
‫زحفة‪ ،‬فلما جاز الباب استوى واق ًفا‪ ،‬وامللك قد أع َّد له وأحفل في السالح والزينة الكاملة‪،‬‬
‫فما هاله ذلك وال ذعره‪ ،‬بل قام ماثلاً بني يديه‪ ،‬فقال‪« :‬السالم عليك أيها امللك وعلى من‬
‫ض ّمه مشهدك والتحية الكرمية لك‪ ،‬وال زلت تتمتع بالعز والبقاء والكرامة املاضية بك‬
‫احلي القيوم‪ ،‬الذي ُّ‬
‫كل شيء هالك‬
‫إلى شرف الدنيا واآلخرة املتصلة بالدوام في جوار‬
‫ّ‬
‫ففسر الترجمان له ما قاله‪ ،‬فأعظم الكالم‪ ،‬وقال‪ :‬هذا‬
‫إال وجهه‪ ،‬له احلكم وإليه املرجع»‪َّ ،‬‬
‫حكيم من حكماء القوم‪ ،‬وداهية من دهاتهم‪ ،‬وعجب من جلوسه إلى األرض وتقدميه رجليه‬
‫في الدخول‪ ،‬وقال‪ :‬أردنا أن نُذله‪ ،‬فقابل وجوهنا بنعليه‪ ،‬ولوال أنه رسول ألنكر ذلك عليه‪،‬‬
‫وفسر له‪ ،‬فاستحسنه‪ ،‬وأمر‬
‫ثم دفع إليه كتاب األمير عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب‪َّ ،‬‬
‫بالهدية التي بعثها إليه األمير عبد الرحمن‪ ،‬ففتحت عيابها‪ ،‬ووقف على جميع ما اشتملت‬
‫(((‬
‫ووسع اجلراية عليهم‪.‬‬
‫عليه من الثياب واألواني‪ ،‬وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم َّ‬
‫وكان للغزال مع الروم في رحلته التي استغرقت عشرين شه ًرا بني سفر وإقامة‪،‬‬
‫مجالس مذكورة ومقاوم مشهورة‪ ،‬جادل في بعضها علماءهم فبكتهم‪ ،‬وناضل في‬
‫بعضها شجعانهم فأثبتهم(((‪.‬‬
‫((( املطرب ‪.141-140‬‬
‫((( تاريخ األدب األندلسي ‪ -‬عصر سيادة قرطبة‪ -‬د‪ .‬إحسان عباس‪.162 :‬‬
‫((( املطرب‪.141 :‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.142 :‬‬
‫‪- 203 -‬‬
‫ولعل أطرف ما في رحلة الغزال هو افتتانه بزوجة ملك الروم وإظهار إعجابه‬
‫بجمالها ومحاولة التقرب إليها واستمالة و ّدها مما «يدل على دهائه في التقرب إلى‬
‫القلوب وإجادته السفارة السياسية»‪.‬‬
‫(((‬
‫ويشير اب��ن دحية إل��ى إعجاب امللكة (ث�ي��ودورا ‪ )Theodora‬أو (ت��ود) بالغزال‬
‫الذي كان ميتاز بالوسامة واملالحة فيقول‪« :‬وملّا سمعت امرأة املجوس (الروم) بذكر‬
‫الغزال وجهت إليه لتراه‪ ،‬فلما دخل عليها س ّلم‪ ،‬ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر‬
‫استحسان أم لض ّد‬
‫املتعجب‪ ،‬فقالت لترجمانها‪ :‬سله عن إدمان نظره‪ :‬ملاذا هو؟ ألفرط‬
‫ٍ‬
‫أتوهم في العالم منظ ًرا مثل هذا‪ ،‬وقد رأيت عند ملكنا‬
‫ذلك؟ فقال‪ :‬ما هو إال أني لم ّ‬
‫فيهن حسنًا يشبه هذا فقالت لترجمانها‪ :‬سله‬
‫نسا ًء انتخنب له من جميع األمم‪ ،‬فلم أر‬
‫َّ‬
‫َأ ُم ِج ٌّد هو أم هازل؟ فقال‪ :‬ال‪ ،‬بل ُمج ّد‪ .‬فقالت له‪ :‬فليس في بلدهم إ ًذا جمال ! فقال‬
‫فوجهت امللكة في نساء معلومات‬
‫الغزال‪ :‬فاعرضوا علَ ّي من نسائكم حتى أقيسها بها‪ّ ،‬‬
‫فيهن جمال وليس كجمال امللكة‪ ،‬ألن‬
‫فيهن وص ّوب ثم قال‪:‬‬
‫باجلمال فحضرن‪ ،‬فص َّعد‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫احلسن الذي لها والصفات املناسبة ليس مي ّيزه ّ‬
‫كل أحد‪ ،‬وإمنا يعنى به الشعراء‪،‬‬
‫وإن أح َّبت امللكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر ُيروى في جميع بالدنا‬
‫فعلت ذلك‪َ ،‬ف ُس َّرت امللكة بذلك سرو ًرا عظي ًما وزُهيت‪ ،‬وأمرت له بصلة‪ ،‬فامتنع الغزال‬
‫من أخذها‪ ،‬فقالت للترجمان‪ :‬سله‪ ،‬لم ال يقبل صلتي؟ أألنه حقرها أم ألنه حقرني؟‬
‫فسأله‪ ،‬فقال الغزال‪ :‬إن صلتها جلزيلة‪ ،‬وإنَّ األخذ منها لتش ُّرف ألنها ملكة بنت ملك‪،‬‬
‫ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علَ ّي‪ ،‬فحسبي بذلك صلة‪ ،‬وإمنا أريد أن‬
‫فسر لها الترجمان كالمه زادت منه سرو ًرا وعج ًبا‪،‬‬
‫تصلني بالوصول إليها أب ًدا‪ .‬فل ّما َّ‬
‫أحب أن يأتيني زائ ًرا فال يحجب»(((‪.‬‬
‫وقالت‪:‬تحُ مل صلتُه إليه‪ ،‬ومتى َّ‬
‫وقد ُسئل الغزال‪ »:‬هل كان للملكة من اجلمال في نفسها بعض هذه املنزلة التي‬
‫صورت؟ فقال‪ :‬وأبيك‪ ،‬لقد كانت فيها حالوة‪ ،‬ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها‪ ،‬ونلت‬
‫َ‬
‫((( تاريخ األدب األندلسي ‪ -‬عصر سيادة قرطبة ‪ -‬د‪.‬إحسان عباس‪.163 :‬‬
‫((( املطرب‪.143-142 :‬‬
‫‪- 204 -‬‬
‫منها فوق ما أردت»((( وفي هذه اإلجابة ما يدل على دهاء الغزال وخبرته بطبائع النساء‬
‫وحنكته السياسية والدبلوماسية‪ ،‬وقد استطاع الغزال بأسلوبه أن يستميل قلب امللكة‬
‫ُوجه فيه‪ ،‬ويقيم عندها يح ّدثها‬
‫البيزنطية «فأولعت به وكانت ال تصبر عنه يو ًما حتى ت ِّ‬
‫بسير املسلمني وأخبارهم وبالدهم‪ ،‬ومبن يجاورهم من األمم‪ ،‬فق ّلما انصرف يو ًما ُّ‬
‫قط‬
‫من عندها إال أتبعته هدية‪ ،‬تلطفه بها من ثياب أو طعام أو طيب‪ ،‬حتى شاع خبرها معه‪،‬‬
‫وأغب زيارتها‪ ،‬فباحثته عن ذلك‪ ،‬فقال لها‬
‫وح ّذر منه الغزال‪ ،‬فحذر‬
‫وأنكره أصحابه‪ُ ،‬‬
‫َّ‬
‫ما ُح َّذر منه‪ ،‬فضحكت وقالت له‪« :‬ليس في ديننا نحن هذا‪ ،‬وال عندنا َغ ْيرة‪ ،‬وال نساؤنا‬
‫باختيارهن‪ ،‬تقيم املرأة معه ما أح َّب ْت وتفارقه إذا كرهت»(((‪.‬‬
‫مع رجالنا إال‬
‫َّ‬
‫وكان للغزال نوادر ومداعبات مع امللكة (ثيودرا) وكان حني وصل إلى بالد الروم‬
‫قد شارف اخلمسني وتسلل الشيب إلى شعره‪ ،‬فسألته امللكة يو ًما عن سنّه‪ ،‬فقال‬
‫مداع ًبا لها‪ :‬عشرون سنة‪ ،‬فقالت للترجمان‪ :‬و َم ْن هو من عشرين سنة يكون به هذا‬
‫الشيب؟ فقال للترجمان‪ :‬وما تنكر من هذا؟ ألم تر ُّ‬
‫قط ُمه ًرا ُينتج وهو أشهب؟ فضحكت‬
‫امللكة وأعجبت بقوله‪ ،‬وفي هذا يقول الغزال معب ًرا عن تعلقه بامللكة التي يسميها (تود)‬
‫ترخي ًما لثيودورا‪:‬‬
‫(((‬
‫�����������وى ُم���ت ِ‬
‫���ع���ب���ا‬
‫كُ����� ِّل‬
‫�����ف�����ت ي������ا َق����ل����ب����ي هَ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫����ي����غ���� َم ا َألغ���� َل����ب����ا‬
‫ال����ض‬
‫�����ت ِم�����ن����� ُه‬
‫غ�����ا َل�����ب َ‬
‫ِ‬
‫�������وس������� َّي������� ًة‬
‫�������ق�������ت َم�������ج‬
‫َ�������ع������� َّل‬
‫ُ‬
‫ِإ ّن�����������������ي ت َ‬
‫����س ُ‬
‫تَ����أب����ى ِل َ‬
‫احل�����س�����نِ َأن تَ���غ��� ُرب���ا‬
‫����ش����م ِ‬
‫�����ل�����اد ال������ َل ِ‬
‫ِ‬
‫������ه ف������ي َح������ي ُ‬
‫������ث ال‬
‫َأق������ص������ى ِب‬
‫ِ‬
‫����������ي����������ه ِ‬
‫����������������ب َم�����ذهَ �����ب�����ا‬
‫ذاه‬
‫ُي�����ل�����ف�����ي ِإ َل‬
‫ٌ‬
‫((( املصدر نفسه‪.142 :‬‬
‫((( املصدر نفسه ‪.143 :‬‬
‫((( املطرب‪.144 :‬‬
‫‪- 205 -‬‬
‫ي�����ا «ت����������و ُد» ي�����ا رو َد ال َّ‬
‫�����اب ا َّل���ت���ي‬
‫�����ش�����ب ِ‬
‫زراره�����������������ا ال����ك ِ‬
‫َ����واك����ب����ا‬
‫�����ع ِم�������ن َأ ِ‬
‫ُت�����ط����� ِل ُ‬
‫َّ‬
‫����خ����ص ا َّل���������ذي ال َأرى‬
‫ال����ش‬
‫ي�����ا ِب����� َأب�����ي‬
‫ُ‬
‫َأح������ل������ى َع�����ل�����ى َق����ل����ب����ي َوال َأع������ َذب������ا‬
‫������وم������ا ِإنَّ َع����ي����ن����ي َر َأ ْت‬
‫إن ُق‬
‫ُ‬
‫�����ل�����ت َي ً‬
‫�����ه����� ُه َل��������م َأ ْع���������������� ُد َأن َأ ِ‬
‫ك������ذب������ا‬
‫ُم‬
‫ِ‬
‫�����ش�����ب َ‬
‫����������و َد ْي ِ‬
‫����������ورا‬
‫����������ه َق��������د َن َّ‬
‫ق������ا َل������ت َأرى َف ْ‬
‫دع��������ب��������ا‬
‫ُدع�����������ا َب����������� ٌة‬
‫ِ‬
‫���������ب َأن َأ َ‬
‫ت���������وج ُ‬
‫���������ل���������ت َل�������ه�������ا م���������ا ب����������ا ُل���������� ُه ِإ َّن�������������� ُه‬
‫ُق‬
‫ُ‬
‫����ه����ب����ا‬
‫َ�����ج‬
‫ال����ـ����م����ه���� ُر كَ���������ذا َأش َ‬
‫ُ‬
‫َق�������د ُي�����ن�����ت ُ‬
‫����ج���� ًب����ا ِب���� َق����ول����ي َل��ه��ا‬
‫َف���اس���ت‬
‫َ���ض���ح���ك ْ‬
‫َ‬
‫َ���ت ُع ْ‬
‫َ����ع����ج����ب����ا‬
‫��������ل��������ت ِل�������ك�������ي ت‬
‫َو ِإنمَّ���������������������ا ُق‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ويقال إن امللكة أمرته باخلضاب‪ ،‬ففعل ذلك وزاره��ا يو ًما ثان ًيا وقد اختضب‪،‬‬
‫(((‬
‫وحسنته عنده‪ ،‬فقال في ذلك‪:‬‬
‫فمدحت خضابه‬
‫ّ‬
‫َ�����رت حُ َ‬
‫�����س�����نُ ل����ي َس��������وا َد ِخ��ض��اب��ي‬
‫ت ِّ‬
‫َب�����ك َ‬
‫ذاك َأع���������ا َدن���������ي ِل َ‬
‫َ‬
‫����ش����ب����اب����ي‬
‫َف���������كَ��������� َأنَّ‬
‫����اب ِل ِ‬
‫��ب ِع��ن��دي َو ِ‬
‫م��ا ال َّ‬
‫���واص ٍ‬
‫���ف‬
‫اخل����ض ُ‬
‫��ش��ي ُ‬
‫ِإلاّ ك َ‬
‫������ت ِب َ‬
‫�����اب‬
‫َ�����ش‬
‫�����م�����س ُج������ ِّل������ َل ْ‬
‫ٍ‬
‫�����ض�����ب ِ‬
‫َ���خ��� َف���ى َق���ل���ي اً�ًل� ُث������ َّم َي���ق َ‬
‫ت ْ‬
‫ال��ص��ب��ا‬
‫���ع���ه���ا‬
‫���ش ُ‬
‫َّ‬
‫�������ر ْت ِب ِ‬
‫َف���� َي����ص����ي���� ُر م�����ا ُس ِ‬
‫������اب‬
‫��������ه ِل������ َذه ِ‬
‫�������ت َ‬
‫ال ُت����ن ِ‬
‫����ك����ري َو َ‬
‫���ب َف���� ِإنمَّ����ا‬
‫���م���ش���ي ِ‬
‫���������ح ال���ـ َ‬
‫ض َ‬
‫ل��������ب��������اب‬
‫ف��������ه��������ام َوا َأل‬
‫َه��������������ر ُة ا َأل‬
‫���������و ز‬
‫ِ‬
‫هُ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫((( املصدر نفسه‪.146 :‬‬
‫‪- 206 -‬‬
‫��ص��ب��ا‬
‫َف����� َل����� َد َّي م����ا َت���ه���وي���نَ ِم�����ن َش�������أنِ ال ِّ‬
‫�����������ل�����������او ُة‬
‫َو ُط‬
‫َ‬
‫خ���������ل��������اق‬
‫ا َأل‬
‫ِ‬
‫اآلداب‬
‫َو‬
‫ِ‬
‫وروي أن امللكة أتت يو ًما لزيارة الغزال في القصر الذي َّ‬
‫حل به ضي ًفا‪ ،‬وبصحبتها‬
‫ابنها األمير «ميشيل» وكان يحب الشراب‪ ،‬فأحضر معه خم ًرا وطلبت امللكة أن يشاركه‬
‫(((‬
‫الشراب‪ ،‬فأبى ألن ذلك حرام‪ ،‬وص َّور هذا املوقف شع ًرا فقال‪:‬‬
‫ِ‬
‫خ��������ص‬
‫ع���������ط���������اف َر‬
‫َو َأغ���������ي��������� َد َل�����ِّي����نِّ ا َأل‬
‫ٍ‬
‫ال������ط ِ‬
‫َّ‬
‫�����ق َط����وي����لِ‬
‫كَ����ح����ي����لِ‬
‫������رف ذي ُع�����ن ٍ‬
‫����وج���� َن����تَ���� ْي ِ‬
‫َّ‬
‫����ه‬
‫ال�����ش‬
‫تَ���������رى م���������ا َء‬
‫ِ‬
‫�����ب�����اب ِب َ‬
‫����س����ي ِ‬
‫���ص���ق���ي���لِ‬
‫َي‬
‫َ�������رو َن ِ‬
‫����ف ال َّ‬
‫ُ‬
‫�������ق ال َّ‬
‫�����ل�����وح ك َ‬
‫ِم������نَ ا ْب����� َن ِ‬
‫َ‬
‫����ر َّي ا ْل����ـ‬
‫ال����غ‬
‫�����اء‬
‫����ص ِ‬
‫ِ‬
‫����ط����ار ِف َق����ي َ‬
‫�����وم ِ‬
‫����ب َو ُ‬
‫اخل������������ؤولِ‬
‫ن ُي‬
‫�����ة ح���ي�� َ‬
‫ُع�����م َ‬
‫����ن����س ُ‬
‫َ‬
‫مي����������������� ُه ِن�����ص����� ًف�����ا ِب ِ‬
‫�����ن�����ص ٍ‬
‫�����ف‬
‫كَ��������������� َأنَّ َأد َ‬
‫�����وذي�����لِ‬
‫������ب ال����������� ِّد ِ‬
‫ِم�������نَ ال������ َّذهَ ِ‬
‫الص َأو ال َ‬
‫َو ُر َّب��������تَ��������م��������ا ُأكَ������������������� ِّر ُر ف������ي ِ‬
‫������رف������ي‬
‫������ه َط َ‬
‫������ب َأ َّن������������� ُه ِم��������ن َع ْ‬
‫�������م ف���ي���لِ‬
‫َف������ َأ‬
‫ح������س ُ‬
‫�������ظ ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫�����ر‬
‫َع�������ل�������ى َق������������� ٍّد َس‬
‫������������������واء ال َق�����ص�����ي ٍ‬
‫ِ‬
‫����������و ِب�����ال َّ‬
‫�����ط�����وي�����لِ‬
‫َف������ت‬
‫َ������ح������ق������ ُر ُه َوال هُ‬
‫َ‬
‫َو َل ِ‬
‫�������������ك ف������ي اع ِ‬
‫َ‬
‫�������دال‬
‫�������ت‬
‫����ي����ن َذ ِل‬
‫���������ك���������نْ َب َ‬
‫ٍ‬
‫ك ُ‬
‫ال��ـ��م��س��ي��لِ‬
‫��������رب‬
‫�����ان ف����ي ُق‬
‫����ن ال�����ب ِ‬
‫َ����غ����ص ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َي ِ‬
‫��������������ي ُم ِّ‬
‫�������ر ًف�������ا ِل َ‬
‫���ش���ك���ل���ي‬
‫�������ح�������نُّ ِإ َل‬
‫�������ط ِ‬
‫َّ‬
‫َو ُي������ك ِ‬
‫ي���������ار َة ِب�����ا َألص�����ي�����لِ‬
‫������ث������ ُر ِل�������ي ال��������� ِّز‬
‫َ‬
‫����م����ر‬
‫��������������ي ِب‬
‫�������وم�������ا ِإ َل‬
‫َأت����������ى َي‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫��������������ز ِّق َخ ٍ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫�����س�����ك ال��� َف���ت���ي���لِ‬
‫�������ح كَ�����ا ِمل‬
‫َش������م������ولِ ال������� ِّري ِ‬
‫((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د‪ .‬محمود مكي ‪.363 :‬‬
‫‪- 207 -‬‬
‫�����ب�����ي�����ت ِع����ن����دي‬
‫����ش����ر َب����ه����ا َم����ع����ي َو َي‬
‫ِل���� َي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اخل����ل����ي����لِ‬
‫������ت َب����ي���� َن����ن����ا ُو ُّد‬
‫َف������ َي������ ْث������ ُب َ‬
‫���������ع��������� ُه َف����ك����ان����ا‬
‫َوج�������������������ا َءت ُأ ُّم����������������� ُه َم َ‬
‫كَ���������� ُأ ِّم ِ‬
‫ِ‬
‫�����ش�����ف َوال�������� َّر َش�������� ِأ ال���كَ���ح���ي���لِ‬
‫اخل‬
‫ص�����ي�����ن�����ي ِب ِ‬
‫ُ‬
‫َ��������ق��������ول َأخ����ش����ى‬
‫���������ه َوت‬
‫�����و ّ‬
‫ُت َ‬
‫َع���� َل����ي ِ‬
‫����ه ال������ َب������ر َد ف�����ي ال���� َل����ي����لِ ال َّ‬
‫����ط����وي����لِ‬
‫��������وكً��������ا‬
‫َف����� ُق‬
‫ُ‬
‫�����ل�����ت َح������م������ا َق������ ًة ِم������ ّن������ي َو َن ْ‬
‫ُّ‬
‫َف����� َد ْي����� ُت َ‬
‫ال���ش���م���ولِ‬
‫����س����ت ِم������ن َأه��������لِ‬
‫�����ك َل‬
‫ُ‬
‫َف����������� َأ َّي����������� ُة ِغ���������������� َّر ٍة ُس�������ب�������ح�������انَ َر ّب����������ي‬
‫����ع����ق����ولِ‬
‫َل������و ِا ّن���������ي كُ�����ن ُ‬
‫�����ت ِم������ن َأه���������لِ ال ُ‬
‫والغزال ينحو في قصيدته منحى قصص ًّيا يعتمد على السرد‪ ،‬فيستهلها بوصف‬
‫محاسن األمير ميشيل في ما يشبه التغزل الغلماني‪ ،‬فهو أغيد فيه نعومة ولني‪ ،‬وهو‬
‫كحيل الطرف‪ ،‬طويل العنق‪ ،‬يتورد خ ّده مباء الشباب‪ ،‬وهو من أبناء السادة األشراف‪،‬‬
‫قيصري النسب‪ ،‬ويشير إلى إعجاب األمير الشاب به وإكثاره من زيارته ويشير إلى‬
‫قصة زيارته له بصحبة والدته امللكة اجلميلة وطلبها أن يشاركه الشراب واملبيت عنده‬
‫اً‬
‫موصول واعتذار الغزال عن ذلك ثم تندمه على أنه لم يستجب لطلب امللكة‪.‬‬
‫ليبقى الود‬
‫وعلى هذا النحو ألهمت سفارة الغزال إلى القسطنطينية شع ًرا ميثل ظاهرة‬
‫خاصة ال سيما ما يصور عالقته بامللكة البيزنطية ثيودورا وابنها األمير ميشيل وهو‬
‫ما لم نكد نظفر مبثله في الشعر العربي‪.‬‬
‫ويبدو أن سفارة الغزال إلى بالد ال��روم سبقتها سفارات أخ��رى‪ ،‬إذ جند له‬
‫قصيدة طويلة يع ّرض فيها بالرسول الذي كان أرسل إلى ملك الروم قبله‪ ،‬وسلك فيها‬
‫(((‬
‫طريق الفكاهة‪ ،‬فقال في مطلعها‪:‬‬
‫((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د‪ .‬محمود مكي‪.351 :‬‬
‫‪- 208 -‬‬
‫َ���ش���ت ِ‬
‫ِ‬
‫َم����ا ت ْ‬
‫�ل�اح���اة‬
‫�������رج» م���ن ُم‬
‫َ���ف���ي «أ ُّم ُج ٍ‬
‫�������و ِ‬
‫���ع ال���� ِّدي َ‬
‫ات‬
‫���م ُ‬
‫����ك ي���ز ُق���و ع��ش��ر َز ْق َ‬
‫أو تَ���س َ‬
‫���ق ال���� َّزم����انُ َل��ه��ا‬
‫ص���ل���ع���ا ُء َل����م ُي���ب ِ‬
‫َج�������ردا ُء َ‬
‫����م��ل�ام ِ‬
‫ِإلاّ ِل�����س�����ا ًن�����ا ُم����� ِل ًّ‬
‫����ات‬
‫�����ح�����ا ِب����ال����ـ َ‬
‫�����و ِ‬
‫َ‬
‫واس�����ت�����ول َم���� ْن َ‬
‫����ره‬
‫اش����� َي����� ُه‬
‫َر َّق ْ‬
‫��������ت َح َ‬
‫����ظ َ‬
‫�������ت احل���� َّن ِ‬
‫����ة َ‬
‫���م حَ ْ‬
‫احل���ات���ي‬
‫ت َ‬
‫ِع���� ْن���� َد ال���تَّ���كَ��� ُّل ِ‬
‫ويشير إلى هذا الرسول (ابن طلبة) و ُيع ِّرض به ويسخر من صفاته ومؤهالته‬
‫التي ال تصلح في السفارة والعالقات الدبلوماسية فيقول‪:‬‬
‫(((‬
‫��ح�� َي ِ��ت ِ��ه‬
‫����ر ِس����ل ل��ل ْ‬
‫إنّ «اب����ن ط���ل���ب���ة» َل���� ْم ُي ْ‬
‫ال������ـ������م������ ُر َّو ِ‬
‫ل����ك���� َّن���� ُه ك���������انَ م�����ن أه���������لِ‬
‫ات‬
‫ُ‬
‫�����ع�����ر َف ٍ‬
‫�����ة‬
‫َوكَ����������انَ ب�����ال����� َّدهْ ِ‬
‫�����م َو َم ْ‬
‫�����ر ذا ِع����� ْل ٍ‬
‫ِ‬
‫�����ع�����ل����� َّي ِ‬
‫�������ح������� َب ٍ‬
‫��������االت‬
‫�����ات ال�������� ِّر َج‬
‫�������ة ِل َ‬
‫َو ُ‬
‫ص ْ‬
‫����ت ِ‬
‫َوكَ������������انَ ل�����ل����� ُّروم ج���������ا ًرا ف�����ي ح����دا َث ِ‬
‫����ه‬
‫����ار ِ‬
‫���غ َ‬
‫َي ْ‬
‫ات‬
‫����را َي����ا وال���� ِّت َ‬
‫���ش���اهُ ��� ُم ف���ي ال َّ‬
‫����ج َ‬
‫����س َ‬
‫���ح‬
‫َوكَ���������انَ َي َ‬
‫���ل���ع ُ‬
‫���ب ِب����ا َّل����ش����ط����رنجْ ِ ف����ي ُم��� َل ٍ‬
‫������وف ِم������نْ ُف����كَ����اهَ ِ‬
‫ص������ ُن ٍ‬
‫����ات‬
‫َي����أت����ي ب���ه���ا َو ُ‬
‫��������ر ِب‬
‫َوكَ�������������انَ ُر َّب‬
‫َ‬
‫�����ت�����م�����ا غ���� َّن����ى ع����ل����ى َط َ‬
‫�����و ِ‬
‫ات‬
‫�����أص َ‬
‫���ع���ب َي ْ‬
‫�����و ًم�����ا ِب ْ‬
‫ف��ي��ه��ا َل������� َدى َم��� ْل ٍ‬
‫����ش ِ‬
‫����������و ٍم ل���ه���م َح ٌ‬
‫َوك ُّ‬
‫���������ال ُت َ‬
‫����ه���� ْم‬
‫����اك���� ُل ُ‬
‫ُ����������ل َق ْ‬
‫���اع ِ‬
‫���ات‬
‫���ص��� َن َ‬
‫ِف����ي َم����ا هُ ���� ُم ِف���ي ِ���ه ِم����نْ أه����لِ ال ِّ‬
‫وميضي الغزال في تعريضه بهذا الرسول اجلاهل الذي يفتقر إلى الكفاءة وليس‬
‫له من املؤهالت سوى حليته الك ّثة الطويلة‪ ،‬وينسبه إلى التيوس البشاريات وهي جبال‬
‫(((‬
‫البشرات اإلسبانية املمتدة بني غرناطة في الغرب واملرية‪ .‬يقول الغزال‪:‬‬
‫((( في األصل‪( :‬ابن لي طلبة‪ )...‬وهو مضطرب‪ ،‬وما اثبتناه هو قراءة اقترحها د‪ .‬مكي‪ ،‬ونراها أقرب إلى الصواب‪.‬‬
‫((( املقتبس (السفر الثاني)‪ ،‬حتقيق د‪ .‬محمود مكي ص ‪351‬‬
‫‪- 209 -‬‬
‫���ع ٍ���ر َف�� ْأ ِ‬
‫ن��ش�� َدهُ �� ْم‬
‫��س��وا َذ ِوى ِش ْ‬
‫َوال������� ُّرو ُم َل�� ْي ُ‬
‫إ َذا َو َر ْد ُت ع���� َل���� ْي����هِ ���� ْم ِم�������نْ َم���� َق ِ‬
‫����االت����ى‬
‫����ه���� ُم‬
‫َوال ُي ِ‬
‫���������ري��������� ُدون إ ْم���ل��ال������ي ِل����كُ����ت����ب ُ‬
‫إخ��� َب ِ‬
‫����ن ْ‬
‫���ات���ى‬
‫���اب���ي َوال ف���ي ال���� ِّدي ِ‬
‫َوال ِح���س ِ‬
‫ْ���ه��� ْم لحِ ْ ���� َي���� ٌة َع ُ‬
‫��ت‬
‫��م ْ‬
‫���رت ُ‬
‫��ظ َ‬
‫َوإنْ َي���كُ���و ُن���وا َع َ‬
‫���م��� َب���اه ِ‬
‫ِب َ‬
‫���اة‬
‫����ر َع���� ْق ٍ‬
‫����غ���� ْي ِ‬
‫����ل ل������ َدى َح�������الِ ال���ـ ُ‬
‫َف ِ‬
‫����ار َّي ِ‬
‫����وس ال���� ُب َ‬
‫���ع‬
‫���ف���ى ال���� ُّت���� ُي ِ‬
‫����ش ِ‬
‫َّ���س ٌ‬
‫����ات ُم���ت َ‬
‫َع���� َل����ى ال ِ‬
‫����ه ِ‬
‫����ه����ا كُّ ُّ‬
‫����اة‬
‫����ق����ي ِ‬
‫������ل َم���� ْب َ‬
‫����اس َو ِف����ي َ‬
‫���ت ِ‬
‫اح��������� ٌد ف����ي ُط�������ولِ لحِ ْ ��� َي ِ‬
‫َوهَ �������ا هُ ���� َن����ا َو ِ‬
‫���ه‬
‫����ش���� ُر لحِ ْ ���� َي ِ‬
‫����ان َع ْ‬
‫�����ه�����ا ِب َ‬
‫����ات‬
‫����م ِ‬
‫�����ر ِض َ‬
‫����ض َ‬
‫َو َع ْ‬
‫����اج ِ‬
‫������س������ ِّي������ ُرو ُه َف ِ‬
‫����ت����كُ ���� ْم‬
‫����ف����ي����ه َف ْ‬
‫����������و َق َح َ‬
‫َف َ‬
‫ل�����ل�����و َف�����ا َد ِ‬
‫َم�������نْ تَ���� ْب����ت ُ‬
‫ات‬
‫�����������وا ُه‬
‫َ����غ����ونَ ِس‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وهكذا كان الختيار الغزال للسفارة في بالد أجنبية أصداء واسعة في شعره‪،‬‬
‫وانعكست شخصيته على األحداث واملواقف فتفاعل معها وطبعها بطابعه‪ ،‬وسلك في‬
‫سفارته مسل ًكا حضار ًّيا‪ ،‬وص َّور عالقته مبلكة بيزنطة في لقطات شعرية نادرة‪.‬‬
‫الوجه العدواني لآلخر‪:‬‬
‫وإذا كان الشعر األندلسي ص َّور لنا اآلخ��ر‪/‬ال��روم في هزائمهم فقد صورهم‬
‫كذلك في انتصارهم وطغيانهم وتنكيلهم باملسلمني ال سيما بعد موقعة (العقاب) سنة‬
‫‪609‬هـ التي كانت سب ًبا رئيس ًّيا في انتثار عقد األندلس‪ ،‬فقد أضحى الطريق بعدها‬
‫مفتوحا أمام النصارى الجتالء تلك األشالء املمزقة‪ ،‬وسرعان ما أخذت املدن األندلسية‬
‫ً‬
‫تباعا في أيدي النصارى‪ ،‬فسقطت إشبيلية وبلنسية وقرطبة وغيرها من املدن‬
‫تتساقط ً‬
‫األندلسية‪ ،‬ولم يبق بيد املسلمني سوى غرناطة وبعض أعمالها(((‪.‬‬
‫((( الشعر األندلسي في عصر املوحدين ‪.178 :‬‬
‫‪- 210 -‬‬
‫وقد أذكت هذه احملنة لوعة الشعراء األندلسيني‪ ،‬فبكوا مدنهم‪ ،‬ووصفوا ما أحلقه‬
‫النصارى بها من خراب وتدمير‪ ،‬وما ذاقه أهلها من ضروب العذاب والذل والهوان‪،‬‬
‫ومن ذلك قصيدة للشاعر أبي موسى بن ه��ارون يصف فيها هجوم النصارى على‬
‫إشبيلية بجيوشهم اجلرارة التي يضيق بها الفضاء‪ ،‬فدمرت وخربت‪ ،‬ويصف أسارى‬
‫املسلمني وهم مكبلون في األصفاد‪ ،‬ويرسم مشه ًدا مؤث ًرا لطفل رضيع اختطف من‬
‫بني أحضان أمه ليواجه مصيره احملتوم وقد انشغل الوالد عن ولده وأصيب الناس‬
‫(((‬
‫بالذهول وكأنهم في يوم احلشر‪ :‬يقول‬
‫���ص ف���ي َج���م ٍ���ع ي��ض��ي ُ‬
‫��ق ب ِ��ه‬
‫مَ َّ‬
‫وي ُ‬
‫����م����وا ح���م َ‬
‫ذرع ال���ف���ض ِ‬
‫���م���ا‬
‫ُ‬
‫����س َّ‬
‫����وى ال���وه��� َد واألك َ‬
‫���اء َف َ‬
‫���و َث��� َق��� ًة‬
‫أس�������ارى‬
‫ْ‬
‫غ�����دت ف���ي ال��ق��ي��د ُم ْ‬
‫ف��ك��م َ‬
‫ِّ‬
‫�����دام�����ا ل���ه���ا َح َ‬
‫��ط��م��ا‬
‫ت��ش��ك��و م����ن‬
‫ال�������ذل أق ً‬
‫رض����ي����ع ظ َّ‬
‫������ل ُم���خ���ت َ‬
‫���ط��� ًف���ا‬
‫ص����ري����ع‬
‫وك������م‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫أم ِ‬
‫���������ه ف���ه���و ب������األم������واج ق�����د ف��ط��م��ا‬
‫ع�����ن ِّ‬
‫��������و ف����ي ش��غ ٍ��ل‬
‫ي���دع���و ال����ول����ي���� ُد أب������اه وهْ َ‬
‫���ج���م���ا‬
‫ع����ن‬
‫ِ‬
‫���س َ‬
‫����ع س�����ال وا ْن َ‬
‫اجل��������واب ب����دم ٍ‬
‫وال������ه������ا ِف����ي����ه���� ْم ووال�����ه����� ًة‬
‫ف����ك����م ُت��������رى‬
‫ً‬
‫���ع ال ّ‬
‫ح����اورتَ���� ُه ال��كَ�� ِل��م��ا‬
‫����ر َف إن‬
‫ال ُي ِ‬
‫���رج ُ‬
‫ْ‬
‫����ط ْ‬
‫مب ْ‬
‫���غ ِ���ن���ي ٍ���ة‬
‫َل ْ‬
‫���ه���ف���ي ع���ل���ي���ه��� ْم وم������ا ل���ه���ف���ي ُ‬
‫����م����ن ت�����ب����� َّدل ب����ع���� َد ال���� ِّن����ع����م ِ‬
‫����ة ال��� ِّن��� َق���م���ا‬
‫ع َّ‬
‫َّ‬
‫�����اب وم���ا‬
‫إن�����ا إل�����ى ال����ل����ه ق����د‬
‫ح�����ل امل�����ص ُ‬
‫م���ن ح��ي��ل ٍ��ة ف���ي ال����ذي أم َ‬
‫���ض���ى وم����ا حتما‬
‫ويصور الشاعر في قصيدته النصارى في ُعت ّوهم وطغيانهم وما أحدثوه في‬
‫إشبيلية بعد دخولها من ه��دم وتدمير‪ ،‬ومحو معاملها‪ ،‬وتخريب املصانع واملعاهد‬
‫(((‬
‫والقباب‪ ،‬يقول‬
‫((( البيان املغرب (ط‪ .‬تطوان) ‪3:382‬‬
‫((( البيان املغرب ‪382 :3‬‬
‫‪- 211 -‬‬
‫���ت ي���د ال ِّ‬
‫���ش���رك م���ا ش����ا َد اخل�ل�ائ ُ‬
‫���ف من‬
‫َع���ف ْ‬
‫إر َم�����ا‬
‫ق���ص ٍ���ر وم����ن‬
‫م��ص��ن��ع ض���خ ٍ���م ح��ك��ى َ‬
‫ٍ‬
‫ال����ق����ب����اب ال����ت����ي ك����ان����ت م��ح��ج��ب�� ًة‬
‫أي�������نَ‬
‫ُ‬
‫ف��ي��ه��ا امل����ل ُ‬
‫����وك ت��ف��ي ُ‬
‫َ���رم���ا‬
‫��ض اجل������و َد وال���ك َ‬
‫وك����م ب���ـ «ط����ري����ان ٍ����ة» أب���ق���ى األس�����ى ُن��� ُد ًب���ا‬
‫وج�������� ًدا كُ ��� َّل���م���ا ك��ل��م��ا‬
‫ف����ي ال���ق���ل���ب ي��ب��ع��ث ْ‬
‫ك�����ان�����ت م�����ع�����اه����� ُد ل��������� َّل��������� َّذ ِ‬
‫ات ن���ع���م��� ُره���ا‬
‫���ج���م���ا‬
‫ف���ل��ا‬
‫ُ‬
‫ن�����������راع إذا م������ا ه������اج������ ٌم هَ َ‬
‫وص َّور الشعراء األندلسيون محنة سقوط «بلنسية» حني سقطت في يد السيد‬
‫القنبيطور (‪495-487‬ه� �ـ) كما ص � َّور اب��ن خفاجة إح��راق النصارى «بلنسية» عند‬
‫(((‬
‫خروجهم منها سنة ‪495‬هـ فقال‬
‫ِ‬
‫ب����س����اح����ت ِ‬
‫����ك ال������ع������دا ي������ا دا ُر‬
‫ع������ا َث������ت‬
‫وم�����ح�����ا م����ح����اس���� َن ِ‬
‫����ب����ل����ى وال������ َّن������ا ُر‬
‫����ك ال ِ‬
‫َ‬
‫������اب ِ‬
‫������ك ن����اظ���� ٌر‬
‫وإذا ت��������������ر َّد َد ف������ي ج������ن ِ‬
‫واس ِ‬
‫ِ‬
‫�����ت�����ع�����ب�����ار‬
‫ط��������ال اع������ت������ب������ا ٌر‬
‫ف�����ي�����ك ْ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫������وب ب���أه��� ِل���ه���ا‬
‫أرض‬
‫ت����ق����اذف����ت اخل������ط ُ‬
‫َّ‬
‫ومت�������خ َ‬
‫ب�����خ�����راب�����ه�����ا األق�����������دار‬
‫�������ت‬
‫�������ض ْ‬
‫ِ‬
‫���رص ِ‬
‫���ات���ه���ا‬
‫���ت ي����� ُد‬
‫ِ‬
‫ك���ت���ب ْ‬
‫احل�����دث�����ان ف����ي ع َ‬
‫أن��������ت وال ال�������� ِّدي��������ا ُر دي��������ا ُر»‬
‫«ال أن�������ت‬
‫َ‬
‫ويصف أب��و املطرف بن عميرة أح��وال «بلنسية» بعد سقوطها نهائ ًّيا في يد‬
‫النصارى سنة ‪ 636‬هـ وقد أظهرهم في صورة الكفر والشرك والتخريب‪ ،‬يقول(((‪:‬‬
‫أم���������ا « َب������ َل������ ْن ِ‬
‫����ر‬
‫ّ‬
‫������س������ َي������ ٌة» ف����م����ث����وى ك����اف ٍ‬
‫������ره������ا كُ �������� َّف��������ا ُر ُه‬
‫������ت ب������ه ف������ي ُع������ ْق ِ‬
‫ح������ َّف ْ‬
‫((( ديوان ابن خفاجة (حتقيق د‪ .‬سيد غازي) ‪354 :‬‬
‫((( أعمال األعالم البن اخلطيب‪273 :‬‬
‫‪- 212 -‬‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫�������ص�������ا ُد ُه‬
‫امل�������ك�������روه‬
‫زرع م�����ن‬
‫ٌ‬
‫ح�������ل َح َ‬
‫ل��������ج ح������ص������ا ُر ُه‬
‫ال�������ع�������دو غ������������دا َة‬
‫ب���ي��ن‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫����ع ب���ال���ه���دى‬
‫وع������زمي������ ٌة‬
‫ل����ل����ش����رك ج����ع����ج َ‬
‫أن�������ص�������ا ُرهَ �������ا إذ خ�������ا َن������� ُه أن�������ص�������ا ُر ُه‬
‫ْ‬
‫����ق ال���ع���دا‬
‫ق�����ل ك���ي���ف تَ���� ْث���� ُب ْ‬
‫����ت ب���ع���د مت����زي ِ‬
‫ُ‬
‫���������������درك ث�����������ا ُر ُه‬
‫آث�����������������ا ُر ُه أو ك�����ي�����ف ُي‬
‫ويطل النصارى في سينية ابن األبار في صورة الغزاة الكفار الذين عاثوا في‬
‫بلنسية وحولوها من العمران إلى اخلراب‪ ،‬وفي ذلك يقول(((‪:‬‬
‫ح������دائ������ق ل���ل��أح������داق ُم ِ‬
‫َ‬
‫�����ون����� َق����� ًة‬
‫ك�����ان�����ت‬
‫ِ‬
‫����و َح ال��� َّن ْ‬
‫���س���ا‬
‫���ض��� ُر م���ن‬
‫َف����ص َّ‬
‫أدواح����ه����ا َوع َ‬
‫����اث ج��ي ُ‬
‫َس���رع���انَ م��ا ع َ‬
‫���رب���ا‬
‫��ش ال��ك��ف ِ��ر َ‬
‫واح َ‬
‫َع���� ْي ُ‬
‫����ث ال����� َّد َب�����ى م��غ��ان��ي��ه��ا ال���ت���ي كَ�� َب��س��ا‬
‫حَ���� َّي���� َف����ه����ا‬
‫مم���������ا ت‬
‫واب��������ت�������� َّز ِب������� َّزتَ�������ه�������ا ّ‬
‫األس ِ‬
‫��������د ال َّ‬
‫ت����� ُّي َ‬
‫حَ َ‬
‫�����ض�����اري مل����ا اف��ت��رس��ا‬
‫�����ف َ‬
‫اجل�������و ف�����ام�����ت����� َّد ْت ي���������دا ُه إل���ى‬
‫َخ���ل��ا ل�����ه‬
‫ُّ‬
‫إدراك م����ا ل����م ت���ط��� ْأ رج���ل���ا ُه ُم ْ‬
‫��خ��ت�� ِل��س��ا‬
‫�����ر ال������ َّزع������ َم ب���ال���ت���ث���ل���ي ِ‬
‫���ث ُم���� ْن���� َف����ر ًدا‬
‫وأك�����ث َ‬
‫ِ‬
‫ّ���وح���ي���د م����ا َن�� َب��س��ا‬
‫ول�����و رأى راي������� َة ال���ت‬
‫ويرسم الرندي في نونيته مشاهد مؤثرة للمسلمني الذين أحلق النصارى الهزائم‬
‫بوطنهم فتجرعوا ك��ؤوس ال��ذل وبكوا بدموع ح��ارة وه��م ي��رون جبروت الغزاة وهم‬
‫يحولون بني األم وطفلها‪ ،‬ويأسرون الرجال ويسبون النساء‪ ،‬ويلتقط مشه ًدا دام ًعا‬
‫لفتاة شابة يقودها العلج للمكروه‪ ،‬وفي ذلك يقول(((‪:‬‬
‫((( نفح الطيب ‪457 :4‬‬
‫((( نفح الطيب ‪488 :4‬‬
‫‪- 213 -‬‬
‫ي������ا َم��������ن ل�������ذ َّل ِ‬
‫ق����������وم ب�����ع����� َد ع����� ِّزه����� ُم‬
‫�������ة‬
‫ٍ‬
‫�������ه������� ُم ك������ف������ ٌر وط�����غ�����ي�����انُ‬
‫أح�����������ال ح�������ا َل ُ‬
‫ب����األم����س ك����ان����وا م���ل���وكً���ا ف����ي م��ن��ازل��ه�� ْم‬
‫ِ‬
‫���ر ُع���� ْب����دان‬
‫وال�����ي�����و َم ه����� ْم ف����ي ب��ل��اد ال���ك���ف ِ‬
‫َ‬
‫دل�����ي�����ل ل���ه��� ْم‬
‫ف����ل����و ت�����راه�����م ح�����ي�����ارى ال‬
‫ِّ‬
‫ال������������ذل أل��������وان‬
‫ع����ل����ي����ه���� ُم م������ن ث�����ي�����اب‬
‫رأي�����������ت ب�����ك�����اه����� ْم ع����ن����د ب���ي���ع���ه��� ُم‬
‫ول��������و‬
‫َ‬
‫�����ك األم��������� ُر واس����ت����ه����وت َ‬
‫�����ه�����ا َل َ‬
‫ْ����ك أح������زان‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫�����ي�����ل ب��ي��ن��ه��م��ا‬
‫وط�����ف�����ل ِح‬
‫رب أ ٌّم‬
‫ٍ‬
‫ي�����ا َّ‬
‫أرواح وأب������������دان‬
‫ك�����م�����ا ُت����������� َف����������� َّر ُق‬
‫ٌ‬
‫��ت‬
‫وط��ف��ل�� ٌة م��ث��ل ُح���س���نِ ال��ش��م ِ‬
‫��س إذ ط��ل��ع ْ‬
‫وم�������رج�������ان‬
‫������������ي‬
‫ك������أمن������ا ِه‬
‫ٌ‬
‫ي��������اق��������وت َ‬
‫َ‬
‫����ج ل����ل����م����ك ِ‬
‫����روه ُم����ك����رهَ ���� ًة‬
‫ي����ق����وده����ا ال����ع����ل ُ‬
‫وال�����ق�����ل�����ب ح����ي����ران‬
‫���ي���ن ب�����اك�����ي����� ٌة‬
‫وال�������ع ُ‬
‫ُ‬
‫َ����م ٍ‬
‫����د‬
‫مل����ث����لِ ه������ذا‬
‫����ب م�����ن ك َ‬
‫ي���������ذوب ال����ق����ل ُ‬
‫ُ‬
‫إن ك������ان ف�����ي ال���ق���ل���ب إس����ل����ا ٌم وإمي������ان‬
‫وثمة قصيدة نادرة نظمها شاعر أندلسي مجهول بعد سقوط غرناطة سنة ‪1499‬م‬
‫تُق ّدم «اآلخر» في صورة العدو الوحشي الذي ال يتورع عن القتل واإلبادة والتشريد‬
‫وعدم احترام عقيدة اآلخرين ونقض املواثيق والعهود وتخيير املسلمني بني اجلالء عن‬
‫غرناطة أو التنصير‪ .‬وتبدأ القصيدة مبقدمة في الشكوى واالستغاثة يصف الشاعر‬
‫املسلم بعدها هجوم الروم على غرناطة فيقول(((‪:‬‬
‫وج������اءت ع��ل��ي��ن��ا ال�������رو ُم م���ن ِّ‬
‫ج��ان��ب‬
‫ك����ل‬
‫ٍ‬
‫����ل ع����ظ����ي ٍ����م ج����م����ل���� ًة ب����ع���� َد ُج���م���ل ِ‬
‫���ة‬
‫ب����س����ي ٍ‬
‫((( وثيقة أندلسية عن سقوط غرناطة مع دراسة حتليلية للمستشرق جيمس‪.‬ت‪.‬مونرو‪ ،‬ص‪ ، 32-27‬والقصيدة‬
‫في ‪ :‬أزهار الرياض للمقري‪115-108 :1‬‬
‫‪- 214 -‬‬
‫ِ‬
‫ب��ج��م��ع��ه�� ْم‬
‫وم�����ال�����وا ع���ل���ي���ن���ا ك�����اجل�����راد‬
‫وع������������ ّد ِة‬
‫وع������������زم م������ن‬
‫ب�����ج����� ٍّد‬
‫ٍ‬
‫خ������ي������ول ُ‬
‫ٍ‬
‫ِّ‬
‫ٍ‬
‫س���اع���ة‬
‫ك������ل‬
‫وف����رس����ا ُن����ه���� ْم ت����������زدا ُد ف�����ي‬
‫����ص وق���� َّل ِ‬
‫����ة‬
‫وف����رس����ا ُن����ن����ا ف�����ي ح��������الِ ن����ق ٍ‬
‫���م���ا َ‬
‫����ع���� ْف���� َن����ا خ���� َّي����م����وا ف����ي ب�ل�ادن���ا‬
‫ض ُ‬
‫ف���ل ّ‬
‫وم������ال������وا ع���ل���ي���ن���ا ب�����ل�����د ًة ب����ع���� َد َب����� ْل ِ‬
‫�����دة‬
‫ويشير الشاعر املسلم إلى غدر الغزاة النصارى ونقضهم العهود واستهانتهم‬
‫بعقائد املسلمني وشعائرهم وإحراقهم املصاحف والكتب الدينية وتعذيب من يؤدي‬
‫فروض الصيام أو الصالة من املسلمني‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ع����ق����د ِذم����ام����ه���� ْم‬
‫����م����ا دخ����ل����ن����ا حت�����ت‬
‫ف����ل ّ‬
‫ِ‬
‫ال���ع���زمي���ة‬
‫ب������دا غ�����دره�����م ف���ي���ن���ا ب���ن���ق���ض‬
‫وخ��������ان ع������ه������و ًدا ك�������ان ق�����د غ����� َّرن�����ا ب��ه��ا‬
‫ون�����ص�����رن�����ا ك������رهً ������ا ب���ع���ن���ف وس�����ط ِ‬
‫�����وة‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫م��ص��اح��ف‬
‫وأح��������رق م����ا ك���ان���ت ل���ن���ا م����ن‬
‫وخ���� َّل����ط����ه����ا ب�����ال����� ّزب�����ل أو ب���ال���ن���ج���اس ِ���ة‬
‫ول�������م ي����ت����رك����وا ف���ي���ه���ا ك����ت����ا ًب����ا مل���س���ل ٍ���م‬
‫ِ‬
‫ل����ل����ق����راءة‬
‫وال م���ص���ح��� ًف���ا ُي����خ����ل����ى ب�����ه‬
‫����ع���� َل���� ُم ح���ا ُل��� ُه‬
‫ص���� ّل����ى و ُي ْ‬
‫وم������ن ص�����ام أو َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ح���ال���ة‬
‫كُ�������ل‬
‫ف���ف���ي ال�����ن�����ار ُي����ل����ق����وه ع���ل���ى‬
‫�������ب ن���ب��� َّي��� َن���ا‬
‫�������س َّ‬
‫وق��������د أم�������رون�������ا أن َن ُ‬
‫ٍ‬
‫رخ�����������اء وش��������� ّد ِة‬
‫�������ر ْن������� ُه ف������ي‬
‫وال َن�������ذ ُك َ‬
‫������ت‬
‫ل�������ت أس�����م�����اؤن�����ا‬
‫وحت������ول ْ‬
‫وق�������د ُب������� ّد ْ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ب����غ����ي����ر ً‬
‫إرادة‬
‫وغ������ي������ر‬
‫رض����������ا م����� ّن�����ا‬
‫ِ‬
‫‪- 215 -‬‬
‫وص����رن����ا ع���ب���ي��� ًدا ال ُأس��������ارى َف��� ُن��� ْف���تَ���دى‬
‫ِ‬
‫ب����ال����ش����ه����ادة‬
‫وال م���س���ل���م�ي�ن ن���ط���ق���ه���م‬
‫����رت ع���ي���ن َ‬
‫���اك م���ا ص����ار ح��ا ُل��ن��ا‬
‫ف��ل��و أب����ص ْ‬
‫������وع ال����غ����زي ِ‬
‫����رة‬
‫إل����ي����ه‬
‫ْ‬
‫جل����������ادت ب������ال������ ّدم ِ‬
‫ب������ؤس م����ا ق����د أص���ا َب��� َن���ا‬
‫ف���ي���ا وي���ل���ن���ا ي����ا‬
‫َ‬
‫وث��������وب امل����ذ َّل ِ‬
‫م����ن ال ُ‬
‫����ة‬
‫�����ض����� ِّر وال����ب����ل����وى‬
‫ِ‬
‫هكذا َّ‬
‫أطل (اآلخر) بوجهه القبيح وممارساته الوحشية وأحقاده الدفينة لينتهك‬
‫احلرمات‪ ،‬ويستهتر بعقائد اآلخرين ومشاعرهم ويكشف بذلك زيف حضارته‪.‬‬
‫اجلدل الديني مع اآلخر‪:‬‬
‫لم يكن الصراع بني املسلمني والروم في املشرق واملغرب مقصو ًرا على احلروب‬
‫واملواجهات العسكرية‪ ،‬وإمن��ا استند على مرجعيات عقدية جتسد هوة واسعة من‬
‫اخلالفات بني اجلانبني‪ ،‬واتخذ ذلك شكل جدال ومناظرات ع َّبر الشعر عن جوانب‬
‫منها‪ ،‬وتشير بعض املصادر إلى احتدام بعض معارك الهجاء بني مسلمي األندلس‬
‫وبني الفرجنة‪ ،‬فمن ذلك ما جاء في «صلة الصلة» من أن «النقفور» ملك النصارى بعث‬
‫بقصيدة نظمها أديب مرتد إلى املعتد بالله‪ ،‬وذلك عقب استيالء النصارى على بعض‬
‫ثغور األندلس‪ ،‬فلما وصلت هذه القصيدة إلى مجلس اخلالفة وقرئت بني يدي اخلليفة‪،‬‬
‫اهتز الفقيه ابن حزم عند سماعها‪ ،‬وأخذته احلمية‪ ،‬فرد على شاعر «نقفور» بقصيدة‬
‫طويلة صيغت في قالب رسالة‪ ،‬وجهها ابن حزم لنقفور واستهلها بقوله‪:‬‬
‫(((‬
‫�����وال�����م‬
‫ال�����ع‬
‫رب‬
‫َ‬
‫ِم���������نَ احمل����ت����م����ي ل����ل����ه ِّ‬
‫ِ‬
‫����م‬
‫ودي����������نِ رس��������ول ال����ل����ه م�����ن آل ه����اش ِ‬
‫((( قطعة من شعر ابن حزم أوردها د‪ .‬إحسان عباس في كتابه‪ :‬تاريخ األدب األندلسي ‪-‬عصر سيادة قرطبة‪-‬‬
‫ص ‪ 374‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪- 216 -‬‬
‫م���ح���م ِ���د ال����ه����ادي إل�����ى ال����ن����اس ب��ال�� ُّت��ق��ى‬
‫ِ‬
‫واإلس������ل������ام أف����ض����ل ق�����ادم‬
‫وب�����ال�����رش�����د‬
‫ِ‬
‫ع����ل����ي����ه م������ن ال�����ل�����ه ال�������س���ل���ا ُم م������������ر َّد ًدا‬
‫���ث ك َّ‬
‫إل�����ى أن ي����واف����ي ال���ب���ع ُ‬
‫���ع���وال���م‬
‫�����ل ال َ‬
‫ق�����ائ�����ل ب�������اإل ْف ِ‬
‫�������ك ج�����ه اً‬
‫��ًل�� وض����ل���� ًة‬
‫إل�������ى‬
‫ٍ‬
‫����ور امل���ن���ت���زى ف����ي األع����اج����م‬
‫ع����ن ال���� ّن����ق����ف ِ‬
‫ويشير ابن حزم إلى استيالء النصارى على بعض الثغور فيقول‪:‬‬
‫س����ل����ب����ن����اك���� ُم ده������������ ًرا ف������ ُل������ذمت ِب������ك������ َّر ٍة‬
‫���ض���ع ِ‬
‫����ال ال ّ‬
‫����ر أف����ع َ‬
‫���اف ال���ع���زائ ِ���م‬
‫م���ن ال���� ّده ِ‬
‫َف ِ‬
‫مت س����������رو ًرا ع���ن���د َ‬
‫������ط������ر ْ‬
‫ذاك ون����خ����و ًة‬
‫ك����ف����ع����لِ‬
‫�����اق�����ص امل���ت���ع���اظ���م‬
‫امل�����ه��ي��ن ال����� ّن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ�����ض�����اع ِ‬
‫�����ف غ���ف���ل ٍ���ة‬
‫وم�������ا ذاك إال ف�����ي ت‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ال����ده����ر ج����� ُّم امل�ل�اح���م‬
‫وص�������رف‬
‫����رتْ���� َن����ا‬
‫ِ‬
‫َع َ‬
‫و ُيذ ّكر ابن حزم النصارى بأمجاد املسلمني وما أح��رزوه من انتصارات على‬
‫الروم في السياسة واحلرب‪ ،‬وهو ال يصدر في ذلك عن نزعة إقليمية‪ ،‬ولكنه يصدر‬
‫عن عاطفة دينية عامة‪ ،‬فيذكر بفتوحات املسلمني في الشام واألندلس ومصر وصقلية‬
‫وغيرها من األقطار‪:‬‬
‫�����زع م����ن����ك����م ب�������أ ْي ٍ‬
‫وق����������و ٍة‬
‫�������د‬
‫أل��������م ن�����ن�����ت ْ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫الزم‬
‫ب����ل����اد‬
‫����ع‬
‫ج����م����ي َ‬
‫ال������ش������ام ض�����رب����� َة ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����روان ب���أس���ره���ا‬
‫وأرض ال�����ق�����ي‬
‫وم����ص����ر‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���م‬
‫وأن����دل����س����ا ق����س���� ًرا‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ب����ض����رب اجل���م���اج ِ‬
‫ِ‬
‫أل���� ْم ت��ن��ت��ص ْ‬
‫ض��ع��ف حالها‬
‫��ف م��ن��ك��م ع��ل��ى‬
‫������م‬
‫ص����ق����ل����ي���� ُة ف�������ي ب�����ح�����ره�����ا امل������تَ���ل��اط ِ‬
‫‪- 217 -‬‬
‫أل����ي����س (ي������زي������ ُد) ح َّ‬
‫َ‬
‫دي�����ارك����� ْم‬
‫وس�������ط‬
‫������ل‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫����وارم‬
‫����ص‬
‫ع���ل���ى ب�����اب «ق��س��ط��ن��ط��ي��ن ٍ��ة» ب����ال َّ‬
‫ِ‬
‫داس�����ه�����ا ب����ع���� َد ذاك������ ُم‬
‫و «م���س���ل���م��� ٌة» ق����د َ‬
‫�����ام ك����ال���� ّل����ي ِ‬
‫����وث ال ّ‬
‫����م‬
‫ب���ج���ي ٍ‬
‫����ض����راغ ِ‬
‫���ش َل�����ه ٍ‬
‫وأدى ل����ـ «ه���������ارونِ ال����رش����ي ِ‬
‫����د» م��ل��ي��كُ��كُ�� ْم‬
‫غ��������ارم‬
‫م�����غ�����ل�����وب وج�������زي������� َة‬
‫إتَ����������������او َة‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ويشير ابن حزم إلى سبايا الروم فيقول‪:‬‬
‫����ي ق����دن����اك���� ْم ك���م���ا اق������ت������ا َد ج������از ٌر‬
‫ل����ي����ال َ‬
‫احل��ل��اق�����م‬
‫حل����������رز‬
‫أت�������ي�������اس‬
‫ج�����م�����اع����� َة‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫����ات م���ل ِ‬
‫��������ل ب����ن ِ‬
‫���وك��� ُك��� ْم‬
‫وس���� ْق����ن����ا ع���ل���ى َر ْس ٍ‬
‫ُ‬
‫���رائ���م‬
‫ال���ص‬
‫���ت ظ����ب����ا ُء‬
‫س���ب���اي���ا ك���م���ا ِس���ي���ق ْ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ويتكئ ابن حزم في هجائه للنصارى على اجلوانب املتصلة بالعقيدة على نحو‬
‫ما يبدو في قوله‪:‬‬
‫ُ‬
‫������ذول دي��������نُ ُم���� َث���� ِّل ٍ‬
‫����ث‬
‫��������رنُ ي�����ا م������خ‬
‫أ ُي�������� ْق َ‬
‫ٍ‬
‫�����م‬
‫َب‬
‫����ع����ي����د ع�����ن امل����ع����م����ول ب���������ادي امل�����آث ِ‬
‫ِ‬
‫ع������ب������ادة‬
‫ب�������دي�������ن‬
‫������وق‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ب�������دي�������ن مل������خ������ل ٍ‬
‫َ‬
‫ف����ي����ال����ك س����خ���� ًف����ا ل����ي����س ي���خ���ف���ى ل���ك���امت‬
‫م����ت����ك����اذب‬
‫أن�����اج�����ي����� ُل����� ُك����� ْم م����ص����ن����وع���� ٌة‬
‫ٌ‬
‫ك���ل���ا ُم األل�������ى ف����ي م����ا أت�������وا ب��ال��ع��ظ��ائ��م‬
‫س����ج���� ًدا‬
‫����ب ال ت�������زال�������ونَ‬
‫َّ‬
‫وع����������و ُد ص����ل����ي ٍ‬
‫ِ‬
‫ل�����ه ي�����ا ع�����ق َ‬
‫����س����وائ����م‬
‫�����ول ال�����ه‬
‫�����ام��ل��ات ال َّ‬
‫إل�������ى م������ ّل ِ‬
‫������ة اإلس�����ل�����ام ت����وح����ي���� ُد ر ِّب����ن����ا‬
‫دي����������ن ل����ن����ا مب����ق����اوم‬
‫ف����م����ا دي����������نُ ذي‬
‫ٍ‬
‫‪- 218 -‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫رس��������االت ال������ذي ج�����اء ب��ال��ه��دى‬
‫وص�������دق‬
‫ب��������دف��������ع امل�����ظ�����ال�����م‬
‫م������ح������م������ ُد اآلت�������������ي‬
‫ِ‬
‫ُّ‬
‫آس�������ر‬
‫ق����������ط ق������������و ُة‬
‫ف������ل������ ْم مت�����ت�����ه����� ْن����� ُه‬
‫ٍ‬
‫�����ت م�����ن ج����س����م ِ‬
‫����ه ي������� ُد ِ‬
‫الط�����م‬
‫وال َم�����كَ�����ن ْ‬
‫َ�����رى زو ًرا وإف�����كً�����ا ِ‬
‫وض���� َّل���� ًة‬
‫ك���م���ا ُي����� ْف�����ت َ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ك�������ل آث����م‬
‫مي����س����ي م����ن����ك���� ُم‬
‫ع����ل����ى‬
‫وج��������ه ُ‬
‫ع�����ل�����ى أن������ك������م ق�������د ق����ل����ت����م ه�������و رب����ك����م‬
‫َف����� َي�����ا َل�����ض��ل��ال ف�����ي احل�����م�����اق ِ‬
‫�����ة ج���اث���م‬
‫أ ُي����� ْل َ‬
‫ال��������رب ت���� ًّب����ا جل���ه��� ِل���كُ��� ْم‬
‫�����ط����� ُم وج������� ُه‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫ك��������ل ظ���ال���م‬
‫ل����ق����د ف������ ُّت������ ُم ف������ي ظ����ل����م����ك���� ْم‬
‫���ب‬
‫أ َب�����ى ال���ل��� ُه أن ُي َ‬
‫���دع���ى ل���ه اب�����نٌ وص���اح ٌ‬
‫����ر ح�����ال����� َة ن�����ادم‬
‫س���ي���ل���ق���ى دع����������ا ُة ال����ك����ف ِ‬
‫والقصيدة تسيطر عليها عاطفة دينية قوية‪ ،‬وترتفع فيها نغمة احلماسة واحلدة‪،‬‬
‫غير أن صدورها عن البديهة واالرجتال أفقدها كثي ًرا من املقومات الفنية‪.‬‬
‫وعلى أي��ة ح��ال‪ ،‬فقد أث��ارت قصيدة شاعر «نقفور» ما أث��ارت��ه رسالة «ابن‬
‫غرسية» من قبل‪ ،‬فلم يكن ابن حزم وحده هو الذي تصدى للرد عليها وإمنا شاركه‬
‫في ذلك شعراء آخرون على شاكلة أبى بكر القفال الشاشي‪ ،‬وأبى اإلصبغ عيسى‬
‫ابن زورال الغرناطي(((‪.‬‬
‫وأدار بعض الشعراء هجاءهم ح��ول تسفيه معتقدات الفرجنة‪ ،‬فسخروا من‬
‫شعائرهم وطقوسهم‪ ،‬وذموا رجال دينهم وأماكن عبادتهم‪ ،‬كهذه األبيات البن شهيد‬
‫الذعا واص ًفا من يرتادونها بأنهم‬
‫التي يصور فيها ما يدور في إحدى الكنائس تصوي ًرا ً‬
‫(((‬
‫ً‬
‫معرضا بتصرفات بعض القساوسة‪ ،‬على نحو ما يبدو في قوله‪:‬‬
‫ضحايا إبليس‪،‬‬
‫((( فهرسة ابن خير اإلشبيلي‪409 :‬‬
‫((( الذخيرة ‪682 : 1/2‬‬
‫‪- 219 -‬‬
‫ال����ب����ل����ى م���ن���ه���ا ك��م��ا‬
‫وك����ن����ي����س���� ٌة أخ��������� َذ ِ‬
‫���ب‬
‫��������رت ف���� ْي���� ًئ����ا ف�����ي‬
‫��������ص‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫أ ْب َ‬
‫م�����غ�����ار ي���ن���ه ُ‬
‫����ب‬
‫ك������م ص�������اد إب�����ل�����ي ُ‬
‫�����س ب����ه����ا م������ن ت����ائ ٍ‬
‫������ب‬
‫ب������ح������ب������ائ ٍ‬
‫������ل أل�������ق�������ى ب�������ه�������نَّ ت������ره ُ‬
‫وكَ������م ا ْب����تَ���� َن����ى ا ْل ِ‬
‫���س ف��ي��ه��ا م��ن��ب�� ًرا‬
‫���ق���س���ي ُ‬
‫ج�������������ؤذر وب�����������دا ع����ل����ي����ه ي���خ���ط���ب‬
‫ِم���������ن‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫ي�����زل‬
‫���������ي ل�����م‬
‫س����ق���� ًي����ا ل����ه����ا م�����ن دار َغ ٍّ‬
‫مي ب���������امل����ل����اح ُم�������ع������� َّذب‬
‫ف�����ي�����ه�����ا ك��������������ر ٌ‬
‫أردت ت����ع���� ُّب���� ًدا‬
‫�����س امل����ص���� َّل����ى إن‬
‫َ‬
‫ب�����ئ َ‬
‫ن�������ع������� َم امل�����ش�����رب‬
‫ف�����ي�����ه ول������ك������ن ك����������ان‬
‫ْ‬
‫واتكأ اجلدال العقدي حول اتهام الشعراء املسلمني للروم بالشرك يستوي في‬
‫ذلك رجالهم ونساؤهم كقول ابن هانئ‪:‬‬
‫(((‬
‫ل���م ي���ب َ‬
‫���ق ف���ي أرض ق��س��ط��ن��ط�ين م��ش��رك�� ٌة‬
‫������ل مب����ف����ق ِ‬
‫�����ص�����ه�����ا ث������ك ٌ‬
‫����ود‬
‫إال وق���������د خ َّ‬
‫ويشير ابن هانئ ً‬
‫أيضا إلى عبادة الروم للمسيح واتخاذ الصليب شعا ًرا لهم‬
‫ويفتخر بزوال سطوة «األعالج» فيقول‪:‬‬
‫�����م�����ا ث����اق���� ًب����ا‬
‫����م‬
‫األع�������ل�������اج ع�����ل ً‬
‫ُ‬
‫ف����ل����ت����ع����ل ِ‬
‫����ب وق�������د َع�������������� َزز َْت دل����ي ُ‬
‫����ل‬
‫أنَّ ال َّ‬
‫����ص����ل����ي َ‬
‫���س ف��ي‬
‫و ْل���� َي����ع���� ُب����دوا‬
‫غ���ي���ر امل���س���ي ِ‬
‫���ح ف���ل���ي َ‬
‫َ‬
‫�������ب ب�����ع�����ده�����ا ت����أم����ي ُ‬
‫����ل‬
‫دي�����������نِ ال������� َّت�������رهُّ ِ‬
‫((( ديوان ابن هانئ‪216 :‬‬
‫‪- 220 -‬‬
‫التسامح مع اآلخر‪:‬‬
‫وفي الشعر العربي ما يصور التسامح مع اآلخر ويتمثل ذلك في اجتاه بعض‬
‫الشعراء املسلمني إلى مدح بعض امللوك أو الفرجنة ممن ُعرفوا بالسيرة احلسنة وهو‬
‫ما جنده عند بعض ملوك صقلية من النورمان‪ ،‬فلم يحل سقوط صقلية اإلسالمية في‬
‫القرن اخلامس الهجري بعد أن حكمها املسلمون ما يقرب من ثالثة قرون من استمرار‬
‫تأثير احلضارة اإلسالمية‪ ،‬فتشبه بعض ملوك النورمان مثل «رجار» مبلوك املسلمني‬
‫وكانت عالمته احلمد لله شك ًرا ألنعمه وكان ابنه «غليالم األول» يتكلم العربية ويحيط‬
‫نفسه بحرس من املسلمني‪ ،‬ومضى «غليالم الثاني» على سنته(((‪.‬‬
‫ومنذ أن استقر أمر اجلزيرة «لرجار» جرى على سياسة تقريب املسلمني ونشر‬
‫سيرة العدل في أهل صقلية(((‪ .‬وكان «رجار» يحب مديح الشعراء ويجيزهم فذهب إليه‬
‫جماعة من الشعراء ومدحوه‪ ،‬ومنهم أبو حفص عمر ابن حسن الصقلي الذي مدحه‬
‫بقصيدة جترى على منط قصائد املدح التقليدية‪ ،‬فيستهلها مبقدمة غزلية يردد فيها‬
‫(((‬
‫مزجا لطي ًفا فيقول‪:‬‬
‫اسم امللك «رجار» وميزج املدح بالغزل ً‬
‫�����ع ِ‬
‫�����اد ِه‬
‫ط���ل���ب‬
‫ال����س���� ُل َّ‬
‫����ر ُس َ‬
‫ُّ‬
‫����و ل����و انَّ غ����ي َ‬
‫����������و ْي���������� َدا َق�����ل�����ب ِ‬
‫وف�������������ؤ ِ‬
‫َ‬
‫اده‬
‫�����ه‬
‫ح������ ّل ْ‬
‫������ت ُس َ‬
‫ورج��������ا زي�����������ار َة َط���� ْي ِ‬
‫ص���� ِّده����ا‬
‫����ف����ه����ا ف�����ي َ‬
‫�����������رام�����������ه ي�������أ َب�������ى ل�������ذي������� َذ رق���������اده‬
‫َو َغ‬
‫ُ‬
‫وال������ل ِ‬
‫������ه ل������وال امل�����ل ُ‬
‫�����ك «روج�������������ا ُر» ال�����ذي‬
‫أز َْرى‬
‫ُم ِ‬
‫�����ح����� ِّب�����ي�����ه‬
‫ع����ظ����ي���� ُم‬
‫ِوداده‬
‫�����د ي������و َم ف ِ‬
‫�����وج ِ‬
‫م����ا ع َ‬
‫���راق���ه���ا‬
‫������أس ال ْ‬
‫������اف ك َ‬
‫ِ‬
‫امل�����ج�����د ف�����ي م����ي��ل�اده‬
‫�����ح����� َّي�����ا‬
‫َو َرأى ُم َ‬
‫((( العرب في صقلية‪ ،‬د‪ .‬إحسان عباس ‪145 :‬‬
‫((( املرجع السابق‪147 :‬‬
‫((( خريدة القصر ‪49-48 :‬‬
‫‪- 221 -‬‬
‫وميدحه الشاعر بالكرم والشجاعة واملجد ومالحة الوجه فيقول‪:‬‬
‫����ه���� َّن ٍ‬
‫����د‬
‫������ج������ ْد َوى اه�������ت�������زا َز ُم َ‬
‫ي����ه����ت���� ُّز ل������ل َ‬
‫ِ‬
‫ج����ل����اده‬
‫ي�����ه�����ت����� ُّز ف�������ي ك������ َّف������ ْي������ه ي�����������و َم‬
‫���ح ج��ب��ي��ن ِ��ه‬
‫وي����ض����ي ُء ف���ي ال��� ّدي���ج���ور ص���ب ُ‬
‫����س����اده‬
‫ف���ت���خ���ال ض������و َء‬
‫ِ‬
‫ال���ش���م���س م����ن ُح َّ‬
‫أرض خ���ي���ام ِ‬
‫ُ‬
‫���ه‬
‫�����ع اجل�����������وزاء‬
‫وم�����ط�����ا ِل ُ‬
‫وال������ق������م������ران م������ن ُو َّف�����������اده‬
‫وال�����ن�����ج����� ُم‬
‫ِ‬
‫���ع ْ‬
‫���ب���ه‬
‫����ه ْ‬
‫���ض ِ‬
‫وإذا األم����������و ُر ت����ش����ا َب َ‬
‫����ت َف��� ِل َ‬
‫َخ ٌّ‬
‫���������ط ُي������ َب������ َّي ُ‬
‫ب�����������داده‬
‫������ض ُس��������و َده��������ا مِ ِ‬
‫ومنها‬
‫�����ت ب ِ‬
‫ي������ا أي�����ه�����ا امل������ل ُ‬
‫����ه‬
‫������ك ال���������ذي َث�����ب�����ت ْ‬
‫� ِ‬
‫ص����� َف�����ا أ ْم�����َل��� اَ‬
‫ده‬
‫ِق ً‬
‫�����دم�����ا ال����ف����ط����ان���� ُة ف�����ي َ‬
‫ِ‬
‫�����رم�����ى ب��ه��ا‬
‫أرواح‬
‫و َد َع�������تْ������� ُه‬
‫ُ‬
‫ال�����ع����� َدا َف َ‬
‫ِ‬
‫أغ������م������اده‬
‫������ع������ ًب������ا تَ����ل���� َّق����تْ����ه����ا ُظ�����ب�����ى‬
‫ُل َ‬
‫وأورد ابن القطاع قصيدة للبثيري الصقلي في مدح «رجار» ووصف قصوره‬
‫(((‬
‫وازدهار احلضارة في دولته التي بذت دول امللوك القيصرية‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫ِ‬
‫أد ِر‬
‫َ‬
‫ح�������ي�������ق‬
‫ال������� ّر‬
‫������ج ِ‬
‫������د ْي������ـ‬
‫َ‬
‫������س َ‬
‫ال������ع ْ‬
‫���ع ِ‬
‫اص���ط���ب���اح َ‬
‫ـ����� َي����� ْه َو ِص���������لِ‬
‫���ش��� َّي��� ْه‬
‫���ك ب���ال َ‬
‫َ‬
‫واش���������������������������ر ْب ع�������ل�������ى وق��������������ع امل������ث������ا‬
‫َ‬
‫������ع������ َب ِ‬
‫������د َّي������ه‬
‫ن��������ي واألغ�����������ان�����������ي‬
‫ال������ـ������م ْ‬
‫َ‬
‫م������������ا ع��������ي��������ش�������� ٌة ت�������ص�������ف�������و ِس������������وى‬
‫ِب������������������������� ُذ َرى ِص ِ‬
‫���������ق��������� ِّل��������� َي ٍ‬
‫���������ة هَ ������ن������ َّي������ه‬
‫���������������������������������ت ع�����ل�����ى‬
‫أر َب‬
‫ْ‬
‫ف�������������ي دول���������������������ة ْ‬
‫ُد َولِ‬
‫ِ‬
‫امل���������ل���������وك‬
‫((( اخلريدة (ط‪ .‬تونس)‪23:‬‬
‫‪- 222 -‬‬
‫�������ر َّي�������ه‬
‫�������ص ِ‬
‫ال������� َق������� ْي َ‬
‫وق��د نسج اب��ن بشرون على منوال قصيدة البثيري فقال مي��دح امللك (رج��ار)‬
‫(((‬
‫ويصفه بـ(ملك امللوك القيصرية)‪ ،‬ويقول في مطلعها‪:‬‬
‫م����������������ن����������������ص����������������ور َّي���������������� ٌة‬
‫ل��������������ل��������������ه‬
‫ِ‬
‫�����ج�����ت�����ه�����ا ال�����ب�����ه����� ّي����� ْه‬
‫َرا َق‬
‫ْ‬
‫��������������������ت ِب����� َب�����ه َ‬
‫�������ره�������ا َ‬
‫�����ب�����ن�����ا‬
‫احل‬
‫�����������س ِ‬
‫وب�������ق�������ص ِ‬
‫�����������ن ال ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وال�������ش�������ك�������لِ‬
‫������������ر ِف ال�����ع����� ِل����� ّي�����ه‬
‫وال������������غ‬
‫َ‬
‫�������و ْح�������ش�������ه�������ا ِ‬
‫وم������� َي ِ‬
‫�������ه�������ا ا ْل�������ـ‬
‫�������اه َ‬
‫َو ِب َ‬
‫�������ر َّي�������ه‬
‫��������ي��������ون‬
‫ال��������ع‬
‫ُغ�����������������ز ِْر‬
‫ِ‬
‫ال�������ك�������و َث ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫�����������ت َج������� َّن�������ا ُت�������ه�������ا‬
‫َ�����������س‬
‫ف�������ق�������د اكْ�����������ت‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫اً‬
‫������ًل������ ب�����ه����� َّي�����ه‬
‫م�����������ن ب������ي������ن������ه������ا ُح������������� َل‬
‫ال�������ع���َل��َ‬
‫وب�������ه�������ا ( ُرج����������������������ار) س������م������ا‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫م��������� ِل ُ‬
‫�������ر َّي�������ه‬
‫���������ك‬
‫�������ص ِ‬
‫امل����������ل����������وك ال������� َق�������ي َ‬
‫دائ���������������م‬
‫�������������ش‬
‫ط����������ي����������ب َع������������� ْي‬
‫ف������������ي‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫������������اه ٍ‬
‫������������د ف������ي������ه������ا َش������ه������ َّي������ه‬
‫م������������ش‬
‫َو‬
‫ويقف شاعر آخر وقفة إعجاب وانبهار أم��ام إي��وان للملك النورماني «غليالم‬
‫(((‬
‫الثاني» فيقول‪:‬‬
‫����ل ِ‬
‫وق ْ‬
‫����أم ْ‬
‫������وان‬
‫���ر إي‬
‫ِ‬
‫ت ّ‬
‫�����ر خ���ي َ‬
‫����ر ت َ‬
‫�������ف وان����ظ ْ‬
‫خل��ي��ر م���ل���وك األرض «غ��ل��ي��ال��م ال��ث��ان��ي»‬
‫وقد أغرت هذه األجواء شاع ًرا مشرق ًي َا مثل ابن قالقس فارحتل من مصر إلى‬
‫صقلية ومدح بعض ملوكها‪ ،‬كما مدح أحد وزراء غليالم ويسمى (جردانو) فوصفه بقوة‬
‫اإلرادة والعزمية‪ ،‬وامتدح أخالقه وشمائله‪ ،‬وشبهه بالليث الهصور‪ ،‬وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫ِ‬
‫ف�����اس�����تَ����� َق����� َّر ْت‬
‫��������ح‬
‫وج���������� َّر ْد َن����������ا‬
‫َ‬
‫امل��������دائ َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫�����ر‬
‫ع���ل���ى َأ‬
‫���������ر َد َّن���������ا» ال�����وزي ِ‬
‫وص������������اف ُ‬
‫«ج ْ‬
‫((( املصدر نفسه‪24 :‬‬
‫((( العرب في صقلية ‪287 :‬‬
‫‪- 223 -‬‬
‫ِ‬
‫َف������ َن َّ‬
‫�������ر ك�����ال��ل��آ ِل�����ي‬
‫������ظ������ ْم������ َن������ا‬
‫امل�������ف�������اخ َ‬
‫�����ور‬
‫�������ي ك�����ال����� ُّن�����ح ِ‬
‫َ‬
‫وح������ َّل������ ْي������ َن������ا امل�������ع�������ا ِل َ‬
‫������اء ال ِ‬
‫وق����م����ن����ا ف������ي س������م ِ‬
‫������ر َع������ى‬
‫�������ع������� ِّز َن ْ‬
‫َّ‬
‫ال�����ي�����وم امل���ط���ي ِ���ر‬
‫����س ف����ي‬
‫ن‬
‫ال����ش���� ْم ِ‬
‫ج����ب��ي� َ‬
‫ِ‬
‫�����������رى َأ َّن�����������ا َأ ِم������ َّن������ا‬
‫���������ب م������ا َج‬
‫و َأ‬
‫ع���������ج ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����ص����ور‬
‫ال����ه‬
‫ال����ل����ي����ث‬
‫ب����ج����ان����ب‬
‫ون�����ح�����نُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫خ����������ل���������اق م���ن���ه‬
‫م���������ك���������ارم ا َأل‬
‫وم���������������ا ُء‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫������ر‬
‫ي�������ك�������ا ُد ي�����������ر ُّد‬
‫ص����������اع���������� َد َة ال������ َّزف������ي ِ‬
‫م���������ان���������ي ف������ي َي������� َد ْي ِ‬
‫ِ‬
‫�������ه‬
‫ع������������������راس ا َأل‬
‫و َأ‬
‫ُ‬
‫ض ال��� َّن ِ‬
‫ِب�����هِ �����نَّ م����ع ِ‬
‫����اط ُ‬
‫���ر‬
‫����ف ال������������ َّر ْو ِ‬
‫���ض���ي ِ‬
‫وال يجد أحد الشعراء املسلمني غضاضة في االعتراف بالسيادة البحرية للروم‬
‫في العصر النورماني‪ ،‬فيصف قوة األسطول النورماني ويشير إلى غلبته وقهره له‬
‫(((‬
‫وعصبته ووقوعه أسي ًرا فيقول وأنشدها أمام امللك النورماني‬
‫ج����ال����ت أس����اط����ي ُ‬
‫����ل ج��ي��ش ِ��ه‬
‫َأ َي��������ا م���ل���كً���ا‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ف���أع���ظ���م ِ‬
‫وأك�����ث�����رت األس�����رى‬
‫���ت ال���ق���ت���ل���ى‬
‫����ر ْي����تَ����ه����ا ف����ي لجُ َّ ِ‬
‫�������ة امل������اء إ ْذ ج���رى‬
‫ْ‬
‫وأج َ‬
‫����ر ْي����تَ����ه����ا ب��ح��را‬
‫ف���أس���ك���رتَ��� ُه ج����ر ًي����ا ْ‬
‫وأج َ‬
‫وك����� ّن�����ا مل�����ا جت�������ري امل�����ق�����ادي����� ُر ع���ص���ب��� ًة‬
‫وامل���������وج َي���خ���ط��� ُف��� َن���ا ُذع������را‬
‫َر ِك����ب����ن����ا ب����ه‬
‫ُ‬
‫وج��������اءت م����ن األس�����ط�����ول ط����ي���� ٌر َم ِ‬
‫���س��� َّف��� ٌة‬
‫�����ت ب���ن���ا م����ن ك ِّ‬
‫ٍ‬
‫ن���اح���ي���ة ق��ص��را‬
‫������ل‬
‫أح�����اط ْ‬
‫ِ‬
‫ل����دف����ع����ه‬
‫ف����ق����م����ن����ا إل������ي������ه ث�������ائ�������ري�������نَ‬
‫ف����ع����اج���� َل����ن����ا ق���ه���را‬
‫ن����غ����ال���� ُب����ه ق������ه������ ًرا‬
‫َ‬
‫((( ديوان الشعر الصقلي‪317-316 :‬‬
‫‪- 224 -‬‬
‫ومن مظاهر هذا التسامح أننا جند شاع ًرا ينظم قصيدة في رثاء ولد (رجار)‬
‫(((‬
‫ملك صقلية ويستهلها بقوله‪:‬‬
‫�����ت‬
‫دم���������وع وأج�����ف�����انُ‬
‫ب�����ك�����ا ٌء وم������ا س�����ال ْ‬
‫ٌ‬
‫ذاب��������ت‬
‫ُش�����ج�����ونٌ وم������ا‬
‫ق����ل����وب وأب��������دانُ‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫ويكثر أبو الضوء س��راج من التفجع على ابن امللك النورماني ويشيد مبآثره‬
‫وشمائله ويصف ما أحدثه رحيله من لوعة وأسى وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫���ت ال��� ُّدن���ا‬
‫خ���ب���ا ال���ق���م��� ُر األس���� َن����ى ف���أظ���ل���م ْ‬
‫ِ‬
‫وم���������ا َد م�����ن ال���ع���ل���ي���اء‬
‫وامل�����ج�����د أرك�������انُ‬
‫���س���ن���ه وج��ل�ال ِ‬
‫����ه‬
‫اس������ت َ‬
‫َ������وى ف����ي ُح ْ‬
‫أح��ي��ن ْ‬
‫وت������اه������ت ب�����ه أوط������������ا ُر ع������� ِّز وأوط����������انُ‬
‫ْ‬
‫َ�����خ َّ‬
‫ري���������ب امل������ن������ونِ ُم َ‬
‫ت َ‬
‫����خ����ات��ًلً‬
‫�����ط�����ف����� ُه‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع����ل����ى ِغ������������ ّر ٍة إنَّ امل������ن������ونَ َل‬
‫�����وانُ‬
‫�����ـ�����خ َّ‬
‫ُ‬
‫أع�������������راض ال�������ب�������دور ي���ع���و ُق���ه���ا‬
‫ك�����ذل�����ك‬
‫ِ‬
‫���ت م���ن‬
‫����ر ُن��ق��ص��انُ‬
‫ح�����ادث ال���� َّده ِ‬
‫َ���م���ل ْ‬
‫إذا ك ُ‬
‫ٌّ‬
‫ب�����أدم�����ع‬
‫حل��������ق ب��������أن ُي������ ْب������كَ������ى ع����ل����ي����ه‬
‫ٍ‬
‫ل���ه���ا ف����ي َم���س���ي���لِ اخل������� ِّد د ٌّر وم����رج����انُ‬
‫ُ‬
‫حُ ْ‬
‫����س‬
‫���������������ر ُق أك������ب������ا ٌد‬
‫وت‬
‫ومت����������رض أن����ف ٌ‬
‫َ‬
‫وت�����ع�����ظ����� ُم‬
‫أت�������������راح وت�����ك�����ب����� ُر أش�����ج�����انُ‬
‫ٌ‬
‫ويصف الشاعر مشاركة مظاهر الطبيعة واحلضارة في البكاء على هذا الفقيد‪ ،‬فقد‬
‫بكته القصور واخليمات وتوقفت اخليول عن الصهيل وناحت عليه الورق واحلمائم‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫تَ������� َب َّّ‬
‫�������ت ل������ه خ����ي����م����ات���� ُه وق�������ص�������و ُر ُه‬
‫�������ك ْ‬
‫ون������اح������ت ع����ل����ي ِ‬
‫�����ف�����ات وم���������� ّرانُ‬
‫ٌ‬
‫����ه م�����رهَ‬
‫ْ‬
‫((( املصدر نفسه‪192-191 :‬‬
‫‪- 225 -‬‬
‫ص���ه���ي���ل اخل����ي����ل ف�����ي ل���ه ِ‬
‫ُ‬
‫���وات���ه���ا‬
‫وع�������اد‬
‫ح���ن���ي��� ًن���ا وع����اق����ت����ه����نَّ لجُ ْ ��������� ٌم‬
‫وأرس�����������انُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫وم�������ا ن�������اح ُو ُ‬
‫األي����������ك إال ل�����ه ف��ل��و‬
‫رق‬
‫رت َل‬
‫����م أغ���ص���انُ‬
‫ْ‬
‫َد ْ‬
‫���ب���ك���ت ق���ب���ل احل����م����ائ ِ‬
‫ويصف الشاعر املسلم عظم هذا الرزء وفداحته ويصور هول ذلك اليوم املروع‬
‫الذي شابت له الولدان ويصف حشود املعزين الذين ضاق بهم الفضاء من رجال‬
‫ونساء وقد شقت القلوب ال اجليوب وزُلزلت النفوس‪ ،‬ويشير إلى اتخاذ الثياب السوداء‬
‫في موقف احلداد‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ف�����ي�����ال َ‬
‫�����ك م������ن ٍ‬
‫ٍ‬
‫وح���������ادث‬
‫����م‬
‫رزء ع����ظ����ي ٍ‬
‫���������ع���������و ُز س�����ل�����وانُ‬
‫ي�����ع����� ُّز ل������ه ص�����ب����� ٌر و ُي ْ‬
‫�����ع ه����و َل���� ُه‬
‫������وم������ ُه م�����ا ك������ان أف�����ظ َ‬
‫وي������ا ي َ‬
‫امل����������������رو ُع ول��������دان‬
‫������م������رآه‬
‫ِّ‬
‫ت����ش����ي����ب ل������ـ َ‬
‫ُ‬
‫ك�������أن م������ن������ادي ال����ب����ع����ث ق�������ام م����ن����اد ًي����ا‬
‫ُ‬
‫���ب‬
‫اخل���ل���ق ُط������� ّرًا ك��م��ا ك��ان��وا‬
‫حل���ش ٍ���ر ف���ه َّ‬
‫وق��د ض َ‬
‫َ‬
‫فالتقت‬
‫باخللق‬
‫األرض‬
‫���ب‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫���اق رح ُ‬
‫رج��������ال ِ‬
‫ٌ‬
‫ون����س����وان‬
‫������ر ًج������ا‬
‫����وع ُ‬
‫ج����م ُ‬
‫����ه���� ُم َم ْ‬
‫ُ‬
‫�����ت‬
‫ج����ي����وب‬
‫ق����ل����وب ال‬
‫وش����� ّق�����ت‬
‫�����ع ْ‬
‫ورج َ‬
‫َّ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ب��ل��اب�����ل وارجتَّ‬
‫ن�����ف�����وس وأذه��������ان‬
‫�������������ت‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫��س ال��ل��ه��و ب��ي ً‬
‫��ض��ا ح��م��ائ ً��م��ا‬
‫وك����ان����وا ب��ل��ب ِ‬
‫��س ُ‬
‫�����زن ِغ��رب��ان‬
‫ف���ع���ادوا وه���م ف���ي م��ل��ب ِ‬
‫احل ِ‬
‫وعلى هذا النحو ينفعل الشاعر املسلم باحلدث ويفيض في وصفه صاد ًرا في ذلك‬
‫حس إنساني وعاطفة صادقة ونفس متسامحة ال تف ّرق بني مسلم ونصراني‪ ،‬وتؤكد‬
‫عن ٍّ‬
‫‪- 226 -‬‬
‫ووحدت املشاعر واألحاسيس‬
‫األجواء احلضارية التي ذ ّوبت العصبية للجنس والدين ّ‬
‫وجعلت الشعراء املسلمني ينشدون قصائدهم إلى جانب شعراء اليونان والالتني في‬
‫بالط ملوك النورمان(((‪.‬‬
‫اآلخر في دائرة احلب‪:‬‬
‫لم تكن عالقة املسلمني بالروم في العصور الوسطى قائمة على التصادم واملعارك‬
‫على الدوام‪ ،‬وإمنا كان فيها مساحات من التالقي والتواصل واحلب‪ ،‬ومتثل ذلك في‬
‫زواج املسلمني مبسيحيات أو روم�ي��ات‪ ،‬وشيوع قصص حب وعشق بني الطرفني‪،‬‬
‫ومن ذلك قصة حب الشاعر األندلسي أبي عبد الله بن احلداد شاعر املرية في عصر‬
‫الطوائف لفتاة نصرانية من مستعربي املرية‪ ،‬اسمها «جميلة» ولكنه غ َّير اسمها وذكرها‬
‫في شعره باسم (نويرة) صونًا لها‪ ،‬ومحافظة على عالقته بها‪ ،‬وقد سلبت فؤاده‪ ،‬وملكت‬
‫ُل ّبه‪ ،‬فهام بها‪ ،‬وصرف إليها غزله‪ ،‬وفي ذلك يقول ابن بسام ‪« :‬وكان أبوعبد الله قد ُمني‬
‫في صباه بصبية نصرانية ذهبت ب ُل ّبه كل مذهب‪ ،‬وركب إليها أصعب مركب‪ ،‬فصرف‬
‫نحوها وجه رضاه‪ ،‬وحكمها في رأيه وهواه‪ ،‬وكان يسميها (نويرة) كما فعله الشعراء‬
‫ميا في الكناية ع ّمن أحبوه‪ ،‬وتغيير اسم من علقوه»((( وأكد ذلك ابن سعيد‬
‫الظرفاء قد ً‬
‫فقال‪« :‬وكان يهوى رومية يكنى عنها بنويرة‪ ،‬وله فيها شعر كثير»‪.‬‬
‫(((‬
‫وألن محبوبة ابن احلداد نصرانية‪« ،‬فقد استطاع بقدرة فنية َّ‬
‫قل نظيرها في دنيا‬
‫األدب‪ ،‬أن يضفي على الغزل ذلك اجلو النصراني السمح بأسلوب قصصي رائع ممتع‬
‫جميل‪ ،‬فحفل شعره بذكر كل ماله عالقة باجلو املسيحي‪ ،‬كالتثليث واإلجنيل وعيسى‬
‫والنساك والكنائس»(((‪.‬‬
‫املسيح والقس والصلبان والرهبان‬
‫ّ‬
‫((( العرب في صقلية‪319 :‬‬
‫((( الذخيرة ‪193 : 2/1‬‬
‫((( املغرب ‪144 :2‬‬
‫((( ديوان ابن احلداد‪ ،‬املقدمة ص ‪37‬‬
‫‪- 227 -‬‬
‫وقد صدر ابن احلداد عن روح متسامحة وخفة ِّ‬
‫ومشاعر متوهجة وعاطفة‬
‫ظل‬
‫ٍ‬
‫ص��ادق��ة‪ ،‬ويجرى في غزله على مذهب ينحو فيه أحيانًا منحى ال�ب��داوة مع توجيه‬
‫األسلوب البدوي إلى محبوبته النصرانية وكأنه يسعى إلى حتقيق التوحد واالنصهار‬
‫في العشق‪ ،‬ومن ذلك قصيدة يقول فيها‪:‬‬
‫(((‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫�����ل�����ا ِت‬
‫ذات ا َالث����������� ْي‬
‫��������ي ف��������ي‬
‫َق�������� ْل ِ‬
‫��������ب َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ع��������������������ات‬
‫�����������ات َو َر ْو‬
‫�����������و َع‬
‫َر ِه�������� ْي��������ـ��������نُ َل‬
‫ْ‬
‫��������ه�������� ْم‬
‫����������وهُ ���������� ُم إ َّن ُ‬
‫���������و ِّج َ‬
‫����������ح َ‬
‫َف َ‬
‫���������ه���������ا َن ْ‬
‫وإنْ َب َ‬
‫���������وا ِق������� ْب������� َل������� ُة ُب ْ‬
‫����غ����ي����ات����ي‬
‫���������غ ْ‬
‫ِ‬
‫������وى‬
‫وع��������� ِّر َس���������ا ِم����������نْ َع��������� َق‬
‫َ‬
‫���������دات ال������ ِّل َ‬
‫ِ‬
‫�������ض������� َب ِ‬
‫ب�������ال�������ه َ‬
‫�����������ات‬
‫�����������ر َّي‬
‫�������ات ال����������� َزهَ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�������ر‬
‫��������ي‬
‫َ‬
‫ع�������ام ٍ‬
‫وع������������ ِّر َج������������ا ي��������ا َف��������تَ�������� َي ْ‬
‫ِ‬
‫�������و ّي ِ‬
‫ب�������ال������� َف�������تَ������� َي ِ‬
‫�������ات‬
‫�������ات‬
‫�������س ِ‬
‫ال�������ع������� ْي َ‬
‫ف�������������إنَّ ِب�����������ي ل������������ل������������ ُّر ْو ِم ُر ْو ِم������������ ّي������������ ًة‬
‫تَ��������ك ِ‬
‫ِ‬
‫ال����ك����ن����ي����س����ات‬
‫��������س م��������ا ب����ي���ن‬
‫ْ��������ن ُ‬
‫َأ ِه����������ي���������� ُم ف����ي����ه����ا وال���������ه���������وى َ‬
‫ض������ َّل������ ٌة‬
‫ِ‬
‫وب������� ْي�������ع ِ‬
‫�������ات‬
‫ص‬
‫���������ع ِ‬
‫���������وام��������� ْي َ‬
‫َب������� ْي�������ـ�������نَ َ‬
‫ْدري‬
‫وف�������ي ِظ�����ب�����اء ال������� َب������� ْدو َم���������نْ َي������������ز ِ‬
‫ِ‬
‫ب�������ال�������ظ������� َب������� َي ِ‬
‫َّ‬
‫�������ات َ‬
‫َ‬
‫����������ات‬
‫����������ر َّي‬
‫احل‬
‫����������ض ِ‬
‫هكذا حتول ابن احلداد بخطابه الشعري‪ ،‬فجعل التعريج واالنعطاف ‪ -‬ال إلى‬
‫ديار احملبوبة البدوية ‪ -‬بل إلى ديار (العيسويات) املسيحيات حيث محبوبته الرومية‬
‫احلضرية التي تخالف البدويات‪ ،‬وحيث ق ّدر له وهو من ينتمي إلى قبيلة بدوية تزدري‬
‫املسيحيات أن يقع في غرام تلك الفتاة املسيحية ويغدو قلبه معل ًقا بالصوامع والبيع‬
‫والكنائس‪ ،‬وهي األماكن التي يتعبد فيها النصارى‪.‬‬
‫((( ديوان ابن احلداد‪157-156 :‬‬
‫‪- 228 -‬‬
‫وينتقل ابن احلداد إلى مشهد آخر يصور فيه احتفال النصارى بعيد الفصح‬
‫وهو عيد تذكار قيامة املسيح أو العيد الكبير للنصارى‪ ،‬ويصدر الشاعر العاشق عن‬
‫روح متسامحة‪ ،‬فيشاطر حبيبته النصرانية الفرحة بعيدها ويصف جتمع النصارى‬
‫ووقفتهم في الكنيسة بني يدي األسقف وهو ميسك العصا ويحمل املصباح ويصلي‬
‫صالة العيد في خشوع وقنوت‪ ،‬وال تفارق الشاعر روحه املرحة وميله إلى الدعابة‪،‬‬
‫فيقول إن جمال الفتيات املسيحيات شغل القس عن واجباته الدينية فأخذت عينه‬
‫تسرح في عيونهن في شهوانية وكأنه ذئب يتأهب الفتراس نعجات‪ ،‬ولكنه ال يلبث أن‬
‫(((‬
‫يعذر القس على تصرفه ملا تتمتع به النصرانيات من جمال خارق‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ُأ ْف ِ‬
‫������ح َو ْح ِ‬
‫����ه���� ْم‬
‫�����ح َل ُ‬
‫������ص ُ‬
‫�����������دي ي�������و َم ِف ْ‬
‫�����ص ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫���������ح���������ات‬
‫�����������ط�����������ى وال��������� ُّد َو ْي‬
‫األر ْي‬
‫َب����ي����ن َ‬
‫��������و ِع ٍ‬
‫��������د‬
‫وق���������د َأت‬
‫َ������������������وا م�����ن�����ه إل���������ى َم ْ‬
‫ْ‬
‫واج������ت������م������ع������وا ف������ي������ه ِل������ـ ِ‬
‫������م������ ْي������ق ِ‬
‫������ات‬
‫�����������ف ب���ي���ن َي���������������� َد ْي ُأ ْس�������� ُق ٍ‬
‫ٍ‬
‫��������ف‬
‫�����������و ِق‬
‫ب‬
‫ْ‬
‫مِ َ‬
‫�������ب�������اح ِ‬
‫م ِ‬
‫����������س ِ‬
‫وم������� ْن�������س ِ‬
‫�������اة‬
‫�������ص‬
‫����������ك ِم ْ‬
‫مُ ْ‬
‫ٍ‬
‫ِّ‬
‫�������������س ُم ْ‬
‫��������ر ل����ل���� ُّت���� َق����ى‬
‫وك�������������ل َق‬
‫��������ظ��������هِ ٍ‬
‫ٍّ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫وإخ�����������ب�����������ات‬
‫����������������ات‬
‫����������������ص‬
‫ب��������������آي إ ْن‬
‫َ‬
‫َ���������س���������ر ُح ف�������ي َع����� ْي ِ‬
‫�����ن�����هِ ����� ْم‬
‫وع������ي������ ُن������ ُه ت‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����ج����ات‬
‫����ع‬
‫ك�����ال����� ِّذئ�����ب َي���� ْب����غ����ي َف‬
‫س َن ْ‬
‫������������ر َ‬
‫ْ‬
‫���������وى‬
‫وأي َم‬
‫����������������ر ٍء س�������ال������� ٌم ِم�����������نْ هَ‬
‫ُّ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ال��������ظ�������� َب�������� َّي ِ‬
‫ُّ‬
‫��������ات‬
‫وق������������د رأى ت������ل������ك‬
‫ف�������م�������ن ُخ��������������������������� ُد ٍ‬
‫ٍ‬
‫������������ات‬
‫������������ر ّي‬
‫ود َق‬
‫������������م ِ‬
‫َ‬
‫��������ص ِ‬
‫��������ن�������� َّي ِ‬
‫��������ات‬
‫ع�������ل�������ى ُق���������������������������� ُد ْو ٍد ُغ ُ‬
‫((( ديوان ابن احلداد‪159-158 :‬‬
‫‪- 229 -‬‬
‫ويل ُّم ابن احلداد بتفاصيل املشهد الكنسي أثناء االحتفال بعيد الفصح وأداء‬
‫الطقوس والصلوات املسيحية‪ ،‬فال يفوته أن يلتفت إلى اإليقاع النغمي الكنسي الذي‬
‫تُؤدى به الطقوس‪ ،‬ويعبر عن إعجابه بالنصارى وهم يتلون أناجيلهم بأصوات جميلة‬
‫وأحلان حسنة ال سيما إنشاد محبوبته نويرة وصواحبها النصرانيات مما يزيد من‬
‫حرقته وشوقه وصبابته إليهن‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫(((‬
‫������ح َ‬
‫أن����اج����ي���� ِل����هِ ���� ْم‬
‫������ف‬
‫ِ‬
‫�������وا ُ‬
‫وق�������د تَ������� َل ْ‬
‫ص ْ‬
‫ِ‬
‫وأص�������������������وات‬
‫أحل�������������������ان‬
‫��������س��������ن‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ب��������ح ْ‬
‫���������ر ي����ع����اف����ي����ره���� ْم‬
‫�����������ز ْي����������� ُد ف�������ي َن��������� ْف ِ‬
‫َي ِ‬
‫ع������ ِّن������ي وف����������ي َ‬
‫ض ْ‬
‫�������غ�������ط ص����� َب�����اب�����ات�����ي‬
‫وتلفتنا القصيدة مبنحاها النادر والتفات الشاعر إلى هذه املشاهد الكنسية‬
‫والهيام مبحبوبته النصرانية التي جذبته إلى عاملها وأجوائها اخلاصة وجعلته يعشق‬
‫رؤية كل فتاة مسيحية مستعربة ويهيم بذكر النساء النصرانيات‪.‬‬
‫وقد اختار الشاعر قافية خاصة مغايرة للسائد اتسا ًقا مع جتربتها املغايرة‬
‫للمألوف‪ ،‬ولم يتحرج من اختراق القاعدة النحوية في اجلمع أحيانًا‪ ،‬كأن يجمع الكنيسة‬
‫على (كنيسات) وليس على (كنائس) ويستخدم صيغة (صواميع) اً‬
‫بدل من (صوامع)‬
‫خاصا ول ّونته‬
‫ويسكن (نعجات) للضرورة الشعرية‪ ،‬وقد منحت القافية املعنى مذا ًقا‬
‫ً‬
‫بإيقاعات صوتيه طلية ال سيما في جمل النعت مثل‪« :‬الهضبات الزهريات ‪ -‬الفتيات‬
‫العيسويات ‪ -‬قدود ُغصنيات‪...‬إلخ»‬
‫ويصف ابن احلداد ‪ -‬في قصيدة أخرى‪ -‬محبوبته نويرة بصفات مستمدة من‬
‫عقيدة النصارى‪ ،‬فيصف جمالها بـ «املثلث» إشارة إلى التثليث عند النصارى ويرى أن‬
‫جمالها فريد ال نظير له ويخاطب ابن احلداد إحدى صاحبات نويرة مستمت ًعا بحديثها‬
‫(((‬
‫عنها‪ ،‬مستزي ًدا من هذا احلديث الذي يؤنسه ويهيج صباباته‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫((( ديوان ابن احلداد‪159 :‬‬
‫((( ديوانه ‪170-169 :‬‬
‫‪- 230 -‬‬
‫����دي���� ُث ِ‬
‫�����ز ْي ِ‬
‫َح ِ‬
‫�����دي َو َح���� ِّد ِث����ي‬
‫����ك م���ا َأ ْح���� َل����ى َف ِ‬
‫��م�� َث�� ِّل ِ‬
‫����ر ِد َ‬
‫��ث‬
‫����م����الِ ال��ـ ُ‬
‫اجل َ‬
‫َع�����نِ ال���� َّرش���� ِإ ال���� َف ْ‬
‫���ؤ ِن ِ‬
‫ْ��������را ُه ف���ال ِ‬
‫���ذكْ��� ُر ُم ْ‬
‫���س���ي‬
‫وال ت ْ‬
‫َ���س��� َأ ِم���ي ِذك َ‬
‫ِّ‬
‫���ع ِ‬
‫َ‬
‫����ع َ‬
‫���ث‬
‫األش��������واق ِم����ن‬
‫����ث‬
‫ك����ل َم��� ْب َ‬
‫وإنْ َب َ‬
‫ُّ‬
‫وتطل صورة (نويرة) النصرانية وهي تتشكك في حبه لها‪ ،‬وتُقسم باإلجنيل على‬
‫ذلك وهي ال تدري أن دموعه املدرارة خير شاهد على إخالصه ووفائه‪ ،‬ويجري ابن‬
‫احلداد على مذهبه في االحتفال باألجواء املسيحية وتصوير رموزها وإشراكهم في‬
‫قصة حبه فيعتزم اللجوء إلى القس وإخباره بحبه لنويرة عساه يساعده ويغيثه بالزواج‬
‫منها‪ ،‬ويؤكد على تعاليم املسيحية السمحة ويثق في أن القس لن يبخل عليه باملساعدة‬
‫(((‬
‫ألن املسيحية دين رحمة وتسامح‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ن������ي������لِ إ ِّن��������ي لمَ َ ِ‬
‫������ائ������نٌ‬
‫��������س�������� َم ب������ا ِإل جْ ِ‬
‫و َأ ْق َ‬
‫����ك َد ْم ِ‬
‫�����ع�����ي م����ن ُم ِ‬
‫ون ِ‬
‫����ح ٍّ‬
‫���ح��� َّن ِ‬
‫����اه����ي َ‬
‫���ث‬
‫����ق ُم َ‬
‫��ص ِ��ت��ي‬
‫وال ُب���� َّد ِم����ن َق ِّ‬
‫���س ِق َّ‬
‫���ص���ي ع��ل��ى ال��� َق ِّ‬
‫����س����ا ُه ُم ِ‬
‫ال���ـ���م��� ْد َن ِ‬
‫���غ���ي َ‬
‫���م���ت َ‬
‫���و ِث‬
‫���ث‬
‫َ���غ ِّ‬
‫���ف ال���ـ ُ‬
‫ُ‬
‫َع َ‬
‫���س���ى ِب ِ‬
‫�����او ٍة‬
‫�����س َ‬
‫�����د ْي�����نِ َق َ‬
‫ف���ل���م َي���� ْأ ِت����هِ ���� ْم ِع��� ْي َ‬
‫��و ع��ل��ى ُم ْ‬
‫ْ���ر ِث‬
‫��ن��ى و َي��� ْل ُ‬
‫���و مِ ُ‬
‫���ه ْ‬
‫��س ْ‬
‫َف�� َي�� ْق ُ‬
‫ب���ك َ‬
‫��ض ً‬
‫ويستحلف ابن احلداد حبيبته ‪ -‬في قصيدة أخرى ‪ -‬بحق املسيح عيسى ‪ -‬عليه‬
‫السالم ‪ -‬أن تترفق به وتريح قلبه املضنى‪ ،‬ويشير إلى تأثير حب الفتاة النصرانية‬
‫في نفسه‪ ،‬وكيف أن جمالها الطاغي جعله مغر ًما بالديانة املسيحية‪ ،‬مول ًعا بالصلبان‬
‫والنساك‪ ،‬وأغراه بالتردد على الكنائس ليؤدي فيها طقوس الدين املسيحي ‪-‬‬
‫والرهبان‬
‫ّ‬
‫في لقطة نادرة في ما يجلبه احلب على احملبني من تسامح ومقت للتعصب ‪ -‬مؤك ًدا‬
‫(((‬
‫إخالصه ووفاءه وحبه الصادق للحبيبة التي أوقعته في شباكها ولم تأبه لبكائه‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫((( ديوانه‪171-170 :‬‬
‫((( ديوانه ‪242-241 :‬‬
‫‪- 231 -‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫���������اك‬
‫���������س‬
‫��������������اك‬
‫��������������س‬
‫َع‬
‫ب���������ح���������ق ِع��������� ْي َ‬
‫َ‬
‫��������ي ال َّ‬
‫������ش������اك������ي‬
‫����������ر ْي‬
‫ُم ِ‬
‫َ‬
‫����������ح���������� َة َق�������� ْل��������ب َ‬
‫ُ‬
‫���������������س���������������نَ ق������������د َو َّال‬
‫احل‬
‫ف����������������������� ِإنَّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه�������ل������اك��������������ي‬
‫إح�����������ي�����������ائ�����������ي و ِإ‬
‫ِك‬
‫ِ‬
‫��������ان‬
‫���������������ع‬
‫َو َأ ْو َل‬
‫��������ص�������� ْل�������� َب ٍ‬
‫َ‬
‫���������������ن���������������ي ِب ُ‬
‫ِ‬
‫������������������اك‬
‫������������������س‬
‫������������������������ب������������������������ان َو ُن‬
‫َو ُرهْ‬
‫ٍ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ول��������������م ِ‬
‫آت‬
‫���������س َع����������نْ‬
‫ال���������ك���������ن���������ائ َ‬
‫ِ‬
‫ل��������������������والك‬
‫������������������������������وى ف����������ي����������ه����������نَّ‬
‫هَ‬
‫ً‬
‫وه�����������ا أن�����������ا ِم���������� ْن ِ‬
‫��������وى‬
‫����������ك ف��������ي َب�������� ْل َ‬
‫��������������و ِ‬
‫اك‬
‫������������������������������ر ٌج ِل�������������� َب�������������� ْل‬
‫وال َف‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫����������وا ًن����������ا‬
‫������������ط������������ ْي‬
‫وال َأ ْس‬
‫ُ‬
‫������������ع ُس���������� ْل َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫�������������راك�������������ي‬
‫������������������ت َأ ْش‬
‫ف�������ق�������د َأ ْو َث������������������ ْق‬
‫ِ‬
‫��������������ك��������������ي ع������ل������ي������ك َد ًم��������������ا‬
‫ف�������ك�������م َأ ْب‬
‫وال ت‬
‫َ������������ر ِث������������ ْي������������ـ������������نَ‬
‫ْ‬
‫ل�����ل�����ب�����اك�����ي‬
‫ويوظف ابن احلداد املعاني املسيحية في أغلب غزلياته في وصف حبه لنويرة‬
‫وهيامه بها‪ ،‬وينتقل بهذه املعاني والرموز إلى دائرة العشق‪ ،‬فيعلل انفرادها باحلسن‬
‫واجلمال في هذا السياق‪ ،‬ويقرن شرعة التثليث بشريعة احلب التي أنزلت من عيني‬
‫محبوبته وح ًيا على احملبني ويكني عنها بـ(العيسوية) ثم يتلذذ بذكر اسمها وكيف أن‬
‫هوى هذه الفتاة النصرانية قد أض ّله عن شرعة احلنيفية‪ ،‬وميتاح بعض صوره من‬
‫أجواء املعارك التي كانت تنشب بني املسلمني والروم‪ ،‬فإذا كانت (نويرة) قد أسرته‬
‫بحبها في وقت السلم‪ ،‬فيتخيل أو يحلم بأن تكون سبية له من بني السبايا في احلرب‪،‬‬
‫(((‬
‫وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫((( ديوانه ‪306 :‬‬
‫‪- 232 -‬‬
‫����ر َع ِ‬
‫���ح ِ‬
‫����ة ال���تَّ��� ْث��� ِل��� ْي ِ‬
‫���اس ٍ���ن‬
‫������ر ُد َم َ‬
‫���ث َف ْ‬
‫وف����ي ِش ْ‬
‫����ر ِف ِ‬
‫������ر ُع ُ‬
‫����ه َو ْح��� َي���ا‬
‫احل ِّ‬
‫�����ب ِم����نْ َط ْ‬
‫تَ���� َن���� َّز َل َش ْ‬
‫����������ل َن��� ْف ِ‬
‫و ُأ ْذ ِه ِ ُ‬
‫���و َّي ٍ���ة‬
‫���س ِ‬
‫���س���ي ف���ي هَ َ‬
‫������وى ِع��� ْي َ‬
‫ض��� َّل ِ‬
‫���س َ‬
‫ب��ه��ا َ‬
‫ال��ه�� ْد َي��ا‬
‫احل ِ��ن�� ْي�� َف�� َّي�� ُة َ‬
‫���ت ال��� َّن��� ْف ُ‬
‫������ر ٍة‬
‫�����و ِن�����ي‬
‫ب���ال���ت���م���اح ُن َ‬
‫�����م�����نْ لجِ ُ ����� ُف ْ‬
‫َف َ‬
‫ِ‬
‫������و ْي َ‬
‫��ح�� َي��ا‬
‫َف���تَ���ا ٌة ه���ي ال���ـ َ‬
‫��ي وال��ـ َ��م ْ‬
‫���م ْ‬
‫���ر َدى ِل�� َن�� ْف��س َ‬
‫َس��� َب���ت ِ‬
‫���س��� ْل���م بيننا‬
‫ْ���ن���ي ع��ل��ى َع ْ‬
‫���ه ٍ���د م���ن ال ِّ‬
‫��س�� ْب�� َي��ا‬
‫������ر ٌب‬
‫ْ‬
‫و َل ْ‬
‫ل��ك��ان��ت ه���ي ال َّ‬
‫�����و أ َّن���ه���ا َح ْ‬
‫وال يتردد ابن احلداد في التعبير عن هواجسه وخواطره وأحالمه في ما يخص‬
‫عالقته بالفتاة النصرانية فيتمنى أن يقترن بها‪ ،‬ولكن األعراف والعصبية القبلية حتول‬
‫بينه وبني حتقيق هذا األم��ل‪ ،‬وي��رى في الوقت ذات��ه أن من الصعب أن تتحول هذه‬
‫الفتاة عن دينها وتعتنق اإلسالم‪ ،‬وميتاح الشاعر صوره من األفكار العقدية كالتثليث‬
‫وحدها في احلسن‪ ،‬وينقل فكرة‬
‫والتوحيد‪ ،‬فإذا كانت (نويرة) تؤمن بالثالوث فإن الله َّ‬
‫التثليث إل��ى دائ��رة العشق‪ ،‬فيقيم الثالوث على ثالثة عناصر هي احلسن والوجد‬
‫واحلزن‪ ،‬وبينما تنفرد احملبوبة بالعنصر األول (احلسن) فإن ثنائية الوجد واحلزن‬
‫جتتمع في قلبه‪ ،‬بسبب هذه احملبوبة السامرية التي يصعب الوصول إليها‪ ،‬وال يجرؤ‬
‫(((‬
‫على املساس بها‪ ،‬وفي ذلك يقول‪:‬‬
‫���ات ِل�����ي َس ِ‬
‫���م ِ‬
‫���س��� ْي ِ‬
‫���ح��� َّي ِ‬
‫����ر َّي���� ٌة‬
‫����ام ِ‬
‫وب���ي���ـ���نَ ال���ـ َ‬
‫���ب َ‬
‫��ي أن تَ�� ْد ُن��و‬
‫َب ِ��ع�� ْي�� ٌد ع��ل��ى ال َّ‬
‫���ص ِّ‬
‫احل ِ��ن�� ْي��ف ِّ‬
‫���س��� َن���ه���ا‬
‫ُم����� َث����� ِّل����� َث����� ٌة ق�����د َّ‬
‫وح���������� َد ال�����ل����� ُه ُح ْ‬
‫ُ‬
‫����و ْج���� ُد‬
‫واحل�����زْنُ‬
‫���ي ف���ي َق�� ْل ِ��ب��ي ب��ه��ا ال َ‬
‫َف��� ُث��� ِّن َ‬
‫وت ُّ‬
‫ُطل (نويرة) وهي تش ُّد (الزُّنار) على وسطها وهو ما يجذب الشاعر العاشق‬
‫إليها ويضاعف صبابته‪ ،‬ويستحضر صورة الكثيب في وصف أردافها املتموجة ويشبه‬
‫(((‬
‫كناسا حملبوبته‪ ،‬ويجعل قلبه ًّ‬
‫عشا آمنًا لها‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ق َّدها بالغصن‪ ،‬ويتخيل أضلعه‬
‫ً‬
‫((( ديوانه ‪256 :‬‬
‫((( ديوانه ‪257-256 :‬‬
‫‪- 233 -‬‬
‫وف����ي َم��� ْق ِ‬
‫���ع ِ‬
‫ص��� َب���ا َب ِ���ت���ي‬
‫���د ال����� ُّز َّن ِ‬
‫�����ار َع���� ْق���� ُد َ‬
‫������ص ِ‬
‫����ت ِ‬
‫َف ِ‬
‫ت ِ‬
‫���م���نْ حَ ْ‬
‫��ص��نُ‬
‫����ه ِد ْع ٌ‬
‫وم�����نْ ف��وق��ه ُغ ْ‬
‫ِ‬
‫ال���������وادي َر ًش�������ا َأ ْ‬
‫ض���� ُل����ع����ي ل��ه‬
‫وف�����ي ذل�����ك‬
‫ِ‬
‫�������ر ٌّي‬
‫ِك‬
‫ف����������ؤادي ل�����ه َوكْ�������نُ‬
‫�����ن�����اس و ُق������� ْم ِ‬
‫ٌ‬
‫ويعلق هنرى بيريس على قصة حب ابن احلداد لنويرة فيقول‪« :‬وفي حالته نحس‬
‫إخالصا‪ ،‬واألشد نقا ًء على نحو ما كان عليه بعض‬
‫معه بأننا في حضرة احلب األكثر‬
‫ً‬
‫(((‬
‫شعراء التروبادور فيما بعد ذلك»‬
‫ولم يكن ابن احلداد نسيج وحده في ذلك‪ ،‬فكثي ًرا ما تع ّلق الشعراء املسلمون‬
‫بهوى نصرانيات ومنهم فقهاء مثل الفقيه عيسى بن عبد املنعم الصقلي وكان كبير‬
‫(((‬
‫الشأن ووصف بأنه فقيه األمة((( وقد وقع في غرام فتاة رومية ومن بديع غزله فيها‬
‫ي�������ا َب ِ‬
‫األص��������ف��������ر أن�������ت������� ْم ب����دم����ي‬
‫�������ن�������ي‬
‫ِ‬
‫م����ن����ك���� ُم ال������ق������ات ُ‬
‫����ح‬
‫������ل ل������ي وامل����س����ت����ب����ي ْ‬
‫�������ح ه�������ج������� ُر َم�����������ن َي�������ه�������واك������� ُم‬
‫أم�������ل�������ي ٌ‬
‫ٌ‬
‫دي�����������ن امل����س����ي����ح؟‬
‫وح������ل������ال ذاك ف�������ي‬
‫ِ‬
‫�������ط ِ‬
‫����ل ال َّ‬
‫ي�����ا ع����ل����ي َ‬
‫غ����ي����ر ض��ن��ى‬
‫�������رف م�����ن‬
‫ِ‬
‫وإذا الح������������ظ ق������ل������ ًب������ا ف���ص���ح���ي���ح‬
‫ُّ‬
‫ٍ‬
‫ش�����������يء ب�����ع�����د م�������ا أب�����ص�����ر ُت�����كُ����� ْم‬
‫ك���������ل‬
‫ِ‬
‫ص���ن���وف ُ‬
‫احل���س���ن ف���ي ع��ي��ن��ي قبيح‬
‫م���ن‬
‫وق��د ش��اع زواج مسلمي األن��دل��س ‪ -‬على اخ�ت�لاف طبقاتهم م��ن إسبانيات‬
‫وإفرجنيات ‪ -‬وكان لبعض اخللفاء واألمراء نصيب من ذلك حيث صاهر بعضهم ملوك‬
‫نصارى الشمال وأجنبوا منهن‪ ،‬فكانت أمهات بعض أمراء املسلمني من األعجميات‪.‬‬
‫(((‬
‫ولم يجد بعض الشعراء غضاضة من التغزل باليهود على شاكلة ابن الزقاق في قوله‬
‫((( الشعر األندلسي في عصر الطوائف‪252 :‬‬
‫((( اخلريدة (تونس) ‪34 :‬‬
‫((( ديوان الشعر الصقلي‪270 :‬‬
‫((( ديوان ابن الزقاق ‪113 :‬‬
‫‪- 234 -‬‬
‫����س����ب ِ‬
‫ع����ن����دي أن��ن��ي‬
‫����ت‬
‫َ‬
‫َ‬
‫������ب ي�������و َم ال ّ‬
‫وح������ َّب َ‬
‫ُي����� َن ِ‬
‫���ت‬
‫�����اد ُم�����ن�����ى ف���ي���ه ال��������ذي أن������ا أح���ب���ب ُ‬
‫���������ي م��س��ل�� ٌم‬
‫وم������ن أع�����ج ِ‬
‫�����ب األش�����ي�����اء أ ِّن َ‬
‫ح���ن���ي ٌ‬
‫���ت‬
‫���ف ول����ك����نْ‬
‫���س���ب ُ‬
‫�����ي ال َّ‬
‫َ‬
‫خ���ي���ر أي�����ام َ‬
‫وعلى هذا النحو لم يقف االنتماء الديني حائلاً دون شيوع قصص احلب والزواج‬
‫بني املسلمني وغيرهم من أهل األديان األخرى‪.‬‬
‫صورة اليهود‪:‬‬
‫تسلل اليهود إلى املجتمع األندلسي قبل الفتح العربي وباتوا يؤلفون عنص ًرا من‬
‫عناصر سكانه‪ ،‬وقد استقبل هذا العنصر الفاحتني العرب كمحررين ألن النورمان‬
‫كانوا يسومون اليهود أنواع العذاب‪ ..،‬وفي القرن العاشر امليالدي كانت قرطبة أكبر‬
‫مدينة إسبانية تضم يهو ًدا‪ ،‬وكانوا ميتهنون جتارة العبيد وبيع أدوات الزينة‪ ،‬وقد تقلب‬
‫بعضهم في مناصب الدولة وال سيما في عهد الناصر(((‪.‬‬
‫وقد أش��اد (جوستاف لوبون) مبا لقيه اليهود من معاملة حسنة في األندلس‬
‫فذكر أن أسبانيا العربية كانت هي البلد األوربي الوحيد الذي كان اليهود يتمتعون فيه‬
‫بحماية الدولة ورعايتها(((‪.‬‬
‫وقد ارتفع شأن اليهود في بعض الفترات‪ ،‬وتقلد بعضهم مناصب الوزارة وقويت‬
‫شوكتهم في غرناطة في عصر ملوك الطوائف‪ ،‬فاستوزرهم بنو زيري وسيطروا على‬
‫مقاليد األمور‪ ،‬فنشأ تيار مناهض لنفوذ اليهود‪ ،‬وارتفعت أصوات الشعراء تعبر عن‬
‫سخط األندلسيني وغضبهم لتحكم اليهود في شؤون املسلمني واستئثارهم بخبراتهم‬
‫(((‬
‫وقد عبر عن ذلك أبو احلسني يوسف بن اجلد فقال‪:‬‬
‫((( في األدب األندلسي للركابي ص ‪.41‬‬
‫((( حضارة العرب ص ‪296‬‬
‫((( الذخيرة‪562- 2/2‬‬
‫‪- 235 -‬‬