v�?? ?O� Í“u?? ? ?� Æœ w???�dF�« dF???A�« w??� w?�dF�« dF?A�« w??� d?�ü« …—u? d?????�ü« …—u?? ? v�?? ?O� Í“u?? ? ?� Æœ X�u~�« 2011 صــــــــورة اآلخ ـ ــر فــــــــــي الش ــعر العرب ـ ـ ــي د .فـ ـ ــوزي عيـ ــسى الگويت 2011 التدقيق اللغوي واملراجعة عبدالعزيز جمعة الص ــف والتن ــفيــذ قسم الگمبيوت ر $األمانة العامة للمؤسسة إخراج وتصمي ـ ــم الغـالف مح ـمــد العـ ـ ــلي طبعـ ــة خاص ــة مبناسبة انعقاد ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي» دبي من 18 - 16أگتوبر 2011م جميع احلقوق محفوظة هاتف - 22430514 :فاگس)+965( 22455039 : E-mail : [email protected] التصدير.. عزيزي القارئ.. برغم أهمية ص��ورة اآلخ��ر في الشعر العربي ،لم حتظ تلك الصورة بدراسات وأحباش وفرس روم ٍ ٍ مستفيضة تغطي هذا اجلانب ،عل ًما أن عالقة العرب باآلخر من ٍ وغيرهم من األمم تعود إلى العصور القدمية ،وقد حدث التأثر والتأثير بني العرب واألمم اً وصول إلى الزمن الراهن. األخرى على م ِّر العصور ويسعدني مبناسبة إقامة «ملتقى الشعر من أجل التعايش السلمي» ،الذي تقيمه مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطني لإلبداع الشعري في دبي في الفترة من 18 - 16أكتوبر ،2011أن نعيد طباعة ونشر كتاب «صورة اآلخر في الشعر العربي» لألستاذ الدكتور فوزي عيسىَّ ، ليطلع القارئ على الكيفية التي تناول بها كثير من شعراء العربية -منذ عصور الشعر األولى وحتى اآلن -اآلخر في إبداعاتهم ،وكيف أن كثي ًرا من هؤالء الشعراء ر ّكزوا على أوجه التالقي والتسامح وأبرزوا النقاط املشتركة البناءة بني الديانات واحلضارات. ومما تعتز به مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطني لإلبداع الشعري أنها أولت أهمية خاصة منذ بداية األلفية الثالثة حلوار احلضارات والثقافات والدعوة إلى التعايش السلمي ،وجعلت ذلك هد ًفا رئيس ًّيا من أهدافها إلى جانب اهتماماتها الثقافية األخرى ..فأخذت تقيم الندوات ،وامللتقيات ،حيث تدعو إليها الشخصيات الفاعلة في كثير -3- من دول العالم وكذلك املؤسسات الثقافية ومراكز البحوث والدراسات ،وتنشر املناقشات واحلوار في وسائل اإلعالم املختلفة املرئية واملسموعة واملقروءة ،وذلك كي ال تظل فائدة احلوارات واملناقشات محدودة ومحصورة بوقت الندوة ومحيطها. إن غايتنا التي نسعى إليها دائ ًما أن يكون مستقبل اإلنسانية جمعاء أكثر إشرا ًقا ال وتكام ً وأكثر أمنًا وأكثر تواص ً ال على هذا الكوكب الذي نعيش عليه ويتسع للجميع.. وتتحقق بذلك احلكمة اإللهية من قوله تعالى{ :يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعو ًبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقوله تعالى{ :ولو شاء ربك جلعل الناس أمة واحدة وال يزالون مختلفني} وفي هذا حكمة بالغة ،ترى االختالف وتشجب اخل�لاف ،وتس ّلم بأنّ احلكم في أي خالف وبخاصة في موضوع شعب أو أمة أو أي الديانات ،مرده إلى الله تعالى سيحكم فيه يوم القيامة ،وال يجوز ألي ٍ ٍ طائفة التصدي له وإصدار أحكام فيه بأي شكل من األشكال{ ،فالله يحكم بينهم أي ٍ يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} وأخي ًرا ..الشكر اجلزيل إلى األستاذ الدكتور فوزي عيسى الستجابته لرغبة املؤسسة في إعادة طباعة هذا الكتاب في طبعة خاصة بها ،ليكون ضمن إصدارات هذا امللتقى ،آملني أن جتدوا فيه املتعة والفائدة. والل ـ ـ ــه ولـ ـ ـ ــي التوفيق. عبدالعزيز سعود البابطني الكويت 5شـــــــوال 1432هـ املوافق 3من سبتمير 2011م XXXX -4- مقدمة لم حتظ صورة «اآلخر» في الشعر العربي بدراسات وافية بالرغم من أهميتها، وظلت هذه الصورة يكتنفها الغموض والتعتيم السيما أن مفهوم «اآلخر» ذاته يثير كثي ًرا من اجلدل ويسمح باالختالف حوله ويبدو في نظر الكثيرين غي َر مح َّد ٍد على نحو دقيق ،حيث يرى بعض النقاد أن مفهوم اآلخر هو املضاد للذات والوجه املقابل ٍ وتأسيسا على ذلك ،فإنهم يوسعون دائرة املفهوم بحيث يشمل كل أو النقيض لها، ً من يغاير ال��ذات على اإلط�لاق ،وإذا طبقنا ذلك على الشعر فإن املمدوح واملهجو واملرثي واملرأة وغيرهم يندرجون في هذا اإلطار ،وهو ما ميثل إشكالية حقيقية في الدرس األدبي. إن مفهوم «اآلخر» من وجهة نظرنا يبدو أكثر حتدي ًدا فنعني به :األجنبي املضاد للذات العربية والذي فرضت الظروف السياسية واالجتماعية واجلغرافية واحلضارية أن يكون هناك اتصال ومتاس وعالقات وجوار بني الطرفني. إن عالقة العرب بهذا اآلخر عالقة قدمية ترجع إلى ما قبل اإلسالم حيث اتصل العرب بالفرس وال��روم عن طريق اجل��وار من خ�لال إم��ارت��ي الغساسنة واحليرة، وتوطدت هذه الصالت عن طريق التجارة ،وبرزت صورة «اآلخر» في الشعر اجلاهلي بجوانبها املختلفة ،وكان األعشى أكثر شعراء العصر اجلاهلي استحضا ًرا لصورة «اآلخ��ر» حيث جند احلضور الفارسي قو ًّيا في شعره .وفي املقابل أخ��ذت صورة -5- وجه العرب غزواتهم إلى بالد الروم منذ عهد «الروم» تبرز في الشعر العربي بعد أن َّ اً وصول إلى العصر العباسي الذي احتدم اخللفاء الراشدين مرو ًرا بالعصر األموي اً حتول سلب ًّيا في العالقة بني الطرفني ،وانعكس فيه الصراع بني العرب والروم وشهد ذلك على الشعر فص َّور املعارك وهزائم الروم وجنب قوادهم وجنودهم وسبي رجالهم ونسائهم ،وتسجيل الوقائع التاريخية واملواقع ،وب��رزت صورة ال��روم بشكل مكثف في شعر ثالثة من كبار شعراء العصر العباسي هم أبو متام واملتنبي وأبو فراس احلمداني ،وق��د احتفت ال��دراس��ة بتتبع ص��ورة ال��روم في شعرهم .كما وقفت على احلضور الفارسي في شعر البحتري من خالل وقفته أمام إيوان كسرى في سينيته. وركزت الدراسة على حضور اآلخر في شعر املتنبي حيث كان لهذا احلضور جتليات عديدة ،وأسهم في هذا احلضور عدة عوامل ،منها كثرة أسفاره ورحالته واتساع ثقافته ومعاصرته للصراع احملتدم بني العرب والروم ،وجت ّلي حضور «اآلخر» في شعر املتنبي ممثلاً في أجناس شتى ،منها العجم والفرس والروم والترك والديلم واألكراد واليهود .وتنوعت صورة اآلخر في شعره بني اإليجاب والسلب وصدر في مواقفه عن اعتزاز وتعصب وانتماء لكل ما هو عربي. وعلى نحو ما طمحت الدراسة إلى جتلية صورة (اآلخر) في املشرق ،فقد سعت كذلك إلى جتليتها في املغرب ،فخصصنا مبح ًثا لتتبع صورة املمالك املسيحية في الشعر األندلسي حيث برزت صورة (الروم) بوصفهم أعداء ميثلون خط ًرا على اإلسالم، وانعكس ذل��ك على األدب ،فص َّور الشعر األندلسي ال�غ��زوات وامل�ع��ارك واحل��روب، واحتفى بتسجيل الوقائع التاريخية واألماكن اجلغرافية والسفارات املتبادلة ،ورسم مشاهد عديدة مللوك الروم وقوادهم ،واحتفت الدراسة بوجه خاص بتتبع صورة اآلخر في شعر ابن دراج القسطلي الذي صنع صنيع املتنبي في وصف الوقائع التاريخية والناس واألماكن والسفارات والوفود والعالقات الدبلوماسية املتبادلة ،حيث أم َّدنا -6- الشعر مبادة طريفة نادرة في هذا املجال على النحو الذي جنده في سفارة الشاعر الدبلوماسي يحيى بن حكم اجلياني امللقب بالغزال إلى بالد الروم حيث أعجب مبلكة القسطنطينية «ثيودورا »Theodoraوكان له معها قصص ونوادر سجلها في شعره في لقطات نادرة عكست األجواء احلضارية ومدى التقارب واالختالف بني الطرفني. وخصصنا مبح ًثا يعني بتتبع ص��ورة اآلخ��ر في دائ��رة احل��ب حيث شاعت بعض قصص احلب بني شعراء عرب وأسبانيات مسيحيات مثل قصة حب الشاعر األندلسي ابن احلداد لفتاة نصرانية من مستعربي األندلس وكانت هذه العالقة رمزًا للتسامح والتالقي ،وسمحت لنا من خالل الشعر بالوقوف على األجواء املسيحية بتفاصيلها املختلفة. وهناك مبحث آخر تتبعنا فيه صورة اليهود في الشعر األندلسي حيث ارتفع نفوذهم في بعض الفترات وقويت شوكتهم في غرناطة في عصر ملوك الطوائف ونشأ تيار مناهض لنفوذهم واحتفظ الشعر بصورة سلبية لهم ،وجتلى ذلك بصفة خاصة في شعر أبي إسحاق اإللبيري. ولم تشأ الدراسة أن تكتفي بتتبع صورة اآلخر في الشعر القدمي بل وصلتها بالشعر العربي احلديث حيث اتخذت عالقة الشعراء بـ «اآلخ��ر» ص��و ًرا جديدة من التفاهم والتصالح والتسامح واحل��وار وتعمقت ه��ذه ال�ص��ورة وازدادت مالمحها وضوحا وب��روزًا تب ًعا لتطور اإلجن��ازات العلمية وتوسع تقنيات االتصال مما س َّهل ً السفر والتنقل وأدى إلى اختصار املسافات واحل��دود اجلغرافية بني األمم والدول وأسهم في م َّد جسور التفاهم والتالقي بني الثقافات واحلضارات املختلفة حيث حتول العالم إلى قرية كونية صغيرة. وعلى نحو ما اهتمت الدراسة بالتركيز على جتلية ص��ورة «اآلخ��ر» عند أبرز ميا ،فقد اهتمت كذلك بالصنيع ذاته في الشعر احلديث ،فركزت على ثالثة الشعراء قد ً -7- شعراء برزت صورة «اآلخر» في شعرهم بشكل واضح وهم :شوقي وعمر أبو ريشة وإبراهيم العر ّيض ،وهم ميثلون بيئات شعرية عربية مختلفة. وقد خصصنا مبح ًثا يعني باستجالء صورة (الغرب) في شعر شوقي ،ورصدنا فيه املؤثرات العامة واخلاصة التي أسهمت في تشكيل هذه الصورة ،ومنها انفتاح مصر على أوربا منذ القرن التاسع عشر واهتمامها بإرسال البعثات إليها وإسهام حركة التعريب في حتقيق هذا التواصل .باإلضافة إلى املؤثرات اخلاصة التي متثلت في اتصال شوقي بالغرب من خالل بعثته إلى فرنسا التي أتاحت له التزود بالثقافة الفرنسية والتنقل بني دول الغرب والوقوف على إجنازاته احلضارية. وقد أط ّلت صورة الغرب في شعر شوقي إطالالت قوية وكان لها حضور مكثف، فنجد فيه صو ًرا للبلدان واملجتمعات واملدن التي زارها ،ومنها فرنسا واجنلترا وإسبانيا وسويسرا وبلجيكا ،كما جند فيه وص ًفا للمعالم احلضارية التي شاهدها في بعض دول الغرب واحتفا ًء مبدينة باريس بصفة خاصة إذ اهت َّم بتقدمي صورتها احلضارية والعلمية واألدبية وأشاد مبا أرسته من مبادئ احلرية والدميقراطية واملساواة ،وأثنى على بعض أعالمها وأدبائها ومفكريها ،ووصف بعض معاملها مثل ميدان (الكونكورد)، وتغنى ببعض متنزهاتها مثل (غاب بولون). وتتبعنا كذلك ص��ورة إسبانيا كما رآه��ا شوقي في منفاه وانبهاره بحضارة األن��دل��س ووص��ف معاملها وقصورها ،كما احتفى شوقي مبدينة (روم��ا) بوصفها عاصمة احلضارة الرومانية القدمية وأشاد بحضارة اليونان وما أجنزته في مجال العمران والفلسفة ،ورسم صو ًرا مضيئة ملدينة (أثينا). أما ص��ورة اجنلترا فلها وجهان في شعر شوقي ،أحدهما ينطوي على مدح وإعجاب بحضارتها ،واآلخر يدين فيه سياستها االستعمارية وممارساتها العدوانية ضد الشعوب. -8- ومتثل اهتمام شوقي بـ «اآلخر» في جانب آخر من شعره هو االحتفاء بعباقرة الغرب ونوابغه من ساسة وعلماء وفالسفة ومفكرين وأدباء وفنانني وغيرهم .وقد شغل هذا اجلانب مساحة واسعة من شعر شوقي ،فاختص من فالسفة اليونان القدماء ّاً كل من سقراط وأرسطو ،وع َّبر عن إعجابه بـ «هومير» شاعر اإللياذة ،وأشاد بــ «تولستوي» أديب روسيا العظيم ،وأثنى على شكسبير ثنا ًء عظي ًما وع َّبر عن إعجابه بفكتور هوجو، واستدعى شخصية الرسام العاملي (رفائيل) وشخصية املوسيقار العاملي (فردي) وأشاد بـ «أديسون» مخترع املصباح الكهربائي .كما احتفى شوقي بنوابغ الغرب من الساسة والزعماء ال سيما (نابليون) كما التفت إلى ساسة آخرين منهم روزفلت وإدوارد السابع وغليوم الثاني واللورد كرومر وغيرهم .وتفاعل شوقي مع األحداث الكبرى التي شهدها الغرب وتعاطف مع كل منوذج إنساني أسهم في خدمة البشرية وأكد إميانه باحلضارة التي حتقق اخلير والتقدم لإلنسانية. وخصصنا مبح ًثا كذلك لصورة «اآلخ��ر» في شعر عمر أب��ي ريشة ،حيث أتاحت له ثقافته وكثرة أسفاره وتنقالته في دول العالم املختلفة من خالل عمله اً اتصال الدبلوماسي سفي ًرا لبالده أن ينفتح على العالم ويتصل بحضارته وثقافته مباش ًرا جعل صورة «اآلخر» تبدو في شعره بشكل واضح ومتثل تيا ًرا بارزًا فيه، اً رجال ونساء ،ووصف املعابد التي زارها، فرسم مشاهد عديدة للناس األجانب واملعالم السياحية واألماكن التاريخية ومشاهداته في األرجنتني وأسبانيا والهند والنمسا وكشمير ونيبال وغيرها. أما إبراهيم العر ّيض فهو أحد هؤالء الفرسان الثالثة الذين ميثلون همزة الوصل بني احلضارة العربية واحلضارات األجنبية ،حيث تعددت منابع ثقافته ،فتأسس وعيه الثقافي في الهند التي عاش فيها طفولته وصد ًرا من صباه وأجاد اللغة اإلجنليزية مدرسا لها في مدارسها في إحدى مراحل حياته ،وكتب بها وعاد إلى وطنه ليعمل ً -9- شع ًرا إلى جانب كتابته الشعر بالعربية وأجاد لغات أخرى غيرها مما أتاح له ترجمة رباعيات اخليام وهيأه لالنفتاح على اآلخر الثقافي. وختمنا الدراسة مببحث عن صورة «اآلخر» في القصيدة العربية املعاصرة وتتبعنا فيه موقف الشاعر العربي املعاصر من هذا «اآلخر» الدخيل الذي اغتصب أرضه وانتهك مقدساته ،وهو موقف عام ينطلق من الرفض ويعكس توجه الوجدان اجلمعي لألمة العربية. وعلى هذا النحو تطمح هذه الدراسة إلى استجالء صورة «اآلخر» في شعرنا العربي كما متثلت في شعر أبرز الشعراء العرب الذين أتاحت لهم ظروفهم وثقافاتهم ورحالتهم االتصال املباشر باآلخر والتعرف إلى ثقافته وعاداته وصفاته ومدى التقارب أو االبتعاد عنه ،وموقف هؤالء الشعراء منه :اً ً رفضا ونف ًيا؟ وهل وتسامحا أم قبول ً اختلفت نظرة الشاعر القدمي لآلخر عن نظرة الشاعر احلديث؟ وغير ذلك من تساؤالت تسعى الدراسة إلى اإلجابة عنها وجتليتها. والــلـــــه املوفـــــــــق،،، XXXX - 10 - حضور اآلخر في الشعر القدمي يفترض أن تُؤسس العالقة بني الذات واآلخر على احلوار البناء والتفاهم واملودة، ولكن هذه العالقة قد تكون على النقيض من ذلك إذا حاول «اآلخر» أن يظهر في صورة «العدو» الذي يحاول رفض الطرف اآلخر واالنتقاص منه والنيل من معتقداته وقيمه، وتهديد وجوده واستهداف ثقافته ،وهو ما يؤدي إلى التنافر والبغض واإلنكار املتبادل ويتج ّلى اآلخر في صورة سلبية كالصورة التي رسمها الشعراء لألعداء األجانب أو احملتلني كاألتراك واإلجنليز والفرنسيني الذين مزقوا الوطن العربي إلى دويالت ونهبوا ثرواته واحتلوا أراضيه. وقد برزت صورة «اآلخر» في الشعر العربي منذ العصر اجلاهلي وتراوحت بني اإليجاب والسلب ،ومتثل «اآلخ��ر» في الروم والفرس الذين كانوا ميثلون حضارتني عظيمتني آن��ذاك ،ونظر العرب إلى ال��روم نظرة تقدير وتعاطف حتى عندما هزمتهم الفرس ،فتنبأ القرآن الكرمي بأنهم سيغلبون من غلبهم وذلك في قوله تعالى«:ألم غلبت الروم في أدنى األرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون»(((. وكان العرب في اجلاهلية ميقتون الفرس بوصفهم وثنيني ،وملا كانوا ميثلونه من تهديد وخطر ،وكان األعشى أكثر الشعراء اجلاهليني تصوي ًرا للصراع العربي – الفارسي في العصر اجلاهلي ،ويعكس شعره ما جرى من أحداث ووقائع وحروب، ((( سورة الروم (اآلية .)30 - 11 - فيشير في إحدى قصائده إلى طلب كسرى أخذ بعض الرهائن من قومه حني أغار احلارث بن وعلة على بالد الفرس ومقابلة هذا الطلب بالرفض حتى وإن ترتب على ذلك مالقاة الفرس وقتالهم ،يقول األعشى: ((( َم������ن ُم����ب���� ِل���� ٌغ ِك�����س�����رى ِإذا م�����ا ج��������ا َء ُه ��������ك ُم�����خ ِ َع������ ّن������ي َم��������آ ِل َ �����م�����ش ٍ �����ات ُش��������� َّردا ِ ِ ب����ن����ائ����ن����ا ����ع����ط����ي����ه ِم��������ن َأ �������ي�������ت ال ُن آ َل ُ ُره���� ًن����ا َف��� ُي ِ ����س����دا ���ف���س��� َدهُ ���م ك َ َ����م����ن َق�����د َأف َ َح�����تّ�����ى ُي�����ف�����ي����� َد َك ِم������ن َب����ن����ي ِ ����ه َره����ي���� َن���� ًة َن����ع ٌ ����س����م ُ ����ش َو َي�����رهَ ����� َن َ ����اك ال���� َف����ر َق����دا �����ك ال َّ ال����ـ����م����كَ���� ِّل ِ ����س���� ُه َ������خ������ار َج������ َة ِإلاّ ك ِ ُ ����ف َن����ف َ ���ه���دا ����ب َو َي���ش َ َو ِاب����� َن�����ي َق���ب���ي َ ���ص��� َة َأن َأغ����ي َ �����ي�����اك ِب���� ُر ِ َأن َي ِ َ ����ه����م����ا ِإ ًذا �����أت ه����ن����هِ ����م َف ُ ����������ق ل ِ ُج�����هِ �����دا َو ُح َّ خَ������ائ ٍ ���ه���دا ������ف َأن ُي���ج َ ن ال������� َل ِ كَ�����ّل��� اّ �������ه َح������تّ������ى ت����ن����زل����وا � يمَ�����ي���� َ أس ش ِ ����اه���� َق ٍ س���������ودا ����ة ِإ َل����ي����ن����ا ا َأل ِم�����ن َر ِ َ ِ �����ق�����ات����� َل����� َّن�����كُ����� ُم َع�����ل�����ى م������ا َخ���� َّي���� َل����ت َل����� ُن �����ج�����ع����� َل�����نَّ لمِ َ���������ن َب�����غ�����ى َو مَتَ�������������� َّردا َو َل����� َن َ ِ ���������رات كَ����� َأنمَّ�����ا ن ع������ا َن������ َة َوال��������� ُف م�����ا َب����ي��� َ َح َّ ُ ال������غ������وا ُة ِب����ه����ا َح����ري���� ًق����ا م����و َق����دا �������ش وميضى األعشى فيفخر بقومه وشجاعتهم وحسن بالئهم في احلروب ويخاطب كسرى بلهجة الواثق بقدرته ،املعتز بكرامته مستخ ًّفا به ،متنب ًئا بهزميته حيث لم ينفعه ((( تاجه املعتصب به ،يقول: ((( ديوان األعشى الكبير :ص ،53ص .54 ((( ديوان األعشى :ص .54 - 12 - َ���ص��� ًب���ا ِب ِ ال����ت����اج ُم���ع���ت ِ ����ع����د َع��� َل َ ����ه ���ي���ك َف����ا ْق ُ ُ َ�����ع����� َّب�����دا ���َب�� َس ال تَ������ط������ ُل نَ َّ ������وام������ن������ا َف�����ت َ َ ���ام���ن���ا ����ع����م���� ُر َج���������� ِّد َك َل������و َر َأ َ َف���� َل َ ي�����������ت َم���ق َ �����ن�����ظ����� ًرا َو ُم َ َ ��������ؤ َّي��������دا ���������ت ِم����� ّن�����ا َم ���������ر َأي َ َل َ ويحتفل األعشى في غير قصيدة بالنصر املؤزَّر الذي أحرزه قومه على الفرس في يوم «ذي ق��ار» ويصف املعركة حني أقبل جيش كسرى بعتاده الضخم وق��واده الغطارفة وقد علقوا في آذانهم «النطف» وهي الآللي واجلواهر داللة على السيادة َّ «النشاب» ولكن خيل والعظمة وقد دارت رحى احلرب واستخدم الفرس أسلحتهم قوم األعشى وفرسانهم وسيوفهم أعملت فيهم القتل حتى ُقتل منهم عدد كبير ،يقول ((( األعشى مفتخ ًرا بهزمية الفرس: َو ُج����ن���� ُد ِك���س���رى َغ������دا َة ِ ��ح ُ��ه��م احل���ن ِ ���و َ ص�� َّب َ ِم�� ّن��ا كَ��ت ِ ��ص َ��رف��وا ��م َ ��وت َف��ان َ ��ب ُت��زج��ي ال��ـ َ ��ائ ُ ٍ �����ط�����ار َف����� ٌة �����ل�����ك َغ �����ح َو َب������ن������و ُم َج ِ ِ �����ح�����اج ٌ �������م ف����ي ِ ���ط ُ آذان�����ه�����ا ال��� ُن َ ���ف ِم�������نَ ا َألع ِ �������اج ِ ����اب َأي ِ ِإذا َأم�����ال�����وا ِإل������ى ال���� ُن ّ ����ه���� ْم ����د َي ُ ����ش ِ َ���ط ُ ����ظ َّ ����ل ال����ه����ا ُم ُي���خ���ت َ ���ض َف َ ���ف ِم���ل���ن���ا ِب���ب���ي ٍ ����ر َف���م���ا تَ����ن���� َف ُّ ُ ���ه��� ْم َو َخ ���ح��� ُن ُ �����ي�����ل َب����ك ٍ ����ك تَ���ط َ َ�����و ّل�����وا َوك�������ا َد ال���� َي����و ُم َي��ن��ت ِ َ��ص ُ ��ف َح���تّ���ى ت َ َل�������و َأنَّ ُك َّ ش����اركَ����ن����ا ������ع������ ٍّد ك��������انَ ��������ل َم َ َ ����ار م���ا َأخ���ط���اهُ ��� ُم ال َّ ���ر ُف ف���ي َي ِ ���ش َ �����وم ذي ق َ وفي قصيدة أخرى لألعشى تبرز صورة «الهامرز» قائد الفرس املنهزم في يوم «ذي قار» أمام بني شيبان عند «حنو قراقر» بالقرب من الكوفة ،وقد أقبل جيش الفرس ((( بعتاده وأعالمه ولكنهم منوا بهزمية كبيرة بعد معركة حامية الوطيس .يقول األعشى: ((( ديوان األعشى :ص .114-113 ((( املصدر نفسه :ص .38-37 - 13 - �����دى ِل�� َب��ن��ي ُذه�����لِ ِاب�����نِ َش���ي���ب���انَ ن��ا َق��ت��ي ِف ً َو ِ ِ �����ق�����اء َو َق������ َّل ِ ������ت راك������� ُب�������ه�������ا َي����������و َم ال����� ِل ����و ُق ِ �����رب�����وا ِب ِ هُ ������ ُم َ ����ر ����و ِح����ن ِ ����احل����ن ِ ����راق ٍ ض َ َ������و َّل ِ ������ت ������ام ِ ������رز َح�����تّ�����ى ت َ ُم������ َق������ ِّد َم������ َة ال������ه َ َف���� ِل���� َّل ِ ����ه َع���ي���ن���ا َم�����ن َرأى ِم�����ن ِع���ص���ا َب ٍ���ة ِ ���ق���اة ِم�����نَ ا َّل��ت��ي ال���س َأ َش������� َّد َع���ل���ى َأي������دي ُ ���ه���م ِم�����نَ ال��� َب���ط���ح ِ ���اء َي����ب���� ُر ُق َب��ي ُ ��ض��ه��ا َأتَ���ت ُ ������ع������ت راي�����ا ُت�����ه�����ا َف���اس���تَ��� َق��� َّل ِ ���ت َو َق���������د ُر ِف َ ال����ـ����م ِ ����ن���� َّي���� ُة َب��ي�� َن��ن��ا َف������ث������اروا َو ُث������رن������ا َو َ ض����� َّل ِ َع�����������وانٌ َش������دي������ ٌد هَ �����م����� ُزه�����ا َف����� َأ َ �����ت ���ال���ن���اس َش���م���ط���ا ُء ِ ����ح �����ر ْت ِب ِ َو َق������د َش َّ الق ٌ �����م َ َ����ج���� َّل ِ ����ت ه������اج������ت َع��� َل���ي���ن���ا َغ َو ������م������ر ٌة َف����ت َ َ َ ال���ه���ام���ر ُز تَ���خ ِ���ف ُ ���ق َف���و َق��� ُه كَ��� َف���وا ِإذ َأت�����ى َ ك ِ َ�����ظ ِّ ��������وت َف����تَ���� َد َّل ِ ����ت ال����ع �����ل ُ ِ ����ق����اب ِإذ هَ َ ��ت ��ح ْ َو َأح َ ����م����وا ِح��م��ى م��ا يمَ�� َن��ع��ونَ َف�� َأص�� َب َ ����ح���� َّل ِ ����ت َل����ن����ا ُظ ُ ������ع������نٌ ك�����ا َن�����ت ُوق������و ًف������ا َف َ ����م ِ ����وت ُم������ َّر ًة َ����أس����ا ِم������نَ ال����ـ َ َأذاق�������وهُ ������� ُم ك ً ِ �������������ت ����ه����م َو َأ َذ َّل َو َق���������د َب������ َذ َخ������ت ُف����رس����ا ُن ُ ٌ ٌ ����واب ُ ����ه����م ب���ي���ض ِخ ����ه����م ����ف����اف َو َف����و َق ُ ����غ ُ َس ِ ���وم ِاس��تَ�� َق�� َّل ِ ُ ��ت ��ض َأ ِم����نَ ال��ب��ي ِ م���ث���ال ال��� ُن���ج ِ ����ب����ق ِإلاّ َ َ ���ف���اض��� ٌة ي��������ع ُم َو َل��������م َي ُ ذات َر ٍ ����ه����م ُع����ص���� َب���� ٌة َف����� َأ َط����� َّل ِ س�������ه َ �����ت َو َأ �������ل ِم����ن ُ َ ����ن����و ُق ِ ����ه����م ِب ِ �����ر ����ح ُ ����ن����و ِح ِ ����احل ِ �����راق ٍ َف َ ����ص���� َّب َ اجل�����ن�����و ُد َف��� ُف��� َّل ِ �����اره�����ا ِم���ن���ه���ا ُ ���ت َوذي ق ِ - 14 - كُ�������ل َم����ح����ب ِ ِّ ِ ������راة كَ����� َأ َّن����� ُه ال������س ����وك َع����ل����ى َّ َ���ع��� َّل ِ ���ت ُع �����ب ِإذ ت َ ����ق����اب هَ َ ٌ �������وت ِم�����ن َم�����ر َق ٍ �����ط ُب��ي ِ ���رز َوس َ ��وت��هِ ��م ���ام ِ َف���ج���ا َدت َع��ل��ى ال���ه َ َ����ه���� َّل ِ ���آب���ي���ب َم ٍ ����ت َش �������وت َأس���� َب���� َل����ت َو ِاس����ت َ ُ وتبرز صورة القيل هامرز قائد الفرس املنهزم يوم ذي قار في قصيدة أخرى لألعشى وقد جاء بجيشه لينتقم من قوم الشاعر فكانت الهزمية من نصيبه والقتل ((( عقا ًبا له .يقول األعشى: َأرادوا ����������ح����������ت َن َ َأث������� َل ِ �������ت�������ن�������ا �������������ع ُ اخل ُ �������ط�������م�������ا َوكُ�������������� ّن��������������ا نمَ������������� َن ُ ���������غ���������ي َم��������ك��������روهً ��������ا َوك����������������������انَ ال��������� َب ُ اجل�����������ه�����������لِ ُم�����ن�����ت ِ ُ �����������������������ول َ َ�����ح�����م�����ا َو َق ����������م���������� ًرا َف���������ب���������ات���������وا َل��������ي�������� َل ُ ��������ه��������م َس َ ����������������ب م����������ا جَ َ ن�������م�������ا ِل���������� ُي����������س����������دوا ِغ َّ َف َ ���������ح���������ون���������ا لجَ ِ ��������� ًب���������ا ����������غ���������� ّب����������وا َن َ َ ���������ه���������ل َوا َألكَ�������������م�������������ا ال���������س �����������ه����������� ُّد َي ُ َّ ِ امل�����������اذ ْي�����������ـ َ��������م َس ِ ��������������واب�������������� َغ ُم��������ح��������ك ِ ُ احل�������� ُزم��������ا ِي َش������������������ ّدوا َف�������و َق�������ه�������ا ُ ه�����������ام�����������ر ٌز ����������ي����������ل َف�������������ج�������������ا َء ال���������� َق َ ِ �����س�����م�����ا َع������� َل�������ي�������هِ �������م ُي ��������ق��������س�������� ُم ال����� َق َ ُ َ ����������������������ذوق ُم َ �������ع�������ا َح�������تّ�������ى �������ش َي �������ع�������ش ً �������ع�������م�������ا ال��������س ُي����������ف����������ي َء ��������ب��������ي َوال������� َّن َ َّ َ ���������وت ُم�����ك�����ت ِ �����ع�����ا ال���������ـ���������م َف����ل����اق���������ى َ َ�����ن ً َ َو ُذه�������������ًل������������� اً دونَ ((( ديوان األعشى .177-176 : - 15 - م�����������ا ز ََع���������م���������ا َّ ���������ي���������م ال ُي�����ع�����ط�����و ال���������ض ُأب�����������������������ا َة ِ نَ َم������������ن ع�����������������������ا َدو ُه م���������ا َح�����كَ�����م�����ا ����������ه����������م ِع������������������ ًّزا َأ َب����������������������ت َأع����������ن����������ا ُق ُ َف��������م��������ا ُي��������ع��������ط��������ونَ َم������������ن َغ َ �����ش�����م�����ا ������������و َم ٍ ٍ ������������ة ������������س ������������������������رد ُم َع����������ل����������ى ُج َّ َ �������������س تَ��������ع�������� ُل ُ �����ج�����م�����ا �������������واب َع ِ ��������ك ال����� ُّل ُ َ اخل ِّ ُ ����������������������������ل َ َ ��������ط�������� ْي��������ـ واب ت َ�����������خ�����������ال َذ ِ ِ ح��������اف��������ات��������ه��������ا َأ َج���������م���������ا ـ�������������ي ف����������ي ِ َ ه������������ام������������ر ًزا ���������ي���������ل َق�������تَ�������ل�������ن�������ا ال��������� َق َ َ��������ث��������ي��������ب َدم����������ا َو َر َّوي�����������������ن�����������������ا ال��������ك َ ويع ُّد األعشى أكثر شعراء العصر اجلاهلي استحضا ًرا لصورة «اآلخ��ر» في شعره وذلك يرجع إلى كثرة تنقالته ورحالته وأسفاره طل ًبا للتكسب بشعره مما أتاح له االتصال بحضارة اآلخرين وثقافاتهم وعاداتهم عن قرب ،وقد أشار في شعره إلى كثرة أسفاره فقال: ((( ��������ف��������ت ِل�������ل�������م�������الِ آف��������ا َق�������� ُه َو َق����������������د ُط ُ ُع��������م��������انَ َف ِ �������أور ْي َ �������ش������� ِل������� ْم ������م������ص َف ������ح ِ َ رض ِ َ��������ي��������ت ال������ َّن������ج ِ ������ي ف������ي َأ ِ ������������ه َأت ُ ������اش َّ رض َو َأ ِ ال���� َّن����ب����ي ِ ����ط رض َو َأ ِ ���ج���م َ ال���ع َ ����ر َف������ َن������ج������رانَ َف ������ال������س َ ������رو ِم�������ن ِح����م���� َي ٍ َّ ��������������������رام َل�������������� ُه َل�����������م َأ ُرم َف�������������������� َأ َّي َم ٍ َو ِم���������ن َب�����ع ِ �����د َ �����وت �����ر َم َ ذاك ِإل��������ى َح�����ض َ ������م������ي َوح������ي������ ًن������ا َأهُ ��������م َف�������� َأو َف��������ي ُ ��������ت هَ ّ ((( ديوان األعشى .172-171 : - 16 - «وهذه الرحالت املتعددة ،واألسفار الكثيرة ،لم تُفد األعشى اً مال فقط ،وإمنا أح��رز من ورائها سعة األف��ق ورحابة املعرفة ،حيث رأى بيئات مختلفة ،وعاشر أقوا ًما مختلفي املشارب والعادات ،وشاهد في أثناء رحالته املناظر الطبيعية اجلديدة اخلالبة وسمع أخبا ًرا ،واكتسب عادات وطبائع ،ما كان ليعرفها لوال أن رحل وسافر، وانعكس كل ذلك لدى األعشى ليكون ثروة في الفكر وغني في التصوير وحضارة وتنوعا في اآلداء ،ففي شعره البيئات املتنوعة ،واألمناط املعيشية املختلفة في التناول ً والعادات املتباينة» ((( ويستحضر األعشى صورة ساسان مؤسس دولة ساسان الفارسية وكسرى شاهنشاه ملك امللوك عند الفرس وكذلك شخصية (مورق) أحد ملوك الروم بوصفهم ميثلون أعظم حضارتني في عصره وذلك في معرض تأكيد حقيقة أنه ال شيء أو ال أحد يخلد أمام سطوة الدهر ،فكل احلضارات والبشر واألشياء واألحياء تؤول إلى الفناء .يقول: ((( دام�������ت َع���� َل����ي َ ����ك ِب���خ���ا ِل ٍ���د َف���م���ا َأ َ ن�������ت ِإن َ ���خ��� َّل���د َق����ب ُ كَ���م���ا َل�����م ُي َ ��������ور ُق ����ل َس����اس����ا َوم َ �����ار ُم��ل�� ُك�� ُه َو ِك����س����رى َش���هِ ���ن���ش���ا ُه ا َّل������ذي س َ راح َع���ت���ي ٌ ���ق َو َزن����� َب ُ �����ق َل������ ُه م����ا اش���تَ���ه���ى ٌ ويكثر األعشى من استحضار معالم حضارة اآلخر كالقصور الفخمة الباذخة بغرض االعتبار والعظة وتأكيد خضوع احلضارات ملنطق الفناء واالنسحاق أمام ال��ده��ر ،فيستحضر ص��ورة حصن(األبلق) الشاهق ،وقصور سليمان بن داود ويحتفي بوصفهما ،إذ كانت ذات (أزج) عال وهو ضرب مستطيل من األبنية وقد شيدت باحلجارة الصلبة املتينة وزُينت باملشارب أو املقصورات وامتألت مبباهج ((( عناصر اإلبداع الفني في شعر األعشى ،د .عباس عجالن ،دار املعارف 1981 ،ص.51 ((( ديوان األعشى .118 : - 17 - وجوار وأوعية من الفضة ،ولكن يد الدهر لم تلبث أن سلبته احلياة من حور كالدمي ٍ احلياة ،ويستخدم األعشى بعض مفردات اللغة الفارسية مما يعكس أثر هذه الثقافة في شعره فيقول: ((( ِ ����وت م���ا ُل��� ُه َوال ����م َ ����ع ال����ـ َ ع����ادي����ا َل�����م يمَ���� َن ِ ِ ������ه������ود ِّي َأب����� َل ُ �����ق ِور ٌد ِب����تَ����ي����م����ا َء ال������ َي داوو َد ِح���ق��� َب��� ًة َب�����ن�����ا ُه ُس���� َل����ي����م����انُ ب�����نِ ُ �������و َّث ُ �������ق ع����������ال َو َط َل���������� ُه َأز ٌَج ٍ ��������������ي ُم َ ٌّ ِ ����م����اء َودو َن���������� ُه ال����س ُي����������وازي كُ����� َب�����ي�����دا َء َّ ٌ ������ل������س َو َخ������ن������ َد ُق دارات َو ِك ����ل����اط َو َب ٌ ٌ ِ ������������ك ف�����ي َر ِ ٌ �������ش�������ار ٌب ������������ه َو َم أس رم ِ َل�������� ُه َد َ ����ص���� َّف ُ ٌ ����ق َو ِم ������س������ك َو َري�������ح�������انٌ َو ٌ راح ُت َ َوح���������و ٌر كَ���� َأم����ث����الِ ال����� ُدم�����ى َو َم����ن ِ ����اص ٌ ����ف ي������س ُ ������ق َو ِق�����������د ٌر َو َط������� ّب�������اخٌ َو ٌ ص����������اع َو َد َ ال���ـ���م ِ َ ���وت َر َّب����� ُه َف ���ج���ز ِم�����نَ �������ذاك َو َل������م ُي���ع ِ َ َو َل ِ �����وت ال َي�����تَ����� َأ َّب ُ �����ق �����م ُ ������ك������ن َأت�����������ا ُه ال�����ـ َ وفي السياق ذاته يستحضر األعشى صورة قصر رميان وكان قص ًرا عظي ًما لألحباش في اليمن وقد استولى عليه الفرس بعد معركة حامية بقيادة (وهرز) القائد الفارسي الذي تط َّير من دخول القصر من َّكس الرأس ،فأمر بهدم بابه ليدخله راف ًعا راية النصر .وقد وصف األعشى هذا القصر بعد أن صار خرا ًبا خاو ًيا من أهله، ((( خال ًيا من مظاهر األبهة واحلياة .يقول: (رمي�����������������������انَ ) َأ ْم����������ـ ي��������ا َم����������ن َي�������������رى َ ����������ر ًب����������ا ِك�����ع�����ا ُب�����ه َس����������ى خ����������او ًي����������ا َخ ِ ِ ((( ديوانه .118 : ((( ديوانه .27-26 : - 18 - ���������ب َأه���������� َل���������� ُه َأم����������س����������ى ال��������� َّث���������ع���������ا ِل ُ َب����������ع���������� َد ا َّل�������������ذي�������������نَ هُ ���������������� ُم َم��������آ ُب��������ه ِم�������������ن س������������و َق ٍ َ������������م َو ِم�������������ن ������������ة َح������������ك ٍ َم����������� ِل ٍ �����������ع����������� ُّد َل���������������� ُه َث����������وا ُب����������ه �����������ك ُي َ َ����������رت َع������� َل�������ي ِ �����ع�����ـ �������ه ال���������� ُف ����������رس َب ْ ُ َب����������ك َ ـ��������� َد ُ ��������ب��������ش َح�������تّ�������ى هُ ������������ َّد ب�����ا ُب�����ه احل ِ َف�����������������تَ�����������������را ُه َم���������������ه���������������دو َم ا َألع���������������ا ٌ �������س�������ح�������ول ُت��������را ُب��������ه ه����������������و َم ل��������ي َو َ َو َل�������������� َق��������������د َأرا ُه ِب ِ َ �������ب�������ط ٍ �������ة �������غ ������ش ُم�������خ َ �������ض������� ّرًا َج����ن����ا ُب����ه ������ع������ي ِ ف������ي ال َ ويقف األعشى املوقف ذاته أمام قصر (ا َ حل ْ ضر) وهو قصر الفيزان ملك قضاعة وكان موقعه بني دجلة والفرات ،وقد ضرب به املثل في الروعة والفخامة واستولى عليه (شاهبور) ابن الهرمز ملك الفرس ،يقول األعشى: ((( َ ��������ض��������ر) ِإذ َأه����� ُل����� ُه (احل َ������������ر ِي َأ َل����������م ت َ َ ِب���� ُن����ع����م����ى َوهَ �����������ل خ�������ا ِل������� ٌد َم�������ن َن ِ �����ع����� ْم ِ �������������ه ش��������اهَ ��������ب��������و ُر ُ اجل�����ن�����و َأق�����������������ا َم ِب �������ض�������ر ُب ف�����ي ِ �����ه ال������ ُق������ ُدم ���ي���ن َي ِ َد َح�������و َل ِ َف���������م���������ا زا َد ُه َر ُّب����������������������� ُه �����������������و ًة ُق َّ ��������������ج��������������او ِر ِه َل����������م ُي ِ ُ �����ق�����م ����������ث����������ل ُم َو ِم ِ ��������م��������ا َرأى َر ُّب��������������������� ُه ِف������ع������ َل������ ُه َف�������� َل ّ َأت�����������������ا ُه ُط����������رو ًق����������ا َف�������� َل��������م َي�����ن�����ت ِ َ�����ق�����م ((( ديوان األعشى .172 : - 19 - ومن مظاهر احلضور الفارسي في شعر األعشى وصف مظاهر احلياة الفارسية كاألعياد واألزياء واألزهار وأدوات الطرب ومجالس الشراب وغيرها على النحو الذي جنده في هذا املثال الذي يحتشد باألسماء واألوصاف الفارسية لألزهار وآالت الغناء في معرض وصف مجالس شراب .يقول: ((( ب���������ري���������ق كَ������������ َأنَّ َش������را َب������ ُه َ�������أس َو ِإ ِب�������ك ٍ ٍ ِ ���ص���ح���اة خ����ا َل َ ����ط َب�� َّق��م��ا �����ب ف���ي ا ِمل ِإذا ُ ص َّ ����ج َل����ن����ا ُج����� َّل�����س�����انٌ ِع�����ن����� َده�����ا َو َب���� َن ����ف����س ٌ َ َوس��ي ِ ُ َج���وش ُم�� َن��م�� َن��م��ا ال���ـ���م���رز ��س��ن�� َب�� ٌر َو َ ((( ������������رو َو َس �������ر ٌّي َو َم ������وس������نٌ آس َوخ�������ي ِ ٌ َو ٌ َ ���خ َّ ح��������ت ُم َ ���ش���م���ا ِإذا ك�����انَ ِه���ن���زَم���نٌ َو ُر ُ ((( ����س ال���ي���اس ����ر ْم َو ُ َوش����اهَ ����س���� َف ِ ���م�ي�ن َو َن ِ ����رج ٌ َ ���ح���ن���ا ف����ي ُك ِّ ج�������ن ت َ َ���غ��� َّي���م���ا ������ل َد ٍ ���ص��� ِّب ُ ُي َ ((( َو ُم������س������ ُت ُ ��ي�ن َو َونٌّ َو َب�������ر َب ٌ �������ط ������ق س����ي����ن ٍ َ������رنمَّ������ا ص ُي ِ ٌ �����ج�����او ُب����� ُه َ ����ن����ج ِإذا م����ا ت َ ((( ض����غ ِ �������دق ال َ ��ه��م ����ائ����نَ َب��ي�� َن ُ َو ِف����ت����ي����انُ ِص ٍ ���س���ح���اهً ���ا ُم���كَ��� َّرم���ا َو َق��������د َج َ ���ع���ل���ون���ي َف���ي َ هكذا حتتشد القطعة بأسماء األزه��ار الفارسية كالبنفسج والسيسنبر واآلس واملرزجوش في مناسبة عيد فارس يسمى (الهنزمن) وقد احتفل به األعشى مع ندمائه في مجلس شراب وغناء على آالت املوسيقى والغناء كالبربط والصنج وال َونِّ لينقلنا األعشى إلى أجواء فارسية خالصة. ((( ديوان األعشى.165-164 : ((( السيسنبر :لفظة فارسية وهي نوع من الريحان ،واملرزجوش :لفظة فارسية وهو شراب مفيد. ((( الهنزمن :من أعياد النساطرة. ((( الشاهسفرم :الريحان. ((( املستق :آلة موسيقية يضرب بها ،والبربط :العود. - 20 - وتتردد في شعر األعشى كذلك أسماء بعض األزي��اء واملالبس الفارسية كالشيدارة وهي مالءة أو عباءة ليس لها كم تلبسها املرأة ،وقد أشار إليها في معرض تغزله بفتاة حسناء ،فقال: ((( �����ت ����ت َش�������ي ب�����ر َق ْ ����س ْ ِإذا َل ِ ����ب َ �������دار ًة ُث�������� َّم َأ َ َ ���ص ِ ���م���ه���ا َوال َّ َ�����ر َّج�����لِ مِ ِ ب���ع َ �����ش�����م ُ �����س لمَ ّ�������ا ت َ ل������������وت ِب�����ك ٍ ّ ���������وار َي���زي��� ُن���ه���ا َ�����ف ف����ي ِس َو َأ َ ٍ اب ِ ���م��� َف��� َتّ���لِ ال����د َم ِ َب�����ن�����انٌ ك ُ َ������ه������ ّد ِ ����ق����س ال���ـ ُ اجل���ل��ا َل ِ ������ة ِ مي ذا َ ران���� ًي����ا َر َأ َ ي�����������ت ال������كَ������ر َ ��م��س��ت ِ َ��خ َّ ���ع��� َّذلِ َو َق�����د ���م َ ��ف ال���ـ ُ ���ب ال��ـ ُ ط����ار َق���ل ُ َ وهكذا كان للعنصر الفارسي حضور مكثف في شعر األعشى ،فص َّور ملك الفرس وق َّوادهم في عظمتهم وفتوحاتهم وصراعهم مع العرب وهزميتهم في موقعة (ذي ق��ار) ،وص � َّور األماكن والقصور في سياق االعتبار ،واحتفى بأجواء احلياة الفارسية ومظاهر احلضارة في األعياد واألزياء واألزهار وغيرها. حضور الروم في الشعر: اجته العرب بفتوحاتهم بعد اإلسالم شر ًقا وغر ًبا ،ووجهوا غزواتهم إلى بالد الروم ،وأخذت صورة (الروم) تبرز في الشعر العربي منذ عهد اخللفاء الراشدين، وجند الشاعر عبد الله بن سبرة احلرشي وهو أحد من شاركوا في تلك الغزوات ينظم قصيدة نادرة يصف فيها مبارزة جرت بينه وبني قائد رومي ُيسمى (أرطبون) وذلك في غزوة (فلطاس) وكانت مبارزة عنيفة انتهت بقطع يد ابن سبرة اليمني ،وقد وصف الشاعر العربي هذا القائد الرومي بشعره الكثيف وزرقة عينيه وقد أصابه الصلع ((( برغم أنه لم يشمط .يقول: ((( ديوان األعشى .163-162 : ((( األمالي.48-47 :1 - 21 - ُ ج������ار غ�������دا َة ال�������� َّروع ف��ارق��ن��ي وي������ل ا ِّم ٍ ع����ل����ي ب����ه إذا ب�������انَ ف���ا ْن��� َق َ ���ط���ع���ا َأه��������ون َّ ي����������دي غ��������دت م����� ّن�����ي م����ف����ارق���� ًة يمُ�����ن�����ى َّ ���اس ل���ه���ا تَ��ب��ع��ا ���ع ي������و َم ف���ل���ط ٍ ل����م أس���ت���ط ْ غ���������اب ع������ن ش�����أن�����ي وق����ائ����ل ٍ ����ة وق������ائ������ل ٍ َ ّ ����رع����ا ص ِ ه��ل��ا اج���ت���ن���ب َ ���ت ع َّ �������دو ال����ل����ه إذ ُ ِ ص���اح��� َب���ه���ا ���ت ع��ل��ي��ه��ا أن ُأ وم������ا ض���ن���ن ُ ���ح م��ع��ا ل���ق���د ح����رص ُ ����ت ع���ل���ى أن ن���س���ت���ري َ ����ن����ص���� ِل ِ ����ه مب وك�����ي�����ف أرك������ب������ه ي����س����ع����ى ُ ُ ن����ح����وي وأع������ج������ ُز ع����ن����ه ب����ع����دم����ا وق���ع���ا ال���������روع م����ن ُخ�� ُل��ق��ي م����ا ك�����ان ذل�����ك ي�����وم َّ ول�������و ت�����ق�����ارب م���� ّن����ي امل��������وت ف��اك��ت��ن��ع��ا أم ِ وي ُ ف�����ارس�����ا أج����ل����ت ع��ش��ي��رت��ه ���������ه ��������ل ِّ ً ���اب فارجتعا ح��ام��ي وق���د ض�� ّي��ع��وا األح���س َ ٍ َ���م���ي���ت م���ث���ل���ه ب���ط ٍ���ل مي����ش����ي إل�������ى م���س���ت ح���ت���ى إذا أم���ك���ن���ا س��ي��ف��ي��ه��م��ا ام��ت��ص��ع��ا ك ٌّ مِ����اض����ي احل������ ِّد ذي ش��ط ٍ��ب �����ل َي����� ُن�����و ُء ب ِ ����ي����اق ُ ����ل ع����ن ُد ِّر ِّي�����������ه ال��ط��ب��ع��ا ال����ص ج��ل�ا َّ ����ف ِ امل�������وت ح���ت���ى اش����ت ّ آخ������ر ُه ح��اس��ي��ت��ه َ ف����م����ا اس�����ت�����ك�����انَ مل�����ا الق�������ى وال ج���زع���ا اب ُم���خ���م���ل���ة ك�����������أنّ ِل َّ ������ـ������م������تَ������ ُه هُ ������������������ ّد ُ ُ أزرق ل�����م َي���ش���م���ط وق������د ص��ل��ع��ا أح��������� ُّم وإن ي����ك����نْ أرط������ب������ونُ ال��������روم َق َّ ��ط��ع��ه��ا ف���������إنّ ف���ي���ه���ا ب����ح����م ِ ����د ال�����ل�����ه ُم��� ْن���ت���ف���ع���ا - 22 - وم ق َّ ��ط��ع��ه��ا ف�������إنْ ي����ك����نْ أرط������ب������ونُ ال����������� ّر ِ ت������رك������ت ب����ه����ا أوص�������ال�������ه ِق���ط���ع���ا ف����ق����د ُ َب�����ن�����ا َن�����ت ِ ج���������ذم���������و ًرا ُأق������ي������ ُم ب��ه��ا َ��ت��ن ُو ُ �������در ال����ق����ن ِ ����اة إذا م����ا آن����س����وا َف���� َزع����ا ص َ القصيدة تعبر عن موقف إنساني نادر تعرض له الفارس العربي املجاهد وبارز يفت من عضده ولم القائد الرومي وأبلى بالء حسنًا حتى فقد يده اليمنى ولكن ذلك لم ّ يفقده جلده وإميانه. وقد اتسعت الفتوحات العربية في عهد الدولة األموية حتى وصلت اجليوش العربية إلى مملكة الصني وبلغت سمرقند والصغد وما وراء خراسان وبرزت صورة الترك بوصفهم أعداء العرب ،ووصف الشاعر ثابت قطنة ظفر العرب بالترك في إحدى املعارك مشير ًَا إلى ما جاء في احلديث الشريف« :كأنكم بالترك وقد جاءتكم على براذين مخذمة اآلذان» فقال يفتخر بالنيل من ملك الترك أو أحد عظمائهم الذي يلقبه ((( بـ «امللك الهمام» مَ���ي���م َف����������� َد ْت َن���ف���س���ي َف ِ ��������������وار َ س ِم������ن ت ٍ ض����� ِّن ِ وع ف�����ي َ ���ق���ام �����ك َغ����������دا َة َ ال�����������ر ِ ال���ـ���م ِ َ ٌ �����ري�����ك ������ي������س َل���������� ُه َش َف������� َل�������وال ال������� َل������� ُه َل َ ����م����ل ِ َو َ ����ام ض������رب������ي َق ����ك ال ُ �����ون�����س ال����ـ َ ����ه����م ِ َ ث��������ار �����ت ِن������س������ا ُء َب����� ّن�����ي َد �����ع ْ �����س َ ٍ ِإ َذن َل َ ب���������اد َي��������� َة ِ ِ ِ ������������دام اخل ��������رك َأم��������������ا َم ال�������� ُّت ِ وتتردد صورة (الترك) وقد انهزموا وولوا األدبار وكان قائد اجليش العربي في ((( تلك املعركة هو «سعيد احلرشي» وتغنى الشعراء بهزمية الترك فقال أحدهم: األخ������م������اس إذا س����ع����ي���� ُد س��������ار ف������ي ِ ف���������ي ره������������ج ٍ ي�����������أخ����������� ُذ ب������األن������ف������اس ((( تاريخ الطبري .163 :8 ((( املصدر نفسه .169 :8 - 23 - دارت ع����ل����ى ال�������ت ِ أم����������� ُّر ال����ك����اس �������رك َ ُ ���������رك ع�����ل�����ى األح����ل����اس وط�������������ارت ال��������� ّت و َّل���������������وا ف������������������را ًرا ع َّ �������ط�������ل ال�����ق�����ي�����اس والقصيدة تعبر عن موقف إنساني نادر تعرض له الفارس العربي املجاهد وبارز يفت من عضده ولم القائد الرومي وأبلى بالء حسنًا حتى فقد يده اليمنى ولكن ذلك لم ّ يفقده جلده وإميانه. وب��رزت ص��ورة (خاقان) ملك الترك والقائد التركي(نيالن) ويصف الشرعبي الطائي أحد من كانوا يحاربون في اجليش العربي -ما كان يالقيه اجلند من أهوال وهم منقطعون في تلك البقاع البعيدة ويصور بأس الترك وقوتهم وانخذال العرب أمامهم فيقول: ((( ت�������ذك�������رت ه������ن������ ًدا ف������ي ب����ل���اد غ����ري����ب ٍ����ة ُ َ م��ج��م��ع ل������ك ش�����و ًق�����ا ه�����ل ل���ش���م���ل���ك ف���ي���ا ُ ������اس ب���ي���ن���ي وب��ي��ن��ه��ا ت����ذكَّ ����ر ُت����ه����ا وال������ش ُ ِ ع������ص������ام وامل�����ن�����اي�����ا ت��ط��ل��ع ��������ب وش ْ ��������ع ُ ٍ ب�����ل����ا ٌد ب����ه����ا خ�������اق�������انُ ج�������� ٌّم زح������و ُف������ ُه ون������ي���ل��ان ف������ي س����ب����ع��ي�ن أل������ ًف������ا م��ق��ن��ع وس�����������ارت ج�����ن�����و ُد ُه دب خ������اق������انُ ْ إذا َّ أت�����تْ�����ن�����ا امل�����ن�����اي�����ا ع����ن����د ذل��������ك ت���ش���رع وكان األمويون يجاهدون لتأمني حدودهم من ناحية ،ونشر اإلسالم خارج حدودهم من ناحية أخرى ،فكانوا يغزون ثغور الروم في ما ُيعرف بـ»الصوائف» ووصلت طالئعهم اً سجال بني العرب وال��روم ،ويصف إلى أنطاكية وح��دود القسطنطينية ،وكانت احل��رب النابغة الشيباني حصار اجليش العربي ملدينة (طرندة) الرومية بقيادة مسلمة بن عبدامللك وانتهاء هذا احلصار بسقوط املدينة فيقول: ((( ((( تاريخ الطبري .95 :8 ((( ديوان النابغة الشيباني.51 : - 24 - واب ٌ ��������ر ٌد �����������ل َب ِ ��������رن�������� َد َة ِم�����ن����� ُه ِ َأخ���������زى ُط َ ُ اجل�����وف ������ع������ َّز ُل َو َع����س����ك���� ٌر َل�����م تَ����� ُق�����د ُه ال ُ م���ا َ ال��ـ��م��ي��م��ونُ َي��ح��ص�� ُره��ا زال َم��س��ل��م�� ُة َ َورك���� ُن����ه����ا ِب ِ ُ ����ق����ذوف ����ر َم ����ص����خ ِ ����ث����ق����الِ ال َّ ُ َ ����ب ح����اط����ت ِب���ه���ا َأ َو َق������د َأ ب����ط����ال ذي لجَ َ ٍ أس ال��� َّن���خ��� َل ِ ���ة ال��� ِّل���ي ُ َ ���ف كَ���م���ا َأ ���������ر ِ ح��������اط ِب َ ُ�����ل ن ِ ����وره����ا ِم����ن ك ِّ ���اح��� َي ٍ���ة َح���تّ���ى َع���� َل����وا س َ ����و َم���ل���ه ُ ���وف َوح��������انَ َم�����ن ك������انَ ف��ي��ه��ا َف ْ ����ه َ ����ب ن َم َف���� َأه���� ُل����ه����ا َب����ي��� َ ٍ ����ق����ت����ول َو ُم����س����تَ���� َل ٍ �����ق ف����ي ال ِ �����ق����� ِّد َم���ك���ت ُ �����ه����� ُم ُم�����و َث ٌ ���وف َو ِم�����ن ُ وقد اتخذ الصراع بني العرب والروم أبعا ًدا أعمق في العصر العباسي وتبارى الشعراء في تصوير هذا الصراع ووصفوا معارك الثغور التي احتدمت بني اجلانبني، وص َّوروا هزائم الروم وفرار بعض قوادهم ،وجند حضو ًرا مكث ًفا للروم في شعر ثالثة من كبار شعراء العصر العباسي :أبي متام واملتنبي وأب��ي ف��راس احلمداني وهو ما سنتناوله بالتفصيل: صور الروم في شعر أبي متام: ُق ِّدر ألبي متام أن يعاصر اخلالفة العباسية في عصرها الذهبي ،فكانت من القوة واملنعة مبكان ،حتى بسطت سلطانها على بالد كثيرة ،وصارت دولة مرهوبة اجلانب ،وقد احتدم الصراع بني العرب والروم آنذاك وكثرت معارك الثغور وغزوات العرب في أرض الروم وإحلاق الهزمية بهم في وقائع كثيرة مما ألهب خيال الشعراء ومنهم أبو متام الذي «وثق با ًبا جدي ًدا في الشعر العربي هو شعر احلرب ،وفتق في نطاق املوضوع معاني مستحدثة لم تعرف من قبل»(((. ((( الشعر والشعراء في العصر العباسي ،د .مصطفى الشكعة.669 : - 25 - ولعل أول شعر قاله أبو متام في تصوير الصراع بني العرب والروم قصيدته التي صور فيها معركة خاضها املأمون ضد الروم وفتح فيها حصن قرة ،وقد وصف فيها قوة جيش املأمون وكثرة عدده حتى لقد مأل الفضاء بحيث ال يستطيع املرء أن يدرك أوله ((( من آخره ،يقول: ���ب َذي َ ���ش س���ا َق��� ُه ���ه���ض َ َف��� َن َ ������ل َج���ي ٍ ���ح ُ ���ت تَ���س َ ��ي��ن َوق����������������ا َد ُه ا ِإلق������������دا ُم ُح������س������نُ ال����� َي�����ق ِ �����������ب تَ���������رى ُس اّ ���ّل��� َف������� ُه �����ر لجَ ِ �����ع�����ن ِ ُم����� ْث َ �����ج ٍ ٍ ((( �����ر ِق ال���� َف����ض ِ ب�����ن َ ����اء ِزح��������ام �����خ ِ َو َل ُ �����ه�����م مِ ُ َم���ل�� َ ���م�ل�ا ُع���ص��� ًب���ا َف����ك����ا َد ِب������� َأن ُي����رى أ ال���ـ َ ِ َ ف������ي������ه َوال َل����������� ُه ُق�������������� ّدا ُم �������ل�������ف ال َخ ���������ق ا َألي ِ ِ ��������اط��������لِ ُش�������� َّز ٍب ������س ������م لحُ ُ ِ ِب َ ������واه ٍ س������������������راج َوا ِإلجل����������������ا ُم تَ����ع����ل����ي���� ُق����ه����ا ا ِإل ُ وينتقل أبو متام إلى وصف املعركة الدامية معب ًرا بالصورة املجسدة عن شراستها واحتدامها ،ويتكيء على االستعارة في تشخيص (املعنوي) ويومئ إلى املعاني الدينية، شخصا مفط ًرا يلتهم األرواح، فيستدعي صورة الصيام ونقيضها حيث يتخيل املوت ً بينما الفرسان مشغولون بالقتال ،صائمون عن األكل والشراب حتى جاءت البشرى بالنصر وسيق ملوكهم وقوادهم إلى املأمون أسرى أذالء وتشتت جنود الروم بني صرعى ((( وجرحى .يقول أبو متام: ���ض���ت ال��������رو َم ِم����ن َ ق���ع ٍ���ة َح����تّ����ى َن��� َق َ ���و َ ����ك ِب َ �����ي�����س ِل���� َن����ق ِ ����ض����ه����ا ِإب����������را ُم َش�����ن�����ع�����ا َء َل َ ���م ِ ������ع������ر ٍك َأ ّم���������ا ِ ���ف���ط��� ٌر ف�����ي َم احل������م������ا ُم َف ُ َ ِ َ�����ي�����ه َوال�������كُ �������م�������ا ُة ِص�����ي�����ا ُم �����وت ف�����ي هَ ����� ْب َ ((( ديوان أبي متام ،حتقيق د .محمد عبده عزام .157-156 :3 ((( مثعنجر :استعارة من السيل واملطر ،يقال اثعنجر السيل واملطر إذا جاء بكثرة .والسالف :الذين يتقدمون اجليش. ((( ديوان أبي متام .157-156 :3 - 26 - �������رب ُي����ق ِ ���������ر َم ُك ِّ َوال ّ �������ل كَ���ت���ي��� َب ٍ���ة �������ض ُ ����ع���� ُد َق ْ ����ض����ري���� َب ِ ُ ����ة َو ُ �������رس ال َّ �������وف ِق���ي���ا ُم احل������� ُت َش َ ���ع���هِ ���م ف���ي ِ ���������رو َة َج���م ِ ���ه َو َق�����د ���ت ُع ���ص���م َ َ َف��� َف َ ����ص���� ُم َع�����ن ُع�����راه�����ا ال����ه����ا ُم ����ع���� َل ْ َج َ ����ت تَ���� َف َّ ����ت َأل�����ق�����وا ِدال ًء ف����ي ُب ِ ����م ْ ������ح������ور َك َأس���� َل َ ((( َ�����رع ِ َوا َألوذا ُم ك��������������راب �����ات�����ه�����ا ا َأل ُ ت َ ِ ���ش���ه ٍ���د ��������راك َف������������و َز ُة َم ����ل���إش م�����ا ك��������انَ ِل ِ َ ِ ن���������������ت َوا ِإلس�������ل�������ا ُم ف�����ي�����ه َو َأ َوال��������� َل��������� ُه َ َ��������ه�������� ُم ُت�������س ُ ����وكُ����ه����م �������اق ُم����ل ُ لمَ ّ���������ا َر َأي��������ت ُ ِح�������� َز ًق��������ا ِإ َل��������ي َ ��������ه�������� ْم َأن������ع������ا ُم ��������ك كَ�������� َأ َّن ُ َج����رح����ى ِإل������ى َج����رح����ى كَ�������� َأنَّ ُج����ل����و َدهُ ���� ْم َّ ال���������ع اّ ����ّل���� ُم ال�����ش����� ّي�����انُ َو ُي���ط���ل���ى ِب����ه����ا ُ ���اق���ط���ي َو َر ِق ال ِ ُم���تَ���س ِ ����ه���� ْم ����اب كَ���� َأ َّن ُ ����ث����ي ِ ِ ح���������د َث ف����ي����هِ ����م ا ِإلح������������را ُم دان�����������وا َف��������� ُأ ((( م�������ت َس����ي���� َف َ ����ك َغ������ر َب������ ُه َو ُذب�������ا َب������� ُه ك�������ر َ َأ َ �����س�����ي ِ َّ �����ف َ �����ك ا ِإلك������������را ُم ����ن����ه����م َو ُح َع ُ ������������ق ِل َ ����م ِ ����ب �����������ر َد َ ����وت َوهْ َ ����ركَّ ٌ دت َح������ َّد ال����ـ َ ��������و ُم َ َف َ �������������و ُزؤا ُم ف������ي َح������������� ِّد ِه َف���������ارتَ��������� َّد َوهْ َ هكذا تبدو صورة ال��روم وهم أذالء صاغرون وقد تب َّدد شملهم ووقعوا بني قتيل وأسير وجريح وقد متزقت ثيابهم وغطت الدماء أجسادهم وجترعوا م��رارة الهزمية. وقد رأى أبو متام أن الصراع بني العرب والروم صراع ديني يقوم على ثنائية (اإلميان مقابل الشرك) ولم تخل القطعة من صنعة أبي متام والعناية بالتشخيص من خالل أبنية االستعارة والتشبيه. ((( حوض ترع أي مملوء ،والوذم :سير من جلد أو نحوه والكرب :خيط مفتول ،واملعنى أنهم كادوك برأي خانهم كما خانت هذه الدالء اململوءة أوذامها وأكرابها. ((( الشيان :دم األخوين ،والعالم :احلناء ،وفيه قلب ،أراد تطلى بالشيان والعالم. - 27 - ونشهد صورة أخرى النسحاب الروم أمام اجليش العربي بقيادة أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وهو من أبرز القواد الذين أبلوا بالء حسنًا في الصراع بني العرب والروم وفي معارك الثغور بصفة خاصة وقد «أمضى أيامه منذ واله املعتصم على أرمينية ((( سنة 220ه�ـ إلى موته في خالفة املتوكل سنة 237ه�ـ يبني احلصون ويقاتل ال��روم» ويتغنى أبو متام بشجاعة هذا القائد العربي املظفر فيصف غزوه للروم وتوغله في ديارهم وهو يقود اجلياد القوية التي تشبه الصقور في سرعتها وانقضاضها على األعداء بقرى ( َد َر ْول َية) وقد مضى بجنده وخيله كاإلعصار املدمر حتى حاصر أسوار (القسطنطينية) وأضرم النيران حول قراها وأفزع الروم في (اخلليج) يقصد (خليج البسفور) .ومع أنه لم يحاصره إال أن أهلها باتوا في رعب وفزع حني رأوا شرر النيران التي يستضيء بها العسكر خلف اخلليج ،فصاروا يشعرون أنهم مطوقون محاصرون .وإن لم يحصروا، ((( خو ًفا من بطش أبي سعيد وانتقامه ،يقول: ِ ج������������اد ٌل �������ه�������نَّ َأ ُق َ اجل�������ي�������ا َد كَ������� َأ َّن ُ ����������دت ِ ِب�������� ُق��������رى َد َرو ِل������������� َي ٍ �������������ة َل������ه������ا َأوك�������������ا ُر ���ع َق��س َ ��ط�� ِل��ه��ا َع��ل��ى َح���تّ���ى ال���تَ���وى ِم����ن َن���ق ِ ح����ي����ط����انِ ُق����س َ ����ط����ن����ط����ي���� َن���� َة ا ِإلع������ص������ا ُر دون َ ����ج لأِ َه��� ِل���ه���ا �����������دت ِم�����ن َأو َق ِ َ اخل����ل����ي ِ َ �����ل�����ف َ �����ج َش��������را ُر ن����������ا ًرا َل����ه����ا َخ اخل�����ل�����ي ِ ِإلاّ تَ����كُ����ن ُح ِ �����ر ْت َف���� َق����د َأض����ح����ى َل��ه��ا �����ص َ ق�����ار َع ِ �����ة ِ ِ �����ار ِح���ص���ا ُر �������وف ِم�����ن َخ احل�����ص ِ ِ ُ ����ك َ ����او َع����ت َ ����ي����ل َل�����م تَ���ق��� ُف ْ ���ل ِب��ه��ا اخل َل�����و ط َ ِ َوال������ ُق������ف ُ ف����ي����ه َش����� ًب�����ا َوال ِم����س����م����ا ُر ������ل ويصف أبو متام حال الروم حني غزاهم أبو سعيد ،فقد أدركوا أنهم عاجزون أمامه، فدفعهم اجلنب واخلوف إلى الفرار ،فكان فرارهم عذ ًرا ،ولكن ذلك لم ينفعهم أو ينجيهم ((( احلدود اإلسالمية البيزنطية،د .فتحي عثمان .289 :3 ((( ديوان أبي متام .169 :2 : - 28 - من نار الوغى وبأس جيش أبي سعيد اجلرار فخشعوا لصولته وقد اشتدت وطأة حوافر اخليل التي تضرب األرض فصارت تصيح كما تخور البقر ألنها ال تستطيع أن تقلهم لثقلهم عليها ،وقد عرف أبو سعيد وجيشه الطريق جي ًدا ،فإن غزا مبك ًرا أرشدته األماكن واجلبال املرتفعة التي عليها األعالم ،وإن سرى ليلاً اهتدى بالنجوم وهم مصممون على ((( الوصول إلى أهدافهم في بالد الروم ،يقول: ������وك تَ������واكَ������ل َ ل���ـ���م���ا َل������ق َ ������وك َو َأع������������� َذروا ّ ���ع���ه��� ُم ا ِإلع��������������ذا ُر �������ر ًب�������اَ ،ف����� َل�����م َي���ن��� َف ُ هَ َ غ�������ى ُت َ ����ه����ن َ ����ب َوه������ا هُ ��ن��ا ����اك ن������ا ُر َو َف ُ ����ش ُّ ً ((( ٌ ������ي������ش َل���������� ُه لجَ َ ������������ب َو َث�������������� َّم ُم�����غ�����ا ُر َج ٌ َخ َ ���ص���و َل ِ���ت َ ����ي ِع��ن�� َدهُ �� ْم ��ش��ع��وا ِل َ ���ك ا َّل���ت���ي ِه َ ِ �����م ِ ف����ي����ه ع�����ا ُر �����ي�����س �����وت َي�����أت�����ي َل كَ�����ال�����ـ َ َ روب ِإ َل����ي����هِ ���� ُم ����ص����ل َ ����ت ِم�������نَ ال����������� ُد ِ ل���ـ َّ ���م���ا َف َ ��������ر ٍم ِل�������ل������ َ رض ِم�����ن����� ُه ُخ���������وا ُر أ ِ ِب َ ��������ر ْم َ ��������ع َ ���ر ُت ِ ِإن َي���ب���ت ِ ���ص���وى ������رش������ ْد ُه َأع����ل���ا ُم ال ُّ َ���ك ْ اً �����ي��ًل�� َف�����ال����� ُّن�����ج�����و ُم َم����ن����ا ُر �����س�����ر َل َأو َي ِ َ ����ه���� ْم َف �����م����� ُة ال���� َب����ي����ض����ا ُء م����ي����ع����ا ٌد َل ُ �����احل َّ ُ �����ف�����ل َح������تْ������ ٌم َو َ �����ل�����ي�����ج ِش����ع����ا ُر اخل َوال����� ُق ُ ويف ُّ نت أبو متام في تصوير احلالة النفسية للروم وما أصابهم من خوف ورعب ،فقد أدركوا أن غزو أبي سعيد لهم يعنى هالكهم واجتثاثهم واستئصال شأفتهم ،وقد ظهرت همسا ونداؤهم باإلشارة ،وحديثهم أو تناجيهم س ًّرا مالمح الرعب عليهم فصار مشيهم ً خو ًفا من بطش أبي سعيد وانتقامه ،يقول: َ���م���ث��� ِل ِ ������زو ك�������انَ ك ِ َع���� ِل����م����وا ِب���������� َأنَّ ال َ ���ه ������غ َ َ �����������زوا َو َأنَّ ال َ �����ن�����ك َب��������وا ُر �������زو ِم َغ ً �������غ َ ((( ديوان أبي متام .171-170 :2 ((( تواكلوك :أي تواكلوا نحوك ،أي فزعوا منك ووقف كل واحد منهم خلف اآلخر. - 29 - ����س َو ِ ���������ار ٌة َف���ال���ـ َ ���ي هَ ����م ٌ ال�������ن�������دا ُء ِإش َ ���م���ش ُ ����ت����ق ِ ��������وف ِان ِ ُ َ ����ك َو َ ����ام َ ������دي������ث ِس������را ُر احل َخ ويتحول أبو متام بخطابه إلى (منويل) قائد الروم ،فيسخر من جبنه وما َّ حل به من ذعر حتى ليتمنى لو أن كل مدينة صارت جبلاً مني ًعا يحتمي به ،وكل حصن أصبح غاد ًرا يختبئ فيه ،ولكن أبا متام ميعن في ترويعه وتخويفه مؤك ًدا له أنه لن يكون مبنجاة من بطش أبي سعيد ،فإن بقاءه في مكانه ش ُّر له وأصعب عليه من الفرار ،فهو مقضي عليه ((( ال محالة ،وقد جاء وقت االنتقام حيث يرى عجاج املوت وتسد آذانه جلبة املعركة ،يقول: ُ «م�����ن�����وي َ ط�����������راف ال��� َق���ن���ا �����ل» َأ ِإلاّ تَ���� َن����ل َ َأو ُت����ث����نَ َع����ن���� ُه ال���ب���ي ُ ه�������ي ِح������را ُر ���ض َو َ َف����� َل����� َق�����د مَتَ������� ّن�������ى َأنَّ كُ َّ ����������ل َم�����دي����� َن ٍ �����ة َج������� َب ٌ َّ ص������������� ُّم َوكُ ������ن غ������ا ُر �������������ل ِح������ص ٍ �������ل َأ َ ِإلاّ ت ِ ������م������ت َو َق���������د َر َأ ْت َ�����ف����� َّر َف����� َق�����د َأ َق َ �����������ر ِب كَ�����ي َ ����اك ِق���������� ْد َر َ َع����ي����ن َ �����ف ُت����ف����ا ُر احل ْ ����ث تَ���س���ت ِ ف����ي َح����ي ُ ����ر ِإذا َع�ل�ا ���ع ال َ َ���م ُ ����ه����ري َ ح��ي��ن ُي����ث����ا ُر �����و ِت َ �����م ْ �����اج ال�����ـ َ َوتَ���������رى َع�����ج َ َف����ان ُ ����اع ٍ ���م���نْ ��ي��ن َش����ج َ ����ر ِب َ �����ع ِ ����ة َف��� َل���تَ���ع��� َل َ ����ظ ْ ُ �����ت ِف��������را ُر ����ح َأنَّ ����ي����ث ُك�����ن َ ُ ال����ـ����م����ق����ا َم ِب َ ويصور أبو متام قائد الروم وهو في موقف الذل واخليبة في تهكم الذع وسخرية مرة فإذا رأي فلول جيشه املنهزم وقد جاءوا يشكون إليه ما حل بهم من هزمية لم يكن عنده مدد ميدهم به إال البكاء الغزير وتعزيتهم بضرب األمثال التي تنطوي على املذلة نحو ((( (الصبر أجمل وال مهرب من القضاء واملقدور كائن وبعض الشر أهون من بعض) يقول: ����م����ا َأتَ�������ت َ َ������ه������ ْم ����ه����م َأم������ َددت ُ �������ك ُف����ل����و ُل ُ ل����ـ ّ ِ ه���������ي ِغ�������زا ُر �����رات َو ال�����ع����� َب �����ق �����س �����واب ِ ِ َ ِب َ َ ((( ديوانه .172-171 :2 ((( ديوانه .172-171 :2 - 30 - ������ت َأم�����ث َ َو َ �����ال ال���� َّذل����ي����لِ َو َق�������د تَ����رى ������رب َ ض َ ذاك ال����� َّن����� ْق ُ َ �����ض َوا ِإل ْم��������������را ُر �����ر َأن َغ�����ي َ ���س��� َّل ٌ ج�����م ُ ���ط ����ص����ب���� ُر َأ ال َّ َ �����ل َوال����� َق�����ض�����ا ُء ُم َ �������ش������� ُّر ف����ي ِ �������وا ِب ِ �������ه َوال َّ َ ����ه ِخ����ي����ا ُر َف �������ارض ْ وميضي أبو متام في خطابه لقائد ال��روم (منويل) قائلاً :هيهات لك الفرار فقد جاذب أعنة خيولكم فارس مغوار ،فقد جذبتموها لتهربوا ،وجذبها هو فغلبكم ،فإذا حثثتم خيولكم على السير الشديد فعل املنهزم منعكم أبو سعيد ومضى في طلبك ولو اعترض دونك له النار القتحمها بنفسه ولم يحجم إال أن تعترض نار جهنم فتحرقك بلظاها عقا ًبا من الله حتى يثأر منك ،يقول: ِ ب����اس ٌ ����ي����ه����ات ج�������ا َذ َب َ ����ل �������ك ا َأل ِع�������� َّن�������� َة هَ َ ُي����ع����ط����ي ا َأل ِس��������� َّن��������� َة ك َّ ُ���������ل م�����ا تَ����خ����ت����ا ُر ����ار دو َن َ �������ك خ َ ��اض��ه��ا َف َ ���م���ض���ى َل����و انَّ ال����ن َ �����س����� ْي ِ �����ف ِإلاّ َأن َت������ك������ونَ ال�����ن�����ا ُر ِب�����ال َّ احل ُّ �������ؤوب َ �������و ال��ـ ُ��م��ش��تَ��ف��ي َح���تّ���ى َي ������ق َوهْ َ َ ������ن ف�����ي�����كُ ����� ْم ث������ا ُر ِم�����ن�����كُ�����م َوم���������ا ِل������ل������ ِّدي ِ ويرى أبو متام أن البطولة جتسدت في هذا القائد املغوار ،فيرسم -من خالله -صورة البطل الشجاع الذي يحمي الثغور ويبث الرعب في قلوب األعداء ،ويقض مضاجعهم ،وهو يقظ دائ ًما يخافه املشركون وتعنو له جباه اجلبابرة ،وهو في رباط أو جهاد دائم إما بالتوغل في بالد الروم مجاه ًدا وغاز ًيا ،وإما بإعمال الفكر فيما يذلهم ويكسر شوكتهم ،يقول: �����ح ع���ا ِل��� ًي���ا ���م���ا َح���� َل����ل َ ل���ـ ّ ����ر َأص����� َب َ ����ت ال���� َث����غ َ ������روم ِم������ن َ �����������وار ُج�����������وا ُر اجل ِل������ل ِ ذاك ِ ِ ((( َو ِاس��تَ��ي�� َق��ن��وا ِإذ ج َ ����اش َب���ح��� ُر َك َو ِارتَ���ق���ى َ َ ذاك ال������������� َّزا ُر ذاك ال����� َّزئ�����ي����� ُر َو َع���������� َّز ((( ((( اجلوار (مخففة الهمزة) :الضجيج أي عال ضجيجهم. ((( الزار (مخففة الهمز) من الزئير. - 31 - ��س�� َن��ـ ِ��ن األول����ى َأن َل���س َ ���ت ِن���ع��� َم اجل�����ا ُر ِل��ل ُّ ������س اجل��������ا ُر ِإلاّ ِإذا م������ا ُك������ن َ ������ت ِب������ئ َ َي ِ �����ظ َي�����خ ُ �����ق ٌ ����رك����ونَ َش�����ذاتَ����� ُه ����م����ش ِ �����اف ال����ـ ُ ِ �������ع َي����ع����ن����و َل���������� ُه َ اجل������� ّب�������ا ُر ُم�������ت َ�������واض ٌ ���������ل َرك ِ ُذ ُل ٌ �����ائ����� ُب����� ُه ِإذا م����ا ِاس�����ت َ �����ر ْت َ�����أخ َ �������وم������� ُه َأس�������ف�������ا ُر َأس������������ف������������ا ُر ُه َف ُ �������ه�������م ُ ���ل���م ٍ���ة َ������ب ا ِإل هُ َ س������ل�����ام َأ َّي���������� َة ُظ َ �������و كَ������وك ُ ِ �����م ُّ ����ف����ر ف���ي���ه���ا را ُر َي �����خ ال����كُ ِ ِ ������خ������ر ْق َف ُ ((( �����ه����� ُم ِب َ ���خ���ي��� ِل َ رت َأ َ ���وغ���ى غ��������ا َد َ رض ُ ���ك ف���ي ال َ �����ع�����ه�����ا َل�����ه�����ا ِم����ض����م����ا ُر َوكَ����������������� َأنَّ َأم����� َن َ ��������م��������ت ف���ي���ه���ا ِ ����ه��ًلً َو َأ َق َ����م ِّ َ واد ًع�������������ا ُم����ت َ َ �����������ك دا ُر َح�������تّ�������ى َظ������ َن������ ّن������ا َأ َّن��������ه��������ا َل ويصور أبو متام في قصيدة ملحمية هزمية أخرى للروم على يد القائد العربي املظفر أبي سعيد الثغري في معركة «وادي عقرقس» حيث اجتاح اجليش العربي بعض املدن الرومية مثل (درولية) و(فروق) ووصل إلى خليج البوسفور واقتحم بعض احلصون واملواقع الرومية وقد أحرز نص ًرا مؤز ًرا وحاز من الغنائم ما لم يجده من قبل في معارك بـ «مرو» في موضعني هما (ماشان) و(الزريق) ولوال أن خيله أعيت وك َّلت لواصل غزوه حتى يصل إلى أقصى بالد ال��روم ،يقول أبو متام مصو ًرا انطالق اخليول واقتحامها ((( املدن الرومية: �����ام����� َة ال َّ ����ض����واح����ي ِإل������ى َأن َو ِط������ َئ ْ ������ت ه َ ������ب������ذوق َأ َخ��������������� َذ ْت َح���� َّق����ه����ا ِم��������نَ ال������ َق ِ ((( ((( استعار للكفر ً مخا وجعله رارا ،أي ذائ ًبا مثل مخ املهزول. ((( ديوانه .435-434 :2 ((( القبذوق :مدينة رومية. - 32 - ُ ���ي���اط َح���تّ���ى ِإذا ِاس���تَ��� َّن���ـ ال���س ���ه��� َب���تْ���ه���ا َأل َ ِّ ِ ط��ل�اق����ه����ا َع����ل����ى ال����� ّن َ �����وق ������ت ِب���� ِإ ـ ْ �����اط�����ل ِ ((( ����ت ����م����ا ِاس����ت َ����ب����اح ْ َس���� َّن����ه����ا ُش������ َّز ًب������ا َف���� َل ّ َ ِب�����ال�����ب�����ق��ل��ار ك َّ ن��������ي��������ق ������ه������ب َو ُ����������ل َس ِ ٍ ((( ����أس ُي��زج��ي س�����ار ُم���س���تَ���ق ِ���د ًم���ا ِإل�����ى ال���� َب ِ َ �������ج�������ا ب ِ ������ق �����اس����� ًق�����ا ِإل��������ى ا ِإلب������س������ي ِ َرهَ ً ((( ُث��������� َّم َأل������ق������ى َع�����ل�����ى َد َرو ِل����������� َي����������� َة ال���� َب����ر �������ح ًّاً َك ُم ِ �����ق ���ًّل��� ِب�����ال����� ُي�����م ِ �����ن َوال�����تَّ�����وف�����ي ِ �������ح�������وى س�����و َق�����ه�����ا َوغ������������������ا َد َر ف��ي��ه��ا َف َ ِّ َ ٍ ����وق �����ت َع���ل���ى س������وق َم �����م ْ كُ������ل س ِ �������وت َط َ ال���س���ـ ������ق ������ه������ ُم ه�������ارب�������ونَ َب����ي��� َ ِ َف ُ ن َح������ري ِ ْ ـ���س ِ �������ار َ ����ري����ق احل ص���ل��� ًت���ا َو َب َ ����ي����ن ن ِ ِ ���ي���ف َ َ واج���������� ًدا ِب َ �����ج����� ْد َق ْ ����ط ���اخل ���ل���ي���ج م����ا َل�����م َي ِ ِ ِ ُ زي������ق مِ��������ا ش����������انَ ال َوال ِب������ال������ َّر ـ��������ط ب ِ ����ر َع���ن��� ُه ����م����ق����ادي ِ َل������م َي ُ �����ع����� ْق����� ُه َب�����ع����� َد ال����ـ َ ِ ق�����ي�����ق ����ل���اد َر ال��������ب َغ������ي������ ُر ِس ������ت������ر ِم����������نَ ِ ِ ٍ �����ص ِ َ�����ع ِ �����ه ك��ا �����������و انَّ ِ اجل������ي������ا َد َل������م ت ْ َو َل َ نَ َل������ َد ِ �����ر ال���� َب����ع����ي ِ ���ق ���س���ح���ي ِ ����د ال َّ ي������ه َغ�����ي َ ويشير أبو متام إلى عظمة تلك املوقعة التي هزّت أصداؤها أرجاء (القسطنطينية) عاصمة الروم وجعلت البطريق ملك الروم يستغيث ويستنجد بأنصاره دون جدوى وقد كثر أسرى الروم وقتالهم ،وقد جتلت عظمة القائد أبي سعيد وحسن إدارته للحرب إذ ((( الناطلوق :منطقة األناضول. ((( البقالر :في أرض الروم. ((( األبسيق :مدينة رومية. - 33 - يعلو صوته ساعة اجلد ويهدر كالفنيق في األمر والنهي ،ويكرر أبو متام ما سبق أن ردده من أنه كان باستطاعة أبي سعيد أن يتوغل إلى أبعد حدود الروم ،لو ساعدته اخليل على ((( بلوغ مرامه ،فلم يكن صع ًبا عليه أن يواصل فتوحاته في تلك البالد يقول: ��������ت َم�����دي����� َن����� َة ُق���س َ ���ط��� ْن���ـ ق������ع������ ٌة زَع��������ز ََع ْ َو َ ��������روق ����ور َف ��������ت ِب����س ِ ط��ي��ـ��نَ َح���تّ���ى ِارتجَ َّ ْ ِ ((( �������������������ق ال����� َق�����ن�����ا َع������ َل������ي ِ ِّ ������ه يمَ����ي���� ًن����ا َو َو َح �������ي َأم����ض����ى ِم�������نَ ُ ���ق احل �����س�����ام ال��� َف���ت���ي ِ ِ ِه َ راع َش���������� َّد ْت ُق����واه����ا َأن َل������و َانَّ ال������������ ِّذ َ َع ُ �������وق ع����ي����ن َس�����ه����� ٌم ِب������� ُف ������ض������ ٌد َأو ُأ َ ِ ((( م�����ا َرأى ُق���� ْف���� َل����ه����ا كَ����م����ا ز ََع������م������وا ُق��� ْف���ـ ����ق لاً َوال ال���� َب ����ع����م����ي ِ ����ح����ر دو َن������ه������ا ِب َ َ س���اع ِ ض���ن ِ ���ك ال ُّ َغ���ي��� ُر َ ���ة ال���� َّر ْو ���وع ف���ي َ ���ض���ل ِ ((( ض������ ِّي ٌ ِع َوال َ ���ض���ي���ق ال���ـ���م ������ق َغ������������دا َة ِ َ ِ ����ص ِ ���ه���ـ ����وت س���اع��� َة ا َأل ِ م������ر َوال��� َّن ْ َ ������ب ال َّ ذاه ُ ـ�������ي ِإذا َق َّ ����ق ���������ل َث��������� َّم هَ ������������� ْد ُر ال���� َف����ن����ي ِ ِ �����ل �������ر ِم�������ن ِس������� ِّر ِه�������م َو َق�����ت�����ي ٍ كَ�������م َأس�������ي ٍ ِ ������وب ِم������ن َد ٍم ك َ ����ل����وق َ����اخل ِ راد ِع ال������ َّث ِ ����ه اً َي��س��تَ��غ��ي ُ ��ث ال ِ���ب���ط���ري َ ��ًل� َوهَ ������ل ت ْ َ���ط ���ق َج ْ �����ق �������ب ِإلاّ ُم������� َب ِ �����ب�����ط�����ري ِ �������ط�������ر َق ال ِ ـ������� ُل ُ ويشيد أبو متام بانتصار أبي سعيد في معركة (وادي عقرقس) في بالد الروم ويراها تفوقت على وقائع العرب الكبرى في اجلاهلية كوقعة يوم التحالف أو يوم ((( ديوانه .437-436 :2 ((( قال الصولي :فروق قرب القسطنطينية. ((( أي لو ساعدته اخليل لم يك ّل عن بلوغ هدفه. ((( القفل :بلد في أرض الروم. - 34 - (فضة) الذي حلقت فيه بكر بن وائل شعورها وحتالفت على املوت ،ويشير أبو متام إلى ما حلق بالروم من هزمية ساحقة وإلى استخدام جيش أبي سعيد (املنجنيق) في ((( تلك املوقعة ،فيقول: �������ع������� ِّر ْد َو َب�����������������وادي َع������� َق�������ر ُق ٍ �������س َل��������م ُت َ ����ن����ي����ق �����وغ�����ى َو َع ِ �����م ِإل������ى ال َ َع�����ن َرس�����ي ٍ ((( َ�����غ�����اث ِب َ َ ������ك ا ِإل ْس������ـ َج�������� َأ َر ال����دي����نُ َو ِاس�����ت �����س�����تَ�����غ َ �����اث ال َ ����ق ال ُم ِل����ل���� َّن����ص ِ ����غ����ري ِ ����ر ُم ْ ��������ن ِ �������������ل ِب ِ �����ق�����ض ٍ �����ات وائ ������ر ب ِ ٍ َي�����������و ُم َب������ك ِ �����ق دونَ َي �����م ِ �����ر ال����� ِّزن�����دي ِ �����������وم ال�����ـ ُ �����ح َّ �����م َ ِ ����م ِ ����ات َ ذاك َوهَ ��������ذا ال���ـ َي�������و ُم َح���� ْل ِ ����ق ال���� ِل ّ ����ق ُ ���ل���وق احل ِ وم َي������و ُم َح���� ْل ِ َي������و ُم ف���ي ال�������� ُّر ِ ال��س َ ��ص��ـ ��ي��ف ِن��ص�� َف ُ َأ َ ��ه��م َو َرم�����ى ال�� ِّن ْ ط���ع��� َم َّ ـ َ ����ق أي ص����اف����ي ال����� ِّن�����ج ِ �����ار َع����ري ِ ������ف ِب َ �����������ر ٍ َو َأص���������اخ���������وا كَ������� َأنمَّ�������ا ك���������انَ َي����رم���� ْي����ـ َ ���ق ِه������� ْم ِب ���������ذاك ال����تَّ����دب����ي ِ ���ج���ن���ي ِ ����ر ِم������ن َم���ن َ ������������و َر ِّب ال���� َب����ي ِ ���ت���ي���ق َل���� َق����د َط��ح��ـ ال���ع َف ِ ����ت َ َ َّ ��ق َط ���ه���م ُركْ�������نَ َ ���ح���ت ِم���ن ُ ��ع��ت��ي ِ ال����ض��ل�الِ ال َ ويعزف أبو متام على قيثارة النصر ،فيتغنى بغزوتني مشهورتني اجتاح فيهما أبو سعيد قريتني كبيرتني من قرى الروم هما (صاغِ َرى) و(أوقضى) وكانتا في فصل الشتاء املعروف في بالد الروم ببرده القاتل ،وقد خاف هذا القائد الف ُّذ على جنوده من أن يلحقهم وحرصا على حياتهم وقد أبغض املطر وانهجام مكروه من البرد فقفل عائ ًدا بهم خو ًفا ً البرد الذي منعه من مواصلة غزواته وفتوحاته .يقول: ((( ((( ديوانه .441-440 :2: ((( الرسم والعنيق :ضربان من السير. ((( ديوانه .443-442 :2 - 35 - ������س َو َ َ اخل����� ْي�����ـ كَ����� ُر َم�����ت َغ�������ز َْو ت�������اك ِب������ا َألم ِ ٌ ق������������اق َو َ �����ق اخل ُل ِد ��������ط��������ب َغ�����ي����� ُر َدق�����ي ِ ُ �����س�����م ِ �����اء ِب َ ���خ���ض���را ح���ي�� َ ن ال ِج������ل������ َد ُة ال َّ ْ���������و ٍة ِب َ ����ق ����ط����ل����ي ِ َء َوال َو ْج�������������� ُه َش���������ت َ ور َث������������ت ص ِ �����م�����ا ص������غ������ا ًرا َو َرغ ً �����اغ�����ري َ َأ َ ���ل ال ُّ �����ت « َأو َق�����ض�����ى» ُق��� َب��� ْي َ َو َق َ ����روق ����ش �����ض ْ ِ رض ُق�������� َّر َة ِم�����ن ُق���� َّر كَ�����م َأف����������ا َء ْت ِم�����ن َأ ِ ��������رم��������وق �����������������������������ر ٍب َم �������ي������ن َو َر ْب ِة َع ِ ٍ َ َ ��������وف ال َ ����ام ال���ـ ن����������ت َخ ُث������ َّم آ َب������ت َو َأ َ ����غ����م ِ ������غ ِّ ـ َ �����وق ��������ب َخ�����ف ِ ��������ر ٍة َو َق��������ل ٍ ������ط ذو ِف��������ك َ ����س���� ْم����ـ ال ُت���ب���ال���ي َب �����������وار َق ال���ب���ي ِ ِ ���ض َوال ُّ ـ�������ر َو َل ِ ������روق لمَ���������ع ال������ ُب �����ت �������ك�������ن ب�����ا َل����� ْي َ ِ ِ َ ����������و َح ُّ ����غ����ي َ تَ����ش���� َن���� ُأ ال َ ���ب ����ث َوهْ َ �������ق َح���ب���ي ٍ ����غ����ض ِ َ ����وق ���������زم ف�����ي ِب ����م����وم ِ ����ة ال����ـ َ ُر َّب َح ٍ َل������م ت َ ������و ْف َ ال������ع������ ُد ِّو َوال َب ْ ���غ���ـ ض������� َّر َ������خ َّ َ ًي������ا َو َل ِ ������ك������ن تَ������خ ُ ������اف َ ����ق ����ص����دي ِ ض�������� َّر ال َّ تلك هي صفات القائد العربي أبي سعيد الذي يجسد البطولة في أعظم صورها وأشكالها ،فهو (األمنوذج) للقائد القوي الشجاع الذي يتحلى بصفات القيادة كاحلصافة وحسن التدبير ورجاحة العقل والرحمة والرأفة بجنوده واإلخالص في حماية الدين ،فال غرو أن يتغنى أبو متام بأيامه احلسان وفتوحاته وغزواته وأن يلهج بصفاته ،ويشيد مبآثره ومناقبه ،وال يفوته أن يعبر له عن حبه املفرط الذي يصل إلى درجة الوله والذهول ((( يقول أبو متام: ��������ك ِ ��������ام َ �������رو ِإنَّ َأ ّي َ احل�������س�������انَ ِم��������نَ ال َ ����وح ُح����� ْم����� ُر ال َ ���وق ���غ���ب ِ ِم لحَ ُ ����� ْم����� ُر ال َّ ����ص����ب ِ ((( ديوانه .443-442 :2 - 36 - ���ه���ـ ����ع���� َل ٌ ���م ْ ُم ْ ����م����ات كَ����� َأ َّن�����ه�����ا ِب�������ال������� َّد ِم ال���ـ ُ �����ق راق َأ ّي��������������ا ُم ال����� َّن�����ح ِ �����ر َوال�����تَّ�����ش�����ري ِ ِ ِ َ ����غ����ائ����نَ َع������ن َس���ا ال����ض َف���� ِإ َل����ي����كُ����م َب����ن����ي ِ �������وق ال������س �����ي����ن ِك����������نِ َب �������ع������� ُّي ِ ������م������اك َوال َ ِ ِّ ال����� َّن ِ َ �����ر ال�����������������وال َد ِة �����ي ِ ال�����ط����� ِّي ِ �����ب ال����� ُت ْ �����ق ِّ َب ِ �����روق �����ع ِ �����رى ال ُ ������ة َوال���ـ ُ ���م���س���تَ���ن���ي ِ���ر َم ْ �����س َ َأن��������ا َول������ه������انُ ف�����ي ِو ِ داد َك م�����ا ِع ْ ���ش���ـ ـ�������ت َو َن���������ش���������وانُ ف�����ي َ ���ف���ي���ق �����ك َغ������ي������ ُر ُم ُ ِ وقد خ َّلد أبو متام انتصار أبي سعيد على الروم في موقعة (وادي عقرقس) في ((( قصيدة أخرى قال في مطلعها: ����ع���� َّل����م����ا َع����س����ى َو َط����������نٌ َي�����دن�����و ِب�����هِ �����م َو َل َ َو َأن ُت����ع ِ ����ب ا َأل ّي������������ا ُم ف���ي���هِ ���م َف���� ُربمَّ����ا ����ت َ ��ض كَ��ال��ـ َ��م��ه��ا ���ن���ز ٌل َق���د ك����انَ ِب��ال��ب��ي ِ ���ه��� ْم َم ِ َل ُ ��ج��م��ا َف ُ ��ص��ي��ح ال��ـ َ ����ح َأع َ ��م��غ��ان��ي ُث����� َّم َأص���� َب َ ويتغنى أبو متام بانتصار أبي سعيد في وقعة (عقرقس) حيث جدع أنف الكفر والضالل ويذكر أسماء املواقع واحلصون التي اجتاحها مثل (ميمذ) و(البذ) فيقول: َّ ���ه���م َأ َ ���ع ٍ���ة ن������ف َج���� َد َ ع����ت َل ُ ���و ْق َ ال����ض��ل�الِ ِب َ ���م ِ ���ائ���ه���ا َم�����ن ت َ ت َ َ���خ��� َّرم���ا َ�����خ����� َّر ْم َ �����ت ف����ي َغ ّ ���س َأج��� َد ًع���ا َل ِ���ئ���ن ك����انَ َأم���س���ى ف���ي َع��� َق���ر ُق َ لمَ ِ ������ن َق����ب ُ ����رم����ا ����ل م����ا َأم����س����ى مِ َ ب����ي َ ����م���� َذ َأخ َ ����ي َو َق���� َّل����م����ا ����ال����ـ����م َ�����ه����� ْم ِب َث����� ِل����� ْم�����ت ُ َ َ ����ش����ر ِف ِّ َ�����ه����� َّدم�����ا �������وم ِإلاّ ت َ تَ������ َث������ َّل������ َم ِع��������� ُّز ال������� َق ِ ((( ديوانه .232 :3 - 37 - َق َ ���م ٍ���ذ ���ط ���ع���ت َب����ن����انَ ال��� ُك ِ َ ���ف���ر ِم���ن ُ ���ه���م مِ َ ب���ي َ ���ص���م���ا َو َأت��� َب���ع���تَ���ه���ا ِب �����ال�����روم كَ���� ًّف����ا َو ِم���ع َ ِ ����ه���� ْم هَ ������ َد ْدتَ������ ُه َوكَ��������م َج����� َب ٍ �����ل ِب����ال���� َب���� ِّذ ِم����ن ُ ���������وى َح���� َّل���� ْم����تَ���� ُه َل������و حَ َ ت��� َّل���م���ا َو غ����������او َغ َ ٍ ويصف أبو متام املعركة حني التقى اجلمعان وجنحت خطة أبي سعيد في اإليقاع بالعدو ليلاً ،فانهزموا وتفرق شملهم يقول: ����ع ِب ْ ال���ب ْ ��ش�� ُرن��ا ول��ـ��م��ا ال��تَ��ق��ى ِ ّ ���ش���رانِ َأن���� َق َ ِل ِ���ب���ش ِ���ر ِه��� ُم َح ً ���ص��� ْب ِ���ر ُم��ف َ��ع��م��ا ���وض���ا ِم����نَ ال َّ ِ س ����ي����ات َف حَ�������ت ال���� َب ِ ��������اع�������� َد ُه ت َ َوس َ ���������وار ٌ ����م ِ ����ة ال���� َل����ي����لِ َأ ُ جن���م���ا تَ����خ����ا ُل ُ ����ه���� ُم ف����ي َف����ح َ ْ����ه���� ْم َر ْو َع���������� ٌة ُث������ َّم َأ ْح����� َدق�����وا ����رت ُ َو َق�������د َن���� َث َ ِب ِ �������ت ِع�����ق����� ًدا ُم��� َن َّ ���ظ���م���ا �������ه ِم���ث��� َل���م���ا َأ َّل������� ْف َ ويلم أبو متام بتفاصيل ما جرى في تلك املعركة ويشيد بجهود قائدين من قواد أبي سعيد هما (بشر) و(محمد بن معاذ) ويشير إلى أنهما واجها مقاومة شرسة من الروم حتى كادا أن ينهزما لوال أن أدركهما أبو سعيد فجاء النصر على يديه فكان اً مثال للقائد امللهم ،يقول: ����ي ِإذ َر َأوا َرأى ال�����رو ُم ُ ص��ب ً ��ح��ا َأ َّن���ه���ا ِه َ ���ه���م���ا هُ ��م��ا َغ�������دا َة ِا ْل���تَ���ق���ى ال��� َّز ِ ح���ف���ان َأ َّن ُ ����ت ِم���ث��� َل��� ُه َف��� ُأ �����وم�����ا َل�����و مَتَ���� َّن����ي َ َ ع���ط���ي���ت َي ً َّ���وهُّ ���م���ا ع�����ج����� َز َري�����ع�����انَ ال���ـ ُ ���م��� َن���ى َوال���ت َ لأَ َ َ �����اع ٍ ������ر ْت لحَ ِ ���ق���ت ُ َ���ه���م���ا ف����ي س َ �����ة َل�����و تَ������ َأ َّخ َ ���������ر ا ِإلس�����ل�����ا ُم ط ِ �����ر َأش���� َأم����ا َل���� َق����د ز َ �����ائ َ َج َ - 38 - ���ر َّي ِ �����ح َق ُ ������ول َ ���ة ف���ي ا َّل����ذي اجل���ع��� َف ِ ص َّ َف��� َل���و َ َ ��ه��م��ا ل�����ه�����ام ِخ ����ص ِم������نَ ا ِإل ���ل���ن���اك ُم�� ْل َ تَ���� ُن ُّ ِ ويصف أبو متام هزمية الروم في (وادي عقرقس) ويحدد زمان املعركة بيوم(السبت) الذي كان يوم النصر والبهجة ،ولوال أن املسلمني يعظمون يوم اجلمعة (العروبة) ويجعلونها كالعيد ،التخذوا (السبت) عي ًدا وموس ًما ،يقول: ِ َف�������� ِإن َي ُ ������س �������ك َن ����ص����ران���� ًّي����ا ال���� َّن����ه���� ُر آ ِل ٌ ����س ُم��س�� ِل��م��ا َف��� َق���د َو َج��������دوا وادي َع���� َق����ر ُق َ ��س��ب ِ ��ض َوال�� َق��ن��ا ��ت ِب��ال��ب��ي ِ ِب ِ���ه ُس ِ��ب�� ُت��وا ف��ي ال َّ احل ْ �������و ْوا ِم���ن��� ُه ِإل����ى َ ��وم��ا ����ش ِ ����ر ُن َّ ُس���ب���ا ًت���ا َث َ ����ع����رو َب ِ ����ة َل�����م َي�����زَل َف���� َل����و َل�����م ُي��� َق ِّ ���ص���ر ِب����ال َ ������������ام ع����ي���� ًدا َو َم ِ ����وس����م����ا �����ر ا َأل ّي َل����ن����ا ُع ُ ِ �����م َ ����ب����وس ِب����� َأ َّن����� ُه ال����ع َ���������ر ال����� َّده����� ُر َ ُ َوم�������ا َذك َ ال���س ِ ��س��م��ا �����وم ���ب���ت ِإلاّ تَ�� َب َّ َّ َل������ ُه ِاب�������نٌ كَ����� َي ِ ويصف أبو متام ما َّ حل بالروم في هذا اليوم حيث صارت جثثهم وأشالؤهم غذاء عرسا لإلسالم للطيور اجلارحة والوحوش ،وغدوا وليمة شهية في ذلك اليوم الذي كان ً ومأمتا للكفر: ��ّل� َر ط ِ رض ال���� َب���� َق اّ َو َل������م َي َ ���ائ��� ٌر ���ب���ق ف���ي َأ ِ ب�������ات ُم���و ِل���ـ���م���ا �����ع ِإلاّ َو َق���������د َ َوال َس����� ُب ٌ َوال َر َف�����ع�����وا ف����ي َذ ِل َ �����وم ِإث��� ِل��� ًب���ا ��������ك ال����� َي ِ حَ����تَ���� ُه َدم�������ا �����ج����� ًرا ِإلاّ َر َأوا ت َوال َح َ ((( ويصور أبو متام غزوة قام بها أبو سعيد في فصل الشتاء والثلوج تغطي الطرق وقد أقتحم حصون العدو في الشمال قاد ًما من اجلنوب ،ويعبر عن هذا احلدث بالصورة ((( اإلثلب :التراب واحلجارة. - 39 - تعبي ًرا أخ��ا ًذا ،فيشخص الشتاء في ص��ورة من له وج��ه عبوس متجهم ،وق��د عصفت الرياح اجلليدية املمطرة فأصابت وجه الشمس بالشحوب ولكن أبا سعيد حت َّدى هذا اجل ّو الرهيب وقدم بجيشه من اجلنوب إلى الشمال حاملاً سهام املوت للعدو ،طاعنًا الشتاء في أخدعيه حتى صار كالناقة املسنة وجنح في اجتياح حصون العدو وأصالهم سعي ًرا وأفسد خططهم في اإليقاع بجيشه على غرة في البيات ،فخاب مسعاهم أمام هذا القائد شيخ السياسة وصاحب اخليرات والتجارب في خوض املعارك إذ وصفه أبو متام بـ«قشعم السياسة» وشبهه في حنكته وخبرته باملسن من النسور ،كما وصفه بـ(حية الليل) التي تسري في الظلمات البتالع فراخ الطائر وهو وصف رمبا لم يستعمله أحد قبل الطائي ألن العرب تقول(:حية الوادي وحية اجلبل ولم تقل :حية الليل) وقد استخدمه أبو متام ليكون أدهى في وصف أبي سعيد وكأنه ال ينام الليل طل ًبا للعدو وكأن حزمه يضيء بالليل فيصير كاليوم الشامس كما يتضح من قوله (يشمس احلزم منه) وهي صورة جديدة جمع فيها أبو متام بني الشمس والليل فاتصفت بالغرابة واجلدة ،يقول أبو ((( متام واص ًفا هذه الغزوة الشتائية �����ت َوال ِّ َل����� َق ِ �����ش�����ت�����ا ُء َل������� ُه َو ْج�����ـ �����ع َ �����ص ْ �����د ا ْن َ ����م����ا َق���ط���وب���ا ـ������ ٌه َي�����������را ُه ال�����كُ�����م�����ا ُة َج ْ ����ه ً ِ �����ر ال َّ ���ح���ا �����ش�����م�����الِ ُم���ت���ي ً ط����اع���� ًن����ا َم����� ْن َ �����ح َ ِ ال���������ع��������� ُد ِّو َم�������و ًت�������ا َج����ن����وب����ا ����ل���اد ��������ب ِل ِ َ �����خ����� ِّد ال ْ �����ي�����ال تَ�����ك�����ا ُد ُت���ب���ق���ي ِب َ ���ش���ـ ف����ي َل ٍ ���س ِم�����ن ري ِ ـ َ ���ح���ه���ا ال��� َب���ل���ي���لِ ُش��ح��وب��ا ���ش���م ِ ُ َ ٍ ����ت �������������روب ُأ احل ��������رات ِإذا َس�������� َب ب����ي����خ ْ ُ ����ت ُح�����روب�����ا �������اج ِص���� َّن���� ْب���� ُره����ا َف����ك����ا َن ْ ه َ ((( �����ش�����ت�����ا َء ف�����ي َأخ����� َد َع����� ْي ِ ب�����ت ال ِ َف َ �����ه �����ر َ �����ض َ َ ��������������و ًدا َرك�����وب�����ا ض�������ر َب������� ًة غ���������ا َد َرتْ��������� ُه َع ْ ((( ديوانه .168-165 :1 ((( السبرات :الغدوات الباردات .والصنبر :شدة البرد .وأبيخت :سكنت. - 40 - ���س ِ ����خ����ن����ا ِم�����ن َب����ع ِ ص ْ ���ع���ن���ا ���م ْ َل�����و َأ َ ����ده����ا َل َ َ ������ن������ك َوج����ي����ب����ا ������������������ام ِم ������ل������وب ا َأل ّي ِل������ ُق ِ ِ ُك ُّ َ��ل��اع َو َأك����ش����و ������ل ِح����ص ٍ ����ن ِم�����ن ذي ال�����ك ِ ((( ِ �����وم�����ا ِع���ص���ي���ب���ا ����ت ث������ا َء َأط���� َل����ق َ ف���ي���ه َي ً ������س������ي ِ ص������ل������ي اً ������ر ًّن������ا ������وف ُم ِ َو َ ���ًل�� ِم���������نَ ال ُّ َو ِش�������ه�������ا ًب�������ا ِم����������نَ َ ��������ري��������ق َذن�����وب�����ا احل ِ َ رادوك َو َأ ِب������ال������ َب������ي ِ ������ات َو َم������������ن ه����ـ َ ((( ����ع����ا َو َع����س����ي����ب����ا ـ�������ذا ُي�����������رادي ُم����ت����ا ِل ً ����اس ِ ������������ر َأوا َق ْ ����ة َق�����د َث��� ْق���ـ َف ����ش َ ����ع���� َم ال ِّ ����س����ي َ َ �����ف ِم������ن ُج������ن ِ ـ����� َق َ ������د ِه ال���� َق����ن����ا َوال���� ُق����ل����وب����ا َح����� َّي����� ُة ال���� َل����ي����لِ ُي����ش ِ ����س َ احل���������ز ُم ِم���ن��� ُه ����م ُ ����ار ال ُ ���غ���روب���ا ����س ال���� َّن����ه ِ ِإن َأرا َدت َش����م ُ ويصور أبو متام في قصيدة أخرى هزمية (توفيل) قائد الروم أمام جيش خالد بن يزيد وفراره من مواجهته وقد ظل الردى يالحقه كأنه مشغوف به وقد أخذ يطلب العفو بإنفاذ الكتب والرسل ولكن دون جدوى ،ويصوره بطريقة ال تخلو من التهكم وقد أخذ يتخبط وارتعدت فرائصه وضاقت الدنيا في وجهه فظل ال يلوى على شيء ،ونار اخلوف والكرب تلفح قلبه وقد فقد ثقته حتى بنفسه ،يقول: ((( ِ ُ راي������ات َ ������ك ا َّل���ت���ي ت���وف���ي���ل ����ـ����م����ا َرأى َو َل ّ ��ب ��او ُم��ه��ا ِإذا م��ا ِات��َل�أَ َ َّب ْ ����ت ال ُي��ق ِ ُّ ال��ص�� ْل ُ ���ب���اع ِ ِ َ����و ّل����ى َو َل������م َي ُ ���ه ������أل ال������� َّردى ف���ي ِا ِّت ت َ ((( �����د ِه ه ِ �����ص ِ ���ب ����ائ���� ٌم َ ص ُّ كَ������� َأنَّ ال������� َّردى ف���ي َق ْ ((( الكالع وأكشوثاء :حصنان في بالد الروم. ((( متالع وعسيب :جبالن. ((( ديوانه .191-189 :1 ((( اتألبت :استقامت. - 41 - ���ح ٍ���ة كَ��������� َأنَّ ِب����ل���ا َد ال���������روم ُع َّ ����م����ت ِب َ ���ص���ي َ ِ ض َّم ْت َحشاها َأو َرغ��ا َو َ َف َ الس ْق ُب سطها َّ ِب���ص ِ ���ن َواق���تَ���رى ���م��� ْي���ـ ِ ���ر ِة ال�� ُق��ص��وى َو ِط َّ ���اغ َ ((( واب����� ُل َ ْ���ب �����ر ْن �����ط�����اووس ِ ���س���ك ُ �����ك ال َّ َ ِب���ل���ا َد َق َ ���ب ُم ِ َغ�����دا خ ِ ��ذع�� ًن��ا ���ائ��� ًف���ا َي��س��تَ��ن ِ ��ج�� ُد ال��� ُك���ت َ ����ك َف��ل��ا ُر ْس ٌ ���������ل َث���� َن����ت َ َع���� َل����ي َ ْ���ب ْ����ك َوال كُ���ت ُ ���وم���ا ِب ِ َوم�����ا ا َأل َس������� ُد ال ِّ ��س ��ع��اك ٍ ���ض���رغ���ا ُم َي ً َ��ل��ب ص���ر َ مي���تَ��� ُه ِإن َأنَّ َأو َب��ص�� َب َ َ ��ص ال��ك ُ ((( ����ح َق���ل��� َب��� ُه َ�������ر ِب تَ����ل���� َف ُ َو َم���������� َّر َون����������ا ُر ال�������ك ْ َوم�����ا ال�������� َّر ْو ُح ِإلاّ َأن ُي����خ ِ َ���رب ����ر ُه ال���ك ُ ����ام َ ���س��� ُه ���ر ال���� َّد ِ َم���ض���ى ُم ِ ب����ور َو َن���ف ُ ����دب���� ًرا َش���ط َ َع��ل��ى َن ِ ��ف��س ِ��ه ِم���ن س ِ ������ب ����وء َظ����نٍّ ِب��ه��ا ِإ ْل ُ ((( ���رق َح��تّ��ى َظ���نَّ َم���ن ك���انَ ج ِ َج��ف��ا ال َّ ���ش َ ��اه اً�ًل� َ ���رب ����ن ال��� َّن���ص���ارى َأنَّ ِق��� ْب��� َل���تَ��� ُه ِب����دي ِ ال���غ ُ وتلفتنا هذه السخرية من (توفيل) ال سيما في البيت األخير الذي يصور فيه فراره شطر الغرب حتى ليظن اجلاهل بالنصرانية أن قبلة الصالة عندهم هي الغرب ال الشرق. قصيدة أبي متام في فتح عمورية نظم أب��و مت��ام قصيدته ف��ي فتح عمورية واإلش���ادة بانتصار املعتصم على البيزنطيني ،وكان (تيوفيل) إمبراطور بيزنطة قد أغار على زبطرة((( وأعالي الفرات ون َّكل بأهلها ،فأمر املعتصم ب��إع��داد جيش ق��اده بنفسه لالنتقام من ال��روم وكان ((( السقب :ولد الناقة التي عقرها ثمود فصارت شؤ ًما عليهم ،فكأن الروم كذلك. ((( بصبص الكلب بذنبه :إذا حركه تقر ًبا لإلنسان ومداراه. ((( إلب :تألبوا عليه. ((( زبطرة :مدينة بني سميساط واحلدث في الطريق إلى بالد الروم. - 42 - املنجمون قد زعموا أن املعتصم ال يفتح عمورية ونصحوه بعدم اخلروج لتشاؤمهم بظهور جنم ذي ذنب ،وراسلته الروم بأنَّا جند في كتبنا أنه ال تُفتح مدينتنا إال في وقت إدراك التني والعنب ،وبيننا وبني ذلك شهور مينعك من املقام بها البرد والثلج، فلم يعبأ املعتصم بذلك ،وخرج بجيشه متوغلاً في بالد الروم في آسيا الصغرى، فأحرق املدن واستباح القرى ووطئت اجليوش أنقرة فخربها حتى وصل إلى عمورية فحاصرها وكان يدافع عنها في ما يروى تسعون أل ًفا فضربها باملجانيق وفتحها فتحا عظي ًما وانتصا ًرا كبي ًرا .وقد عبر أبو متام عن عنوة وأضرم فيها النيران ،فكان ً ابتهاجه بهذا النصر املؤزر واستهل قصيدته باإلشارة إلى تخرصات املنجمني وما زعموه عن ظهور املذنب مؤك ًدا أن الفيصل للقوة والعقل وليس في االستسالم لكتب التنجيم والتنبؤ واخلرافة ،يقول أبو متام(((: ال���س ُ ���ب ���ي���ف َأص��������� َد ُق َأن�����ب�����ا ًء ِم������نَ ال��� ُك��� ُت ِ َّ اجل������ ِّد َوال��� َل ِ ف���ي َح������� ِّد ِه َ ���ب احل������ ُّد َب َ ��ي��ن ِ ���ع ِ ��ص��ح ِ ��ص��ف ِ ��ائ ِ ب��ي ُ ��ف في ��ض ال َّ ��ائ ِ��ح ال س���و ُد ال َ ِ ال�����ش ِّ َ �������ب ����ت����ون����هِ ����نَّ َج����ل����ا ُء ُم �����ك َوال������� ِّر َي ِ رم����������اح ِ َوال ِ ����ع���� ًة ����ب ا َأل ����ع����ل���� ُم ف����ي ُش ُ الم َ ����ه ِ ِ ��س��ب َ��ع ِ��ة ال ُّ �ي�ن َ ��ب َب َ ��س ِ ��ش ُ��ه ِ �ين ال ف��ي ال َّ اخل��م��ي َ ������روا َي������ ُة َب����ل َأي������نَ ال��� ُّن���ج���و ُم َوم���ا َأي������نَ ال ِ ص���اغ���و ُه ِم����ن ُزخ������� ُر ٍف ف��ي��ه��ا َو ِم�����ن ك ِ َ�����ذ ِب ت َ ص�������ا َو َأح��������ادي�������� ًث��������ا ُم����� َل����� َّف����� َق����� ًة َ�������خ������� ُّر ً ������ر ِب َل���ي َ ����ع ِإذا ُع�������� َّد ْت َوال َغ َ ���س���ت ِب���� َن���� ْب ٍ َع����ج ِ ����ائ���� ًب����ا ز ََع������م������وا ا َأل ّي������������ا َم ُم���ج ِ ���ف��� َل��� ًة �����ب ����ر ا َألص�����ف ِ ص���� َف ِ َع���ن ُ �����ار َأو َر َج ِ ���ه���نَّ ف���ي َ ((( ديوانه .73-40 :1 - 43 - ��م ٍ��ة �����وف�����وا َو َخ َّ ال���ن���اس ِم����ن َده����ي����ا َء ُم��ظ�� ِل َ َ َ���ب ال َ ���ب ���غ ِ ���ي ذو ال��� َّذ َن ِ ِإذا َب����دا ال���كَ���وك ُ ���رب ُّ ����رتَّ���� َب���� ًة ص������ َّي������روا ا َألب����������� ُر َج ال ُ َو َ ���ع���ل���ي���ا ُم َ ���ب ����ي����ر ُم���ن��� َق��� ِل ِ م����ا ك�������انَ ُم���ن��� َق��� ِل��� ًب���ا َأو َغ َ ه������ي غ ِ ���اف��� َل��� ٌة �����ر َع��ن��ه��ا َو َي���ق���ض���ونَ ِب�����ا َألم ِ َ �����ك ِم���ن���ه���ا َوف������ي ُق ُ دار ف����ي ُف����� ُل ٍ ���ب ���ط ِ م����ا َ ����ع ِ ����وق ِ ����ل َم ِ ����ت َق ُّ ������ط َأم�������� ًرا َق����ب َ ����ه َل�����و َب���� َّي���� َن ْ ���خ ِ ���ف م���ا َح َّ َل���م ُت ْ ���ب ����ل ِب�����ا َألوث ِ �����ان َوال ُّ ���ص��� ُل ِ ونالحظ أن أبا متام لم يبدأ قصيدته بداية تقليدية وإمنا بدأها مبا يناسب هذا الفتح املبني وأفرد األبيات العشرة األولى ملا سبق الفتح من مالبسات وظنون غيبية تبناها املنجمون وأوهموا الناس بصحتها ،وكانت هذه املزاعم كفيلة بتخويف املعتصم وقادته لوال حكمته وثقته بقوته وتصديقه بالقول املأثور « كذب املنجمون ولو صدقوا» وعندما حتقق النصر وثبت ك��ذب املنجمني كانت الفرحة بالفتح طاغية وك��ان على أبي متام أن يطيل في تهكمه وسخريته مبا أشاعه املنجمون ليكون في ذلك درس وعبرة ويشيد أبو متام بهذا الفتح املبني ويصفه بـ(فتح الفتوح) ويراه أكبر من الشعر واخلطب فهو من معالم اإلسالم وليس كل الفتوح مثله ،وكأن السماء ابتهجت واحتفلت اً وابتهاجا ،يقول: احتفال وتعظي ًما به بالغيث والرحمة وارتدت األرض أثوابها القشيبة ً ���ط ِب ِ ���ت���وح تَ���ع���ال���ى َأن ُي���ح���ي َ ���ه ���ت���ح ال��� ُف َف ُ ِ ِ ُ اخل َ ���ب ��ع��ر َأو َن���ث��� ٌر ِم����نَ َن���ظ��� ٌم ِم����نَ ال��ش ِ ���ط ِ �����س�����م ِ �����اء َل����� ُه َّ�����ح َأ َف�����ت ٌ �����ح تَ����� َف�����ت ُ ُ ب�����������واب ال َّ ث���واب���ه���ا ال�� ُق ُ َوتَ�����ب����� ُر ُز ا َأل ُ ��ب رض ف���ي َأ ِ ��ش ِ ويتوجه أبو متام باخلطاب إلى يوم النصر الذي حدثت فيه وقعة عمورية جلالله وعظمته ويعمد إلى االستعارة لتشخيص املعنى فيشبه املنى املعسولة التي حتققت - 44 - بالفتح بالنياق التي حفل ضرعها باللنب ،ويتغنى مبا حتقق لإلسالم من عز ومجد ،فقد صعد جنمه بينما تص َّدع بنيان الكفر وانهارت دعائم الروم ،وقد كانت عمورية كاألم التي جتمعهم وتضمهم كما تضم األم ولدها ،فلو استطاعوا الفتدوا خرابها بكل أم لهم ولدتهم وكل أب يقول: �����ع ِ ����ر َف����ت �����م ِ ي����ا َي�������و َم َوق َ �����ة َع ّ �����ور َّي����� َة ِان َ ����ص َ ��م��ن��ى ُح��� َّف اً�ًل� َم���ع���س���و َل��� َة َ ِم���ن َ ���ب احل��� َل ِ ���ك ال��ـ ُ ���ع ٍ���د ���ي���ت َج����� َّد َب���ن���ي ا ِإل َأب��� َق َ ص َ س����ل���ام ف���ي َ ِ ِ ال���ش ِ ��ب دار ���م���ش ِ���رك َ ص�� َب ِ َوال���ـ ُ ���رك ف���ي َ �ي�ن َو َ ��ع��ل��وا ُأ ٌّم َل ُ ���ه���م َل����و َر َج������وا َأن ُت���ف���تَ���دى َج َ ِف���������دا َءه���������ا ك َّ �����ن�����ه����� ُم َو َأ ِب ُ����������ل ُأ ٍّم ِم ُ ويحتفي أبو متام في جتسيد هذا احلدث العظيم بالصورة ويتوسل باالستعارة والتشبيه والكناية لتشخيص املجردات واملعنويات ،ويصور استعصاء املدينة وامتناعها عن فاحتيها قبل املعتصم ،فيشبهها بامرأة شابة تتيه بجمالها وشبابها وقد خطبها العظماء فلم يحظوا بها ،فاستعصت على ملوك الفرس وتبابعة اليمن وظلت بك ًرا لم تفترعها أكف احلادثات منذ عهد اإلسكندر أو قبله حتى لقد شابت ذوائب الليالي وهي لم تزل شابة حتى صارت كأنها زبدة السنني ولكنها لم تبخل بشبابها على املعتصم وتفريجا للكرب على الفاحتني ففتحها وكان الفتح خط ًبا مدله ًما على الروم من ناحية ً من ناحية أخرى ،وقد كان غزو (أنقرة) نص ًرا للمعتصم وشؤ ًما على عمورية ،وكأنها ملا خربت وهي أخت عمورية أعدتها باجلرب ،فإذا الهزمية تلحق بها ،وإذا أبطالها وفرسانها تتلطخ جباههم وذوائبهم بالدماء ,يقول أبو متام: ����وج ِ ����ت ِر َ ي��اض�� ُت��ه��ا ����ه َق����د َأع���� َي ْ ����������رز َِة ال َ َو َب ْ َ����ر ِب ص�����دو ًدا َع���ن َأب����ي ك ِ ص����� َّدت ُ ِك��س��رى َو َ َ����ر َع����تْ����ه����ا ك ُّ َ������ف ح ِ �����اد َث ٍ �����ة ِب�����كْ����� ٌر َف���م���ا ِاف����ت َ �����و ِب َ�������ر َّق ْ �������ت ِإ َل����ي����ه����ا ِه َّ �����م����� ُة ال����� ُّن َ َوال ت َ - 45 - ِم����ن َع ِ ���ب���ل َذ ِل َ ���ه���د ِإس����كَ����ن���� َد ٍر َأو َق َ �������ك َق��د ����ي َل���م ت ِ ��ب ش��ا َب ْ َ��ش ِ ��ت َن��واص��ي ال�� َل��ي��ال��ي َوهْ َ ����ض ال���� َل���� ُه ال ِ َح���تّ���ى ِإذا َم َّ ����خ َ �ي�ن َل��ه��ا ���س���ن َ ���ت ُزب������ َد َة ِ َم ْ ���خ َ ���ب ���ض ال�� َب��خ��ي�� َل ِ��ة ك���ا َن ْ احل��� َق ِ ال������س������ودا ُء س ِ ���������اد َر ًة َ����ت����ه���� ُم ال���� ُك����ر َب���� ُة َأت ُ َّ ����ر ِب ِم��ن��ه��ا َوك�������انَ اس ُ ���م���ه���ا َف����� ّر َ اج����� َة ال����كُ َ َج�����رى َل���ه���ا ال���� َف ُ ����ر ٍة ����ر ًح����ا َي������و َم َأن���� َق َ ����أل َب ْ ِ ���ش��� َة ال��س��اح ِ غ�����ود َر ْت َوح َ ���ب ِإذ ��ات َوال��� ُّر َح ِ ���ت لمَ ّ�����ا َر َأ ْت ُأخ���تَ���ه���ا ِب����ا َأل ِ م����س َق����د َخ ِ ���ر َب ْ ك�����انَ َ �������راب َل���ه���ا َأع������دى ِم�����نَ َ ������ر ِب اخل ُ اجل َ ِ ف��������ار ٍس َب َ ���ط ٍ���ل ح��ي��ط��ان��ه��ا ِم�����ن ن كَ�����م َب���ي�� َ ِ ق���ان���ي ال������ َّذ ِ ������ر ِب وائ ِ ������ب ِم�����ن آن�����ي َد ٍم َس َ ������ي ِم�����ن َد ِم ِ ����س���� َّن ِ اخل ِ ����س���� ْي ِ ����ف َو َ ������ه ِب ُ ����ة ال َّ ������ط ِّ ال ُس���� َّن ِ ���خ���ت ِ س�����ل����ام ُم ْ ���ب ����ن َوا ِإل ����ة ال����دي ِ َ���ض ِ ِ ويخاطب أبو متام (املعتصم) القائد املظفر الذي غادر أرض املعركة وقد أضرم النيران في املدينة في ذلك اليوم العصيب ف� َّ �ذل صخرها وخشبها للنار ويفنت في وصف حريقها ليلاً معتم ًدا على ما يسميه د.شوقي ضيف (قانون األض��داد) وهو استمداد تخلق في تضاعيفه هذا اخليال بل احللم العجيب ،فهو في الليل البهيم ويتصور كأ ْن في الصبح املضيء ،بل هو في الضحى املنير ،وكأمنا خلع الليل ثيابه بل كأن الشمس لم تغب ولم تغرب ،بل لقد غربت ولم تلبث أن أشرقت في ربوع عمورية، فيا للحلم ويا لروعته(((. ((( العصر العباسي األول ،د .شوقي ضيف ،ط .دار املعارف .285 : - 46 - يقول أبو متام: ال���ـ���م ِ ���ن�ي�ن ِب��ه��ا �����ر ���ؤم َ َ�����ر َ ُ ك�����ت َأم�����ي َ َل���� َق����د ت َ اخل َ ���ص���خ ِ���ر َو َ ���وم���ا َذل���ي َ ����ب ِل���ل���ن ِ ����ش ِ ���ار َي ً ���ل ال َّ �����و ُ ��ى غ�����ا َد َ رت فيها َب��ه��ي�� َم ال�� َل��ي��لِ َوهْ َ ض��ح ً َي ُ ���ش��� ُّل��� ُه َو ْس َ ���ب ����ح ِم�����نَ ال��� َّل َ ���ه ِ ���ط���ه���ا ُ ص���� ْب ٌ ����ت ���ب ال���� ُّدج����ى َر ِغ���� َب ْ َح���تّ���ى كَ������� َأنَّ َج�ل�اب���ي َ ���س َل����م ت ِ َع����ن َل ِ ���ون���ه���ا َوكَ��������� َأنَّ ال َّ ���ب َ���غ ِ ���ش���م َ ����اء ع ِ ����ظ����ل����م ِ ����ار َوال َّ َ ���اك��� َف��� ٌة ض�������و ٌء ِم������نَ ال����ن ِ ���ى َش ِ ������ان ف���ي ُ ��ب ���م��� ٌة ِم����ن ُدخ ٍ ��ح ِ َو ُظ��� ْل َ ض���ح ً َف���ال ّ ����ت ���ع��� ٌة ِم����ن ذا َو َق������د َأ َف���� َل ْ ���س ط���ا ِل َ ���ش���م ُ َو ّ تجَ���ب واج����� َب����� ٌة ِم����ن ذا َو َل������م ال���ش ���م���س ِ ِ ُ وتنعكس فرحة أبي متام ونشوته بالنصر على لغته الشعرية وإيقاعاته فنحس بها تتراقص متجاوبة مع هذه الفرحة بالنصر من خالل هذه الصورة الرائعة التي تتجسد فيها بطولة املعتصم في أبهى صورها ،يقول: ����م ِب�����ال����� َل ِ تَ����دب����ي���� ُر ُم����ع����ت ِ �����ه ُم���ن���ت ِ َ���ق ٍ���م َ����ص ٍ ������ه ُم����رت ِ �����ب ف�����ي ال������ َل ِ ِل������ َّل ِ ������ه ُم�����رت ِ ����ب َ����غ ِ َ�����ق ٍ ���ه ْ ���ض ِإل�����ى َب��� َل ٍ���د ���وم���ا َو َل�����م َي���ن َ َل����م َي���غ��� ُز َق ً ِإلاّ تَ������ َق������ َّد َم������ ُه َج�����ي ٌ ������ب �����ش ِم��������نَ ال������ َّر َع ِ ���وغ���ى َل َ ��غ��دا ���ح��� َف اً�ًل� َي�����و َم ال َ َل���و َل���م َي��� ُق���د َج ْ ِم����ن َن���ف ِ ����ب ���ح��� َف ٍ���ل لجَ ِ ِ ���س ِ���ه َو ْح���� َده����ا ف���ي َج ْ َرم�������ى ِب َ ���ه��� َّد َم���ه���ا ���رج���ي���ه���ا َف َ �������ك ال����� َل����� ُه ُب َ ������ك َغ����ي���� ُر ال���� َل ِ ����ه َل�����م ُي ِ َو َل�������و َرم������ى ِب َ ���ب ���ص ِ - 47 - ويشير أبو متام إلى رواية تاريخية تذكر أن امرأة هاشمية قالت في ذلك اليوم وهي مسب َّية :وا معتصماه ،فنُقل إليه ذلك احلديث ،فاستجاب لندائها وقد صرفه عن ثغور احلسان ما في قلبه من أمر الثغور التي ُأبيحت ومت َّكن العدو منها حتى شحذ قوته وأنفذ جيشه وهدم بنيان الكفر ولم يعرج على صغائر األمور التي يكنى عنها بـ (األوتاد ُّ والطنب) يقول: ص����و ًت����ا ِز َب ْ �����ت َل���� ُه �����ر ْق َ �����ط ِ َل��� َّب َ ���ي���ت َ �����ر ًّي�����ا هَ َ ض�������اب ُ ���ع��� ُر ِب َ�����أس ال���كَ���رى َو ُر اخل������ َّر ِد ال ُ َ ك َ َ ��ام ِ��ة َع��ن َع ������داك َح���� ُّر ال��� ُث���غ ِ ���ور ال��ـ ُ ��م��س��تَ��ض َ احل ِ ��غ��ور َو َع����ن َس��ل��س��ا ِل��ه��ا َ ��ب �����ر ِد ال�� ُث ِ ��ص ِ َب ْ ���س���ي ِ ��ص�� ِل�� ًت��ا َأ َج���� ْب����تَ���� ُه ُم ْ ���ف ُم�� ْن َ ���ع��� ِل��� ًن���ا ِب���ال َّ ���س���ي ِ ����ت ِب َ ����ب َو َل�����و َأ َج���� ْب َ ���ف َل����م تجُ ِ ِ ���غ���ي ِ���ر ال َّ ����ت َع����م����و َد ال ِّ ����ش ِ ��ن��ع ِ��ف�� ًرا َ����رك َ ����رك ُم َ َح���تّ���ى ت َ ِ وت���������اد َو ُّ ���ب �����ع����� ِّر ْج َع���ل���ى ا َأل َو َل������م ُت َ ال���ط��� ُن ِ ويصور أبو متام وقع الهزمية على (تيوفيل) قائد البيزنطيني الذي حاول أن يغري املعتصم باألموال ليرجع عنه وهو ال يعلم أن املعتصم أنفق الذهب الكثير الذي هو أكثر من احلصى ليس رغبة في ما يبذله (تيوفيل) من ذهب بل لينتقم منه ويقابله بسوء صنيعه ،فهدف املعتصم في (املسلوب) ال الغنائم والذهب ،وتذكر بعض الروايات أن ملك الروم حاول افتداء عمورية بكل ما يستطيع حتى إنه قبل فتحها وإحراقها بعث إلى املعتصم بوفد يحمل رسالة مضمونها« :إن الذين فعلوا بزبطرة ما فعلوا تع َّدوا أمري وأنا أبنيها مبالي ورجالي ،وأود من أخذ من أهلها ،وأخلي جملة من في بالد الروم من األسارى ،وأبعث إليك بالقوم الذين فعلوا بزبطرة على رقاب البطارق((( .وعندما باءت محاوالت (تيوفيل) بالفشل وشاهد أهوال املعركة وأدركته الهزمية لم يجد أمامه ((( أبومتام الطائي :حياته وحياة شعره.141: - 48 - إال الفرار بفلوله وقد أجلمت الرماح منطقه َّ فكف عن الكالم بينما استعرت أحشاؤه من الفزع والرعب ،فأخذ يسابق الرياح وكأنه موكل بالسير في اآلفاق وهو يعدو عدوا سري ًعا كذكر النعام (الظليم) في نفاره وشدة سرعته .يقول أبومتام: �ي�ن ت ِ ل��ـ ّ��م��ا َرأى َ ��س ������ر َب َر َ أي ال َ ���ع ِ ��وف�� ِل ٌ احل ْ َ َو َ ����رب الـمعنى ِم���نَ �����ر ُب ُم��ش��تَ�� َّق�� ُة َ احل َ احل ْ ((( ������ص������ ِّر ُف ِب��������ا َألم��������والِ ِج���ر َي���تَ���ه���ا َغ�������دا ُي َ ((( ���ار َو َ احل��������� َد ِب ����ع���� َّز ُه ال��� َب���ح��� ُر ذو ال���تَّ��� ّي ِ َف َ �����ز َع ِ �����ت ا َأل ُ ال����وق����و ُر ِب ِ���ه رض ���ات ُزع ِ هَ ���ي���ه َ َ ������زو ُم��ك��ت ِ ������زو ُم���ح���ت ِ ��ب ���ب ال َغ ِ َع����ن َغ ِ َ��س ِ َ���س ٍ ���ر ِت ِ���ه َل����م ُي���ن ِ���ف ِ �����ب ال���ـ ُ ���ق ال����� َّذهَ َ ���م���رب���ي ِب���كَ���ث َ احل���ص���ى َو ِب ِ َع���ل���ى َ ���ب ������ه َف��� ْق��� ٌر ِإل�����ى ال��� َّذهَ ِ ���م��� ُت���ه���ا ِإنَّ ا ُألس����������و َد ُأس���������و َد ال���غ���ي���لِ ِه َّ ��ب َي����و َم ال��كَ��ري َ ��س�� َل ِ ��ه ِ��ة ف��ي ال��ـ َ��م��س��ل ِ ��وب ال ال َّ �����ي َم���ن ِ اخل ِّ جل��������� َم َ َو ّل��������ى َو َق��������د َأ َ ���ط��� َق��� ُه �����ط ُّ ص َ ���ب ���س���ك���ت ٍَ���ة ت ���خ ِ حَ��تَ��ه��ا ا َألح����ش����ا ُء ف���ي َ ِب َ ص َ ال�����ردى َو َم��ض��ى ����رف َأ ْح�����ذى َق��راب��ي�� ُن�� ُه َ َ َي���ح���ت ُّ ����ر ِب َ���ث َأجن������ى َم����ط����اي����ا ُه ِم������نَ َ ال����ه َ �������وكَّ اً ����ش����ر ُف���� ُه رض ُي �����اع ا َأل ِ ِ ُم َ ���ًل��� ِب����� َي�����ف ِ ������وف ال ِم���ن ِخ��� َّف ِ ِم���ن ِخ��� َّف ِ اخل ِ ���ة ال َّ ���ة َ ���ر ِب ���ط َ ِإن َي���ع��� ُد ِم���ن َح��� ِّره���ا َع������ ْد َو ال َّ ��ظ��ل��ي ِ��م َف�� َق��د ����ت ج ِ َ���ث���ر ِة َ احل َ ���ب ����ع َ ���ط ِ وس ْ ��اح َ َأ َ ��م��ه��ا ِم���ن ك َ ((( احلرب (بفتح احلاء والراء) الغضب. ((( احلدب (بفتح الدال) األمواج. - 49 - وميتزج التاريخ بالفن فيشير أبو متام إلى ما قيل من أنَّ حماة املدينة من الروم كانوا تسعني أل ًفا ،ويردد ما روى من أن الروم بعثوا برسلهم إلى املسلمني يريدون خديعتهم ،يقولون لهم« :إنا نرى في كتبنا أن مدينتنا هذه ال تُفتح قبل نضج التني والعنب وأنها ال يفتحها إال أبناء زناء» فضحك املعتصم وقال « :أما فتحها قبل نضج التني والعنب فذلك ما سأفعله إن شاء الله ،وأما أنها ال يفتحها إال أبناء الزنا فمعي من أبناء الروم الكفاية». ((( ويردد أبو متام ما روته احلقائق التاريخية فيقول: ���ش���رى َن ِ ِ َ���آس���اد ال َّ ��ت ِت��س��ع��ونَ َأل��� ًف���ا ك ��ج ْ ��ض َ ���ج ال�� ِّت��ي��ـ ِ��ن َوال ِ ُج���ل���و ُدهُ ���م َق���ب َ ���ب ���ع��� َن ِ ���ل ُن���ض ِ ويختم أبو متام قصيدته بالدعاء للمعتصم بأن يكافئ الله سعيه ع ّما أسداه للدين من جالئل األعمال ويصور بطولته تصوي ًرا بدي ًعا ،فيرى أن (الراحة الكبرى) ال تتأتى متت بنسب إال على جسر من التعب واملشقة واملجالدة واملجاهدة ويرى أن فتوحاته ُّ قريب إلى أيام بدر ،وأنها أذلت الروم ورفعت هامات العرب وج َّلت وجوههم ،يقول: َخ��ل��ي�� َف�� َة ال���� َل ِ ����ه ج�����ازى ال���� َل���� ُه َس���ع��� َي َ ���ك َع��ن ���وم ِ س����ل���ام َو َ ����ب ����ن َوا ِإل ���ة ال���� ِّدي ِ ����س ِ ُج���رث َ ِ احل َ ����راح ِ َ���ره���ا َب ُ ����ر َت ِب����ال َ ����ة ال���كُ���ب���رى َف��� َل���م ت َ ����ص ْ ُت�����ن ُ ���ب �����ر ِم������نَ ال���ت َ َّ���ع ِ �����س ٍ �����ال ِإلاّ َع���ل���ى ِج ْ ِ ����م ص ِإن ك����انَ َب��ي� َ ������روف ال��� َّد ِ ن ُ ه���ر ِم���ن َر ِح ٍ ����ر ُم���ن��� َق ِ َم����وص����و َل ٍ ���ب ����ة َأو ِذ م��������ام َغ����ي ِ ���ض ِ ٍ َف��� َب���ي���ـ���نَ َأ ّي ِ ������ك ال��ل�ات����ي ُن ِ ������ام َ �����ر َت ِب��ه��ا �����ص ْ ����ب ���������در َأ ن َأ ّي َو َب�����ي���� َ ����س ِ �����������ام َب ٍ ِ ق�����������ر ُب ال���� َّن َ َ ((( تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري د .محمد جنيب البهبيتي ص .497 - 50 - ��راض ك ِ َ��اس ِ��م��هِ �� ُم َأب�� َق��ت َب��ن��ي ا َألص�� َف ِ��ر ال��ـ ِ��م��م ِ ���وج ِ ���ر ِب ص��ف َ��ر ال ُ وج����� َه َ ُ ���وه َو َج��� َّل���ت َأ ُ ال���ع َ ((( وال�ق�ص�ي��دة ب�ن��اء ملحمي ش��اه��ق ب��ل ه��ي كما وصفها د .ش��وق��ي ضيف «أم مالحمه»((( ،وهي كما وصفها د .الشكعة «من عيون الشعر العربي»((( .وقد بلغ فيها ابتهاجا أبو متام الغاية من اإلبداع والقدرة على الوصف والتصوير «وهو فيها مبتهج ً ال ح َّد له بهذا الفتح املبني((( .وقد شحنها بعواطفه الدينية والقومية ،وإنه ليهدر فيها هدير الظافر املبتهج الذي تبددت أمامه جحافل األعداء واجنابت غياهب الظالم وحلت مكانها أضواء النصر في مكان»(((. وعلى هذا النحو كان للروم هذا احلضور الكبير في شعر أبي متام ،فصور هزائمهم أمام جيوش املسلمني ،ووصمهم بالكفر والشرك ،وصور ملوكهم وبطارقتهم وقوادهم وقد انهزموا وخشعوا لصولة املسلمني ،وسخر من (منويل) قائد الروم و(توفيل) إمبراطور بيزنطة وأكثر من ذكر األماكن واملدن الرومية التي غزاها العرب مثل درولية وعقرقس وقسطنطني وفروق وعمورية واألبسيق والزريق وقبذوق وماشان والناطلوق وصاغرى (صقارية) وأوقفى والكالع وأكشوثاء والبقالر وخليج البوسفور ونهر آلس وغيرها. احلضور الفارسي في شعر البحتري: يتمثل احلضور الفارسي في شعر البحتري من خالل سينيته في وصف إيوان كسرى وتع ُّد من عيون الشعر العربي ،وقد نالت إعجاب النقاد من قدامى ومحدثني، ((( املمراض :الكثير املرض ،أي أن صفرتهم كانت من مرض ال من خلقة. ((( العصر العباسي األول .283: ((( الشعر والشعراء في العصر العباسي .670 : ((( العصر العباسي األول .283: ((( املرجع السابق.285: - 51 - فقال ابن املعتز «ليس للعرب سينية مثلها(((» وع َّدها د .شوقي ضيف «من روائع الشعر العباسي»((( ووصفها د .الشكعة بأنه «تعد فريدة في بابها براعة وصف ورقة حس ،وينبوع سحر ،وإعجاز شعر»((( و «ع َّدها من معالم شعره ونفيس قصائده، وثمني فرائده»((( ووصفها أنيس املقدسي بأنها «من عيون الشعر العربي»((( ،وقال عنها محقق دي��وان البحتري حسن كامل الصيرفي إنها «تعتبر من أروع ما في الشعر العربي»((( ،وقال عنها محمد صبري إنها «أجل قصيدة في الشعر العربي وتعد بحق من آيات الشعر اخلالدة»((( .وإنها« :زخرت ذلك احلد الدقيق الذي يفصل بني الفحولة والعبقرية» ((( ويرى بعض الباحثني أن البحتري نظم قصيدته عقب مقتل املتوكل مباشرة ،ولكن الصواب في تقديري ما ذهب إليه محقق ديوان البحتري من «أنها نظمت بعد هذا احلادث بثالث وعشرين سنة أي في سنة 270هـ ،فإن البحتري لم يتجه إلى إيوان حجه ليمدح املنتصر.. كسرى عقب مقتل املتوكل بل اجته إلى احلجاز فحج وعاد من ّ وإذا تقصينا ذكر اإليوان في شعر البحتري وجدنا أنه وارد في قصائده التي نظمها في سنة 271هـ أي بعد مروره باإليوان ،فهو يقول في مدح ابن ثوابة في البيت 19 من القصيدة رقم :50 ((( َق�����د َم���� َدح����ن����ا ِإي����������وانَ ِك����س����رى َو ِج���ئ���ن���ا ب�������ن َث����وا َب����ه ���ب ال��� ُّن���ع���م���ى ِم�����ن ِا ِ َن���س���تَ���ث���ي ُ ((( أخبار أبي متام للصولي ،ص .72 ((( العصر العباسي الثاني ،ص .229 ((( الشعر والشعراء في العصر العباسي ،ص .724 ((( املرجع السابق ،ص .725 ((( أمراء الشعر في العصر العباسي ،ص .252 ((( ديوان البحتري .1152 : 2 ((( أبو عبادة البحتري ،ص .104 ((( املرجع السابق ،ص .126 ((( ديوان البحتري ( .1152 :2هامش الصفحة) - 52 - ويقول في القصيدة رقم 863وهو ميدح عبدون بن مخلد: َور ٌة ُق������ ِّي َ ي��������������وان ِك����س����رى ِ ������ض ْ ������ت لإِ ز َ ��������ر ْده��������ا ِك������س������رى َوال إي������وا ُن������ه َل�������م ُي ِ نظم البحتري قصيدته إذن وهو في قمة نضجه الفني وقد جتاوز السبعني من عمره حني قام برحلة إلى املدائن ووقف أمام أطالل إيوان كسرى الذي كان أعجوبة عصره ،وقال عنه ياقوت :إنه «قصر األكاسرة باملدائن ،كان من عجائب الدنيا ،لم يزل قائ ًما إلى أيام املكتفي في حدود سنة 290هـ» كما ذكر أنه تعاون على بنائه عدة ملوك، وقال إنه رآه وقد بقي منه طاق اإليواء ووصفه بأنه «عظيم ج ًدا» وهو يعرف اآلن باسم طاق كسرى» ويقع على مسافة 30كيلو مت ًرا جنوبي بغداد ،وعرض هذا الطاق25 ((( مت ًرا وارتفاعه 37مت ًرا ف��اإلي��وان بهذا املعنى يحمل ع��دة دالالت ،فهو شاهد على عظمة احلضارة الفارسية ،وشاهد كذلك على أنه لم ينج من سطوة الدهر ،فقد حتول إلى أطالل بعد ً شامخا ،وصار قف ًرا بعد أن كان يعج باحلياة وينبض بالعز والسلطان ،وهو أن كان من ناحية أخرى مرادف لألطالل اجلاهلية التي طاملا وقف أمامها الشعراء متباكني انقضاء الزمن ورحيل األحبة. وقف البحتري أمام هذا البناء الشاهق ليتعزى به ويتأسى ويسترجع ماضيه ((( ويحاسب نفسه ويطهرها مما علق بها من أوضار ودنس ،وقد استهل قصيدته بقوله: ������س َن��ف��س��ي ص����ن ُ ُ ����ت َن���ف���س���ي َع ّ ����م����ا ُي������ َد ِّن ُ �������ع�������ت َع�������ن َج���������� َدا ُك ِّ ����س َ�������ر َّف ��������ل ِج����ب ِ ُ َوت َ ن َزع�����ز ََع�����ن�����ي ال���� َدهْ ����ـ مَ�����اس �����ك�����ت ح���ي�� َ ُ َوت َ ـ����� ُر ال ِ ���اس���ا ِم����ن���� ُه ِل���تَ���ع���س���ي َو َن���ك���س���ي ���ت���م ً ((( معجم البلدان.295-294 :1 ((( ديوان البحتري 1152 :2وما بعدها. - 53 - ص�����ب�����ا َب ِ ����ي����ش ِع���ن���دي ال����ع �����ة ِ َ ُب����� َل����� ٌغ ِم������ن ُ َ����ط����ف����ي َ َط���� َّف���� َف����تْ����ه����ا ا َأل ّي�������������ا ُم ت ْ ���خ���س ����ف َب ِ وار ِد ِر َف ٍ �����������ه �����ي�����ن َو َب�������ع�������ي������� ٌد م�������ا َب َ ِ �����س وار ِد ِخ�����م ِ َع�������� َل ٍ ��������ل ُش���������ر ُب��������� ُه َو ِ �������ح َم���ح���م���و َوكَ���������������� َأنَّ ال�������� َّزم��������انَ َأص������� َب َ �����������س ��������������س ا َأل َخ ���������ع ا َأل َخ ِّ ِّ لاً هَ �������������وا ُه َم َ ِ َو ِاش ِ ������راق ُخ َّ َ ����ط����ة َغ��� ْب���ـ ٍ���ن ال������ع ������ت������رائ������ي َ ك������س �����ع����� َة َو َب�����ع����� َد َب���ي���ع���ي ِ ال������ش������آ َم َب����� ْي َ ِ �����������������زاولاً لاِ خ�����ت�����ب�����اري ال تَ��������� ُرز ِْن���������ي ُم ِ َب����ع���� َد هَ �������ذي ال���� َب����ل����وى َف���� ُت����ن ِ ���س���ي ����ر َم ّ ����ك َ ٍ �����ن�����ات مي���������ا َع������هِ ������ ْدتَ������ن������ي ذا هَ َو َق���������د ً ��������ات َع�����ل�����ى ال������� َّد ِن������� ِّي ِ ِآب�������� َي ٍ �����س �������ات ُش����� ْم ِ ����م����ي َو َل�������� َق��������د را َب�������ن�������ي ُّ ن�����ب�����و ِاب����������ن َع ّ �����ان����� َب�����ي ِ ����ي���ن ِم��������ن ج ِ �����ه َو ُأن���������س َب������ع������ َد ل ٍ ������ن������ت ح����ر ًي����ا �����ف�����ي�����ت ُك َِو ِإذا م������ا ُج ُ ُ ���ح َح����ي ُ ����ث ُأم���س���ي ����ر ُم ِ ���ص���ب ٍ َأن أرى َغ����ي َ لقد بدأ البحتري قصيدته بجملة فعلية تامة األرك��ان تقرر حقيقة هامة تتصل بحياة البحتري مؤداها أنه صان نفسه عن كل ما يدنسها ويعيبها وترفع عن استجداء كل «جبس» وهو وصف للجبان واللئيم والفاسق والثقيل ال��روح ،وكأنه يرى أن كل من مدحهم تنطبق عليهم تلك الصفات ،وكأن البحتري استهل قصيدته باملصاحلة مع الذات ،وكأن وقفته أمام األطالل الكسروية أزالت الغشاوة من حول عينيه ،ووضعت أمامه احلقيقة املجردة ونبهته إلى أنه أخطأ في حق نفسه حني أراق ماء وجهه أمام ممدوحيه بدافع امللق والنفاق وامل��ال ،ولكنه اكتشف في وق��ت متأخر وبعد أن بلغ - 54 - ً باهظا من كرامته وأحس أنه خسر ذاته وانغمس في حمأة الشيخوخة أنه دفع ثمنًا الدنس ،فقد مدح من ال يستحقون املديح ،وتقلب في مواقفه من أجل إرضاء ممدوحيه، وارت�ك��ب خطيئة حني م��دح املنتصر ال��ذي ش��ارك في قتل أبيه املتوكل في حضور البحتري ،وحني وقف أمام اإلي��وان الذي حتول إلى أطالل أدرك أن كل شيء يفني ويتهاوى ويشيخ ،وآمن أن احترام الذات وتطهيرها أثمن من أموال الدنيا جمي ًعا ،ولعل في تكرار كلمة (نفسي) ما يؤكد صحوة الشاعر وتشبثه بذاته التي فقدها زمنًا طويلاً . لقد أحس البحتري أن نفسه قد تهدمت وحتولت إلى أطالل كاإليوان الذي يقف أمامه ونراه في البيت الثاني يبدو متماس ًكا ثابتًا أمام سطوة الدهر الذي يستهدفه ويسعى إلى انتكاسته وتعاسته. وحني ينظر البحتري إلى ما حصده في رحلة العمر املمتدة فال يجد إال ما يكفيه من أسباب العيش وال يفضل منه شيء ،فقد بخست األيام مكاسبه وما جمعه من مال وما متتع به من شباب وعافية وطففت ذلك كله أي نقصته غبنًا وظل ًما. ويمُ ثل البحتري حاله وهو في شظف من العيش بصورة بدوية فيعقد مقارنة بني من يعيش مرف ًها ينعم بطيب العيش ولينه وبني من يعاني الظمأ واجلوع ،والبونُ بعيد بني نوعني من اإلبل ،اإلبل التي رفهت أي وردت املاء واملرعى متى شاءت ،واإلبل الظماء التي ترعى ثالثة أيام وترد املاء في اليوم الرابع كناية عن طائفتني من البشر ،إحداهما تعاني احلرمان وضيق العيش وهي التي ينسب البحتري نفسه إليها ،واألخرى كاإلبل املرفهة التي تنعم بطيب العيش ،ونحن نستغرب أن يكون هذا هو حال البحتري الذي ً فاحشا ،وامتلك الضياع واألراضي إال أن يكون الدهر أثرى من التكسب مبدائحه ثراء قد سلب منه كل شيء وهو ما يفسر حملته على الدهر الذي استهدفه وناله بخطوبه وها هو يحمل مرة أخرى على الزمان فيراه مييل مع أنذال الناس ،ويظلم خيارهم. - 55 - وفي معرض محاسبة النفس ومراجعتها يشعر البحتري بالندم ألنه ترك (الشام) موطنه وأقام أكثر عمره في العراق ،وهو ما يعني اخلسران والنقصان في معرض البيع والشراء ،فلو استدبر ما فات من عمره لقنع بالعيش في وطنه ،وصان نفسه عن التبذل واالمتهان واملذلة. هل تعرض البحتري حملنة في أخريات حياته جردته من كل شيء؟ إن املصادر التي ترجمت له لم تُفصح عن شيء من ذلك؟ ولكن البحتري يشير في البيت السابع إلى ما يشبه ذلك فيستخدم لفظ (البلوى) وهو ما يوحي بأن أم ًرا جللاً قد أصابه ،أو أنه تعرض حملنة ما ،وقد جاء اخلطاب غير محدد في صيغة النهي «ال ترزني» فمن ذا الذي يجرب البحتري ويختبره بعد هذه البلوى؟ لعله الدهر أو شخص ما وإن كان البحتري يبدو واث ًقا من قدرته على مواجهة اخلطوب ،فكل من يحاول اختباره وابتالءه سيراه أب ًيا عني ًفا منكر اجلانب ،ولقد كان هذا دأبه في كل حال ،فقد متتع بخصال عنيدة ال ترضى باخلسيس ال��دون وتأنف من الدنايا واملذلة وكأنه يسترجع طباعه املتأصلة في نفسه قبل أن يشينها التكسب وإراقة ماء الوجه. ويشكو البحتري في البيت التاسع من جفاء ابن عمه ونفوره منه وإعراضه عنه بعد ما عهده فيه من لني وألفة .وقد ذهب بعض الشراح إلى أنه يقصد بقوله(:ابن عمي) الراهب عبدون بن مخلد ،فهو من أصل ميني مثله يرجع نسبه إلى احلارث ابن كعب ،فهو مذحجي ،والشاعر طائي ،ويستدلون على ذلك بأن البحتري نظم هذه القصيدة في احلقبة التي زار فيها عبدون بن مخلد ووجه إليه القصيدة رقم ()752 التي يعتذر له فيها ويقول: ِ ِ �����ت َن���ف���س���ي ������ط������اء ا ِإل َل ِم�������ن َع �������������ه َب����� َّل�����غ ُ ص����و َن����ه����ا ُث������ َّم ِم�����ن َع�����ط ِ ���م���ي �����اء ِاب ِ ��������ن َع ِّ َ - 56 - ويقول فيها: َ ع����������������راض َع������ ّن������ي َق�����ض�����ا ٌء َوكَ���������������� َأنَّ ا ِإل ِ ف�������اص ٌ َ �������ل َع��������ن َأ ِل��������� َّي ٍ ����ت����م ���������ة ِم ������ن������ك َح ِ وقد ذكر هذه العمومة في قصائد ( )222و ( ((()230وهناك من يرى أنه «رمبا كان يريد به اخلليفة املنتصر ،فالبحتري قحطاني ميني ،واخلليفة عدناني ،وقحطان وعدنان كأنهما أخوان ،ألنهما أبوا العرب ،وعليه يكون البحتري قد قال هذه القصيدة بعد مقتل املتوكل وإعراض املنتصر عنه ،بعد أن هجاه في رثاء أبيه. ((( ويرى د .شوقي ضيف أنه يرمز بنب ِّو ابن عمه عنه لقتل املتوكل «فإن أح ًدا من أهل بيته أو من أبناء عمومته لم ينصره ،بل لقد اشترك ابنه وولي عهده املنتصر في مؤامرة قتله. ((( ولعل ال��رأي األول هو األق��رب إل��ى الصحة ،ورمب��ا تعرضت عالقته ب��ان عمه الراهب عبدون بن مخلد إلى أزمة شديدة بسبب خذالنه في العطاء حني مدحه أو غير ذلك مما أثر في نفسية البحتري ودعاه إلى صون نفسه عن التبذل ،وهو ما أشار إليه بعد ذلك حني حتدث عن صون نفسه عن عطاء ابن عمه ولذلك ع َّبر البحتري عن رد فعله إزاء هذا اجلفاء في البيت العاشر بأنه يرحل عن هذا املكان سري ًعا ،فال يصبح فيه حتى ميسي في سواه داللة على ما يتصف به من عزة نفس وإباء ،وال نستبعد أن تكون رحلة البحتري إلى «املدائن» ووقفته أمام إيوان كسرى بسبب هذا اجلفاء بينه وبني ابن عمه أو نتيجة للهموم التي تكالبت عليه ،فأراد أن ينفس عن نفسه ال سيما وقد تقدم به العمر وحاصره املشيب «واستيقظ من غفوته الطويلة ليجد نفسه أمام واقع نفسي أليم ،تسيطر عليه فيه الكآبة ،ويدب في نفسه األسى ،فراح يفكر ((( الرأي حملقق ديوان البحتري (1152 : 2هامش الصفحة). ((( الرأي للدكتور أحمد بدوي في كتاب (البحتري) ص (98هامش رقم .)7 ((( العصر العباسي الثاني ،د .شوقي ضيف.229: - 57 - اً في الزمن ،ويفكر ً «معادل موضوع ًّيا» أيضا في نفسه ،وحاول أن يكتشف ألحزانه يطمئن إلى صالحيته لتصوير حقيقة جتربته ،فوجد ضالته قائمة أمامه ،شهد لها الزمن بالصمود طويلاً ،كما شهد عليها باالنهيار والتدهور ،وكأنها بلغت ً أيضا سن وعندئذ وقف البحتري يستبطن ذاته ،ويسقط معاناته النفسية املشيب الذي أصابه، ٍ على «إيوان كسرى» دون حاجة إلى كسب رضا خليفة ما ،أو حرص على تقليد شاعر من األسالف أو من معاصريه ،كما كان في غير هذه القصيدة من شعره .وقد أفسح «اإليوان» املجال إلفراغ التجربة احلزينة للبحتري ،فهو مقر األكاسرة باملدائن عاصمة الفرس وكان من عجائب الدنيا. ((( ولنا وقفة مع الدفقة الثانية من القصيدة التي يصف فيها البحتري رحلته إلى (املدائن) عاصمة الفرس القدمية ،يقول: َح َ ����ه����ـ �����ي ُ ����و َّج ْ ال����ه����م����و ُم َف َ ������ض َ ������ر ْت َرح����� ِل َ ال����ـ����م ِ ����ن َع��ن��س��ي �����ض ـ�����ت ِإل�������ى َأب����� َي ِ ����دائ ِ ُ َ ِ ُ ��������ظ��������وظ َوآس��������ى احل َ�������س������� ّل�������ى َع����������نِ َأت َ �����ح ٍّ رس �����ل ِم�������ن آلِ س������اس������انَ َد ِ ِل�����ـ َ �����م َ َأذك ِ �����ه����� ُم ُ �������وب ال����تَّ����وال����ي اخل�������ط َ�����رت�����ن�����ي ُ ُ َو َل������� َق�������د ُت ِ �������ذك������� ُر ُ �������وب َو ُت����ن����س����ي اخل�������ط ُ ِ خ������اف������ض������ونَ ف������ي ِظ ِّ ع������ال ����������ل َوهُ ������������� ُم ٍ �����ش�����ر ٍف َي����ح ِ ����ع����ي����ونَ َو ُي���خ���س���ي ُم ِ ����س���� ُر ال ُ �����ق ب������ا ُب������ ُه َع�����ل�����ى َج������ َب������لِ ال��� َق���ب���ـ ُم�����غ����� َل ٍ ٍ �����ك�����س �����ل����اط َو ُم َ���������������ي ِخ دارت ِ ِ ـ�������ق ِإل���������ى َ ْ ِح������ َل ٌ ������ل َل�������م َت�����ك�����نْ كَ�������� َأط����ل���الِ ُس����ع����دى ����س �����س ُم���� ْل ِ �����اب ِ ������ار ِم��������نَ ال����� َب�����س ِ ف�����ي ِق������ف ٍ ((( سينية البحتري .البعد النفسي واملعارضة ،د.عبد الله التطاوي ،دار غريب للطباعة ،ص.17-16 - 58 - ال����ـ����م����ح����اب����ا ُة ِم���� ّن����ي ��������س��������اع َل���������وال َو َم ُ ٍ َل�����م ُت ِ ����ب����س ����ن����س َو َع ���ط���ق���ه���ا َم����س����ع����ا ُة َع ِ ٍ َن������ َق َ ���������ن ا ْل������ـ ������ل ال������� َّده������� ُر َع������ه������ َدهُ ������نَّ َع ِ ����س ِج��������� َّد ِة َح����تّ����ى َر َج�����ع�����نَ َأن�����ض�����ا َء ُل���� ْب ِ اجل�������رم�������ا َز ِم�������ن َع����������� َد ِم ا ُألن�������ـ َف�������كَ������� َأنَّ ِ ِ ������������ه َب ِ م���������س �������ن������� َّي������� ُة َر ـ���������س َو ِإخ������ل�����ا ِل ِ ِ �����م�����ت َأنَّ ال���� َل����ي����ال����ي َل��������و تَ�������������را ُه َع����� ِل َ ِ ف����ي����ه َم مَ ً �������رس �������أت�������ا َب�����ع����� َد ُع �����ت ِ �����ع����� َل ْ َج َ ِ ه����������و ُي����ن����ب����ي َ �������وم ����ك َع�������ن َع َو �����ج�����ائ ِ َ �����ب َق ٍ ����س ال ُي ������ش������اب ال����� َب�����ي�����انُ ف����ي����هِ ����م ِب���� َل����ب ِ ُ إن البحتري يص ِّدر أبياته بصورة مجازية أخاذة ،وهي املاثلة في قوله« :حضرت رحلى الهموم» فقد ربط الهموم التي حاصرته واألح��زان التي استبدت به بالرحل وجعلهما في عالقة تالزم ،وقد دفعته هذه الهموم إلى الرحلة إلى املدائن ممتط ًيا ناقته القوية الصلبة ،وقد وجد في هذه الرحلة تعزية وسلوى ال عن الهموم فحسب بل عن (احلظوظ) و(املقادير) فإن هذه األطالل الكسروية خير شاهد على أن كل شيء يؤول ً شامخا جدي ًدا طالته يد الدهر فدرس وعفا أثره، إلى الفناء وال يدوم على حال ،فما كان ولكن ما الذي ذ ّكره بآل ساسان ،وما الذي جعله يستحضر سيرة أكاسرة الفرس؟ إن البحتري يعزو ذلك إلى «اخلطوب التوالي» ،وما أشد هذه اخلطوب التي عاصرها البحتري وجت��ذرت بصورتها القامتة في ذاكرته ،فهو لم ينس حادثة مقتل املتوكل أمام عينيه وقد سفك الترك دمه مبباركة ابنه املنتصر ،وهو لم ينس كيف دالت دولة الفرس القدمية بأمجادها وحضارتها ،ولم ينس زوال سلطانهم في اخلالفة العباسية وإحالل الترك محلهم ،ولم ينس كذلك اخلطوب التي تعرض لها بعض الوزراء والكتاب والشعراء وما صادفهم من محن أودت بحياتهم. - 59 - إن كل هذه الصور احلزينة ظلت محفورة في ذاكرة البحتري وإن كانت صورة وإحلاحا على ذاكرته .إنه يتذكر أيام مجدهم وهم يعيشون (آل ساسان) أشد حضو ًرا ً في رغد ونعيم وقد اتسعت مملكتهم بحدودها وما يكتنفها من شواهق اجلبال وقد بنى أنوشروان سو ًرا عظي ًما يحيط مبملكته وقد أحلقه بقمم اجلبال وجعل عليه با ًبا مني ًعا بحيث ال يجرؤ أحد على االقتراب منه .إنه يتذكر األكاسرة العظام وهم يسكنون قصورهم الباذخة الفخمة التي ارتفعت حتى يصعب على العيون املجردة أن تتبني ارتفاعها فترتد كليلة حسيرة إذا نظرت إليها وحاولت أن حتيط بها. اً شمال من باب األبواب ويشير البحتري إلى اتساع مملكة الفرس وامتدادها على بحر قزوين إلى جبال أرمينية أو من جبل (القبق) أو القوقاز إلى (خ�لاط) و (مكس) من حدود أرمينية من ناحية البسفور وقد امتدت حولها األسوار وحتصنت وأغلقت أبوابها. وال يستنكف البحتري وهو العربي أروم��ة أن يقارن بني حياة الفرس الناعمة وحياة العرب اخلشنة املتقشفة ،فيعترف بتفوق الفرس احلضاري ،فالبون شاسع بني حضارة الفرس القدمية وما خلفوه من آثار ومنازل وبني «أطالل سعدى» وغيرها املنتشرة في قفار موحشة ال حياة فيها. وميضي البحتري في مفاضلته دون تعصب أو حتيز كاش ًفا عن سلوكه املتحضر وجترده من الهوى والعصبية فيرى أن مفاخر الفرس ومكارمهم ال تقدر عليها القبائل العربية ،يستوى في ذلك (عنس) التي ترمز إلى القبائل اليمنية ،و(عبس) التي ترمز إلى القبائل العدنانية أو املضرية في جند. وهناك بعد نفسي نستطيع في ضوئه أن نفسر تعريض البحتري بالقبائل العربية واإلشادة بتفضيل الفرس على العرب وهو تفريغ شحنة الغضب والثورة املتأججة في - 60 - أعماقه بسبب أزمة «اجلفاء» التي كان لها أثر كبير في نفسه ،باإلضافة إلى ما عاصره من أحداث وفنت ومؤامرات جعلته ناق ًما على العرب. وإذا كان البحتري قد شكا من استهداف الدهر له ،وتصدى له حني زعزعه وح��اول أن ينتكسه وينال منه ،فإنه لم ينس ص��ورة الدهر بسطوته وجبروته ،فقد ميا وأبلى استهدف «آل ساسان» فق َّوض دولتهم ،وأح��ال حالهم ،فصار اجلديد قد ً منازلهم وقصورهم بعد اجلدة فغدت دوارس ترتدي ثيا ًبا بالية. ويشبه البحتري إي��وان كسرى ويعني بالفارسية (ك��رم��ازي) وع� َّرب��ه فسماه «اجلرماز» يشبهه حني رآه طللاً دارسا قد خال من األنس أو اإلنس ومن الترف والنعيم ً وكل مظاهر احلياة بقبر ضخم يقف شاه ًدا على حضارة الفرس التي ق َّوضها الدهر. إن من يرى هذا اإليوان العظيم وقد حتول إلى أطالل وصار يشبه القبر الضخم ي��درك أن الزمن أح��ال كل ما كان فيه من أع��راس إلى م��آمت .إنه يستخدم الصورة بداللتها النفسية التي توحي بالوحشة واالنقباض والكدر ،وترصد التحول من ألق احلياة إلى سكون املوت. وبالرغم مما أص��اب اإلي��وان من ضربات الدهر فإنه يظل شاه ًدا على عظمة حضارة الفرس وما أجنزوه من معجزات وعجائب ال يستطيع البيان أن يغض الطرف عنها أو يبخسها حقها أو يقصر عن وصفها. ونأتي إلى هذه اللوحة الرائعة التي يتحفنا بها البحتري ،وفيها يقول: ص�������������ور َة َأن َ �����ط�����ا ي���������������ت َو ِإذا م������ا َر َأ َ َ ����������رس روم َو ُف ِ ��������ت َب����ي��� َ َ��������ع َ ِك������ َّي������ َة ارت ْ ن ٍ ِ ���������واث ٌ َ ���������ر ���������ل َو َأ �����م�����ن�����اي�����ا َم َوال�����ـ َ ن���������وش ْ ���ص���ف َ ����س حَ����ت ال���� ِّد َرف ِ ���وف ت َ وانَ ُي���زج���ى ال ُّ - 61 - ِ ص����ـ ف���ي ����رار ِم�����نَ ال��� ِل���ب ِ اخ����ض ٍ ���اس َع���ل���ى َأ ْ ����ب����ي����غ ِ ���������ر َي�����خ�����ت ُ َ رس ص ����ة َو ِ �����ال ف�����ي َ َف َ �����ي�����ن َي������� َدي ِ ُ �������ه �������������������راك ال���������� ِّرج����������الِ َب َو ِع َ ٍ �����رس ف����ي ُخ ������اض َج ِ ���ه���م َو ِإغ������م ِ ����ف����وت ِم���ن ُ ����ح َي�����ه�����وي ِب�����ع ِ م������ح �����ام�����لِ ُر ٍ ِم������ن ُم����ش����ي ٍ ������رس ال������س َو ُم ������ن������ان ِب������ ُت ِ ِ ������ل������ي������ح ِم����������نَ ِّ ٍ ت ِ َ������ص ُ �������ه�������م ِج�������� ُّد َأح����ي����ا ������ف ال������ع���ي�� ُ ن َأ َّن ُ َ �������رس ش����������������ار ُة ُخ ����ه����م ِإ ِ ������ه������م َب����ي���� َن ُ ٍء َل ُ َ َي�����غ�����تَ�����ل�����ي ف�����ي�����هِ �����م ِإ ِ رت����������اب����������ي َح�����تّ�����ى ������س تَ���������تَ��������� َق��������� ّراهُ ��������� ُم َي �����������������داي ِب������ َل������ ْم ِ َ لقد انبهر البحتري مبا نُقش على إيوان كسرى من رسوم وصور ونقوش تسجل أمجاد الفرس وانتصاراتهم ،ومنها رسوم معركة أنطاكية التي دارت رحاها بني الفرس والروم سنة 540هـ ميالدية ،وقد جسدت شجاعة الفرس ومجدهم احلربي ،وقد ظلت هذه النقوش حتتفظ بألوانها وخطوطها التي أبدعتها عبقرية الرسام الفارسي ،وقد وقف البحتري مشدوها مسحو ًرا أمام براعة هذه النقوش وجمالها ودقتها والقدرة البارعة على جتسيدها حتى ليخيل للناظر أنه يرى املعركة رأي العني ،وقد أبدى البحتري مهارة عجيبة في وصف ما رآه وفي التعبير عن أحاسيسه إزاء ما يشاهده. لقد شاهد البحتري صور معركة أنطاكية وكأنها جتسدت أمامه فو َّلدت لديه إحساسا بالرعب والرهبة وهو يشاهد جموع الفريقني املتحاربني من فرس وروم. ً إنه يرى كسرى قائد الفرس وهو يقود جيشه ويحث جنوده على الهجوم حتت الراية الفارسية العظمى وقد ارتدى ز َّيه األخضر وامتطى صهوة جواده بلونه الضارب إلى الصفرة وقد اختال في لونه املائل إلى احلمرة ،وقد أخذ اجلنود يقتتلون بني يديه وهم صامتون ال صوت لهم وال جلبة بينما شبح امل��وت يرفرف حولهم ،والفرسان - 62 - يتوزعون بني مهاجم ومدافع ،ومقبل ومدبر ،فمنهم من يهوي بسنان رمحه في خوف وح��ذر ،ومنهم من يتقي نصل الرماح والسيوف بالتروس الفوالذية ،وقد ُخ ّيل إلى البحتري من دقة الرسوم أنه يرى معركة حقيقية وفرسانًا أحياء يقتتلون في صمت، وقد وصل الظن أو الشك به إلى درجة اليقني حتى يقترب من هذه الصور أو الرسوم فيلمسها بيديه ويتحسسها في رهبة وخشوع ليقطع الشك باليقني. وبقدر ما أبدع الرسام الفارسي في نقوشه ورسومه ،بقدر ما أبدع البحتري في الوصف والتصوير «فهو قدير على تصوير ما يرى ،تصوي ًرا ينقل إليك الصورة ،لتتأثر بها كما تأثر ،ثم ال يقف عند حدود هذا التصوير ،بل يصف لك إحساسه وشعوره إزاء ما يصف ،فهو يشرك عينه وقلبه في رسم ما يريده» ((( وينقلنا البحترى من أج��واء معركة أنطاكية إل��ى ه��ذا املشهد احللمي العجيب ،يقول: �����ص����� ِّر ْد َأب������و ال َ ���غ���و َق�����د َس���ق���ان���ي َو َل�������م ُي َ ���س �����ر َب����� َة ُخ���ل ِ ِث َع���ل���ى ال َ ����ع����س����ك َ َ����ر ْي����نِ َش ْ �������������دام ت ُ جَ������ ٌم �������������ي ن ِم�������ن ُم َ����ظ���� ُّن����ه����ا َوهْ ٍ َ ����������و َأ ال���� َل����ي َ َ ���س �����اج����� ُة َش���م ِ ض َّ ����ل َأو ُم�����ج َ َوتَ���������راه���������ا ِإذا َأ َج������������������ َّد ْت ُس������������رو ًرا َو ِا ِ ���س���ي رت ������ي������اح������ا ِل�����ل�����ش ِ �����ار ِب ال���ـ ُ ً ���م���ت َ َ���ح ّ ������اج ِم�����ن ك ِّ ���ب ُأ ِ ف������ر َغ ْ ������ت ف����ي ال������ ُّزج ِ ُ������ل َق���ل ٍ ������ي َم�����ح�����ب�����و َب����� ٌة ِإل���������ى كُ ِّ ����س ���������ل َن����ف ِ َف ْ ������ه َ �������م�������ت َأنَّ ِك�����س�����رى َأ َب�������رو ْي�������ـ َ�������وهَّ ُ َوت َ ِ �����ه����� َب����� َذ ُأن����س����ي ـ������� َز ُم �����ي َوال����� َب����� َل ْ �����ع�����اط َّ ((( البحتري ،د .أحمد بدوي .55 : - 63 - ������ش ِّ ����ط����ب ٌ ����ق َع����ل����ى ال َّ ������ك َع��ي��ن��ي ُح������ ُل������ ٌم ُم ِ �������رنَ َظ����� ّن�����ي َو َح�����دس�����ي َأم َأ ٍ م����������ان َغ������� َّي ْ إن هذا املقطع اخلمري ال ينفصل عن بنية القصيدة كما قد يتوهم البعض وإمنا يتالحم معها ،فهو موظف توظي ًفا فن ًّيا جي ًدا في خدمة هذا العمل الفني الفريد ،فقد اندمج البحتري في التجربة وانصهر في بوتقة احلدث انصها ًرا تا ًما ،فلجأ إلى اخلمر بوصفها وسيلة لالنفصال عن الواقع الكئيب الذي عاشه ،وتوهم -وابنه أبو الغوث يسقيه املدام بكثرة في شربة مختلسة سريعة أو عاجلة لكي حتدث أثرها بسرعة - توهم البحتري بعد أن لعبت اخلمر بل ِّبه أنه سافر في الزمن املاضي البعيد ،فعاش في زمن احلضارة الفارسية ،وصورت له اخلمر أنه صار شاعر كسرى وندميه ،وأنه يعاطيه اخلمر في مجلس الشراب ،بينما (البلهبذ) مغني كسرى يطربه ويشنف آذانه بأعذب األحلان ،وقد قال الفرس إن كسرى كان له ثالثة أشياء لم يكن مللك قبله وال بعده مثلها :فرسه «شبديز» وجاريته «شيرين» ومغنيه وع� َّواده «بلهبذ»((( وقد هيأت اخلمر للبحتري هذا العالم احللمي اللذيذ ،وخلخت له مفاصل الزمن ،فعاش في زمن كسرى ورحل عن زمن االستجداء واجلفوة والصراعات وهيمنة الترك الذين ال حضارة لهم ،وال َّ حظ من الفن والرسم والغناء واملعمار ،وقد رحل البحتري بفعل اخلمر إلى زمن احلضارة وعاش فيه حتى أفاق ليتساءل عما إذا كان ما رآه أضغاث أحالم وخياالت أم كانت أماني داعبت ظنونه وأفكاره؟ وها هو البحتري يفيق من حلمه على مشهد اإليوان املاثل أمام عينيه ،يقول: ���ص��� ْن���ـ �����ج ِ �����ب ال َّ َوكَ������������ َأنَّ اإلي����������وانَ ِم�����ن َع َ َع ِ ���س رع����������نَ ِج���ل ِ ����ب َأ َ ���������و ٌب ف����ي َج����ن ِ ������ة َج ْ َ�����ظ����� ّن�����ى ِم����������نَ ال�������كَ�������آ َب ِ ُي�����ت َ �������ة ِإذ َي���� ْب����ـ ����س����ي ـ������دو ِل َ ����ي ُم َ �����ح َأو مُ َ م ّ �����ص����� ِّب ٍ ����ع����ي���� َن ْ ((( ديوان البحتري ( 1158 :2هامش الصفحة رقم.)33 - 64 - ����ج����ا ِب�����ال ِ ن��������س ِإ ْل ٍ �������ف �����راق َع�����ن ُأ ِ �����ف ِ ُم َ ����زع ً ع�����رس ����ق ِ َع�������� َّز َأو ُم�����رهَ ����� ًق�����ا ِب����تَ����ط����ل����ي ِ ����ت َح َّ ب���������ات ا ْل����ـ �����ظ����� ُه ال��� َل���ي���ال���ي َو َ َ����س ْ َع����ك َ ُم����ش����تَ����ري ف����ي ِ ���س َ�����ب َن���ح ِ ����ه َوهْ َ ���������و كَ�����وك ُ �������و ُي������ب������دي تجَ َ ��������� ُّل��������� ًدا َو َع������ َل������ي ِ ������ه َف ْ �������ه َ َ����ل ِم������ن ك ِ كَ����ل����ك ٌ ه������ر ُم���رس���ي َ���ل��اك������لِ ال������ َّد ِ َل�����م َي ِ �����س ِ �����ط ال���� ِّد ْي����ـ ����ع���� ْب���� ُه َأن ُب������ َّز ِم�����ن ُب ُ اس������ ُت َّ ����س ������ل ِم�����ن ُس ����ت����ور ال���� ِّد َم����ق ِ ِ ِ ب������اج َو ْ ������م ِّ ُم َ ف�������ات ������خ������ ٌر تَ����ع����ل����و َل���������� ُه ُش������� ُر ٌ ������ش َ ؤوس َر ْ �������دس ���������وى َو ُق ِ �����ت ف����ي ُر ِ �����ع ْ ُر ِف َ ض َ �����ي�����اض َف����م����ا ُت���ب���ـ �������س�������ات ِم��������نَ ال����� َب الب ِ ٌ ِ ِ ِ ����ل���ائ َ ��������رس ��������ل ُب ـ������ص������ ُر ِم����ن����ه����ا ِإلاّ َغ ِ �������ع ِإ َل ن����������س لجِ ِ �������نٍّ ٍ ص�������ن ُ �����ي�����س ُي����������درى َأ ُ َ ن���������س ِ ص������ن ُ ������ع ِج���������نٍّ لإِ ِ َس������كَ������ن������و ُه َأم ُ �����ش�����ه����� ُد َأن َل����م ������ر َأ ّن�����������ي أراه َي َ َغ������ي َ ِ ����ل����وك ِب ِ ِ َي ُ ����س ال����ـ����م ب����ان����ي����ه ف�����ي ��������ك ����ن����ك ِ ُ إن البحتري يرى «اإلي��وان» شاه ًدا على ما بلغته احلضارة الفارسية من رقي وعظمة ،فهو قد بلغ الغاية في دقة الصنعة والتشييد حتى صار إحدى املعجزات، عال ،ويصوره وقد غدا طللاً ،فقد عال ٍ ُحت أو ُق َّد في جبل ٍ وهو يبدو لضخامته كأنه ن َ إلف عزيز ،أو كمن ل َّفته الكآبة ،وج ّلله احلزن حتى ليبدو كمن أزعجه الفراق عن ُأنس ٍ أصابه احلزن واإلره��اق لفراق عروسه وقد عكست َّ حظه الليالي فغابت عنه كواكب السعد وأطبقت عليه كواكب النحس وسوء الطالع ،وهو ُيبدي التجلد والتماسك ويقف ً محتفظا بجالله وروعته برغم آثار الزمن البادية عليه ،وكأن البحتري يسقط معاناته - 65 - وأحزانه وهمومه على اإليوان الذي َّ ً شامخا متجل ًدا برغم أحداث الليالي وصروف ظل الزمن ،ولم يعبه أن تع َّرى من الفخامة واألبهة ونُزعت عنه بسط الديباج وأستار احلرير النفيسة ،فقد َّ ً شامخا ،ترتفع شرفاته حتى ظل يحتفظ بكبريائه ،وما زال مشمخ ًرا تطاول في ارتفاعها جبال «رضوى» و«القدس» وقد اختالت في ثيابها البيضاء التي امتدت إليها يد الزمن فال ُيبصر الرائي منها إال غالئل قطنية كالتي تُلبس حتت الثياب، وبرغم ما أصاب اإليوان فإنه لدقة بنائه وروعته يبدو كاملعجزة حتى إن املرء يحار فيمن بناه :هل ش ّيده اإلنس ليسكنه اجلن أم صنعه اجلن لإلنس؟ وهو في احلالتني يشهد أن من بناه من امللوك لم يكن ضعي ًفا ذليلاً ولم يقصر عن غاية النجدة والكرم وكأن البحتري يغمز ويلمز من عهد فيهم الدناءة واخلسة ممن اتصل بهم أو من وصفهم في مطلع القصيدة باجلنب واللؤم واخلسة وترفع عن استجدائهم. وينشط خيال البحتري مرة أخرى فيسافر به إلى ماضي هذا اإليوان ،يقول: ال�����ـ�����م ِ �����ب َوال����� َق�����و َف������كَ������ َأ ّن������ي َأرى َ �����رات َ �����غ�����ت ِ ����س����ي آخ َم ِإذا م������ا َب����� َل ُ ������������ر ِح ّ َ ض�����اح��ي��ن َح����س����رى ال�������وف�������و َد َوكَ�������������� َأنَّ َ ُ ق���������وف َخ����ل َ ٍ ���س ����ف ال������ ِّز ِم�����ن ُو ح������ام وخ���ن ِ ِ َوكَ������������� َأنَّ ال ِ َ ���م���ق���اص���ي���ـ �����ق�����ي�����انَ َو س���������ط ال���ـ َ ������س ������ع ِ �������ع�������نَ َب َ ِ ����ي����ن ُح ٍّ ���������و َو ُل ْ �������ر ِّج ْ ـ�������ر ُي َ �����ب�����اع�����ا َوكَ������������������� َأنَّ ا َّل�������������ذي ُي��������ري�������� ُد ا ِّت ً ط ِ ِ ���س ص �����ع ف����ي ����ب����ح َخ���م ِ �����ام ٌ لحُ�����وق�����هِ ����� ْم ُ َ �����ص�����ار ْت �����رور َده���������� ًرا َف �����س ِ ُع ِّ �������ر ْت ِل�����ل ُ َ �������م َ ������ه������م َوال������تَّ������ َأ ّس������ي َّ�����ع����� ّزي ِر ب������اع ُ ُ ِل�����ل�����ت َ م���������وع َف������ َل������ه������ا َأن ُأع������ي������ َن������ه������ا ِب��������� ُد ٍ ال����ص����ب����ا َب ِ م�����و َق�����ف ٍ �����س �����ات َع����ل����ى ����ة ُح����� ْب ِ َّ - 66 - لقد ارت � ّد البحتري بطرفه وخياله إلى ذلك الزمن املاضي ال��ذي كان يعج فيه اإليوان باحلياة فيتخيل الوفود وقد جاءت من كل حدب وصوب كاشفني عن رءوسهم سابق والحق ،ويتخيل مشهد القيان واجلواري اجلميالت وقد ازدحموا بأبوابه بني ٍ ذوات اللعس (وهو سواد استحسنوه في الشفاه) وقد وقفن وسط املقاصير يعزفن ويرجعن األحلان اجلميلة ،وكأن الذي يطمع في إدراك هؤالء الوفود ويتغنني ويرددن ّ أو اللحاق بهم لن يستطيع ذلك إال بعد أن يقطع خمس ليال ،وكأن ذلك اللقاء كان أول اً أطالل أمس ،وكذلك كان الفراق ،وهذه الديار التي كانت عامرة بالسرور ده ًرا صارت وخرا ًبا ورم�زًا لألسى واحل��زن الذي ال ينتهي وهو ما جعل البحتري يفقد متاسكه ويبكيها بكا ًء حا ًرا ين ُّم عن إكباره وإعزازه لذلك املجد الذي انقضى ،وامللك الذي و ّلى، واحلضارة التي اندثرت برغم أن الديار ليست دياره وأنه ال ينتمي إلى جنس الفرس: �����س ِ َ �����ت ال����������دا ُر داري ذاك ِع����ن����دي َو َل�����ي َ ِب����اق ِ ����س ِج��ن��س��ي ����راب ِم��ن��ه��ا َوال ِ اجل����ن ُ ����ت ٍ �����ي�����ر ُن����ع����م����ى لأِ َه����� ِل�����ه�����ا ِع�����ن����� َد َأه����ل����ي َغ َ ������رس������وا ِم������ن َزك ِ ������رس �����ر َغ ِ �����ائ�����ه�����ا َخ�����ي َ َغ َ َأ َّي���������������دوا ُم����ل����كَ����ن����ا َو َش����������������� ّدوا ُق����������وا ُه ِب������ ُك������م ٍ �����س حَ���������ت ������ور ُح����� ْم ِ ال������س������ َّن ِ ������اة ت َ َّ ِ ������ب َأري��������ا َو َأع����������ان����������وا َع�����ل�����ى ك َ������ت������ائ ِ َط ِب َ ����������س �����ور َو َد ْع ِ ����ن َع����ل����ى ال����� ُّن�����ح ِ ����ط����ع ٍ َو َأران�������������ي ِم������ن َب�����ع����� ُد َأك������ َل ُ ������ف ِب�����ا َألش�����ـ ِ راف ُط����������� ّرًا ِم������ن ُك ِّ س ������خ َو ُأ ِّ ��������ل ِس������ ْن ِ إن البحتري يكشف ع��ن ال��دواف��ع التي حملته على ال��وف��اء للفرس واإلش��ادة ميا بحضارتهم واالعتراف بفضلهم ،فلهم فضل ال ُينكر حني أعانوا قومه اليمنيني قد ً - 67 - في حروبهم ضد األحباش بقيادة (أري��اط) حتى ُهزموا شر هزمية ،باإلضافة إلى أن البحتري يعلو فوق العصبية ويكلف باألشراف من كل األجناس ،وقد وجد في آل ساسان اً مثال للشرف العظيم ،وكأنه ُيعرض باألتراك الذين لم يكونوا أصحاب حضارة والذين أفسدوا احلياة السياسية في عصره وكانوا سب ًبا مباش ًرا في انهيار اخلالفة العباسية. إن قصيدة البحتري لم تكن رحلة إلى «املكان» فحسب ،بل كانت ً أيضا رحلة في «الزمان» ورحلة في أعماق «الذات» ،وإذا كان البحتري قد وجد في (املكان) تعزية وتسلية وسلوى ،فقد ارحتل بخياله إلى الزمن املاضي لينفصل عن الواقع الكئيب الذي حاصره ذات ًّيا وسياس ًّيا واجتماع ًّيا ،وقد وجد البون شاس ًعا بني الفرس الذين شيدوا حضارة عظيمة وأعانوا قومه وأسهموا في تشييد اخلالفة العباسية وازدهار احلضارة العربية ونالهم كثير من األذى وتعرضوا للمحن والنكبات ،وبني ما فعله األت��راك في عصره بالعباسيني والعرب عامة من تنكيل وتخريب وتقويض لدعائم اخلالفة ،فدفعه هذا الواقع األليم إلى الفرار إلى املاضي وتوهم العيش فيه والتلذذ بسيرته وذكرياته ،وقد ز َّكى ذلك شعوره الداخلي بالقهر والضياع وإحساسه بأنه مدح من ال يستحقون املدح ،وأراق ماء وجهه على أعتاب األراذل واألخساء ،فكان هذا التصالح مع الذات وإن كان قد جاء في وقت متأخر حني غلبه الشيب وق َّلت طموحاته وتالشت أطماعه. وقد خلع البحتري أحاسيسه على اإلي��وان فكان كاملرآة التي انعكست عليها صورة ذاته ،فشعور البحتري بالكآبة والتعاسة نضح على الديوان فصار جتلله الكآبة حتى يخيل للرائي أنه فارق حبي ًبا عزيزًا أو انفصل عن عروس يحبها ،وشعور البحتري بتقلب الزمن وتبدل أحواله يقابله حال اإلي��وان الذي عكست حظه الليالي ،وصمود البحتري ومتاسكه في مواجهة احملن وتقلبات الدهر ،يقابله جتلد اإليوان برغم كالكل - 68 - الدهر التي أطبقت على صدره ،وإذا كان اإليوان قد جترد من بسط الديباج ،فكذلك جترد البحتري من الثراء وصار «كوارد اخلمس» ولنقرأ األبيات اآلتية مرة أخرى: َ�����ظ����� ّن�����ى ِم����������نَ ال�������كَ�������آ َب ِ ُي�����ت َ �������ة ِإذ َي���ب���ـ ����س����ي ـ������دو ِل َ ����ي ُم َ �����ح َأو مُ َ م ّ �����ص����� ِّب ٍ ����ع����ي���� َن ْ ِ ن��������س ِإ ٍ ل�����ف �����راق َع�����ن ُأ ����ج����ا ِب ِ �����ال�����ف ِ ُم َ ����زع ً �������رس ����ق ِع ِ َع�������� َّز َأو ُم�����رهَ ����� ًق�����ا ِب����تَ����ط����ل����ي ِ َ����س����ت َح َّ ب���������ات ال���ـ �����ظ����� ُه ال��� َل���ي���ال���ي َو َ َع����ك َ ِ ���س ُم����ش����تَ����ري ���ح ِ ف���ي���ه َوهْ َ ���������و كَ�����وك ُ َ�����ب َن ْ �������و ُي������ب������دي تجَ َ ��������� ُّل��������� ًدا َو َع������ َل������ي ِ ������ه َف ْ �������ه َ َ����ل ِم������ن ك ِ كَ����ل����ك ٌ ه������ر ُم���رس���ي َ���ل��اك������لِ ال������ َّد ِ َل�����م َي ِ �����س ِ �����ط ال���� ِّد ْي����ـ ����ع���� ْب���� ُه َأن ُب������ َّز ِم�����ن ُب ُ ب������اج َواس������ ُت َّ ����س �����ور ال���� ِّد َم����ق ِ ������ل ِم�����ن ُس�����ت ِ ِ فمن يقرأ هذه األبيات مبعزل عن صورة اإليوان يخيل إليه أن البحتري يستبطن ذاته ويشكو سوء حاله ،وحني رأى اإليوان وقد عصف به الدهر خلع أحاسيسه عليه ورأى فيه صورة ذاته. والبحتري مص ّور ب��ارع ،وقد أدرك القدماء هذه الصفة فيه فوصفوا فنه بأنه ((( «سالسل الذهب وفي الطبقة العليا» وقد برع البحتري في تصوير اإليوان ،كما برع في تصوير معركة أنطاكية التي نقشت على ج��دران اإلي��وان ،وكما جتلت عبقرية النحات الفارسي في تلك النقوش والرسوم ،فكذلك جتلت عبقرية البحتري في تصوير هذه املعركة متوسلاً بالصورة ومعب ًرا بها ،فاستخدم الصور احلركية حني تخيل أن��وش��روان «يزجي الصفوف»، واستخدمها كذلك في هذه الصورة األخاذة: ((( وفيات األعيان .76 :5 - 69 - ����ح َي�����ه�����وي ِب�����ع ِ م������ح �����ام�����لِ ُر ٍ ِم������ن ُم����ش����ي ٍ ������رس ال������س َو ُم ������ن������ان ِب������ ُت ِ ِ ������ل������ي������ح ِم����������نَ ِّ ٍ واستخدم احلركة في وصف عراك الفرسان وفي حركة يديه وهو يتق َّرى النقوش باللمس ،وأجاد البحتري في استخدام الصور اللونية كقوله: ِ ���اس َع���ل���ى َأص���ـ ف���ي ����رار ِم�����نَ ال��� ِل���ب ِ اخ����ض ٍ ����غ ِ �����ر َي�����خ�����ت ُ ص����ب����ي َ رس ����ة َو ِ �����ال ف�����ي َ ـ����� َف َ واستخدم «اللون» في هذه الصورة الرائعة للخمر: جن�����م ���������������دام ت����خ����ال����ه����ا ض�����������و َء م�������ن ُم ٍ ٍ ن������������و َر ال�����ل�����ي َ �����ل أو م�����ج�����اج����� َة ش��م��س َّ واستخدم «اللون» كذلك في هذه الصورة: �����ي�����اض َف����م����ا ُت���ب���ـ �������س�������ات ِم��������نَ ال����� َب الب ِ ٌ ِ ِ ِ ����ل���ائ َ ����������ر ِس ـ������ص������ ُر ِم����ن����ه����ا ِإلاّ َغ ��������ل ُب ْ واستخدم البحتري احملسنات البديعية في غير تكلف ،وكان للتضاد أثره في إبراز املعنى ونقيضه ،كقوله: �����م�����ت َأنَّ ال���� َل����ي����ال����ي َل��������و تَ�������������را ُه َع����� ِل َ ِ ف����ي����ه َم مَ ً �������رس �������أت�������ا َب�����ع����� َد ُع �����ع����� َل�����ت ِ َج َ وقوله: َن������ َق َ ���������ن ا ْل������ـ ������ل ال������� َّده������� ُر َع������ه������ َدهُ ������نَّ َع ِ ���س ������ج������ َّد ِة َح�����تّ�����ى غ�������دون َأن������ض������ا َء ُل���ب ِ ـ ِ وتؤدي املقابلة دو ًرا بارزًا في جتسيد الهوة الشاسعة بني النقيضني ،كقوله: وار ِد َر ْف ٍ �����������ه �����ي�����ن َو َب�������ع�������ي������� ٌد م�������ا َب َ ِ �����س وار ِد ِخ�����م ِ َع�������� َل ٍ ��������ل ُش���������ر ُب��������� ُه َو ِ - 70 - ويتآزر اجلناس مع العناصر املوسيقية األخرى في إثراء النغم وإحداث التوافقات الصوتية ،كاملجانسة بني(عنس) و(عبس) في قوله: ال����ـ����م����ح����اب����ا ُة ِم���� ّن����ي ��������س��������اع َل���������وال َو َم ُ ٍ َل�����م ُت ِ ����س ����س َو َع���� ْب ِ ���ط���ق���ه���ا َم����س����ع����ا ُة َع���� ْن ٍ وال يخفى على القارئ ما يلحظه من تردد حرف السني بكثرة ال في البيت السابق وحده بل في القصيدة كلها حتى ليبدو أشبه باملفتاح املوسيقى للسينية. ويتكئ البحتري في تشبيهاته التي يوظفها في تشكيل صوره على حرف التشبيه (كأن) ،كقوله: �������ح َم���ح���م���و َوكَ���������������� َأنَّ ال�������� َزم��������انَ َأص������� َب َ �����������س ��������������س ا َأل َخ ���������ع ا َأل َخ ِّ ِّ لاً هَ �������������وا ُه َم َ وقوله: اجل�������رم�������ا َز ِم�������ن َع����������� َد ِم ا ُألن�������ـ َف�������كَ������� َأنَّ ِ ِ ������������ه َب ِ م���������س �������ن������� َّي������� ُة َر ـ���������س َو ِإخ������ل�����ا ِل ِ ِ وي��ؤدي خيال الشاعر النشط إلى تراكم التشبيهات وتعاقبها باستخدام أداة التشبيه ذاتها ،كقوله: �����م ِ ������و �����ب َوال������ َق ْ َف�����كَ����� َأ ّن�����ي َأرى ال�����ـ َ �����واك َ �����غ�����ت ِ ����س����ي آخ َم ِإذا م������ا َب����� َل ُ ������������ر ِح ّ َ ض�����اح��ي��ن َح����س����رى ال�������وف�������و َد َوكَ�������������� َأنَّ َ ُ ق��������وف َخ����ل َ ٍ ����س ����ف ال����� ِّز ِم�����ن ُو ح�����ام َو ُخ���� ْن ِ ِ ���م���ق ِ ِ َ ���اص��� ْي���ـ ال����ق����ي����انَ َو َوكَ������������ َأنَّ س��������ط ال���ـ َ ������ع������س ����������و َو ُل ِ �������ر ِّج�������ع�������نَ َب�����ي���� َ ِ ن ُح ٍّ ـ��������ر ُي َ َوكَ������������������ َأنَّ ال������ ِل������ق������ا َء َأ َّو َل ِم��������ن َأم������ـ ِ َ م������س �������راق َأ َّو َل َأ ال�������ف ش������������ك ـ������س َو َو ِ ِ ِ - 71 - �����ب�����اع�����ا َوكَ������������������� َأنَّ ا َّل�������������ذي ُي��������ري�������� ُد ا ِّت ً ِ �����ع ف�����ي ِل���� َق ِ ���م���س �����ح َخ ِ ط�����ام ٌ ����ائ����ه����م ُ ص�����ب َ وقد سبق البحتري الشعراء املعاصرين في استخدام تقنية «القطع» أو «االرتداد» التي نراها في الدراما السينمائية ،ولعل خير مثال على ذلك مشهد القطع اخلمري الذي ارت َّد به البحتري إلى زمن الساسانيني. حضور الروم في شعر أبي فراس احلمداني: تعرض أب��و ف��راس احلمداني حملنة األس��ر وع��اش فترة من حياته أس�ي� ًرا في القسطنطينية نظم فيها رومياته .والروميات هي القصائد التي قالها أبو فراس وهو أسير في بالد الروم. وقد تضاربت اآلراء حول قصة األسر ،فهناك من قال إن أبا فراس أسر مرتني وأن زمن األسر فيهما استغرق سبع سنوات وأشه ًرا((( ،وهناك من قال إنه أسر مرة واحدة وظل في أسره أربع سنوات(((. وقد أورد ابن خلكان روايتني مختلفتني حول هذه احلادثة ،فنقل عن أبي احلسن على بن الزراد الديلمي أن الروم أسرت أبا فراس في بعض وقائعها ،وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه ،ونقلته إلى خرشنة ،ثم منها إلى القسطنطينية ،وذلك في سنة ثمان وأربعني وثلثمائة ،وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسني. وذكر ابن خلكان أن الناس خطأوا هذه الرواية ،وقالوا إن أبا فراس أسر مرتني، فاملرة األولى مبغارة احلكل في سنة ثمان وأربعني وثلثمائة ،وما تعدوا به خرشنة وهي قلعة في بالد الروم ،وفيها يقال إنه ركب فرسه وركضه برجله ،فأهوى به من أعلى احلصن إلى الفرات. ((( تاريخ األدب العربي ،حنا فاخوري ،ص .430 ((( عصر الدول اإلمارات د .شوقي ضيف .708 - 72 - واملرة الثانية أسره الروم على منيح في شوال سنة إحدى وخمسني ،وحملوه إلى القسطنطينية ،وأقام في األسر أربع سنني(((. وتشغل الروميات حيزًا ال بأس به من ديوان أبي فراس ،وليس في وسعنا أن نرتبها ترتي ًبا تاريخ ًّيا ألنها ال تتضمن تواريخ محددة ،وال تشتمل على سياق تاريخي متتابع ،ومع ذلك نستطيع أن نحدد أولى رومياته ،وهي القصيدة التي قالها ملا اقتيد إلى خرشنة بعد أسره مباشرة ،وفيها يقول(((: ِإن رت ُز ُ َ ���������رش��������� َن��������� ًة َخ َأس�������ي�������را ����������ط����������ت ِب������ه������ا ُم����غ����ي����را َف������� َل�������كَ�������م َأ َح ُ ال����������ن����������ار تَ�����ن�����ـ ي�����������������������ت َو َل������������ َق������������د َر َأ ُ َ �������از َل َوال������� ُق�������ص�������ورا �������م�������ن ِ ��������ب ال�������ـ َ َت��������هِ ُ �������ي ُي����ج����ـ َو َل���������� َق����������د َر َأ ُ ي�������������������ت ال َّ �������س�������ب َ ًّ ����������������وا َوح������������ورا �������ون�������ا ُح �������ح َ ـ������� َل ُ �������ب َن ْ َن��������خ��������ت��������ا ُر ِم���������ن��������� ُه ال�������������غ�������������ا َد َة ال������ـ َّ َ ال������غ������ري������را ��������ب��������ي ال��������ظ َح�������س�������ن�������ا َء َو َ َ ط�����������������ال َل�������ي�������ل�������ي ف����������ي ُذرا ِإن ������م������ت ِب ِ َك َف������� َق�������د َن ِ ������������ه َق����ص����ي����را ������ع ُ ِ ِ ������������ح������������اد ٍث م������������ي������������ت ِب ��������������ئ��������������ن ُر َو َل ُ َف�������ل������ ُ ص���������ب���������ورا أ ْل�������������� َف�������ي������ َّ ن َل������������������ ُه َ َّ �����������ل ال����������� َل����������� َه َي�����ف�����ـ �����������ع ص�����������ب����������� ًرا َل َ َ ِ �������ح�������ا َي�����س�����ي�����را َ���������ح هَ �������������������ذ ِه َف�������ت ً ـ���������ت ُ �������ت �������ب ْ َم������������ن ك��������������انَ ِم������ث������ل������ي َل������������م َي ِ ِإلاّ َأس��������������ي�������������� ًرا َأو ((( وفيات األعيان ،ابن خلكان ،حتقيق د .إحسان عباس .ط .بيروت .59 :2 ((( ديوان أبي فراس (ط.دار صادر) .156 -155 - 73 - َأم���������ي���������را ُّ ���������ي���������س���������ت حَ ُ ����������������������ل َس���������را ُت���������ن���������ا ت َل َ ِإلاّ �����������دور ال�����������ص ُ َ َأ ِو ال������ ُق������ب������ورا ويبدو أبو فراس متجل ًدا رمبا ألنه لم يتوقع أن ميتحن بطول مدة األسر ،ويعلو صوت الفخر ،ويرى أن هذا األسر شيء عارض ال يؤثر في إجنازاته ،فطاملا أغار على قلعة خرشنة الرومية ورماها بالدمار وسبى نساءها غير أن هذا الصوت لم يظل على حدته ،فتقلب بني االرتفاع واحلدة وكثي ًرا ما أصابه الوهن واليأس ملا قاساه من ألم ووحدة ومرارة. ومتثل الروميات دي��وا ًن��ا مستقلاً ب��ذات��ه ،منفر ًدا بخصوصية جتربته وطبيعة موضوعاته .وقد اتسعت الروميات للتعبير عن جتربة األسر مبا اختزنته من مرارة وقسوة وحزن وغضب ويأس وأمل . لقد كان لوقوع أبي فراس في األسر صدى كبير في نفوس أصدقائه وأعدائه على السواء نظ ًرا ملكانته السياسية واالجتماعية واألدبية .وقد اهتبل أعداؤه حادثة األسر فاتهموه بالتقصير واخلمول ،وأنحوا عليه بالالئمة ،وحملوه تبعة ما حدث، وكانت هذه األقاويل تصل إلى سمع أبي ف��راس وهو في أس��ره فتضاعف آالمه وأحزانه ،ووجد نفسه في موقف الدفاع والتبرير ،فاهتم في رومياته بتفنيد تهم احلساد ،ودحض أقاويل اخلصوم ،ويعتمد خطابه التبريري على عدة حجج ،منها أن أي فارس -مهما كانت شجاعته -معرض لألسر والقتل ،وأن بني الوغى بني سليب بالرماح وسالب ،وهو يبسط قضيته بطريقة منطقية هادئة ،فيعرض أقاويل خصومه ،ويردفها بدفاعه.يقول(((: ������وام������ي َع����ل����ى م����ا َأص����ا َب����ن����ي ����ر ُل ّ تَ����ك����ا َث َ كَ������� َأن َل�����م تَ����كُ����ن ِإلاّ لأِ َس��������ري ال���� َّن ِ ����ب ����وائ ُ ِ َي����ق����ول����ونَ َل�����م َي ُ م��������ر ِه ���ن���ظ���ر َع ������ب َأ ِ ������واق َ ����ع ِ ����ب ����ي َم�����ن تجَ������ري َع���ل���ي ِ���ه ال َ ����واق ُ َو ِم����ث���� ِل َ ((( ديوانه ص .36 - 74 - ���وغ���ى ���م ال����������ذُّلاّ نُ َأنَّ َب���ن���ي ال َ َأ َل�������م َي���ع��� َل ِ َ �����ب ك َ����������ذاك َس����ل����ي ٌ ������اح َوس�����ا ِل ُ ����ب ِب������ال������ ِّرم ِ َ ����������زم ف���ي���ه���ا َودو َن���������� ُه احل َوأنَّ َورا َء ِ ِ ������واق َ ����ار ُب َم ������ه������نَّ ال����تَّ����ج ِ ������ف ُت���ن���س���ى ُدو َن ُ ���ي ال�������� َّردى َف���� َأخ ُ ����وض���� ُه َأرى ِم�������ل َء َع���ي��� َن َّ ��ب ���م ُ ���وت ُق��� ّدام���ي َو َخ��ل��ف��ي ال��ـ َ��م��ع ِ ِإ ِذ ال���ـ َ ��اي ُ صورة الروم في روميات أبي فراس: ينتمي أبو فراس من حيث النسب إلى أصول رومية ،فقد اقترن أبوه سعيد بن حمدان برومية وأجنب منها ابنه احلارث ،ولم يكن أبو فراس على وفاق مع الروم ،فقد ساءت صلته بهم في سياق الصراع الذي احتدم بني الروم واحلمدانيني .وشارك أبو فارسا فراس في احلرب ضد الروم وأبلى فيها بالء حسنًا إلى أن أسر ومعه سبعون ً وقد أبى أن يخلع دروعه وسالحه وتقبل الروم ذلك على مضض ،وأشار أبو فراس إلى ذلك في رائيته الشهيرة فقال(((: ي������� ُّن�������ونَ َأن َخ����� َّل�����وا ِث����ي����اب����ي َو ِإنمَّ���������ا مَ ُ ِ م������ائ������هِ ������ ُم ُح����م���� ُر ������اب ِم�������ن ِد ������ي ِث������ي ٌ َع������ َل َّ َوق ِ ������ائ������ ُم َس����ي ٍ ����ف ف���ي���هِ ��� ُم ان��������� َد َّق َن���ص��� ُل��� ُه م������ح ف���ي���هِ ��� ُم ُح ِّ ال���ص���د ُر ����ط���� َم َو َأ َ ُ ع�����ق�����اب ُر ٍ ويصدر أبو ف��راس في رومياته عن كراهية شديدة للروم ،ويرسم لهم صو ًرا مزرية ،ويصفهم بأوصاف ذميمة ،وهو شعور طبيعي في سياق العداء والصراع واألسر ،فهو حني يسأل سيف الدولة املفاداة بأحد قواد الروم األسرى يصفه بـ «كلب الروم» ويستحثه على الفداء ،ويستثير غيرته وحميته ،فيقول(((: ((( ديوان أبي فراس ،ص .161 ((( ديوانه ص .84 - 75 - ال��������روم َأر َأ َف ِم���ن���كُ ��� ُم ����ب َف��ل��ا ك������انَ كَ����ل ُ ِ َ���س���ب ال��� َّث ِ ال��ـ��م َ َو َأ َ ��خ�� َّل ِ��د ���ن���اء ����������ب ف���ي ك ِ ُ رغ َ َوال َب����� َل����� َغ ا َألع������������دا ُء َأن َي���تَ���ن���اهَ ���ض���وا �����ع ِ ���م َ ���ش��� َّي ِ���د َوت ُ َ����ق����ع���� َد َع�����ن هَ ������ذا ال َ ��ل��اء ال���ـ ُ ������و ًدا َأ َأ �����ي ُع َّ َ ض�����ح�����وا َع���ل���ى َأس�����راهُ ����� ُم ِب َ �������و ِد َو َأن������ ُت������م َع����ل����ى َأس�������را ُك������� ُم َغ����ي���� ُر ُع َّ وفي سعيه احلثيث وإحلاحه الدائم على إقناع سيف الدولة ببذل الفداء تبرز هذه الصورة الكريهة للروم(((: ُ ُأن������ادي َ ���������اف ِم������نَ ال������ َّردى ������ك ال َأ ّن�������ي َأخ ��������وم ِإل�������ى َغ ِ ����د َوال َأرتجَ���������ي تَ����أخ����ي َ ����ر َي ٍ َ������ر َم ال ِ اخل ِّ َو َق������د ُح ِّ ����ط���� َم َ ���ع���دا ����ي َواخ������ت َ ����ط ُّ ���ه��� َّن ِ َو ُف������� َّل َ ���د ����ي ال���ـ���م َ ُ �������ل َح������� ُّد ال����ـ َ ����م����ش َ ����رف ِّ َو َل ِ دار ُغ���ر َب ٍ���ة ����ف����ت ����ك����ن َأ ِن ُ ���وت ف���ي ِ ال���ـ���م َ َ ال��غ ِ ِب��� َأي���دي ال��� َن���ص���ارى ُ ���م ِ���د ��ل��ف م��ي��تَ�� َة َأك َ وينظر أبو فراس لآلخر (الروم) باعتبارهم (كفا ًرا) وهو ما يجعل عالقته بهم تقوم على اإلنكار والرفض والرغبة في استئصال شأفتهم ولذلك نراه يحذر وهو في األسر سيف الدولة من خروج الدمستق بجيشه لغزو الشام ويدعوه إلى الغضب لدين الله فيقول: َس���ي َ ���ه���دى ِم����ن َح���� ِّد َس���ي ِ���ف َ ���ك ُي��رتجَ��ى ���ف ال ُ ِ ���ل���إمي�������ان �������ر ِل َي��������������و ٌم ُي ِ �����������������ذ ُّل ال�������كُ�������ف َ ����وش تجَ���ي ُ اجل����ي ُ ���و ِب ِ هَ �����ذي ُ �ل�ادكُ���م ���ش َن���ح َ �����ان �����ص�����ل�����ب ِ َم�����ح�����ف�����و َف����� ًة ِب�����ال����� ُك�����ف ِ �����ر َوال ُّ ((( ديوانه ص .83 - 76 - ����دي����ن ال���� َل ِ ����ه َأن ال ت َ َغ َ َ��غ��ض��ب��وا ���ض��� ًب���ا ِل ِ ����ان ����ر ف�����ي َن ������ص������ر ِه َس���� ْي����ف ِ ِ َل������م َي����ش���� َت����هِ ْ ����ن����ز ٌل َح����تّ����ى كَ���������� َأنَّ ������ي ف����ي����كُ���� ْم َم ِ َ ال������و ْح َ ِ �����ض�����ائ ُ َو َل�������كُ�������م ُت َ ������رآن �����ل ال������ ُق ������ص َف ِ ������خ ُّ ���ض���ب���وكُ���م َف���اغ َ َق����د َأغ َ ���ض���ب���وا َوتَ���� َأهَّ ����ب����وا ������رب ُأه�������� َب�������� َة ث ِ ����ان �������ر َغ����ض����ب ِ ������ح ِ �������ائ ٍ ِل������ل َ وفي إحدى رومياته يصف أبو فراس لقاء جمعه بالدمستق ويعبر فيه أبو فراس عن استيائه حني رأى الدمستق ينكره وق��د أث��ار ه��ذا املوقف حفيظته فأخذ يذكر الدمستق بإجنازاته وبطوالته ،فيقول(((: تَ����� َأ َّم����� َل�����ن�����ي ال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ ������ق ِإذ َرآن�������ي ِ �����ر ص����ي َ ����ام ����غ���� َة ال���� َل ����ي����ث ال ُ َف����� َأ َ ����ه����م ِ ب�����ص َ َأ ُت������ن ِ ������ك������ ُرن������ي كَ�������� َأ َّن َ ������ت تَ�������دري ��������ك َل������س َ �����ط ُ َ ������������ك ال����� َب َ ���م���ح���ام���ي ِب������� َأ ّن�������ي َذ ِل �����ل ال���ـ ُ ٍ ل����������وك َل��������ت َع�����ل�����ى ُد َو َأ ّن���������������ي ِإذ َن��������ز ُ ������ر ُم������ت ِ َ������رك������ ُت َ ����ظ����ام َّ������ص������لِ ال���� ِّن ِ ������ك َغ������ي َ ت َ ����ب َر ِأي��������ي ����م����ا َأن َع������� َق ُ ول����ـ ّ �������دت َ ص����ل����ي َ َ ت������� َّل َ حَ َ ����ام �������ل ِع�����ق����� ُد َر ِأي �������������ك ف�����ي ال����ـ َ ����م����ق ِ �������ن�������ت تَ���������رى ا َألن��������������ا َة َوتَ���� َّدع����ي����ه����ا َو ُك َ ِّ ع�����ج����� َل َ َ��ل��ام �����ك َف����� َأ َ ال�����ط�����ع�����انُ َع��������نِ ال�����ك ِ وب����������ت ُم َ ����ق����م ����������ؤ ِّر ًق����������ا ِم��������ن َغ َّ ِ ������ي������ر ُس ٍ َح����م����ى َج����ف���� َن����ي َ �����ام ������وم ح ِ ����ب ال������ َّن ِ ����ك ط����ي َ َ����م ْ ����ل َوال َأرض���������ى ال���� َف����ت����ى م�����ا َل������م ُي����ك ِّ ُ ���ل��ام أي ال������كَ������ه������لِ ِإق����������������دا َم ِب ����������������ر ِ ال������غ ِ َ ((( ديوانه ص .276-275 - 77 - َف����ل����ا هُ ����� َّن�����ئ�����تَ�����ه�����ا ُن�����ع�����م�����ى ِب������� َأس�������ري ����ام َوال ُو ِص�������� َل ْ ��������ت ُس��������ع��������و ُد َك ِب����ال����تَّ����م ِ إن هذه األبيات تعكس رؤية اآلخر للذات (تأملني الدمستق إذ رآني( )...أتنكرني كأنك لست تدري )...فالدمستق وهو أعلى سلطة حاكمة في بالد الروم ينكر وجود أبي فراس ،وكأنه ينكر وجود العرب احلضاري وينظر إليهم نظرة ازدراء وكأنه ال يعترف بهم أو بوجودهم وهو ما دفع أبا فراس للدفاع عن الوجود العربي وتأكيد حضور الذات ملواجهة إنكار اآلخر. وحتتفي الروميات بجانب من أنضر ما نقع عليه في الشعر ،ونعني بذلك املناظرات التي ج��رت بني أب��ي ف��راس والدمستق (روم ��ان الثاني) وق��د دارت هذه املناظرات حول العقيدة وإجادة العرب لفنون احلرب والقتال ،فنجد أبا فراس يعرض مبناظرة في الدين جرت بينه وبني الدمستق ويحمل على الروم ،فيرميهم بسهام من الهجاء املقذع يقول: ِ ����ج �������ب ا َأل َأم���������ا ِم�������ن َأ ع�������ج ِ ش��������ي��������اء ِع����ل ٌ َ ������ل������ال ِم���������نَ َ َ �����ع����� ِّر ُف�����ن�����ي َ �����������رام احل احل ُي َ ِ ������ي������وس ���������ط���������ار َق��������� ٌة ُت َوتَ�������ك������� ُن������� ُف������� ُه ِب ِ ٌ ����ث����ان����ي����ـ����ن ال ِّ �����ام ����ال����ع ُت�������ب�������ارى ِب ِ َ �����ض�����خ ِ ����ه����م ِخ����� َل ُ �����ق َ ����ت تَ��ل��ق��ى ����ر َف���� َل����س َ احل����م����ي ِ َل ُ ����������زام �����ر ِب����ل���ا ِح َف �����ه�����م َي�����س�����ي ِ ������ت������ى ِم�����ن ُ ِ ً َت�����ه����� ْم ال�����ع ُي�����ري�����غ�����ونَ ع�����ج�����ز ُ ُ �����ي�����وب َو َأ َ َ ُ ����س����ام احل ي�����وج����� ُد ف����ي ����ب َو َأ ُّي ال َ ����ع����ي ِ َ ِ ُّ ����������ب ُخ َّ �������ط ٍ ����������ر �������ة َو َأ َج َو َأص َ �����������������ل َأ ْم ٍ ����������ع ُ ِ ������رام �����ئ�����ام َع����ل����ى �����س����� ُة ال����� ِّل ال������ك ِ ِ ُم�����ج�����ا َل َ - 78 - إن أبا فراس يرسم في هذه األبيات صورة منفرة مزرية لآلخر (العلج) أو(الدمستق) الذي يسعى في حواره أو مناظرته أن يعرف أبا فراس باحلالل واحلرام وهو ما ينطوي على مفارقة مفعمة بالسخرية والتعجب ،ويحمل أبو فراس على (البطارقة) حملة ضارية فيستهزئ بهم وهم أصحاب املكانة الدينية املميزة في قومهم -ويشبههم بالتيوس وهو تشبيه له داللته ،كما يصمهم بالغباء والبالدة حني يشبه أخالقهم بأخالق احلمير، ويصف من كانوا في مجلس املناظرة من الروم بـ «اللئام» ،وهكذا يصدر أبو فراس في نظرته للروم عن كراهية ويقف منهم موقف الرفض والسخرية واالستالب. وتتحدث الروميات عن مناظرة أخرى وقعت بني أبي فراس والدمستق ،وفيها قال الدمستق ألبي فراس« :إمنا أنتم كتاب ال تعرفون احلرب ،فرد عليه أبو فراس قائلاً : نحن نطأ أرضك منذ ستني سنة بالسيوف أم باألقالم»((( .وأنشأ أبو فراس قصيدة سخر فيها من الدمستق ووصفه بأنه «ضخم اللغاديد» وراح يذكره بانتصارات احلمدانيني على الروم ومبن وقع منهم أسي ًرا وقتيلاً في استحضار مكثف ألسماء قواد الروم وفرسانهم وبطارقتهم وأقيالهم .يقول(((: ض����خ���� َم ال���� َّل����غ����ادي ِ َأتَ������زع������ ُم ي����ا َ ����د َأ َّن����ن����ا ����رب ال َن���ع ِ���ر ُف َ َو َن���ح���نُ ُأس����و ُد َ احل��رب��ا احل ِ ���وي��� َل َ ���رب ِإن َل����م َن���كُ���ن َل��ه��ا ���ح ِ َف َ ���ك َم����ن ِل���ل َ َو َم���ن ذا ا َّل���ذي يمُ��س��ي َو ُي��ض��ح��ي َل��ه��ا ِتربا ����ش ِم����ن َج��� َن���ب ِ َو َم������ن ذا َي���� ُل ُّ اجل���� ْي َ ����ف َ ���ات ِ���ه َو َم����ن ذا َي���ق���و ُد ال ُّ ���ش��� َّم َأو َي���ص��� ُد ُم ال َقلبا َ َو َوي������ َل َ ����ش ������ك َم�����ن َأ ْردى َأ ����رع ٍ ب َ خ��������اك مِ َ ض����ر ًب����ا َوج������ َه وا ِل ِ َو َج���� َّل َ ����ل َ ��������د َك ال َ��ع��ض��ب��ا ((( ديوانه ص .42 ((( ديوانه ص .43-42 - 79 - ����ك م ِ �����ك َم����ن خ��� ّل���ى اب�����نَ ُأخ ِ ����ت َ َو َوي����� َل َ ��وث�� ًق��ا َ����د ُر ِّ ����ان تَ����ب����ت ِ اَّ ��ع��ب��ا َو َخ �����َّل����� َك ِب����ال���� َل���� َّق ِ ال��ش ْ َأت ِ َ �������رب َح�����تّ�����ى كَ���� َأ َّن����ن����ا ������وع������ ُدن������ا ِب �������احل ِ َو ِإ ّي َ ��ص��ب��ا ��������اك َل����م ُي���ع َ ���ب ِب��ه��ا َق��ل�� ُب��ن��ا َع ْ ���ص ْ َ �����ر ُه ����س����ل َب�����ر َد ًس�����ا َع���� ّن����ا َأ َف َ خ��������اك َو ِص�����ه َ َو َس������ل َ ����س َأع َ ���م���كُ���م َخ��ط��ب��ا ���ظ ُ آل َب����ردال����ي َ اس����ا َوال ُّ ���م��� ْي َ ���ش َ َو َس ْ ���و ُه ���ق ِص��� ْن َ ����ر ُق َ ���ش َ ����و ً �����ل ُق ْ َ َو َس�����ل ِس���ب َ َ���ه��� ْم َق��ل��ب��ا ال��ب ��ط��ري��ق َأث���ب���ت ُ ���ط��� ُه ِ َو َس��������ل ِص����ي���� َدكُ����م َ ����ن ِإ َّن���ن���ا ��ل�اي ِ ����م ِ آل ال����ـ َ ���ض ال���هِ ِ ���ن���د ِع����� َّزهُ ����� ُم َن��ه��ب��ا ���ه���ب���ن���ا ِب���ب���ي ِ َن َ ������ه������رام َو َ �����������ل َ آل َب��� َل َ َو َس ْ ���س آل َب ���ن���ط ٍ ٍ ����وال َ آل َم����ن َ ������ل َ َو َس ْ ���ح��� َة ال ُ��غ��ل��ب��ا اجل���ح ِ ���اج َ ���ع���س ِ ���ر كُ�� َّل��ه��ا َو َس������ل ِب���ال��� ُب��� ُرط���س���ي ِ ���س ال َ ���اك َ سط ِ الـم َن َ رياط ِس ال����رو َم َوال ُ��ع��رب��ا َو َس���ل ِب ُ َأ َل�������م ُت���ف ِ���ن���هِ ���م َق����ت اً ��ًل� َو َأس���������� ًرا ُس��ي��و ُف��ن��ا َو ُأس��� َد ال َّ الـمألى َو ِإن َج ُ��م�� َد ْت ُرعبا؟ ��ش��رى َ ِ ���س���ي ِ ���وف���ن���ا؟ ِب���� َأ �������ر َت َأم ِب ُ ق��ل�ام����ن����ا ُأ ْح َ �������ج ْ َّ ال���ش���رى ُق���دن���ا ِإ َل����ي َ ����ك َأ ِم ال�� ُك��ت��ب��ا َو ُأس������� َد ����ن ال����� َف ِ َ ��ل��اة تجَ���و ُب���ه���ا َ����ر ك����ن����اك ف����ي َب����ط ِ ت َ ���رب���وع َي���ل���ت ِ كَ���م���ا ان���تَ��� َف َ َ���ث��� ُم ال�� ُّت��رب��ا ���ق ال��� َي ُ ُت��ف ِ ��اخ�� ُرن��ا ِب��ال َّ ��ط��ع ِ��ن َوال َّ ���رب ف��ي ال َ��وغ��ى ���ض ِ ِ وس َ��ع��ت َ استها ِكذبا فس يا اب��نَ ْ��ك ال َن ُ َل َقد َأ َ َ ق�������ال ِذ َّم������� ًة َرع�������ى ال����� َل����� ُه َأوف������ان������ا ِإذا ����ع���� ًن����ا َو َأث����� َب�����تَ�����ن�����ا َق��ل��ب��ا َو َأن������ َف������ َذن������ا َط ْ - 80 - ب��������اك ِ َ ���م���ا َخ��� َب���ر ُت��� ُه ���������دت َأ َو َج ُ ���ل���ج ل���ـ ّ ال���ع َ ���ج���ب���ا �������ركُ �������م ُع ْ َأ َق������ ُّل������كُ������ ُم َخ�����ي����� ًرا َو َأك������� َث َ َّ استهل أبو فراس قصيدته بهذه الصورة الساخرة للدمستق حني وصفه بأنه وقد «ضخم اللغاديد» ونظر إليه نظرة احتقار في قوله: �������رب ِم����ن َق���ب���لِ هَ ِ ��ع��ت��ن��ا َ �����ذ ِه ��م َ َل��� َق���د َج َ احل ُ �����ت ِب���ه���ا كَ��ل��ب��ا َف���كُ��� ّن���ا ِب���ه���ا ُأس�������� ًدا َو ُك�����ن َ إن هذه الصورة جتسد عالقة الذات باآلخر جتسي ًدا تا ًما ،فاألسد الذي يرمز إلى العرب مبا يحمله من دالالت القوة والشجاعة وامللوكية تقابله صورة الكلب الذي يرمز من وجهة نظر أبي فراس إلى الروم مبا توحي به الصورة من احتقار ووضاعة. إن مثل هذه املناظرات الشعرية لون طريف جديد عرف طريقه إلى الشعر ونفحه بنفحات خاصة. إن أبا فراس -في قصيدته -يستعرض جان ًبا من جوانب الصراع بني العرب والروم ويستحضر أسماء ملوك الروم وقوادهم الذين ذاقوا مرارة الهزائم وشملت هذه القائمة كال من الدمستق وابن أخته وبرداس وهو قائد قسطنطني السابع ملك القسطنطينية و(ق��رق��واس) وهو قائد أرمني من ق��واد الدمستق والشميشق صهره وآل برداليس وآل املالين وهم آل البطريق قسطنطني وكذلك آل بهرام وآل بلنطس وآل منويل وآل برطسيس وغيرهم ممن وعتهم ذاكرة أبي فراس وحرص على ذكرهم ليدحض فرية الدمستق الذي زعم بأن العرب قوم ال يعرفون احلرب ،فكان استعراض أسمائهم خير دليل على تفنيد هذه املزاعم . إن عالقة الذات باآلخر في شعر أبي فراس تقوم على العداء واإلنكار والتعالي، فكالهما يسعى إلى محو اآلخر وازدرائه واحتقاره: ي������� ّن�������ونَ َأن َخ����� ّل�����وا ِث����ي����اب����ي َو ِإنمَّ���������ا مَ ُ ِ م������ائ������هِ ������ ُم ُح����م���� ُر ������اب ِم�������ن ِد ������ي ِث������ي ٌ َع������ َل َّ - 81 - وتتأكد عالقة التنافر والعداء والرفض حني يخاطب أبو فراس سيف الدولة بقوله: َو َل ِ دار ُغ���ر َب ٍ���ة ����ف����ت ����ك����ن َأ ِن ُ ���وت ف���ي ِ ال���ـ���م َ َ ال��غ ُ ِب��� َأي���دي ال��� َّن���ص���ارى ُ ���م ِ���د ��ل��ف م��ي��تَ�� َة َأك َ ���رح���وا َف��ل�ا تَ����ت���� ُر ِك ا َألع���������دا َء َح���ول���ي ِل��� َي���ف َ ����ع ِ َ َوال تَ����ق َ ����د ����ع ال����ت َّ����س����آل َع���� ّن����ي َوتَ����ق ُ ����ط ِ فأبو فراس يعبر عن إحساس الذات الرافضة لآلخر ،الكارهة له ،وهو اإلحساس الذي تضاعف من خالل محنة األسر التي اكتوى بنيرانها. XXXX - 82 - اآلخر في شعر املتنبي لآلخر جتليات عديدة في شعر املتنبي ،وقد أسهم في هذا احلضور الكثيف عدة عوامل ،منها كثرة أسفاره ورحالته ،ومنها اتساع ثقافته ،ومعاصرته للصراع احملتدم بني العرب والروم. ويتجلى حضور «اآلخر» في شعر املتنبي في أجناس شتى ،منها :العجم والفرس والروم والترك والديلم واألكراد واليهود. العجم: يتردد مفهوم «العجم» عند املتنبي في إشارة إلى األجناس األخرى غير العربية، واضحا بني العرب والعجم في العادات والطبائع واللغة والثقافة ويرى أن هناك تباينًا ً ولذلك فإن العرب إذا ملكهم العجم لم يفلحوا. وينظر املتنبي إلى العجم نظرة سلبية عدائية ،فيسلبهم املفاخر واحلسب واألمجاد، ويرى أنه ال ذمم لهم وال عهد وال أمان ،ويحمل على عبيد اخللفاء من األتراك الذين كانوا يؤمرون على الناس ،فيقول(((: �����م�����ل ِ �����وك َوم������ا َو ِإنمَّ��������������ا ال������ن������اس ِب�����ال�����ـ ُ ُ ������ج������ ُم ������ح ُع ُت������ف������ ِل ُ ���������������ر ٌب ُم�����ل�����وكُ�����ه�����ا َع َ ْ ((( ديوان املتنبي (بشرح البرقوقي) .179 : 4 - 83 - ال َأ َد ٌب ِع�������ن������� َدهُ �������م َوال َوال ������ب ������س ٌ َح َ ُع����������ه����������و ٌد ��������ه��������م َل ُ َوال م ِذ مَ ُ ِب��������كُ ِّ م ��������ل َأ ٍ رض َو ِط������ئ������ ُت������ه������ا ُأ مَ ٌ �������ع�������ب ٍ �������د كَ������� َأ َّن�������ه�������ا َغ������ َن������ ُم ُت�������رع�������ى ِل َ واضحا لكل ما هو عربي ،بل إنه ليرفض مظاهر ويعكس شعر املتنبي تعص ًبا ً احلضارة وينحاز إلى البادية بكل ما فيها ،ويفضل املرأة البدوية على احلضرية ألن حسن أهل احلضارة متكلف مصنوع .أما حسن البدويات فهو فطري غير مجلوب أو متكلف .يقول(((: وج������ ُه َ احل َ ��ات ِب ِ��ه ��س��ن ُ ���ض ِ م��ا َأ ُ ���ر ال��ـ ُ��م��س��تَ��ح َ وج ِ �������ه ال������ َب������ َد ِو ّي ِ ����اب����ي����ب ������ات ال���� َّرع ِ كَ������� َأ ُ ((( ُح���س���نُ َ ���وب ِب���تَ���ط ِ���ر َي ٍ���ة احل �����ض�����ار ِة َم���ج���ل ٌ َ ���وب َوف������ي ال������ َب ������داو ِة ُح����س����نٌ َغ����ي���� ُر َم���ج���ل ِ َ وانحياز املتنبي للعرب يأتي غال ًبا على حساب اآلخر؛ فممدوحه «النموذج» أو «املثال» يكون عظي ًما أينما كان حتى لو َّ حل في دولة عظيمة كفارس لزحزح كسرى عن مكانه ،ولو َّ لنحى قيصر عن عرشه وصار مكانه(((: حل في الروم َّ ِإن َح َّ ����������رس َف���ف���ي���ه���ا َر ُّب����ه����ا ��������ل ف�����ي ُف ٍ ِك����س����رى ت ِ َ ���ع ق�����اب َوت َ��������ذ ُّل َل������ ُه ال����� ِّر َ���خ���ض ُ ُ َأو َح َّ ����ص���� ٌر ��������ل ف�����ي روم َف���ف���ي���ه���ا َق����ي َ ٍ َأو َح َّ �����ع ���������ل ف������ي ُع �����������رب َف���ف���ي���ه���ا ُت����� َّب ُ ٍ وبرغم العداء املتبادل بني العرب والروم وما جرى بينهما من معارك وحروب طاحنة، فإن املتنبي ال ينكر حضارة الروم ويعترف مبهارتهم في الفنون وحذقهم في الصناعة، ((( ديوانه .291 : 1 ((( الرعابيب :جمع رعبوبة وهي املرأة املمتلئة. ((( ديوان املتنبي .20 : 3 - 84 - وقد ع َّبر عن ذلك في معرض وصفه لثياب من الديباج أهديت له وكانت ناسجتها من الروم قد نقشت عليها صور ملوك الروم وصورتها وصورة جواريها وزينتها بصور للخيل ونقوش أخرى ألشياء جاءت اً مثال للحذق واملهارة ،وفي ذلك يقول(((: َ��������رمي م����ا َي�����ص�����ونُ ِح���س���ا َن���ه���ا �����ي�����اب ك ِث ُ ٍ ِإذا ُن ِ ����ات ِص���وا َن���ه���ا �����ر ْت ك������انَ ال����هِ ����ب ُ �����ش َ ال��������روم ف��ي��ه��ا ُم��ل��وكَ��ه��ا ����ن����اع ص ُ ُت���ري���ن���ا َ ِ ���س���ه���ا َو ِق���ي���ا َن���ه���ا َوتجَ�����ل�����و َع��� َل���ي���ن���ا َن��� َف ْ َو َل����م َي��ك ِ��ف��ه��ا تَ��ص��وي�� ُره��ا َ اخل���ي َ ���ل َوح�� َده��ا ���������و َر ِت ا َألش�������ي�������ا َء ِإلاّ َزم����ا َن����ه����ا ���������ص َّ َف َ �����و ٍر ������رتْ������ه������ا ُق �����ص ِّ ����������در ًة ف����ي ُم َ َ َوم������ا ِا َّد َخ َ ِس������وى َأ َّن�����ه�����ا م����ا َأن َ ����ط���� َق����ت َح��� َي���وا َن���ه���ا ويعبر املتنبي في غير موضع من شعره عن إعجابه بحضارة اإلغريق وما أجنبته من علماء أفذاذ في الطب والفلسفة ،ويشير إلى «جالينوس» الطبيب اليوناني املشهور وبراعته في الطب ووصف األدوية ،فيقول(((: �����������دت َدوا َء دائ�������ي ِع���ن��� َده���ا ل���ـ���م���ا َو َج ُ ّ ������ف������ات ج���ال���ي���ن���وس���ا ������ي ِص ُ ه�����ا َن�����ت َع������ َل َّ ويستحضر املتنبي شخصية «جالينوس» مرة أخرى في معرض احلكمة والتأمل وتأكيد حقيقة حتمية املوت حيث ال ينجو منه إنسان مهما كان قدره ،فيموت الراعي اجلاهل كما ميوت الطبيب احلاذق ،بل رمبا زاد راعي الضأن عم ًرا على جالينوس في «مفارقة» بالغة الداللة على تناقضات احلياة: �������أن ف�����ي َج����ه���� ِل ِ مَ����������وت راع��������ي ال َّ ����ه ي �������ض ِ ُ ������وس ف�������ي ِط������ ِّب ِ ������ه َم����������وتَ���������� َة ج������ال������ي������ن َ ((( ديوانه .303 :4 ((( املصدر نفسه.305 :2 - 85 - ���������م���������ر ِه َو ُربمَّ�����������������������ا زا َد َع��������ل��������ى ُع ِ ������رب ِ ������ه َوزا َد ف������ي ا َألم��������������نِ َع�����ل�����ى ِس ِ ويستحضر املتنبي أعالم احلضارة اليونانية :أرسططاليس واإلسكندر وبطليموس في معرض مـدح ابن العمـيد ،فيشبهه بهم في علمه وحكمته وسعة ملكه ،فيقول(((: ع�������������راب َأ ّن���������ي َب���ع��� َده���ا َم������ن ُم����ب���� ِل���� ُغ ا َأل ِ ����س َوا ِإلس�����كَ�����ن����� َدرا ش�����اهَ ُ �����دت َرس����ط����ال����ي َ ����اره����ا َف��� َأض���ا َف���ن���ي َو َم����ل����ل ُ ����ر ِع����ش ِ ����ت َن ْ ����ح َ ���ار ل��ـ��م��ن َق���رى ���ح��� ُر ِ َم����ن َي���ن َ ال����ب���� َد َر ال��� ُّن���ض َ َو َس ِ س ُك���ت ِ���ب ِ���ه ����م����ع ُ ���وس ِ دار َ ����ت َب���ط���ل���ي���م َ َ����ح ِّ ����ض����را ُم�����ت َ َ�����م����� ِّل�����كً�����ا ُم������تَ������ َب������ ِّد ًي������ا ُم����ت َ وف��ي س�ي��اق امل��دح أي� ً �ض��ا يستدعي املتنبي ع��دة شخصيات دينية وتاريخية كشخصية اإلسكندر فيقول على سبيل الغلو إن ذا القرنني لو استعمل رأي املمدوح ألضاءت له الظلمات ،ويشير إلى «عازر» وهو رجل من بني إسرائيل أحياه الله تعالى بدعاء عيسى عليه السالم ،ولكن املتنبي يعمد إلى الغلو املذموم فيقول إن عازر لو قتل بسيف املمدوح في احلرب ألعجز عيسى إحياؤه ،ويستحضر في السياق ذاته صورة املجوس عبدة النار وميضي في غلوائه فيقول(((: َب َ ���������و َر غ�������ا َي������� ًة ف������ي آ َي ٍ ��������ة َ���������ص َّ �������ش������� ٌر ت َ ����ظ����ن����ونَ َو ُت����ف ِ تَ���ن���ف���ي ال ُّ ��س��ا ����س���� ُد ال��تَّ�� ْق��ي��ي َ �����ر َّي ِ َو ِب ِ ����������ه ُي َ �����ة ال ِب��ه��ا �����ض�����نُّ َع����ل����ى ال����� َب ِ ِ ������ي������ه ِم����ن����ه����ا ال َع���� َل����ي����ه����ا ي���وس���ى َو َع������ َل ع�����م َ �����ل َرأ َي�������� ُه َل�����و ك������انَ ذو ال���� َق����ر َن ِ ��ي�ن َأ َ ����ظ���� ُل����م ِ لمَ ّ������ا َأت������ى ال ُّ ����ات ِص��������رنَ ُش��م��وس��ا ((( ديوان املتنبي .277-276 : 2 ((( املصدر نفسه .307 :306 :2 - 86 - أس ع��������از ََر َس���ي��� ُف��� ُه َأو ك������انَ ص��������ا َد َف َر َ ������ع������رك ٍ َ������ة لأَ َع������ي������ا ع��ي��س��ى ����������وم َم ف�����ي َي ِ َ مَ���ي���ن ِ �����ل ي ِ ����ح����ر ِم�����ث َ ���ه �������ج ال���� َب ِ َأو ك�������انَ ُل ُّ �����ق َح����تّ����ى ج�������ا َز ف����ي ِ ان�����ش َّ َ ����ه م��وس��ى م����ا َأو ك��������انَ ِل����ل����ن����ي����رانِ َ ض���������و ُء َج���ب���ي ِ���ن ِ���ه �����ص�����ار ال�����ع�����المَ�����ونَ َم���ج���وس���ا ������ب������ َدت َف ُع ِ َ وفي سياق العظة والعبرة وتأكيد حقيقة الفناء يستحضر املتنبي شخصية خوفو وخفرع صاحبي الهرمني مؤك ًدا أن الفناء حتم على البشر مهما كان قدرهم وأن اآلثار تبقى بعد رحيل أصحابها للداللة على حضارتهم وقوتهم .يقول(((: ������ل َأو غ ِ ِ تَ���ص���ف���و َ ����ل احل������ي������ا ُة ����اف ٍ لجِ������اه ٍ �����ع َ�����و َّق ُ َع ّ �����م�����ا َم�����ض�����ى ف���ي���ه���ا َوم���������ا ُي�����ت َ احل����ق ِ َول���ـ���م���ن ُي����غ����ا ِل ُ ����ط ف����ي َ ���س��� ُه ����ائ ِ ����ق َن���ف َ ���ع َو َي ���م ُ ����ب ال���ـ ُ ُ ���م���ح���الِ َف���تَ���ط َ ���س���وم���ه���ا َط���� َل َ ���ان ِ �����رم�����انِ ِم������ن ُب���ن���ي ِ ���ه َأي��������نَ ا َّل��������ذي َ ال�����ه َ ���ص���ر ُع ال���ـ���م �����وم����� ُه م����ا �����وم����� ُه م����ا َي ُ م����ا َق ُ َ َ َ�����خ����� َّل ُ تَ�����ت َ ����اب����ه����ا �����ف اآلث�����������ا ُر َع�������ن َأص����ح ِ ���ع ح���ي��� ًن���ا َو ُي ِ ������در ُك������ه������ا ال����� َف�����ن�����ا ُء َف���تَ���ت��� َب ُ الفرس: للفرس حضور واضح في شعر املتنبي ،فقد كانت له رحلة إلى بالد فارس بعد أن رحل عن مصر سنة 350هـ قاص ًدا الكوفة فوصلها سنة 351هـ وأقام فيها فترة قصد ((( ديوانه .13 :3 - 87 - بعدها بغداد وكانت حتت حكم معز الدولة البويهي ولكن مقامه لم يطب فيها فسافر إلى أ ّرجان قاص ًدا ابن العميد فمدحه بأربع قصائد وذهب منها إلى(شيراز) حيث اتصل بعضد الدولة ومدحه بثماني قصائد ،وعاد منها محملاً بالهدايا والتحف ليلقى حتفه في طريقه إلى الكوفة على يد فاتك األسدي ورجاله وذلك في رمضان سنة 354هـ(((. وينظر املتنبي إلى الفرس نظرة إكبار وتقدير ،ويعبر عن إعجابه باحلضارة الفارسية ،وهو ما نلمسه في مدائحه البن العميد ،وقد تصادف أن حضر عيد النيروز وه��و أح��د أعياد الفرس املهمة ،فنظم قصيدة يهنئه فيها بهذا العيد حيث شخص (العيد) فجعله زائ ًرا يفد على ابن العميد ويظفر منه بنظرة يتز َّود بها إلى العام املقبل حيث يفارقه آخر اليوم آس ًفا حزينًا على فراقه ،ويصف املتنبي مقامه في بالد فارس في عيد النيروز وقد غمرت الفارسيني الفرحة والبهجة ويشير إلى مشاركته أهل الفرس عاداتهم في صباح ذلك العيد إذ كان من عادتهم يوم النيروز أن يتخذوا أكاليل من النبات والزهر يضعونها فوق رؤوسهم وقد اكتست األرض في هذا العيد مبثل هذه اً احتفال بالنيروز، األكاليل من الزهر ،وتزينت اجلبال والوهاد ولبست حللها القشيبة وفي ذلك يقول املتنبي(((: ن���������������ت ُم�������������را ُد ْه ج����������ا َء َن�������ي�������رو ُزن�������ا َو َأ َ َو َو َر ْت ِب��������ا َّل��������ذي َأرا َد ِزن��������������ا ُد ْه ِ �����ظ�����ر ُة ا َّل�����ت�����ي ن����ا َل����ه����ا ِم��� ْن���ـ �����������ذ ِه ال����� َن هَ َ َ ـ َ �����������ولِ زا ُده احل ������ك ِإل�������ى ِم���ث��� ِل���ه���ا ِم�������نَ ْ �����ن�����ك ِ َ �������وم ِم����ن���� ُه َي����ن���� َث����ن����ي َع ����������ر ال������� َي ِ آخ َ ِ ن�������������ت َط���������ر ُف��������� ُه َو ُرق�����������������ا ُده ن��������اظ�������� ٌر َأ َ �������رور ف���������ار ٍس ف����ي ُس رض َن����ح����نُ ف����ي َأ ِ ِ ٍ �����ب�����اح ا َّل����������ذي َن��������رى م����ي��ل�ا ُده ال�����ص ذا َّ ُ ((( انظر :الصبح املنبي عن حيثية املتنبي للبديعي .221 : 1 ((( ديوان املتنبي .149-148 : 2 - 88 - مَ�������ا ِل ُ َع َّ �������رس َح����تّ����ى �������ك ال������� ُف �����م�����تْ����� ُه م ِ �����ظ َ ع���������ام ِ ِ ُّ ���������س���������ا ُده ��������������������ام ُ�������������ل َأ ّي ك ���������ه ُح ّ ِ ����ب����س����ن����ا ف�����ي ِ �����ه ا َألك������ال������ي َ ������ل َح����تّ����ى م�����ا َل ِ �����ل����اع���������� ُه َو ِوه�������������������ا ُده ������س������تْ������ه������ا ِت ُ َل ِ ������ب َ منوذجا المتزاج الثقافتني :العربية والفارسية ،فهو عربي ويرى املتنبي في ابن العميد ً اللسان ،حكيم كالفالسفة ،فارسي اإلقامة ،فأعياده فارسية كالنيروز واملهرجان .يقول(((: �����اس ِك����س����رى َأب������و س��ا ِع����ن���� َد َم�����ن ال ُي�����ق ُ س������������انَ ُم������ل������كً������ا ِب ِ ������������ه َوال َأوال ُده ������س ِ ������ي ������������ر ِب َع ������������ي ِل��������س��������ا ُن�������� ُه َف������ل َ َ ������ف ٌّ ٌّ ف����������ار ِس���������� َّي���������� ٌة َأع����������ي����������ا ُده َرأ ُي���������������������� ُه ِ ِ ن���������ائ ٌ َ ���������ل َأن������������ا ِم�����ن����� ُه ق������������ال كُ������ َّل������م������ا آخ���������� ٌر ذا ِا ِ ق���������ال َ َ ق�����ت�����ص�����ا ُده ������������ر ٌف َس َ ونرى احلضور الفارسي في قصيدة أخرى للمتنبي ميدح فيها على ابن صالح �اري الكاتب وهو فارسي األص��ل ،ينسب إلى بلدة «روذب��ار» من بالد العجم، ال��روذب� ّ فيشيد بأمجاد الفرس من خالله ،ويشير إلى انتمائه إلى «أبرويز» أحد أكاسرة الفرس، فهو من أوالد ملوك الفرس أصحاب التيجان املصوغة من اجلواهر ،وهو مبكارمه وصفاته يعلو كل أصل شريف ويفوق الشمس شر ًفا ونس ًبا ،وك��أن الياقوت والدر املنظوم نظمت من حالوة لفظه ،وقد شغلته املعالى واملآثر عن احلسان من النساء(((: ِ �����س ُك ُّ �������س �������راة ِب�����ال�����رو َذ ِ �������ل ال َّ َل�����ي َ ب�����اري�����ـ ْ ُّ ������ب������از ُ������������ل م�������ا َي������ط������ي������ ُر ِب ِي َوال ك ِ ِ ������اج ال����ـ����م ��������ي َل��������� ُه ِم���������نَ ِ ����ج����د ت ٌ َ ف��������ار ِس ٌّ واز �������ر َع�����ل�����ى َأ ب��������������ر ِ ك���������انَ ِم�������ن َج�������وهَ ٍ َ ((( ديوان املتنبي .150 : 2 ((( املصدر نفسه 287-286 :2 - 89 - ����������وق ُك ِّ َ ص����������ل َش�����ري ٍ �����ف ���������ل َأ �����س����� ُه َف ٍ َن�����ف ُ ���������و َأ ّن��������ي َل������ ُه ِإل������ى ال َّ ����س ع����ازي ����ش����م ِ َو َل َ َوكَ���������������� َأنَّ ال������ َف������ري������ َد َوال���������������� ُد َّر َوا ْل������ َي������ا �����ظ ِ ����������وت ِم�������ن َل�����ف ِ ������از ُق �����ه َوس�����������ا َم ال������ ِّرك ِ َ َش َ ���م���ع���ال���ي �����غ����� َل ْ �����ت َق����ل���� َب���� ُه ِح������س������انُ ال���ـ َ ِ ع�������ج�������از ج�������وه َوا َأل ال�������و ������ان َع�������ن ِح������س ِ ِ ُ ويشير املتنبي في معرض مدح الروزباري إلى شهرة ُس َّكر مدينة األهواز وهي كور بني البصرة وفارس فيقول(((: �����ر َو َ ����ض���� ُم َ تَ����ق َ احل�������دي������� َد ا َألع��������ادي اجل�����م َ ه���������������واز ��������ر ا َأل ِ دو َن��������������� ُه َق�������ض������� َم ُس��������كَّ ِ ويشيد املتنبي بقوم املمدوح من الفرس ويراهم مناذج للكرم واملآثر والسيادة، فقد فتحوا كثي ًرا من البالد ،وملكوا األرض ،وانقادت لهم الشعوب انقياد الدواب الذلول متشي بغير مهماز ،وأطاعتهم اجليوش ،وهابهم الناس وصارت لهم الكلمة العليا والقول الفصل .يقول املتنبي(((: ِ ِ ���������آب���������ائ َ ����������رام ال������تَّ������ َأ ِّس������ي ال����������ك ���������ك َو ِب ِ ����م����ن َم���ض���ى َوال����تَّ����ع����ازي َّ����س���� ّل����ي َع َّ َوال����ت َ َ������رك������وا ا َأل َ رض َب�����ع����� َد م�����ا َذ َّل����ل����وه����ا ت َ َو َم َ �����از ����������ت ت َ������ه������م ِب����ل����ا ِم�����ه�����م ِ ����������ش ْ حَ������ت ُ ُ ������ت������ه������ ُم ُ �������وش َو ِه����ي����ب����وا اجل�������ي ط������اع َو َأ ُ َ �����از َف��������كَ����ل���ا ُم ������ه������م كَ�����ال����� ُّن�����ح ِ ال�������������ورى َل ُ َ ((( ديوانه .288 : 2 ((( ديوان املتنبي .291 :2 - 90 - منوذجا للقائد الشجاع وتبرز في شعر املتنبي شخصية عضد الدولة بوصفه ً الذي يحمي حدود الدولة الفارسية ويقهر أعداءها(((: َ �������ر ٌّي ط���������������راف َح�����م�����ى َأ �������م ِ ِ س َش َّ ف�������������ار َ �����ح ُّ �����ض َع����ل����ى ال����تَّ����ب����اق����ي ِب���ال���تَّ���ف���ان���ي َي ُ ِب َ ���م���ن���اي���ا ه���������اج َأ �������رب ط��������������راب ال���ـ َ َ َ �������ض ٍ ���م���ث���ا ِل ِ ِس������وى َ ���م���ث���ان���ي ض ِ ���ث َوال���ـ َ �������رب ال���ـ َ األكراد: ورد ذكر األكراد في شعر املتنبي في غير موضع ،فقد أشار إليهم في مدح ابن العميد فوصفه بأنه أفصح العرب ،وجعل األك��راد أفصح الناس في قومهم مشب ًها إياهم باألعراب معب ًرا عن إشكالية ثقافية تتصل باللغة بوصفها أداة للتعبير والتفاهم، فاملمدوح الذي ميثل منوذج الفصاحة اللغوية العربية يقف في مواجهة منوذج آخر للفصاحة ممثلاً في لغة أخرى هي لغة األكراد .يقول(((: َخ����� َل َ ������ح �����ق ال����� َل����� ُه َأ ال�����ن�����اس ُط������� ّرًا ِ َ ف������ص َ ��������ك��������ان َأع������������را ُب������������ ُه َأك����������������را ُده ف�������ي َم ٍ ويبدو أن الشعوبية كانت ُّ تطل برأسها بني الفينة والفينة في عصر سيف الدولة، فثمة رواية تقول إنه قد جرى ذكر ما بني العرب واألكراد من الفضل ،فقال سيف الدولة للمتنبي :ما تقول في هذا وما حتكم يا أبا الطيب؟ فقال(((: ن�����������ام س ِ ����ائ��ًلً ����ي����ر ا َأل ِإن ُك ����ن����ت َع������ن َخ ِ َ ِ ِ َف َ ����ض����ائ��ل�ا ������خ������ي������ ُرهُ ������ ْم َأك�������� َث�������� ُرهُ ��������م َف ((( املصدر نفسه .393: 4 ((( ديوان املتنبي .157 : 2 ((( املصدر نفسه .232 : 3 - 91 - ����ه����م ي�����ا هُ ������م������ا َم ِ وائ���ل��ا َم������ن َأ َ ن���������ت ِم����ن ُ ِ ال�������وغ�������ى َأ ِ وائ������ل�����ا �����ن��ي��ن ف������ي ال�����ط�����اع َ َ ِ ِ ������واذال ال������ع ن ف�����ي ال������ َّن������دى َو ال������ع������اذل���ي�� َ َ �����ك ال���� َق����ب ِ �����ض�����ل�����وا ِب����� َف�����ض����� ِل َ َق�������د َف َ ����ائ��ل�ا الترك: أظهر املتنبي تعاطفه مع الترك في قصيدة يعزي فيها سيف الدولة عن عبده (مياك) التركي وقد مات بحلب سنة أربعني وثلثمائة ،وكانت له حظوة عند سيف الدولة فحزن عليه حزنًا شدي ًدا وواساه املتنبي فقال(((: م�������ي�������ر َف���� ِإ َّن����ن����ي �������ح�������زنُ ال������ َل������ ُه ا َأل ال ُي ِ َ ح��������االت ِ ِ ُ ����ب ��������آخ�������� ُذ ِم��������ن َس ��������ه ِب���� َن����ص����ي ِ َو َم�����ن َس���� َّر َأه َ س���ى �����ل ا َأل ِ رض ُث���� َّم َب��ك��ى َأ ً �������ل�������وب ������ي������ون َس������� َّره�������ا َو ُق ������ع َب�����ك�����ى ِب ُ ٍ ِ ن َح���ب���ي��� َب��� ُه َو ِإ ّن�����������ي َو ِإن ك�������انَ ال������ َّدف���ي�� ُ ���ب���ي���ب َح��ب��ي��ب��ي ���ب���ي���ب ِإل�������ى َق���ل���ب���ي َح َح ٌ ُ �����اس ا َأل ِح������ َّب������ َة َق��ب�� َل��ن��ا ���������ار َق ال�����ن ُ َو َق�������د ف َ ال����ـ����م ِ ����وت كُ َّ ���ب َو َأع������ي������ا َدوا ُء �������ل َط���ب���ي ِ َ ويردد املتنبي اسم (مياك) مملوك سيف الدولة التركي و ُيظهر تعاطفه مع األتراك من خالله ،فيرى أن (مياك) أبقى مبوته في قلبه صبابة وح ًّبا ومودة إلى كل تركي ،فهو منوذج ألصالة األتراك ويشير إلى صفاتهم ،فالترك يوصفون ببياض الوجوه وضيق اجلفون ،ويشيد بشجاعته في القتال وفروسيته في النزال ،ولذلك حزنت عليه السيوف واخليل والقسي(((: ((( ديوان املتنبي .175-174 :1 ((( ديوانه .176 :1 - 92 - ٌ ص����ب����ا َب���� ًة مَ���������اك ف�����ي َح لأَ َب�����ق�����ى ي َ �����ش�����اي َ ��������ل ُت ِ ِإل��������ى ُك ِّ ���ب �������ي ال�����ن�����ج ِ �����ار َج���ل���ي ِ �������رك ِّ َوم��������ا ُك ُّ ٍ ������ب������ار ٍك ب ��������ل َو ج���������ه َأب������ َي ٍ ������ض مِ ُ َ َوال ك ُّ ������ن َ ����ب ُ���������ل َج������ف ٍ �������ق ِب���� َن����ج����ي ِ ض������� ِّي ٍ �������ر ْت ف���ي���ن���ا َع����� َل�����ي ِ َل ِ �����ه كَ�����آ َب����� ٌة �����ئ�����ن َظ َ �������ه َ ������ر ْت ف����ي َح������� ِّد ُك ِّ ���ب َل���� َق����د َظ َ �������ل َق���ض���ي ِ ������ه َ َوف�������ي ك ِّ ُ َّ َ���ن���اض ٍ���ل ��������وم ت كُ�������ل َي ��������وس ُ�������ل َق ٍ ِ ِّ َّ ٍ ��������وب ���������وم ُرك كُ��������ل َي ���������رف كُ��������ل ِط َوف��������ي ِ ِ الديلم: ويحضر (الديلم) في شعر املتنبي من خالل شخصية ملكهم (وهشوذان) الذي هزمه عضد الدولة هزمية نكراء وقد أشاد املتنبي بهذا النصر الذي أح��رزه عضد الدولة فقال(((: ��������ض�������� ًدا َر ُّب�������������� ُه ِب ِ ����������ه ال�����ع ِ ي������ا َع ُ �����اض����� ْد ����ب����ع ُ ����اج���� ْد ����ث ال���� َق����ط����ا س�������ار ًي�������ا َي َو ِ ال����ه ِ َ َ َوم ِ احل��������ي ِ �����م ِ �����وت َو َ ���ع���ا ��������اة َم ً �������ر ال�����ـ َ مُ�������ط َ ِ راع����������د ب������������������ار ٌق َوال ن��������������������ت ال َو َأ ِ َ �����ت ِم������ن َم َ �������ض������� َّر ِة َوه�����ـ �����ت َوم�������ا ِن�����ل َ ِن�����ل َ ���������ال َرأ ُي������������� ُه ال����ف ِ َ ����اس����د ـ�������ش�������وذانَ م�����ا ن ويحتفي املتنبي بوصف هزمية ملك الديلم حيث لم حتمه قالعه املسماة (الطرم) التي مألها احلجاج وأحاط بها فأخفاها عن األنظار وبدت من خالل غبار اخليل كأنها بعير أض َّله طالبه ،ويصف فرار (وهشوذان) وإسراعه في الهرب كأنه نعامة شرود، ((( ديوان املتنبي .177 :2 - 93 - وقد أنكرته األرض فلم يجد بها مستق ًرا ،ولم تغنه املباني املشيدة عن عقاب عضد الدولة ،ويشير إلى صفات قوم وهشوذان فيقول(((: ���اج ِ م�����ا ك������ا َن ِ َّ ���ت���ه���ا ������ت ال������ط������ر ُم ف�����ي َع���ج َ ض������������ َّل������������ ُه ن ِ ِإلاّ َب�������ع�������ي������� ًرا َأ َ ������اش������د ِ َ ���ل���اع َع�������ن َم����� ِل ٍ �����ك ال�������ق ه�����������ل تَ�������س������� َأ ُل َأ ِ ������س َ ش���������ارد �������ع�������ام������� ًة ������خ������تْ������ ُه َن ِ َ َق���������د َم َ َ�����ق����� َّر ِب ِ رض َأن ت ِ تَ����س����ت ِ َ����وح ُ ����ش ا َأل ُ �����ه ِ �������ن�������ك������� ٌر َل�������������� ُه ج ِ ������اح������د َف������كُ������ ُّل������ه������ا ُم َف����ل����ا ُم��������ش��������ا ٌد َوال َم������ش������ي������ ٌد َح����م����ى َوال َم������ش������ي������ ٌد َأغ�������ن�������ى َوال ش ِ �����ائ�����د �����وم َوه�����ش�����و َذ م����ا ُخ��� ِل���ق���وا َف����اغ����تَ����ظ ِب����� َق ٍ ِ ������غ������ي ِ ِإلاّ ِل َ احل�������اس�������د ��������دو َو ال��������ع ������ظ ِّ َ َر َأ َ ������اب������تَ������ ًة �����������و َك ن ِ وك ل�����ـ ّ �����م�����ا َب����������� َل ْ �������ل َأه��������� ِل ِ ِ َي������أكُ������ ُل������ه������ا َق�������ب َ �������رائ�������د ���������ه ال وتتردد أصداء هزمية ملك الديلم مرة أخرى حيث أنفذ إليه ركن الدولة ً جيشا من الري فهزمه واستولى على بلده ،ويخاطب املتنبي ملك الديلم في لهجة مفعمة بالسخرية فيقول(((: ُ ����ت �������ت َو َأ َرض�������ي َ َ����م ْ ه���������ش َ ���������وذانُ م�����ا َح����ك َ ������ه������ َب ُ َ ������ل َأم تَ������س������تَ������زي������ ُد لأِ ُ ِّم ������������������ك ال َ ������م������ َد ٍة َو َر َد ْت ِب�������ل�������ا َد َك َغ ������ي������ر ُم ْ ������ع َ َ ������ع ُ ������ل َوكَ��������� َأ َّن���������ه���������ا َب������ي����� َ ن ال������ َق������ن������ا ُش َ َوال���������� َق����������و ُم ف������ي َأع������ي ِ ������ان������هِ ������م َخ���������� َز ٌر ����������ي����������ل ف�������ي َأع������ي ِ ������ان������ه������ا َق������ َب ُ ُ َو َ ������ل اخل ((( ديوانه .180-179 : 2 ((( ديوانه .24 -22 : 4 - 94 - ب���������ن َأتَ������������وا ِق����� َب ٌ َ �����ل َ���������وك َل َف��������� َأت �����ي�����س مِ َ َ ب���������ن َن������������� َأوا َخ����� َل ُ �����ل ِب������هِ ������م َو َل �������ي�������س مِ َ َ ��������ه�������� ُم َل���������م َي ِ �������������در َم���������ن ِب����������ال���������� َّر ِّي َأ َّن ُ �����ص�����ل�����وا َوال َي�����������دري ِإذا َق���� َف����ل����وا َف َ َ������ز ًم������ا َوال َأ َس����������� ٌد َف������� َأت َ�������ي�������ت ُم������ع������ت ِ َ �����ز ًم�����ا َوال َو ِع ُ َو َم َ ���������ل ������ي������ت ُم ������ض �����ن�����ه ِ َ َ �����������ه����������� ُم ُت�����ع�����ط�����ي ِس راح ُ ����ل���اح ُ ��������ه�������� ُم َو َ َ ال����ـ����م���� َق ُ ����ل م������ا َل��������م تَ������ ُك������ن ِل������تَ������ن������ا َل������ ُه ُ ِ مَ���� َل����ك ٍ َ����ة ����ل����وك ِب����� َن�����ق�����لِ م ال����ـ����م َأس�����خ�����ى ُ أس َي����ن����ت ِ َ����ق ُ ����ل َم��������ن ك���������ا َد َع������ن������ ُه ال���������������ر ُ َ هكذا سخر املتنبي من شخصية ملك الديلم فوصمه باجلنب واخل��ور وشبهه بالوعل املنهزم وقد خشي أن تقطع رأسه فضحى مبملكته وتخلى عن ملكه لينجو بنفسه بعد أن هزمته جيوش ركن الدولة بأقل مجهود. اليهود: ع َّبر املتنبي عن رأيه في اليهود في معرض قصيدة يدافع فيها عن نفسه بعد أن وشى به قوم إلى السلطان ،فحبسه ،فكتب إليه من احلبس ينفي عن نفسه التهمة ويرجوه أال يقبل زور الكالم وشهادة غير العدول واالستماع إلى كيد الوشاة وجلاجة احلاقدين .وفي هذا السياق يستحضر صورة اليهود فيجعل خصومه يهو ًدا وهم ليسوا كذلك في احلقيقة ،ويراهم أهل زور ووشاية وعداوة ومكيدة وجلاج ،يقول املتنبي(((: ال������ن������اس ف������ي َم����ح ِ ����ل َو ُك ِ �������ن�������ت ِم���������نَ ُ ����ف ٍ َف�����ه�����ا َأن���������ا ف������ي َم�����ح ِ ِ ���������رود �����ل ِم�������ن ُق �����ف ٍ ((( ديوانه .68-67 : 2 - 95 - ِ ج��������������وب ُ ������ج ُ ������������دود احل ����������ي ُو ������ع ِّ ُت َ َ ������ل ِف َّ ����س����ج ِ َ ����ود ����ي����ل ُو َو َح������������ ّدي ُق���� َب ِ ج�����������وب ال ُّ َ وت َع������ل������ى ال����ع����المَ����ي����ـ َو ق��������ي��������ل َع����������������� َد َ ������ي������ن ال����� ُق�����ع ِ �����ود ����ي����ن ِوالدي َو َب َ ـ��������نَ َب َ �����������ك تَ������ق������ َب ُ َ َ���ل���ام زور ال�������ك ������ل َف������م������ا َل ِ َ ������ش������ه������ا َد ِة َق����������� ْد ُر ال ُّ ����ش����ه ِ َو َق�������������� ْد ُر ال َّ ����ود ِ ن َف����ل���ا ت �����ع�����نَّ ِم����������نَ ال����ك����اش����ح��ي� َ َ�����س�����م َ َ ��������ح ِ ِ �����ه�����ود ��������ك ال����� َي َوال تَ�������ع������� َب������� َأنَّ مِ َ ب ْ دت َو ُك����������ن ن َدع����������وى َأ َر ُ ف�������ار ًق�������ا َب����ي��� َ ِ ��������أو َب����ع����ي ِ �����ل�����ت ِب َ ����د �����ع ُ َو َدع���������������وى َف َ ��������ش ٍ تلك هي صورة اليهودي كما استقرت في ذاكرة املتنبي ،وهي الصورة احلقيقية أو الواقعية التي تستند إلى الواقع ،وتؤكدها احلقائق التاريخية. الروم: عاصر املتنبي الصراع الذي احتدم بني احلمدانيني والبيزنطيني وصحب سيف الدولة في حروبه «وكانت أول قصيدة له عند لقائه في حربه للروم ،وآخر قصيده له عند فراقه (في حربه للروم) وأكثر شعره خاللهما قد قاله في هذه احلرب .وإن هذه القصائد فوق ما حوته من قيمة أدبية وسحر بيان وحتليق في فن املعاني واألسلوب وسمو في الصنعة ،فإنها جتمع في أبياتها قيمة تاريخية وجغرافية عالية القدر ،وتعد وثائق في غاية اخلطورة لكتابة التاريخ السياسي والتحقيق األدبي عن عصر سيف الدولة»(((. وحتتشد روميات املتنبي وسيفياته بوصف املعارك مع الروم وتصوير هزائمهم ووصف جيوش الروم وقوادهم وجنودهم وبطارقتهم وسباياهم ومدنهم وحصونهم وقالعهم وغير ذلك. ((( شعر احلرب في أدب العرب ،د .زكي احملاسني ص .303 - 96 - وصف املعارك: برع املتنبي في وصف احلروب التي خاضها سيف الدولة ضد الروم لعبقريته الفنية -من ناحية -وألن��ه «ك��ان يشهد احل��روب بنفسه مع سيف ال��دول��ة ،وم��ن ثم جاء وصفه للحروب متميزًا عن وصف غيره من الشعراء ملمارسته وخبرته للحروب ومعايشته واحتكاكه بأحداثها»(((. وقد أدرك القدماء براعة املتنبي في وصف املعارك فقال ابن األثير :إنه «إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها ،وأشجع من أبطالها ،وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها ،حتى تظن أن الفريقني قد تقابال ،والسالحني قد تواصال» ((( ومن أوائل القصائد التي نظمها املتنبي في وصف املعارك التي خاضها سيف الدولة ضد الروم قصيدته في وصف معركة (خرشنة) التي حدثت سنة 339هـ .بالقرب من بحيرة احلدث ،وانتصر فيها سيف الدولة في اجلولة األولى ثم انهزم في اجلولة الثانية ،وتذكر الرواية التاريخية أن سيف الدولة م َّر في هذه الغزوة مبدينة (سمندو) وعبر نهر (آلس) ،ونزل على (صارخة) وهي مدينة هناك ،فأحرق ربضها وكنائسها وربض خرشنة وما حولها وأقام مبكانه أيا ًما ،ثم عبر نهر آلس راج ًعا فلما أمسى ترك السواد وأكثر اجليش ،وسرى حتى جاز خرشنة ،وانتهى إلى بطن لقان ظهر الغد، فلقي الدمستق في ألوف من اخليل ،فلما رأى الدمستق أوائل خيل املسلمني ظنها سرية لها ،فانتشب القتال بني الفريقني ،فانهزم الدمستق ،وقتل من فرسانه خلق كثير، وأسر من بطارقته وزرازرت��ه نيف وثمانون ،وأفلت الدمستق وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده حتى وصل إلى عقبة -تعرف مبقطعة األثغار -فصادفه العدو على رأسها ،فأخذ ساقة الناس يحميهم ،وملا انحدر بعد عبور الناس ركبه العدو ،فجرح ((( شعر املتنبي -دراسة فنية -د.مصطفى أبو العال .202 : ((( املثل السائر البن األثير228 : - 97 - من الفرسان جماعة ،ونزل سيف الدولة على بردى -وهو نهر بطرسوس -وأخذ العدو عليه عقبة املسير -وهي عقبة طويلة -فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة العدو بها ،فعدل متياس ًرا في طريق وصفه بعض األدلة ،وجاء العدو آخر النهار من خلفه ،فقاتل إلى العشاء ،وأظلم الليل ،وتساند أصحاب سيف الدولة :أي أخذوا في سند اجلبل يطلبون سوادهم .فلما خفت عنه أصحابه سار حتى حلق بالسواد حتت عقبة -قريبة من بحيرة احلدث -فوقف وقد أخذ العدو اجلبلني من اجلانبني ،وجعل سيف الدولة يستنفر الناس فلم ينفر أحد ،ومن جنا من العقبة نها ًرا لم يرجع ،ومن بقي حتتها لم تكن فيه نصرة؛ وتخاذل الناس وكانوا قد ملوا السفر ،فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة وبقية األسرى ،فكانوا مئات ،وانصرف؛ واجتاز أبو الطيب آخر الليل بجماعة من املسلمني بعضهم نيام بني القتلى من التعب ،وبعضهم يحركونهم فيجهزون على من حترك منهم ،فقال يصف ذلك: ((( ���ن���خ ِ ����اس َي َ ���د ُع ����ر هَ ������ذا ال����ن ِ َغ����ي����ري ِب���� َأك���� َث ِ ��ج��ع��وا ِإن ق��اتَ��ل��وا َج�� ُب��ن��وا َأو َح��� َّدث���وا َش ُ ويصف املتنبي هزمية الروم في اجلولة األولى حيث أسرع سيف الدولة بجيشه حتى نزل بأرباض خرشنة وقد جلب الشقاء على الروم فقتل منهم خل ًقا كثي ًرا وأحرق صلبانهم وخ َّرب بيعهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم وأقام املنابر مبدينة (صارخة) ((( الرومية وأ ّدوا بها الصلوات (يوم اجلمعة) ،يقول: ���م���ق ِ ���ه ٌ ���ل ���ب َأق���ص���ى ُش ِ ���رب���ه���ا َن َ ق�����ا َد ال���ـ َ ���ان َ َع���ل���ى ال َّ �����ر ُع ���ش���ك���ي ِ���م َو َأدن��������ى َس���ي ِ ���ره���ا ِس َ ال َي���ع���تَ���ق���ي َب����� َل����� ٌد َم������س������را ُه َع������ن َب���� َل ٍ ����د ����م ِ ���ع ����س َل������ ُه ِر ٌّي َوال ِش��� َب ُ كَ����ال����ـ َ ����وت َل����ي َ ((( ديوان املتنبي .333 : 3 ((( املصدر نفسه .334-333 : 3 - 98 - رب���������اض َخ َ ���رش��� َن ٍ���ة َح����تّ����ى َأق��������ا َم َع���ل���ى َأ ِ تَ��ش��ق��ى ِب ِ ���ع ���ص���ل���ب���انُ َوال ِ���ب��� َي ُ ����ه ال������رو ُم َوال ُّ ��ي م���ا َن��كَ��ح��وا َوال��� َق���ت���لِ م���ا َو َل�����دوا ِل��ل َّ ��س��ب ِ ال���ن���ار م��ا ز ََرع����وا ��م��ع��وا َو ِ َوال��� َّن���ه ِ ���ب م��ا َج َ ���ار َخ ٍ���ة ���رج َم��ن��ص��و ًب��ا ِب���ص ِ ���م ُ ��ى َل���� ُه ال���ـ َ ُم��خ��ل ً ���اب��� ُر َم����ش����ه����و ًدا ِب���ه���ا ُ ����ع ���م���ن ِ ����م ُ اجل َ َل������ ُه ال���ـ َ ُ ����ع ال َّ ُي َ ط������ول َأك���� ِل����هِ ���� ُم ����ر ف���ي���هِ ���م ����ط ِّ ����م ُ ����ط����ي َ َح����تّ����ى تَ�����ك�����ا َد َع����ل����ى َأح����ي ِ ����ع ����ائ����هِ ����م تَ���� َق ُ ��������وار ّي��������وهُ �������� ُم َل���� َب����ن����وا َو َل�����������و َرآ ُه َح ِ ���ت ِ ���ح��� َّب ِ َّ ���رع���وا ���ه ال����ش َ َع���ل���ى َم َ ����رع ا َّل������ذي َش َ وتبرز صورة (الدمستق) « Domestiqueوهو لقب إمبراطور القسطنطينية ومعناه (اخلادم األعظم جليش الشرق) أو (القائد األعظم جليش آسيا ،وكان لقب قسطنطني ماليينوس السابع ملك القسطنطينية ،وهو املعاصر لسيف الدولة»(((. ويشير املتنبي إلى انخداع الدمستق حني رأى كتائب سيف الدولة فظنها قليلة ((( ظن: ولكن نظره خانه حني وجد األمر على خالف ما َّ َذ َّم ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ ���ت ���ع ْ ����ق َع���ي��� َن���ي ِ���ه َو َق�������د َط��� َل َ ((( ����ام َف َ س������و ُد ال َ ����ظ���� ّن����وا َأ َّن����ه����ا َق���������ز َُع ����غ����م ِ ���ه���ا َر ُج ُ �����ل ���وم ُ ف��ي��ه��ا ال���كُ���م���ا ُة ا َّل���ت���ي َم���ف���ط ُ اجل�����ي ِ �����اد ا َّل����ت����ي َح���و ِل��� ُّي���ه���ا َج������ َذ ُع َع���ل���ى ِ ويصف املتنبي مسيرة جيش سيف الدولة في أرض الروم حيث عبرت خيله نهر (آلس) وبلغت (اللقان) وهو موضع في بالد الروم قبل أن تبتلع ما شربته من ماء النهر مبالغة في وصف شدة ركضها: ((( شعر احلرب في أدب العرب ،د .ذكي احملاسني.269 : ((( ديوان املتنبي .335 : 3 : ((( القزع :املتفرق من السحاب ،واحدها :قزعة. - 99 - تَ�������ذري ال���� ُّل����ق����انُ ُغ�����ب�����ا ًرا ف����ي َم���ن ِ ���اخ ِ���ره���ا �������ر ُع َوف�������ي َح ����ن����اج ِ ِ ����ره����ا ِم������ن آ ِل ٍ ���������س ُج َ ويردد املتنبي لفظة (العلج) في وصف جنود الروم -ويعني الرجل الغليظ من كفار العجم -فإذا استعان العلج بآخر حالت بينهما رماح املسلمني: ِإذا َدع�����ا ال ِ ���ج���ا ح َ �����ال َب��ي�� َن ُ��ه��م��ا ���ج ِع���ل ً ���ع���ل ُ �����ف�����ار ُق ِم����ن���� ُه ُأخ���تَ���ه���ا ال ِّ ���ع َأظ����م����ى ُت ِ ���ض��� َل ُ ويكنى املتنبي عن الدمستق بـ(ولد الفقاس) إشارة إلى جده حيث لقي ما لقيه من هرب وفرار: �����اس ُم���ن���ك ِ َ���ت ٌ ���������ل ِم������ن َو َل ِ َأ َج ُّ ���ف ���������د ال����� ُف����� ّق ِ ���ر ُع َ����ه����نَّ َو َأم�����ض�����ى ِم����ن���� ُه ُم ���ن���ص ِ ِإذ ف����ات ُ َ ويصف املتنبي ما أصاب جنود الروم الناجني من فزع ورعب واضطراب نفسي انعكس على لون وجوههم ،فهم يشربون اخلمر وقد اصفرت وجوههم رع ًبا فال تستطيع اخلمر أن حتيل ألوانهم إلى احلمرة مع إدمانهم عليها: ��ت جَ����ا ِم����ن ِش َوم�����ا ن ���ف���ار ال ِ���ب���ي ِ ���ض ُم��ن�� َف�� ِل ٌ ِ ح�����ش�����ائ ِ ِ �����ه َف��������ز َُع �����ن�����ه�����نَّ ف�����ي َأ جَ������ا َو ِم ن ُ ُي����ب ِ �������و ُم���خ���تَ��� َب ٌ ���ل ����اش���� ُر ا َألم��������نَ َده�������� ًرا َوه َ �����ر ُب َ ���ع ������و م مُ���تَ��� َق ُ ����ر َح������ولاً َوه َ اخل����م َ َو َي�����ش َ إنها صورة بالغة الداللة واإليحاء ملا تخلفه احلرب من أثر على اجلنود املنهزمني حيث يصابون باختبال العقل واضطراب األعصاب والذهول وغير ذلك من أمراض وأعراض يظلون يعانون منها بعد جناتهم وهو ما يحدث كذلك في عصرنا الراهن مما يقتضي عالج اجلنود املنهزمني في مصحات نفسية ومعاناتهم من آثار احلرب أوقاتًا طويلة. - 100 - ويصف املتنبي البطارقة وهم قواد الروم وفرسانهم وقد وقع كثير منهم في األسر وقد ك ّبلوا باألغالل من أيديهم وأرجلهم فإن أرادوا املشي أوجعتهم القيود وإذا أرادوا النوم لم يستطيعوا وقد أضحت املنايا تنتظر أمر سيف الدولة بقبض أرواحهم .يقول املتنبي مص ِّو ًرا ما أصاب هؤالء البطارقة من مذلة وهم في األسر: ����اش ِ كَ�����م ِم�����ن ُح����ش َ ���ط���ري���ق ت َ ��م�� َن��ه��ا ����ة ِب َ��ض َّ ٍ ِل������ل������ َب ِ ِ م�����ي�����ن م������ا َل��������� ُه َو َر ُع ������رات َأ ������ات ٌ ِ ����ق����ات ُ ����ل َ ح��ي��ن َي���ط��� ُل��� ُب��� ُه �����و َع����ن���� ُه ُي َ اخل�����ط َ َ ��ع ن َي َو َي�����ط����� ُر ُد ال���� َّن����و َم َع���ن��� ُه ح��ي� َ ��ض��ط ِ ��ج ُ ����ك ِ ���م���ن���اي���ا َف��ل��ا تَ����ن���� َف ُّ واق����� َف����� ًة تَ����غ����دو ال���ـ َ َ ����ع َح����تّ����ى َي �����ق�����ول َل����ه����ا ع�������ودي َف����تَ����ن���� َد ِف ُ ويعالج املتنبي -بذكاء -التحول الذي حدث في املعركة بوقوع أسرى من جيش سيف الدولة في قبضة الدمستق ،فيصم هؤالء األسرى باخليانة والتخاذل واخلسة وأنهم نالوا جزاء خيانتهم ،وليس للروم أن يفخروا بوقوع هؤالء األسرى في قبضتهم ألنهم جبناء بل هم كاألموات أو اجلثث العفنة التي ال تأكلها سوى الضباع مشي ًرا بذلك إلى إقدام هؤالء األسرى اجلبناء على إلقاء أنفسهم بني قتلى الروم خو ًفا منهم ليوهموا الروم بأنهم قتلى ،يقول: ((( ن َل��� ُك��� ْم ���ق ِإنَّ ال��ـ��م��س�� َل��م�ي َ ُق����ل ِل���ل��� ُد ُم���س��� ُت ِ ُ ص�� َن��ع��وا ����ر َف���ج���ازاهُ ���م ب مِ����ا َ خ���ان���وا ا َألم����ي َ ����ي����ام����ا ف�����ي ِدم ِ �����ائ����� ُك����� ُم َو َج������دتمُ������وهُ ������م ِن ً ����ج����ع����وا كَ������������� َأنَّ َق������ت���ل��ا ُك������ ُم ِإ ّي���������اهُ ��������� ُم َف َ ���ع��� َف���ى ت ِ َ����ع ُّ َ ����ف ا َألي��������ادي َع����ن ِم���ث���ا ِل���هِ ��� ُم ض ْ ���م���وا ِب���هِ ���م َن��� َزع���وا ِم�����نَ ا َألع�������ادي َو ِإن هَ ّ ((( ديوان املتنبي .339 -338 : 3 - 101 - حَ���س���ب���وا َم����ن َأ َس مُ �����ق �������رت ك�����انَ ذا َر َم ٍ ال ت َ ���ي���س َي�����أ ُك ُ �����ل ِإلاّ ���ت ال َّ ���ع َف��� َل ال���ـ���م��� ِّي َ ���ض��� ُب ُ َ َ إن املتنبي لم يشأ أن يخاطب الدمستق مباشرة وإمنا خاطبه عن طريق وسيط �س فيه (ق��ل للدمستق) لكراهيته له ون�ف��وره منه ال سيما في ه��ذا املوقف ال��ذي أح� َّ الدمستق بالزهو لوقوع بعض أسرى املسلمني في قبضته. ويصف املتنبي -في قصيدة أخرى -هزمية الدمستق أمام سيف الدولة في معركة (مرعش) وهي حصن من أعمال ملطية وقد جاء إلى هذا (الثغر) يمُ نّي نفسه بالنصر ،فلما رأى جيش سيف الدولة الذ بالفرار وترك جنوده صرعى وغنم املسلمون ((( أمواله ،وتلك عاقبة من يقوم على احلرب وفي طبعه اجلنب .يقول املتنبي: �����راي�����اك تَ����ت����رى َوال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ َ ������ار ٌب َس ����ق ه ِ َو َأص�����ح�����ا ُب����� ُه َق���ت���ل���ى َو َأم�������وا ُل������� ُه ُن��ه��ب��ى ���رع ً ���ش���ا َي���س���تَ���ق ِ���ر ُب ال��� ُب���ع��� َد ُم��ق ِ��ب�ًلً َأرى َم َ ���ل���ت َي���س���تَ���ب ِ ���ع��� ُد ال�� ُق��رب��ا ����������ر ِإذ َأق��� َب َ َو َأد َب َ ����ك����ر ُه ال�� َق��ن��ا كَ�����ذا َي����ت���� ُر ُك ا َألع���������دا َء َم����ن َي َ َو َي�����ق����� ُف ُ ���م��� ُت��� ُه ُرع���ب���ا �����ل َم�����ن ك����ا َن����ت َغ���ن���ي َ ويشير املتنبي إلى استعداد (الدمستق) للحرب وقد أخذ أهبته لها ووقف بجنوده في ثغر (اللقان) باألناضول ،وقد أشرعوا رماحهم وركبوا خيولهم املطهمة القوية، ودارت رحى املعركة واختلطت الرماح كما يختلط أهداب العني أعاليها بأسفلها عند النوم ولكنه -الدمستق -و ّل��ى األدب��ار حني أدرك الهزمية ،وق��د أخ��ذ يلمس جنبه ويتحسس جسده غير مصدق أنه ما زال على قيد احلياة وقد أخذ الرعب بتالبيبه وترك وراءه العذارى والبطاريق والرهبان والقرابني والصلبان من هول ما رأى: ((( ديوان املتنبي .188 :1 - 102 - ����ق����ان ُوق�����و ُف����� ُه َوهَ ���������ل َر َّد َع�����ن����� ُه ِب����ال���� ُّل ِ ���م َ ���م��� َة ال�� ُق�� ّب��ا ص ���ط َّ �������دور ال َ ُ ���ع���وال���ي َوال���ـ ُ ���ه َ َ َم��ض��ى َب��ع�� َدم��ا ال���ت َّ ��اع�� ًة َ���ف ال��� ِّرم���اح���انِ س َ ���دب ف��ي ال���� َّرق���� َد ِة ال ُ��ه��دب��ا كَ��م��ا َي��تَ�� َل�� ّق��ى ال ُ ���ه ُ َو َل ِ ������ك������ َّن������ ُه َو ّل����������ى َو ِل�����ل َ ����������ور ٌة �����ن َس �����ط�����ع ِ َ ���س ُ اجل��ن��ب��ا ���ف���س��� ُه َل َ َ����رتْ����ه����ا َن ُ ���ـ���م َ ِإذا َذك َ ����ع����ذارى َوال��� َب���ط���اري َ ���ق َوال��� ُق���رى َو َخ��� َّل���ى ال َ َو ُش���ع َ ��ص��ل��ب��ا ���ث ال�� َّن��ص��ارى َوال��� َق���راب َ �ي�ن َوال ُّ ويشير املتنبي كذلك إلى قيام سيف الدولة ببناء سور قلعة (مرعش) بعد هزمية ارتفاعا عظي ًما وكأنه يطاول الكواكب ،وعجزت الطيور الدمستق ،وقد ارتفع هذا السور ً فزعا عن التقاط احلبوب من فوقه كما عجزت الرياح الهوج عن النيل من هذا السور ً العظيم ،ويصور خيل سيف الدولة وهي تعدو فوق جبال هذه القلعة وقد غطت الثلوج دروبها ،يقول املتنبي: ((( �����وق َب ِ ���دئ ِ���ه ���ح ْ ���ور ِم���ن َف ِ َف��� َأض َ ���ت كَ����� َأنَّ ال���س َ ���ق ال��ك ِ رض َق���د َش َّ ��ر َب��ا ِإل���ى ا َأل ِ َ��واك َ ��ب َوال�� ُّت ْ ����وج َع��ن��ه��ا َم���خ���ا َف��� ًة ت ُ �����اح ال����ه ُ َ����ص���� ُّد ال����� ِّري ُ َوتَ����ف����ز َُع ِم��ن��ه��ا َّ ��ط َ ال��ط��ي�� ُر َأن تَ��ل�� ُق َ احل�� ّب��ا اجل����ي����ا ُد ُ اجل������ر ُد َف َ �����وق ِج��ب��ا ِل��ه��ا َوتَ�������ردي ِ ��ص�� َّن�� ْب�� ُر ف��ي ُط ِ العطبا ��رق��ه��ا ُ َو َق���د َن��� َد َف ال ِّ ����اس َأ َّن����� ُه ���ب ال����ن ُ ���ج��� ًب���ا َأن َي���ع َ كَ���ف���ى َع َ ���ج َ ((( �����ش�����ا تَ����� ًّب�����ا لآِ ِ �����رع ً رائ�������هِ �������م تَ��� ّب���ا َب����ن����ى َم َ ((( ديوان املتنبي .193-192 :1 ((( الصنبر :السحاب البارد ،يشبه الثلج بقطن ندفه فيها برد الشتاء وصقيعه .والعطب :القطن. - 103 - ويصف املتنبي معركة أخرى دارت رحاها بني العرب والروم سنة 342هـ ،وكان سيف الدولة قد رحل من حلب إلى ديار مضر الضطراب البادية بها ،فنزل حران وأخذ رهائن بني عقيل وقشير وبلعجالن ،ثم حدث له بها رأي في الغزو ،فعبر الفرات إلى دلوك إلى قنطرة صنجة إلى درب القلة ،فشن الغارة ،فعطف عليه العدو فقتل كثي ًرا من األرمن ورجع إلى ملطية ،وعبر قباقب حتى ورد املخاض على الفرات ،ورحل إلى سميساط ،فورد اخلبر بأن العدو في بلد املسلمني ،فأسرع إلى دلوك وعبرها ،فأدركه راج ًعا على جيحان ،فهزمه وأسر قسطنطني بن الدمستق ،وخرج الدمستق على وجهه، ((( واستهل املتنبي قصيدته بقوله: �����ي َب�����ع����� َد ال�����ظ ِ ��ي��ن ُش�����ك ُ �����ول �����اع�����ن َ َل�����ي�����ا ِل َّ ِ ٌ ُ �����������وال َو َل�������ي ُ ����وي����ل ن َط �������ل ِط ال����ع����اش����ق��ي� َ ������در ا َّل��������ذي ال ُأري���������� ُد ُه ُي ِ �������ي ال������ َب َ ����ب����ـ����نَّ ِل َ �����خ�����ف��ي��ن َب�����������د ًرا م�����ا ِإ َل�������ي ِ �������ه َس���ب���ي ُ ���ل َو ُي َ ويحتفي املتنبي برسم املشاهد التي تصور هزمية الروم فيتخيل اخليل كالسحائب التي متطر السيوف واألسنة على رؤوس الروم فتغتسل األرض من دمائهم املسفوكة ويعقب ذلك مشهد السبايا من نساء الروم الالتي وقعن في األسر وهن ينتحنب وقد شققن ثيابهن تفج ًعا على قتالهن ،ويصف في مشهد ثالث اخليل وقد قفلت مبوضع من بالد الروم هو حصن (موزار) فظنوا أنها ستتجاوزهم وتعود إلى بالدها مكتفية مبا حققته في معركة (الدرب) فإذا بها تخوض في دمائهم وحترق كل موضع وطئته اً ((( وتترك الروم صرعى والديار أطالل : َس����ح ِ ����ب ي ِ مُ�����ط�����رنَ َ احل�����دي����� َد َع��� َل���ي���هِ ��� ُم ����ائ ُ �����س�����ي ِ َف������ك ُّ ُ ���س���ي���ل �����وف َغ ُ������ل َم ٍ ������ك������ان ِب�����ال ُّ ���س���ب���اي���ا َي���ن���ت ِ ���ع���ر َق ٍ���ة َ���ح َ �ب�ن ِب َ َو َأم�����س�����ى ال َّ ������ي������وب ال������� َّث ِ ِ ُ ي���������ول ���ل���ات ُذ �������اك كَ������������ َأنَّ ُج َ ((( ديوان املتنبي .218 : 3 ((( ديوان املتنبي 223 :3 - 104 - َوع������������ا َدت َف َ �������������وزار ُق���� َّف��ًلً ب ����ظ���� ّن����وه����ا مِ َ َ ُ َ ����ف����ول خ�������ول ُق ������ي������س َل����ه����ا ِإلاّ ال������� ُّد َو َل َ ���ع َخ ً ���ع َ َ ���وض���ا كَ��� َأ َّن��� ُه ��خ��اض��ت ن َف جَ���ي َ اجل���م ِ ِب������ك ِّ ������ع َل�������م ت ُ ُ َ���ف���ي���ل َ�����خ�����ض����� ُه ك ُ������ل ن جَ������ي ٍ ����اي���� ُره����ا ال����ن����ي����رانُ ف����ي ك ِّ ُ������ل َم���س��� َل ٍ���ك ُت����س ِ ِب ِ ُ ���ل���ول ص����رع����ى َوال������ ِّدي������ا ُر ُط ������ه ال����� َق�����و ُم َ وميضي املتنبي في وصف إغارات جيش سيف الدولة على ثغور الروم ،فقد عطفت اخليول على (ملطية) وخاضت في دماء أهلها حتى ثكلت (ملطية) أهلها وغذت اخليول العربية السير فعبرت نهر (قباقب) وأضعفت مياهه بكثرة قوائمها وشدة تزاحمها، وأفزعت نهر (الفرات) ،وأغارت على ثغرين آخرين في بالد الروم هما( :هنريط) و(سمنني) وباتت بحصن (الران) وقد أنهكها التعب ثم واصلت املسير في أودية مجهولة وجتاوزت (سميساط) حتى وصلت إلى حصن (مرعش) ليلاً وهي ثغر بالقرب من أنطاكية وقد علم سيف الدولة أن الروم يعيثون في بالد املسلمني فسا ًدا ويقتلون أهلها ،فتق َّدم اجليش ((( ملالقاتهم ورأوا سيف الدولة في املقدمة فامتألت قلوبهم رع ًبا: ِ م���������اء َم��� َل���ط��� َي ٍ���ة ������م������ َّر ْت ف����ي ِد َوكَ������������ َّر ْت َف َ ُ ������ك������ول �����ن��ي��ن َث َم������ َل������ط������ َي������ ُة ُأ ٌّم ِل�����ل����� َب ِ ض�����ع�����ف�����نَ م����ا كُ���� ِّل����ف���� َن���� ُه ِم������ن ُق ِ ���ب َو َأ َ ���ب���اق ٍ ِ ف����ي����ه َع���ل���ي ُ ���ل َف����� َأض�����ح�����ى كَ����������� َأنَّ امل����������ا َء ِ �������رات كَ����� َأنمَّ�����ا �����ب ال������� ُف َو ُرع�����������نَ ِب����ن����ا َق�����ل َ ِ ت ِ �����ي�����ه ِب�������ال������� ِّرج�������الِ ُس�����ي ُ �����ول َ�������خ������� ُّر َع����� َل ِ �������وج������� ُه ُك ُّ ����ح ��������ل ف����ي����ه َم �������ط�������ار ُد ُي ِ ِ َ س����اب ٍ ِ ��������م��������ر ٌة َو َم�����س�����ي ُ �����ل �����ي�����ه َغ َس�������������وا ٌء َع����� َل َ ����م ِ ����ج����س ِ ����ه تَ������������را ُه كَ������������ َأنَّ امل����������ا َء َم��������� َّر ِب ِ أس َوح��������������� َد ُه َوتَ�����ل�����ي ُ َو َأق���������� َب َ �����ل ����������ل َر ٌ ((( ديوان املتنبي .227-224 : 3 - 105 - ���م���ن�ي�ن ِل��ل ُّ ��ظ�� َب��ى ���ط���ن ه���ن���ري ٍ���ط َو ِس َوف�����ي َب ِ َ ُ ����دي����ل م��������ن َأ َب�������������دنَ َب َو ُ ص����������� َّم ال���� َق����ن����ا مِ َّ ���رف���و َن���ه���ا ����ع���� ًة َي���ع ِ َط���� َل����ع����نَ َع��� َل���ي���هِ ���م َط����ل َ �����������ر ٌر م�����ا تَ����ن���� َق����ض����ي َو ُح������ج ُ ������ول َل����ه����ا ُغ َ ُّ مَت ُّ َ�������ل ُ ال����ش���� ُّم ط َ ������ول ِن���زا ِل���ن���ا احل�����ص�����ونُ ُ َ�������������زول َف���� ُت����ل����ق����ي ِإ َل�����ي�����ن�����ا َأه����� َل�����ه�����ا َوت ن ِب ِ َو ِب��ت� َ ��ح��ص��نِ ال����� َّرانِ َرزح����ى ِم���نَ ال َ��وج��ى ُّ ُ ��������زي��������ز ِل َ ل������ي������ل م�������ي�������ر َذ ���ل���أ ُ����������������ل َع َوك ِ ٍ َوف��������ي كُ ِّ �����س م�����ا َخ����ل����ا ُه َم��ل��ا َل����� ٌة ��������ل َن�����ف ٍ َوف��������ي ُك ِّ ُ ��������ل َس�����ي ٍ ����ل����ول �����ف م�����ا َخ����ل����ا ُه ُف ���م���ي���س َ ال��ـ��م�لا ��م��ط��ام��ي�� ُر َو َ ���اط ال��ـ َ َودونَ ُس َ َو َأ ِ ُ �������ج�������ول ود َي������������������������ ٌة َم�����ج�����ه�����و َل����� ٌة َوهُ ��ش َل ِ��ب��س��نَ ال��� ُّدج���ى فيها ِإل���ى َأ ِ ��رع ٍ رض َم َ ������ب ِ ���ل��اد َج���ل���ي ُ ���ل �������ل�������روم َخ َو ِل ����ط����ب ف����ي ال ِ ٌ ِ ���ش ِ ����ب����ل َج���ي ِ َ ���ه ����م����ا َر َأو ُه َوح����������� َد ُه َق َف���� َل ّ ُ َد َروا َأنَّ ك َّ ����ض����ول ال�����ع�����المَ��ي��ن ُف ُ��������ل َ اخل ِّ َ ����ر ٌة م����������اح َو َأنَّ ِر َ ���������ط َع�����ن����� ُه َق����ص����ي َ َو َأنَّ َح������دي������ َد ال�����هِ �����ن ِ �����د َع�����ن����� ُه كَ���ل���ي ُ ���ل �������در ِ �����ان َو َس���ي��� َف��� ُه احل�����ص ِ ور َدهُ �������م َ ص َ َف������� َأ َ ِ ����ط����اء َج����زي ُ ُ ����ل ال����ع ����ث����ل ������أس������ ُه ِم َف َ ����ت����ى َب ُ ً ����ه����م َف ��������ع َف���� َّل ُ َ ���������������و َّد َع َق�����ت��ل��اهُ ����� ْم َو َش�������� َّي َ ���ض ف���ي ِ���ه ُس���ه ُ ِب َ ���ول ����رب ُح�������زونُ ال��� َب���ي ِ ����ض ٍ وتطل في قصيدة املتنبي صورة (قسطنطني) ابن الدمستق وقد وقع في األسر وك َّبلت األصفاد ساقيه بينما انشغل أبوه عنه بالفرار ،فنجا بنفسه وترك ابنه للهالك، - 106 - فكيف يثق به أخالؤه ويركن إليه أصحابه وجنوده بعد أن خذله ابنه وتركه للرماح؟ لقد عجز عن إنقاذه ونصرته وألهته اجلراح التي أصابت وجهه ،وليس له من نصير سوى ((( الصراخ والعويل ،يقول املتنبي: ���ل���ب ُق��س َ ���ب ��ط��ن��ط��ي��ـ��نَ ِم���ن��� ُه ت َ َع���ل���ى َق ِ َ���ع ُّ ���ج ٌ َو ِإن ك�������انَ ف����ي س����ا َق����ي ِ ����ه ِم����ن���� ُه ُك����ب ُ ����ول ِ ������وم������ا ي�����ا ُد ُم�����س����� ُت ُ �����ع����� َّل َ ع����ائ���� ٌد �����ق َل َ �����ك َي ً م���������ا ِإ َل��������ي ِ ��������ه َي�����ئ ُ �����ول َف������كَ������م ِ ه�������������ار ٍب مِ ّ ���ج���تَ��� ْي َ جَ َ ���ح��� ًة ن َ ���ك َج���ري َ ��������وت ِب����� ِإح�����دى ُم���ه َ ���ك تَ���س���ي ُ ���ه���ج���تَ��� ْي َ ���ل �����ت ِإح��������دى ُم َو َخ����� َّل�����ف َ َ ����ط���� َّي ِ ����خ ِّ َأ ُت�����س����� ِل����� ُم ِل����ل َ ����ة ِاب������ َن َ �����ار ًب�����ا ������ك ه ِ ������ك َخ���ل���ي ُ َو َي�����س����� ُك�����نُ ف����ي ال���� ُّدن����ي����ا ِإ َل������ي َ ���ل �����وج�����هِ َ �����ر َّش ٍ �����ة �����ك م����ا َأن�����س�����اكَ����� ُه ِم������ن ُم ِ ِب َ ُ �������وي�������ل َن������ص������ي������ ُر َك ِم����ن����ه����ا َر َّن�������������� ٌة َو َع وكان لهذا احلدث أص��داؤه الكبرى ،فتناوله املتنبي في قصيدة أخرى وصف فيها مسير جيش سيف الدولة من نهر (جيحان) ببالد الروم إلى (آمد) وهي بلد من الثغور ،واستحضر قصة أسر (قسطنطني) ابن الدمستق حيث ع َّد االبن يوم أسره مماتًا بينما ف َّر والده وع َّد يوم جناته مول ًدا برغم هزميته وترك ابنه وجيوشه أسرى قه ًرا منه وعجزًا ،وكان االبن فداء ألبيه الذي لم تكن الرماح تطلب أح ًدا سواه: ((( ِل����� َذ ِل َ ���وم��� ُه ���م���ى ِاب������نُ ال��� ُّد ُم���س��� ُت ِ �����ك َس ّ ���ق َي َ ������م������ا ُه ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ ����ق َم����و ِل����دا م مَ�����ا ًت�����ا َو َس ّ رض ِ آم ٍ ����د ي����ت ِإل�����ى َج���ي���ح���انَ ِم����ن َأ ِ ����ر َ َس َ ٌ َ ب�����ع�����دا دن����������اك َر َث��ل��ا ًث�����ا َل���� َق����د َأ ك��������ض َو َأ َ ((( ديوانه .228-227 : 3 ((( ديوانه .6-5 : 2 - 107 - َ ������و ّل������ى َو َأع�������ط َ ����ي����وش���� ُه �������اك ِاب������ َن������ ُه َو ُج َف َ ��م��ي��ع��ا َو َل������م ُي ِ ���ع���ط َ ��ح��م��دا َج ً اجل���م���ي َ ���ع ِل�� ُي َ �����رف ِ �����ي�����اة َو َط ِ ِ َ �����ه احل �����ر ض�����ت َل������ ُه دونَ َ َع َ ����ف ال���� َل ِ ������ر َس����ي َ ����ه ِم����ن َ ����ج���� َّردا َو َأ َ ����ك ُم َ ب������ص َ رق ا َأل ِس������� َّن ِ ����ت ُز ُ ����ي����ر ُه َوم�������ا َط���� َل���� َب ْ �������ة َغ َ َو َل ِ �ي�ن ك�������انَ َل������� ُه ال ِ ������ك������نَّ ُق���س َ ����ف����دا ���ط���ن���ط َ ويرسم املتنبي مشه ًدا ناد ًرا لألب املكلوم (الدمستق) وقد ترهنب ولبس املسوح بعد أن كان يلبس الدروع ،وقد انقطع عن احلياة واعتكف في الدير وصار ميشي على العكاز تائ ًبا بعد أن كان ال يرضى مشى اجلياد الشقر السريعة «وكان ذلك دأب القادة البيزنطيني حني يخسرون احلروب فيلجأون إلى الديارات للسلوى»((( ،وال يفوته أن يسخر من الدمستق فيرى أن توبته وإقالعه عن احلرب لم تكن إال بعد أن تركت احلرب ((( آثارها على وجهه ،وبعد أن أصاب الرمد جفونه من كثرة غبار املعارك .يقول املتنبي: ���وح َم���خ���ا َف��� ًة ���اب ال���ـ ُ ����ح َي���ج���ت ُ ���م���س َ َف���� َأص���� َب َ ((( ��س�� َّردا الص ُ ��اب ال����� ِّد َ َو َق����د ك���انَ َي��ج��ت ُ ال��ـ��م َ َويمَ���ش���ي ِب ِ ����ر ت ِ ��ائ�� ًب��ا ���ع���كّ ���ا ُز ف���ي ال���� َدي ِ ����ه ال ُ ج�����ردا ����ر َأ َ ���ي َأش���� َق َ َوم����ا ك����انَ َي���رض���ى َم���ش َ ����ه���� ُه ������اب َح����تّ����ى غ��������ا َد َر ال����كَ���� ُّر َوج َ َوم������ا ت َ رم������دا ���ح���ا َو َخ���� ّل����ى َج���ف��� َن��� ُه ال��� َن���ق ُ َج���ري ً ���ع َأ َ وي�ص��در املتنبي ع��ن ع��داء ص��ري��ح ل�ل��روم فيصفهم ف��ي قصيدة أخ��رى بأنهم «الشق ُّيون» ،ويؤمن بأهمية أخذ املبادرة واملبادأة معهم ،وغزوهم في عقر دارهم ويرى أن الصراع بينهم وبني العرب لن ينتهي ،وإذا كانت دماؤهم قد بردت فوق «ال ّلقان» ((( شعر احلرب في أدب العرب.287 : ((( ديوانه .6 :2 ((( الدالص :الدروع .املسرد :املنسوج. - 108 - فالبد أن ينال العرب منهم ويواصلوا حربهم ويتبعوا ما برد من دمائهم د ًما حا ًرا ساخنًا ،وفي ذلك يقول املتنبي بعد أن عزم سيف الدولة على لقاء الروم في (السنبوس) ((( سنة 340هـ: ال����ش ِ َّ ����ق���� ّي����ونَ َأ َّن����ن����ا َو َق��������د َع����� ِل����� َم ال���������رو ُم َ���رك���ن���ا َأ َ �����ه�����م َخ��ل�� َف��ن��ا ُع��دن��ا رض ُ ِإذا م���ا ت َ ��وغ��ى ��م ُ ص����� َّر َح ف��ي ال َ ��وت َ َو َأ ّن�����ا ِإذا م��ا ال��ـ َ َل ِ��ب��س��ن��ا ِإل���ى ح��اج ِ ��ات��ن��ا ال َّ ���رب َوال َّ��ط��ع��ن��ا ���ض َ اجل َ ��س ِب��ن��ا َ لمَ��س�� ًة ت َ َ��ع�� َّد ال�� ُق��رى َو ُ ��ي��ش َ ال��ـ��م ْ ����ار ِإل�����ى م���ا تَ��ش��تَ��ه��ي َي������� ُد َك ال�� ُي��م��ن��ى ُن����ب ِ ����ان ِدم ُ َ �����اؤهُ �����م ���������ر َدت َف �������وق ال���� ُّل����ق ِ َف���� َق����د َب َ ��س��خ��ن��ا ���ع َو َن����ح����نُ ُأ ِ ن������اس ُن���ت ِ���ب ُ ال����ب����ار َد ال ُّ ٌ ويصف املتنبي الروم بـ «الطغاة» ويطلق الوصف ذاته على ملكهم وينذر كتائبهم بالهزمية واملوت ،فيقول: ((( َي ُ �����ع َأب���� َل ٌ �����ش ُّ ����ق �����ق ِب����ل���ا َد ال���������روم َوال����� َّن�����ق ُ ِ س����ي����اف ِ ِ ����ه َو َ ����ع َأدهَ �������� ُم ِب���� َأ اجل ُّ �����������و ِب����ال���� َن����ق ِ ���م��� ِل ِ ���ك ال��ط��اغ��ي َف���كَ���م ِم����ن كَ��ت��ي�� َب ٍ��ة ِإل�����ى ال���ـ َ ه��������ي تَ���ع��� َل��� ُم ����س����اي���� ُر ِم����ن���� ُه َح���ت��� َف���ه���ا َو ُت ِ َ ويرى املتنبي أن أشقى البالد هي التي أهلها الروم ويردد مصطلح (الفرجنة) ويصف هزائمهم في يوم (اللقان) و (هنريط) حيث ساقهم أسرى حتى ابيضت أرض آمد من كثرة ما امتألت به من اجلواري والغلمان األسرى وأحلق الهزمية كذلك بأهل «الصفصاف» و«سابور» وأحرقهما حتى صارت الصخور رم��ا ًدا .يقول املتنبي في ((( استحضار رائع للغزوات وأماكنها في بالد الروم: ((( ديوان املتنبي .301 -300 : 4 ((( ديوان املتنبي .211 : 4 ((( ديوان املتنبي 397-396 : 2 - 109 - ���ل��اد ال���� َل ِ َو َأش����ق����ى ِب ِ ����ه م���ا ال�������رو ُم َأه�� ُل��ه��ا ����د َك ج ِ ����م����ج ِ ����اح���� ُد ِب َ �����ه�����ذا َوم�������ا ف���ي���ه���ا ِل����ـ َ ِ َ��رك��تَ��ه��ا ���ت ِب���ه���ا ال�����غ َش��� َن���ن َ �����ارات َح���تّ���ى ت َ جن���� َة س ِ َو َج����ف����نُ ا َّل������ذي َخ���ل َ ����ر َ ���اه��� ُد ���ف ال���� َف َ ����خ َّ ُم َ ص����رع����ى كَ��� َأ َّن���ه���ا ����ض���� َب���� ٌة َوال������ َق������و ُم َ ���اج��� ُد َو ِإن َل����م َي���ك���ون���وا س���اج���دي���نَ َم���س ِ ِ ُت���� َن ِّ ���ه���م �����اب ����ه���� ْم َو ُ �����ق�����ات ِج���ب���ا ُل ُ ����س ُ ال�����س ِ ����ك ُ َّ ���اي��� ُد ����ع����نُ ف���ي���هِ ���م َوال������ ِّر ���م���ك ِ َوتَ����ط َ ُ م������اح ال���ـ َ َو ُتضحي ُ ات في ال ُّذرى شم ِخ ّر ُ احلصونُ ُ الـم َ ِ َو َخ����ي����ـ���� ُل����ك ف�����ي أع����ن����ـ ِ ����ـ��ل�ائ���� ُد ����اق����هِ ����ـ����نَّ ق ���ه��� ْم ���ص���ف���نَ ِب���هِ ���م َي������و َم ال��� ُّل ِ ���ق���ان َو ُس���ق��� َن ُ َع َ ���ي ِ ���ط َح���تّ���ى ِاب���� َي َّ ِب���هِ ���ن���ري َ آم���� ُد ����ض ِب���ال َّ ���س���ب ِ ��ص��ف��ص ِ َو َأ َ س��اب��ور َف��ان َ��ه��وى ��اف حل���ق���نَ ِب��ال َ َ اجل ِ َو َ ذاق ال��������� َّردى َأه��ل�اهُ ����م����ا َو َ ���ل��ام������ ُد وكثي ًرا ما يستحضر املتنبي في املشاهد التي يصور فيها هزائم الروم مشهد السبايا من نساء الروم ،كأن يشير إلى أن جيش سيف الدولة قد عصف بالروم وأتى عليهم حتى لم يبق منهم غير النساء وبنات البطاريق الالتي وقعن في السبي فلم ميلك آباؤهن إال البكاء عليهن : ((( ���ب���ق ِإلاّ َم����ن َح���م���اه���ا ِم�����نَ ال ُّ َف��� َل���م َي َ ��ظ��ب��ا �������د ُّي ال���� َن ِ ���م���ى َش��� َف���تَ���ي���ه���ا َوال������� ُث ِ ����واه���� ُد َل���ـ َ ُت��� َب���كّ ���ي َع��� َل���ي���هِ ���نَّ ال��� َب���ط���اري ُ ���ق ف���ي ال��� ُّدج���ى ِ َ������واس������ ُد �����ات ك َوهُ ������������نَّ َل����� َدي�����ن�����ا ُم�����ل����� َق�����ي ٌ ((( املصدر نفسه .398 : 2 - 110 - ويصف -في مشهد آخر -حسان النصارى وقد وقعن في السبي ووقفن في ((( صفوف بخدودهن األسيلة املهيأة ل َّلطم واإلهانة ،فيقول: ِ �����ق َن�����ص�����را َن ٍ �����������رزَت َل����� ُه �����ة َب َو ِم���������ن ع�����ات ٍ َ َأس�����ي����� َل ِ �����ري�����ب َس��� ُت َ ���ل���ط��� ُم �����ة َخ�������� ٍّد َع������ن َق ٍ ���ث ف���ي ُل����ي ٍ ص���ف���و ًف���ا ِل��� َل���ي ٍ ����وث ُح��ص��و ُن��ه��ا ُ ���و ُم ���م��� َق َّ ����ج ال���ـ ُ ���م���ذاك���ي َوال َ ����وش����ي ُ ُم���ت���ونُ ال���ـ َ ويطلق املتنبي وصف (العلوج) على الرعية من الروم وهم الغالظ من كفار العجم ((( وقد يردد وصف (النصارى) في إشارة إلى الروم كقوله: رض تَ�����ه����� ِل ُ ُ ش�����������������واط ف��ي��ه��ا �����ك ا َأل ِب��������������� َأ ٍ �����روج ك�����ض ال����� ُف ال�����ر ِ ����ت ِم������نَ ِإذا ُم���� ِل���� َئ ْ ُ َ �����س َم�����ل ِ ال�����������روم ف��ي��ه��ا �����ك ت ِ ِ حُ������������او ُل َن�����ف َ ِ ������ل������وج ال������ع َ������ف������دي������ه َر ِع��������� َّي��������� ُت��������� ُه َف������ت ُ ُ ������رات ت ِ ِ َ �����وع����� ُدن�����ا ال���� َّن����ص����ارى ������م َأ ِب ������ال������غ َ ������روج �����������ي ال������ ُب جُ����وم����ه����ا َو ِه َو َن������ح������نُ ن ُ ُ َ ويكرر املتنبي وصف الروم بـ(العلوج) ،في موضع آخر ،فيقول: ((( َن َ ���ه��� ْم ������روا َم����ن َح���و َل ُ ���ر ال ُ ���ع���ل ُ ���وج َف��� َل���م َي َ ���ظ َ وك َوق������ي َ ����م����ا َر َأ َ ����س���� ِّي���� ُد ل����ـ ّ ������ل هَ ��������ذا ال َّ َب ِ �����ه����� ُم كَ�������� َأ َّن َ ��������ك كُ��� ُّل���ه���ا �����ق����� َي ْ �����وع ُ �����ت ُج�����م ُ �����ه����� ُم كَ�������� َأ َّن َ �����ف�����ر ُد ��������ك ُم َو َب َ �����ق�����ي�����ت َب�����ي����� َن ُ َ راض بحكم ويتردد اسم (الدمستق) كثي ًرا في روميات املتنبي ،فيصوره غير ٍ السيوف والرماح في احل��رب التي حكمت بهزميته ،ويهدده ويتوعده بالهزمية في ((( ديوان املتنبي .211 :4 ((( املصدر نفسه .361 : 1 ((( ديوان املتنبي.58 :2 - 111 - (سمندو) وهي قلعة بالروم ،فإذا أحجم عن اللقاء وآثر الهرب ،فسيتتبعه اجليش في ((( اخلليج ،إشارة إلى خليج القسطنطينية ،وفي ذلك يقول املتنبي: َرض����ي����ن����ا َوال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ راض ������ق َغ�����ي����� ُر ٍ ِ �����ج مِ������ا َح�����كَ����� َم ال����� َق ب �����ب َوال َ �����وش�����ي ُ �����واض ُ ِ ����م����ن����دو َف���������� ِإن ُي �������ق�������د ْم َف����� َق�����د ُزرن����������ا َس َ ������م ِ َ ���ل���ي���ج اخل ������وع������ ُد ُه َو ِإن ُي ِ ُ ����ح����ج���� ْم َف َ ويتغنى املتنبي بهزمية الروم في معركة (احلدث احلمراء) التى دارت رحاها سنة ((( 343هـ وذلك في قصيدته املشهورة التي يستهلها بقوله: ���ع ِ ���زائ��� ُم ����ع����ز ِْم تَ���أت���ي ال َ َع��ل��ى َق������ ْد ِر َأه�����لِ ال َ َوتَ����أت����ي َع���ل���ى َق������� ْد ِر ال ِ ���ار ُم ���م���ك ِ �����رام ال���ـ َ �����ك ِ ُ ���ص���غ���ي ِ���ر ِص���غ���ا ُره���ا َوت َ���ع���ظ��� ُم ف���ي َع ِ ��ي��ن ال َّ ���ع���ظ ِ ُ ���ائ��� ُم َوت ���ع���ظ���ي ِ���م ال َ ��ي��ن ال َ َ���ص���غ��� ُر ف���ي َع ِ وكان سيف الدولة قد سار نحو ثغر احلدث لبنائها ،وكان أهلها قد سلموها إلى الدمستق باألمان سنة سبع وثالثني وثالثمائة ،فنزلها سيف الدولة يوم األربعاء ثامن عشر جمادي األخرى سنة ثالث وأربعني ،وبدأ من يومه فوضع األساس وحفر أوله بيده ،فلما كان يوم اجلمعة نازله الدمستق في نحو خمسني ألف فارس وراجل ،ووقع القتال يوم االثنني سلخ جمادى األخرى من أول النهار إلى العصر ،فحمل عليه سيف الدولة بنفسه في نحو خمسمائة من غلمانه ،فظفر به وقتل ثالثة آالف من رجاله وأسر خل ًقا كثي ًرا ،فقتل بعضهم وأقام حتى بني احلدث ،ووضع بيده آخر شرفة منها في يوم الثالثاء لثالث عشرة ليلة خلت من رجب ،فقال هذه القصيدة ميدحه ،وأنشده إياها في ذلك اليوم في احلدث. ((( ((( ديوان املتنبي .362 :2 ((( املصدر نفسه .94: 4 ((( ديوان املتنبي .94 :4 - 112 - ويصف املتنبي قلعة (احلدث) التي بناها سيف الدولة في بالد الروم بـ(احلمراء) ألنها احم َّرت بدمائهم ،ويتساءل فيما يشبه جتاهل العارف :هل تعرف هذه القلعة لونها؟ وهل تعلم أي الساقيني لها :أجماجم الروم التي سقتها بالدم ،أم السحائب التي سقتها باملاء؟ ويجيب بأن السحائب البيض هطلت عليها قبل نزول سيف الدولة بها فسقتها باملاء وهو ما يعني أن املعركة جرت في فصل الشتاء ،فلما اقترب منها سيف الدولة سقتها جماجم الروم بالدماء: احل�������� َد ُث َ َ هَ �����لِ ����ر ُف َل��و َن��ه��ا احل�����م�����را ُء تَ����ع ِ ِ ال����س ِ َ ���م���ائ��� ُم ال���غ ��ي�ن َوتَ�����ع����� َل����� ُم َأ ُّي ����اق���� َي ِ َّ ����ل ُن����زو ِل ِ ُ ال����غ���� ُّر َق����ب َ َس��� َق���ت���ه���ا ال َ ����ه ����غ����م����ا ُم ���م���ا َدن������ا ِم���ن���ه���ا َس��� َق���ت���ه���ا َ ���م���اج��� ُم اجل ِ َف��� َل ّ ويشير املتنبي إلى أن بناء القلعة تواصل أثناء املعركة حيث كانت رماح املسلمني تشتجر مع رماح الروم واملنايا كالبحر املتالطم األمواج ،وكانت القلعة موطنًا للقالقل والفنت واالضطرابات من قبل الروم وكأن بها ًّ مسا من اجلنون ،فجعل سيف الدولة جثث الروم املعلقة فوق حيطانها كالتمائم التي أذهبت ما كان بها من جنون ،وهي صورة نابضة بظاللها الشعبية املوروثة ،يقول: �����ر ُع ال�� َق��ن��ا َب���ن���اه���ا َف��� َأع���ل���ى َوال���� َق����ن����ا تَ�����ق َ ���م���ن���اي���ا َح����و َل����ه����ا ُم����ت ِ َ��ل�اط���� ُم َو َم ُ ����������وج ال���ـ َ ���ث���ل ُ َوك�������انَ ِب���ه���ا ِم ُ ���ح���ت اجل ِ ����ن����ون َف��� َأص��� َب َ ����ث ال��� َق���ت���ل���ى َع��� َل���ي���ه���ا ت ِ َو ِم�������ن ُج���� َث ِ مَ����ائ���� ُم ويشير املتنبي كذلك إلى اشتراك الروس مع الروم في تلك املعركة فيقول: َوكَ���ي َ ��دم��ه��ا ���ر ّج���ي ال�����رو ُم َو ال������روس هَ َ ُ ���ف ُت َ ِ َوذا ال َّ ع������ائ������ ُم آس��������اس َل����ه����ا َو َد ����ط����ع����نُ ٌ أجناسا مختلفة من أوربا وقد ويصف املتنبي جيش الروم اجلرار الذي ض َّم ً أقبلوا مدججني في السالح وقد وضعت على خيولهم اجلواشن التي تغطي قوائمها - 113 - وكأنها تسير ب�لا ق��وائ��م ،ويحتفي بوصف كثرة س�لاح ه��ذا اجليش ال��ذي يحدده (بالشير) في هذه املعركة بخمسمائة ألف من اجلنود املنظمني((( ،ويقول املتنبي إن هذا اجليش لكثرته طبق األرض وبلغت أصوات جنوده السماء ،وبدت هذه األصوات الشديدة املتداخلة كصوت الرعد ،وقد جتمع في هذا اجليش جنسيات عديدة مختلفة اللغات ال يستطيعون التفاهم فيما بينهم إال من خالل املترجمني: ��������ج�������� ّرونَ َ َ �����ه����� ْم َأ احل������دي������ َد كَ����� َأ َّن ُ ت����������وك َي ُ ِ ٍ ������وائ������ ُم ������ه������نَّ َق �����ج �����ي�����اد م�����ا َل ُ �����������روا ِب ِ َس َ ����ر ِف ال ِ���ب���ي ُ ��ه�� ُم ���ض ِم��ن ُ ����رق����وا َل����م ُت����ع َ ِإذا َب َ �����ع�����م ِ �����ائ����� ُم ِث�����ي�����ا ُب ُ �����ه����� ُم ِم������ن ِم���ث��� ِل���ه���ا َوال َ ��س ِب َ رض َو َ ���رب َزح�� ُف�� ُه ���رق ا َأل ِ ���ش ِ ال���غ ِ َخ��م��ي ٌ ِ َ َم����������از ُم ������������وزاء ِم����ن���� ُه ز اجل َوف�������ي ُأ ُذنِ ِ ِ ف�����ي�����ه ك ُّ ٍ �������������ة ������س������ن َو ُأ َّم ُ����������ل ِل ��������ع ٍ تجَ َ َّ ��������م َ َف���م���ا ُت����ف����هِ ���� ُم ُ احل����������� ّد َ َّ����راج���� ُم اث ِإلاّ ال����ت ِ ويصف املتنبي اشتداد املعركة وضراوتها فقد تكسر من السيوف ما لم يكن قاط ًعا وف َّر من الفرسان من ال يقدر على املصادمة واملواجهة وذ ّوبت النيران َّ كل رديء ومغشوش شجاعا من احملاربني وأصيلاً من السالح ،يقول: من السالح ،ولم يبق إال كل من كان ً ق���������ت َذ َّو َب ال ِ َف����� ِل����� َّل ِ ������غ َّ ������ش ن��������ا ُر ُه �����ه َو ٌ ����ب����ق ِإلاّ ص���������ار ٌم َأو ُ َ �����ار ُم َف���� َل����م َي ض�����ب ِ ِ تَ���� َق َّ ����ع م�����اال َي����ق َ رع َوال��� َق���ن���ا ����ع ال���������� ِّد َ ����ط ُ ����ط َ َو َف��������� َّر ِم�������نَ ا َألب������ط������الِ َم�����ن ال ُي�����ص ِ �����اد ُم ويشير املتنبي إلى خطة سيف الدولة احلربية حيث جنح في ض َّم جناحي جيش الروم :امليمنة وامليسرة على القلب فأهلك اجلميع وحمل بالسيوف على هاماتهم فانفلتت وصارت إلى ل َّباتهم وحتقق النصر ،يقول: ((( شعر احلرب في أدب العرب( 291 :هامش.)2 - 114 - ��ب َ َ ض َّ��م�� ًة ��م��م َ ��اح�� ْي��هِ �� ْم َع��ل��ى ال�� َق��ل ِ ض َ ��ت َج��ن َ ِ مَ�������وت َ ������واد ُم حَ���تَ���ه���ا َوال������ َق اخل�����واف�����ي ت ت ُ ال��ه��ام��ات َوال��� َن���ص��� ُر غ ِ ِ ِب َ ��ب ���رب َأت����ى ��ائ ٌ ���ض ٍ ِ ص�������ار ِإل�����ى ال���� َّل���� ّب ِ ق�����اد ُم ����ات َوال���� َن����ص���� ُر َو َ ويحتفي املتنبي بوصف تفاصيل املعركة حيث تشير الروايات إلى أنه كان يشارك مع سيف الدولة فيها وكان يحارب إلى جانبه((( ،فيشير إلى أن سيف الدولة نثر جثث قتلى الروم فوق جبل األحيدب وقد أعجب هذا املشهد املتنبي فشبهه بالدراهم املنثورة على العروس ،ويشير كذلك إلى أن سيف الدولة تتبع فلول الروم الفارين بخيله في رؤوس اجلبال وقد كثرت اجلثث وصارت طعا ًما للطير ،يقول: ���������ي���������د ِب كُ���� ِّل ِ ِ َ ����ه ����������وق ا ُأل َح َ�����ه����� ُم َف َن����� َث�����رت ُ كَ���م���ا ُن ِ ����روس ال���� َّد ِ ����ر ْت َف َ راه���� ُم ال����ع ������وق ِ َ ����ث َ اخل���ي ُ ���ك َ َ�����دوس ِب َ ���ور َع��ل��ى ال��� ُّذرى ت ���ل ال ُ ُ ���وك َ ��م��ط ِ ����ر ْت َح َ ��اع�� ُم �����ول ال����و ِ ُ ك����ور ال��ـ َ َو َق�����د كَ���� ُث َ ويرسم املتنبي صورة تهكمية للدمستق الذي لم يع الدرس في معركة (احلدث) ولم يتعظ من خسائره الفادحة ،حيث تشير الرواية الرومية إلى أنه خسر في تلك املعركة ثالثة آالف قتيل((( ،وأسر سيف الدولة جم ًعا من البطارقة واألراكنة Archontes فظلوا في أيدي العرب ،وقتل من هذه الوقعة (ابن بنت ب��رداس فوكاس قائد الروم وصهره كوديس األعور وأسر قائد بلدي ليكاندوس وتزامندوس وسجن ،وهما بلدان بيزنطيان خطيران)« .أما نيسيفور فوكاس -وكان يومئذ أحد القواد في جيش أبيه - فلم ينج إال باختفائه في نفق حتى إذا سطا الليل ف َّر حتت ظالمه وحلق بفلول جيشه املتقطع في الدرب ،احملثحث خطاه نحو القسطنطينية». ((( ((( شعر احلرب في أدب العرب.292 : ((( املرجع نفسه.289 : ((( املرجع نفسه.289 : - 115 - مازجا ويصف املتنبي هذه الوقائع من خالل هذا املشهد التهكمي للدمستق ً مزجا جميلاً ،فيتعجب من حماقة الدمستق الذي أص َّر -برغم هزائمه التاريخ بالفن ً املتكررة -على مالقاة سيف الدولة وال يلبث أن يولي األدبار وقد أخذ قفاه يلوم وجهه على إصراره على اإلقدام وتعريضه للمهانة واملذلة. ويرى املتنبي أن الدمستق أجهل من البهائم ،ألنها إذا ش َّمت ريح األسد وقفت ولم تتقدم ،وهو يرى سيف الدولة الذي يشبه األسد ويأتيه مقاتلاً ثم ينهزم دون أن يرتدع بفجيعته بابنه وابن صهره .وميعن املتنبي في اإلزراء بالدمستق فيصوره وقد أسرع في الفرار وهو يشكر أصحابه وأهله من األسرى والقتلى ألن السيوف اشتغلت بهم عنه ،فكأنهم كانوا فداء له ،ويصوره مرة أخرى وقد استب َّد به الرعب إذا سمع صوت وقع السيوف وهي تقطع هامات أصحابه وأنه قد فرح مبا غنمه جيش سيف الدولة من أصحابه وأمواله وأمتعته وأسلحته ألنها افتدته وكانت سب ًبا في جناته .يقول املتنبي: ((( َأف������ي ُك ِّ ����ق ُم����ق ِ �������وم ذا ال���� ُّد ُم����س���� ُت ُ ����د ٌم ������ل َي ٍ �����وج ِ �����ه ِ الئ������ ُم َق�����ف�����ا ُه َع����ل����ى ا ِإل ق�������������دام ِل�����ل َ ِ َأ ُي�����ن ِ �������ح ال���� َّل����ي َ ����ث َح����تّ����ى َي�����ذو َق����� ُه �����ك����� ُر ري َ ���ي���وث ال��� َب���ه ِ ِ ���ائ��� ُم ري�����ح ال��� ُّل �����ت �����ر َف ْ َ َو َق������د َع َ ����ن ِ ���ع���تْ��� ُه ِب���� ِاب ِ ���ه���ر ِه ����ه َو ِا ِ ب��������ن ِص ِ ���ج َ َو َق������د َف َ ���غ ِ ����ر ال َ ���واش��� ُم ���ر َح ُ ���م�ل�ات ا َألم����ي ِ ���ص���ه ِ َو ِب���ال ِّ ��اب ف��ي َف ِ ��وت ِ��ه ُّ الظبى َمضى َيش ُك ُر ا َألص��ح َ ���م���ع ِ مِ�����ا َش َ ���اص��� ُم ���غ��� َل���تْ���ه���ا ب ه���ام ُ ُ ���ه���م َوال���ـ َ ���ش���ر ِف��� َّي ِ ���ة ف��ي��هِ �� ُم ال���ـ���م �������وت ص َ َو َي����� ْف َ �����ه����� ُم َ َ َ ِ ����اج���� ُم ال���س ص��������وات َع���ل���ى َأنَّ َأ َ ���ي���وف َأع ِ ُ َ ع������ط������اك ال َع������ن َج����ه����ا َل ٍ����ة مِ������ا َأ �����س����� ُّر ب ُي َ َو َل ِ مِ ُ جَ������ا ِم�����ن َ غ������ان �����ك ����وم����ا ن �������ك�������نَّ َم����غ����ن ً ((( ديوان املتنبي .106 :4 - 116 - ويعبر املتنبي عن رأيه في الصراع بني العرب والروم ،فيتجاوز الرؤية الفردية وال يراها حر ًبا بني ملك الروم ونظيره العربي ،بل يراها حر ًبا بني التوحيد والشرك ،وفي ((( ذلك يقول مخاط ًبا سيف الدولة: ����ر ِه ������س������ت َم���ل���ي���كً���ا َو َل ه������از ًم������ا ِل���� َن����ظ����ي ِ ِ َ ِّ َو َل ِ ����ل����ش ِ �����ك����� َّن َ ه�������از ُم ����رك �����ك ال����تَّ����وح����ي���� ُد ِل ِ وبالرغم من الهزمية النكراء التي مني بها ال��روم في معركة احلدث احلمراء، فإنهم لم يصرفوا أنظارهم عنها وظلوا يحلمون باستردادها من أيدي العرب ألهميتها االستراتيجية «ألنها باب الطريق إلى القسطنطينية»((( ،فعادوا لإلغارة عليها سنة 344هـ وبلغ سيف الدولة أن جيوش الروم قد نزلوا على حصن احلدث ونصبوا عليه مكايد ولكن سيف الدولة ر َّدهم على أعقابهم ،ونظم املتنبي قصيدة في ذلك اعترف فيها بقوة الروم وكثرة عددهم ولكن جيش سيف الدولة كان أكثر قوة ومنعة ،ويشير إلى ما كان من إقدام الروم على حصار القلعة وكيف أفسد سيف الدولة خططهم ،فكلما ((( باغتوها وه ّموا باالستيالء عليها سبقهم جيش سيف الدولة وصرفهم عنها ،يقول: �������ال َأع ِ ُ ح ُ �����ي�����ف ال���� ْد �����دائ�����ن�����ا َع���ظ���ي��� ٌم َو َس ـ������ َدو َل ِ ِ ����ي����وف َأ َ ع�����ظ����� ُم ح���اال ال����س ������ة ِاب��������نُ ُّ �����ذي�����ر َم����س����ي���� ًرا ع�����ج�����ل�����وا ال����� َّن كُ���� َّل����م����ا َأ َ َ ع�������ج������� َل�������تْ������� ُه ِج����������ي����������ا ُد ُه ا ِإلع�������ج�������اال َأ َ رض م����ا حَ ْ ت����ـ ����ه����م َخ ������������وار َق ا َأل ِ ِ َف���� َأتَ����ت ُ ُ ������������ل ِإلاّ َ احل����������دي���������� َد َوا َألب����������ط����������اال ِم ويحتفي املتنبي بسرد الوقائع التاريخية ،فيشير إلى أن حملة الروم على قلعة احلدث كانت بقيادة ابن ليون ملك الروم ،ويشير إلى أنه حشد جم ًعا كبي ًرا من الروم ((( ديوان املتنبي .107 :4 ((( شعر احلرب في أدب العرب.293 : ((( ديوان املتنبي .254 : 3 - 117 - والصقالب والبلغار وكان هدفهم تخريب القلعة وهدم سورها وكان ذلك حافزًا لسيف ((( الدولة على تقوية السور واالرتفاع به ،يقول: الو ٍن َم������ ِل َ ������ك ال������رو ال َأل������������و ُم ِاب�����������نَ ُ ِم َو ِإن ك����������انَ م������ا مَتَ������� ّن�������ى ُم����ح����اال َأق������� َل������� َق�������تْ������� ُه َب ِ �����ي�����ن ُأذ َن�������ي�������ـ �������ن������� َّي������� ٌة َب َ ِ ال������س������م������ا َء َف����ن����اال ب�������������ان َب�����غ�����ى ـ��������ه َو ٍ َّ كُ���� َّل����م����ا را َم َح َّ �������ع ال��� َب��� ْن���ـ َّ�������س َ ����ط����ه����ا ِات َ ������غ ّ ـ��������ي َف َ ������ط������ى َج�����ب�����ي����� َن����� ُه َوال�������� َق��������ذاال ُ ����ب َوال���� ُب���� ْل����ـ ����م ُ ����ع ال��������رو َم َو َّ َي����ج َ ال����ص����ق����ا ِل َ ������������ع اآلج�����������اال تجَ������������م �������������ر ف�����ي�����ه�����ا َو َغ ُ َ َ �����و ُه �������ص�������دوا هَ ����������د َم ِ س������وره������ا َف����� َب����� َن ْ َق َ ��������ص��������رو ُه َف�����ط�����اال َو َأت�����������������وا كَ���������ي ُي�������� َق ِّ ����اي���� َد َ ��������رب َح���تّ���ى احل َ������ج������ ّروا َم����ك ِ ِ َو ِاس������ت َ َ�������رك�������وه�������ا َل������ه������ا َع����� َل�����ي�����هِ �����م َوب���������اال ت َ ويلتفت املتنبي إلى أهمية احلرب النفسية في هزمية الروم ،فقد نزلوا في األماكن التي ُقتل فيها أصحابهم وأهلهم في املعركة السابقة فبكوهم وندبوا أعمامهم وأخوالهم وتوقعوا أن يلقوا مصيرهم ،وي��ورد املتنبي ص��و ًرا مرعبة في سياق احلرب النفسية، فيصف ذعرهم وهم يرون الرياح حتمل إليهم جذاذات من شعر هامات أقاربهم القتلى وتنثر عليهم ما بقي من أشالئهم وكأنها تنذرهم بأن يصيروا مثلها ،وسيطرت عليهم تلك اخلياالت املفزعة ،فتخيلوا الرماح تطعنهم متتابعة قبل أن يحدث ذلك في احلقيقة واستبد ((( بهم اخلوف ففروا هاربني من احلرب .يقول املتنبي واص ًفا هذه املشاهد املرعبة: �����رف�����وه�����ا َن��������زَل��������وا ف������ي َم ِ ���������ص���������ار ٍع َع َ َي�������ن������� ُدب�������ونَ ا َألع���������م���������ا َم َوا َألخ����������������واال ((( ديوان املتنبي .257 :3 ((( املصدر نفسه .261-260 : 3 - 118 - ت ِ حَ�����م ُ �����ر ال��ه��ا �����ح َب���� ْي���� َن ُ ����ه����م َش َ �����ل ال�����ري ُ �����ع َ ������م ا َألوص�������������اال ِم َوتَ�����������������ذري َع������ َل������ي������هِ ِ ُت�������ن ِ اجل������س������ َم َأن ُي����ق����ي���� َم َل���� َدي����ه����ا �������ذ ُر ِ ِ �����������ري�����������ه ِل���������كُ ِّ ��������ض��������و ِم�����ث�����اال ���������ل ُع َو ُت ٍ �����ص�����روا ال َّ ���ل���وب ِدراكً������ا ���ط���ع���نَ ف���ي ال��� ُق ِ َأب َ ِ َ م������اح َخ���ي���اال ����ب����ص����روا ال������ ِّر ����ب����ل َأن ُي َق َ ٌ ح��������او َل��������ت ِط������ع������ا َن َ ����ي����ل ������ك َخ َو ِإذا َ ����������ر ْت َأذ ُر َع ال����� َق�����ن�����ا َأم�����ي�����اال َأ َ ب����������ص َ �����س َ ����م��ي�ن يمَ���ي��� ًن���ا ع������ب ف�����ي ال���� َي �����ط ال������ ُّر ِ َ َب َ َ�������و ّل�������وا َوف���������ي ال ِّ ������ش������م������الِ ِش����م����اال َف�������ت َ وع َأ ِ َي���ن��� ُف ُ ����س تَ�����دري ���ض ال��������� َّر ُ ي�����د ًي�����ا َل����ي َ �������م�������ل�������نَ َأم َأغ�����ل����اال َأ ُس��������ي��������و ًف��������ا َح َ وتؤدي احلكمة دورها في تصوير ما يتصف به الروم من جنب متجاوزًا اخلاص ((( إلى العام: َ رض َو ِإذا م������ا َخ���ل���ا اجل�������ب�������انُ ِب����������� َأ ٍ ������ب ال َّ �����ط�����ع�����نَ َوح������������� َد ُه َوال������� ِّن�������زاال َط������ َل َ وي��ردد املتنبي هذه الصورة املرعبة لقتلى ال��روم في قصيدة أخرى فقد كثرت أع��داد هؤالء القتلى وتناثرت هاماتهم وأشالؤهم حتى أط��ارت الريح شعورهم على أشجار اجلبال فاسو َّدت بها حتى كأن الغربان ّ غطتها ،وتخضبت أوراق الشجر فصبغت باللون األحمر ،وص��ارت -حلمرتها -أشبه بثمار النارجن في بدمائهم ُ ((( األغصان ،يقول: اجل����ب����الِ ُش���ع���و ُرهُ ��� ْم ���ر ِ َق����د َس َّ ��������و َد ْت َش َ ���ج َ ������س������ َّف������ َة ال ِ ِ ف�����ي�����ه ُم ِ ������ان َف���������كَ��������� َأنَّ ������غ������رب ِ ((( ديوان املتنبي 262 :3 ((( املصدر نفسه .316 :4 - 119 - ��ج��ي��ع ال��ق��ان��ي ال��������و َر ِق ال�� َن َو َج������رى َع���ل���ى ُ َ ��������ار ُ غ������ص������ان جن ف�����ي ا َأل ِ َف������كَ������ َأ َّن������ ُه ال�������� َّن َ والبيتان من قصيدة أنشدها املتنبي عند منصرف سيف الدولة من بالد الروم سنة 345هـ وأنشده إياها بآمد ،وأشاد في مطلعها بحكمة سيف الدولة ورجاحة عقله ((( وتقدمي الرأي وصوت العقل على الشجاعة ،وفيها يقول: �����اع ِ ُّ أي َق�����ب َ ���ج���ع���ان ال���ش �����ة ِ ال������������ َّر ُ �����ل َش�����ج َ ����ح ُّ ����ل ال���ث���ان���ي هُ َ ����������ي ال����ـ َ ����م َ �������و َأ َّو ٌل َو ِه َ ����س ِم������� َّر ٍة َ����م����ع����ا ِل���� َن����ف ٍ َف���������� ِإذا هُ ����م����ا ِاج����ت َ ِ ����ل����ي����اء ُك َّ َب����� َل َ ����ك����ان ��������ل َم ال����ع ِ �����غ�����ت ِم��������نَ َ ويصف املتنبي مسيرة اجليش ملالقاة الروم حيث انطلقت اخليول من (منبج) بالشام وأسرعت كأن أرجلها مبنبج وأيديها بحصن الران في بالد الروم وقد عبرت نهر (أرسناس) في أرض الروم وهو شديد البرودة يجعل الفحل كاخلصي لشدة برده، وقد أخذت الرياح الباردة جتلد اخليول كالسكاكني وقد صار اجليش فريقني :أحدهما عبر النهر واآلخر لم يعبره ولكل فريق عجاج أو غبار يتطاير واستطاع سيف الدولة أن يعبر هذا النهر مبياهه الفضية وأخذ يقاتل الروم حتى سالت دماؤهم في النهر فصارت مياهه حمراء ،وكثر السبي والغنم حتى ُفتلت حبال السفن من ذوائب سبايا ((( الروم و ُبنيت السفن من خشب الصلبان .يقول املتنبي: ����ع����ي����ونَ ُغ�����ب�����ا ُر ُه ����ح���� َف ٍ َ�����ر ال ُ ف����ي َج ْ ����ل َس�����ت َ ِ �����������������اآلذان ��������رنَ ِب مَّ��������ا ُي َف��������كَ�������� َأن ِ ��������ب��������ص ْ َي����رم����ي ِب����ه����ا ال���� َب���� َل���� َد ال��� َب���ع���ي��� َد ُم َ ���ظ��� َّف��� ٌر ِ ك ُّ دان �����ع�����ي�����د َل����������� ُه َق ُ�����������ل ال����� َب ��������ري��������ب ِ ٌ رج������ َل������ه������ا ِب������ ُت������ر َب ِ ����ج ������ة َم����ن ِ َف��������كَ�������� َأنَّ َأ ُ ����ب ٍ �����د َي�����ه�����ا ِب ِ �����ر ْح�����نَ َأي ِ ان ����ن ال�������� َّر ِ ����ح����ص ِ َي�����ط َ ((( ديوان املتنبي .307 :4 ((( املصدر نفسه .311-310 :4 - 120 - ���ح���ا �����اس َس ِ ���واب ً رس�����ن َ َح����تّ����ى َع����� َب�����رنَ ِب����� َأ َ ِ ِ َي������ ْن ُ �����ان ف����ي����ه َع �����م�����ائ����� َم ال����� ُف�����رس ِ ������ش������رنَ ب�����ار ٍد ���م���دى ِم����ن ِ ���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ َي���ق ُ ���م ْ �����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ ����ان َ����اخل����ص����ي ِ َ��ي�ن ُم َ ����ص ن َع َوامل������������ا ُء َب����ي��� َ ����خ���� ِّل ٌ ����ج����اج����ت ِ َ ق��������ان ِب ِ ������������ه َوتَ������ل������ت ِ ������ان تَ��������تَ�������� َف�������� َّر َ������ق������ي ِ ِ َ ��ي�ن َح���ب���ا ُب��� ُه َرك ����ج ِ َ���������ض ا َألم�����ي����� ُر َوكَ����ال���� ُّل َ �����������و ك ِ ���ق���ي���ان َ���ال���ع ِ َو َث������ن������ى ا َأل ِع�������� َّن�������� َة َوهْ َ �����غ ِ َ�����ل ِ َ َف�����ت َ �����ب�����ال ِم������نَ ال َ �����ر َف����و َق���� ُه احل �����دائ ِ ���ان ���ص���ل���ب ِ ����س����ف��ي� َ ن َل������� ُه ِم�������نَ ال ُّ َو َب�����ن�����ى ال َّ ِ َو َح��������ش��������ا ُه ع ِ ��������اد َي�������� ًة ِب َ ������م �����ر َق �����غ�����ي ِ ������وائ ٍ ُع������ ْق������ َم ال����� ُب�����ط�����ونِ َح�������وا ِل َ ل�����������وان �������ك ا َأل ِ لقد تغنى املتنبي في هذه القصيدة بانتصار سيف الدولة على الروم في معركة (الدرب) «وهي آخر معركة وصفها املتنبي لسيف الدولة مع ال��روم»((( ،وقد نظم في تلك املناسبة قصيدة أخرى هي آخر ما أنشده بحلب سنة 345أشار في مطلعها إلى قصة املعركة فذكر أنه تردد بحضرة سيف الدولة أن البطريق -وكان لق ًبا ألعظم قواد الروم -أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في (الدرب) وسأله أن ينجده ببطارقته وعدده ،ففعل وجهزه بجيش عظيم فأسرع سيف الدولة إلى لقائه وهزمه شر هزمية ،وأشار(بالشير) إلى تفاصيل تلك املعركة« ،فروى أن سيف الدولة ترك حلب لهذه الغزوة في 14احملرم سنة 345املوافقة 28نيسان سنة ، 956فمر على الرقة ثم على حران وأران وأركنني وبلغ هنريط .وفي احملرم املوافق 11مايس بلغ حصن زياد (وهو اليوم خربوط) على الشاطئ األيسر من الفرات الشرقي في الشمال الشرقي من هنريط .Anziteneثم أرسل من يتعرف له أحوال الروم على نهر أرسناس ،ثم ((( شعر احلرب في أدب العرب.293 : - 121 - عبر النهر إلى جيوش البيزنطيني وهم بقيادة (يوحنا تزمييسيس) في تل البطريق .وتل البطريق على الشاطئ األمين من الفرات الغربي ،فهزم الروم وسحقهم وعاد فعبر النهر بعد أن أحرق أرباض الروم ثم حمل على الروم حملة الحقة فأهلكهم وأسر منهم سبعة آالف أسير وقتل منهم مقتلة .وفي عشية اليوم الثاني دخل سيف الدولة آمد وفيها أنشده شاعره املتنبي هذه القصيدة امليمية املستوحاة من املعركة»(((. ويشير املتنبي في مطلع قصيدته إلى تلك احلادثة التاريخية ويتهكم من قسم البطريق (شميشيق) فيقول: ((( ���وغ���ى َن���� َد ُم ُع��ق�� َب��ى ال�� َي��م ِ �ين َع��ل��ى ُع��ق�� َب��ى ال َ ِ �������دام َ ���س��� ُم م�������اذا َي������زي������ ُد َك ف����ي ِإق �������ك ال��� َق َ ن�������ت ِ واع�������� ُد ُه ���م�ي�ن َع���ل���ى م����ا َأ َوف������ي ال��� َي َ ِ �����������ك ف�����ي امل�����ي�����ع ِ َ َّ����ه���� ُم م�����ا َد َّل َأ َّن �����اد ُم����ت َ ��م��ش��ق��ي ٍ��ق َف��� َأح��� َن��� َث��� ُه آل����ى ال��� َف���ت���ى ِاب������نُ ُش ُ َّ ��س��ى ِع���ن��� َد ُه ال��كَ�� ِل�� ُم َف��� ًت���ى ِم����نَ ال���ض ِ ���رب ُت��ن َ َو ِ ف����اع ٌ ����ل م���ا اش��تَ��ه��ى ُي��غ��ن��ي��ه َع����ن َح��� ِل ٍ ���ف َ����ر ُم َع���ل���ى ال ِ���ف���ع���الِ ُح���ض���و ُر ال ِ���ف���ع���لِ َوال����ك َ احل���� ْل ُ َأي����نَ ال�� َب��ط��اري ُ ��ق َو َ ����ف ا َّل����ذي َح�� َل��ف��وا ال��ـ��م�� ْل ِ��ك َوال���� َّزع���� ُم ا َّل�����ذي ز ََع���م���وا ����ر ِق مِ َ َ ب����ف َ ����م ���������وار َم��������� ُه ِإ ص ِ َو ّل���������ى َ ك������������ذاب َق����و ِل����هِ ِ َ ������ه������نَّ َأل ِ ������س������ َن������ ٌة َأف������واهُ ������ه������ا ال ِ ����م���� ُم َف ُ ����ق َ ويتتبع املتنبي مسيرة جيش سيف الدولة قاص ًدا بالد الروم حيث غزا تل بطريق وسروج وحصن الران وسمنني وهنريط وأرسناس: ((( ((( املتنبي ،بالشير ص 181-180نقلاً عن املرجع السابق ص 297هامش.2 ((( ديوان املتنبي .131-129 :4 ((( ديوان املتنبي .135-131 :4 - 122 - ����رور س ِ كَ�����ت ِّ ���اك��� ُن���ه���ا ����م����غ ِ ����ق ال����ـ َ َ�����ل ِب����ط����ري ٍ دار َك ِق����� َّن�����س�����ري�����نُ َوا َأل َج�������������� ُم ِب������������ َأنَّ َ َف����� َل�����م ُت ِ �����ح ن ِ ����ره����ا ������ت������ َّم َس ����اظ ِ ٌ �����������روج َف�����ت َ ����ك ف����ي َج���ف��� َن��� ْي ِ ُ ����ي����ش َ ���ه ُم�����ز َد ِح����� ُم ِإلاّ َو َج �����ع َي ُ ���ع���تَ���ه���ا �����أخ����� ُذ َح������ ّرا ًن������ا َو َب���ق َ َوال����� َّن�����ق ُ َ���س���ف��� ُر َأح����ي����ا ًن����ا َوتَ���ل���ت ِ ِ َوال َّ َ���ث��� ُم ����س ت ����ش����م ُ ان م ِ ت������ ُّر ِب ِ ����ب مَ ُ مُ���س���كَ��� ًة ���ح���ص���نِ ال�������� َّر ِ ُس ُ ����ح ٌ َوم�������ا ِب����ه����ا ال���� ُب����خ ُ ����ل َل�������وال َأ َّن�����ه�����ا ِن���� َق���� ُم ٌ ����ي����ش كَ������ َأ َّن َ ����ط����او ُل���� ُه رض ُت َج ِ ������ك ف����ي َأ ٍ ُ َف�����������ا َأل ُ م َو َ م اجل رض ال ُأ مَ ٌ ������ي������ش ال َأ مَ ُ ِّ ���ع���رى َش��ك ِ �����م ِ ��م��ه��ا �����ت ��ائ َ َو ُش��������� َّز ٌب َأ ْح َ ال���ش َ ِ آن����اف����ه����ا َ احل�����كَ����� ُم �����م�����ت�����ه�����ا َع����ل����ى َو َو َّس َ َح����تّ����ى َو َردنَ ِب ِ ���ر ِت���ه���ا ���س ���م���ن�ي�ن ُب َ ٍ ���ح��� ْي َ ت ِ ِ ِ َ����ن ُّ ���ج��� ُم �����امل�����اء ف����ي َأ ����ش ِب ش����داق����ه����ا ال��� ُّل ُ ِ �����ح�����ت ِب����� ُق�����رى ِه����ن����ري َ ج���ائ��� َل��� ًة ����ط َو َأص����� َب َ تَ��رع��ى ال ُّ ��ظ��ب��ى ف��ي َخ��ص��ي ٍ��ب َن�� ْب�� ُت�� ُه ال�� ِّل َ��م�� ُم �ي�ن ِب ِ ����ن����اس����ا ُم���ع ِ ����ه رس َو ���ص���م َ َ ً ج�����������اوزوا َأ َ ��ع ِ ����ف َي���ع ِ َوكَ����ي َ ��ص�� ُم ���م ُ ���س َي��ن َ ���ص ُ ���ه��� ْم م���ا َل���ي َ ويشير املتنبي إلى عبور اجليش بقيادة سيف الدولة نهر (أرسناس) وهو يشق مياهه الباردة بصدور اخليل قاص ًدا (تل بطريق) الرومية فأعمل القتل في سكانها وأحرق مساكنها: ((( ���ع��� ٌة �����ر َل ُ ����ه����م َس َ َوم������ا َي ُ �����ح ٍ ������ص������ ُّد َك َع�����ن َب ْ ����م���� ُم ���������و ٍد َل ُ َوم�������ا َي������������ ُر ُّد َك َع������ن َط ْ ����ه����م َش َ ((( املصدر نفسه .137 :4 - 123 - ِ ������دور َ َ اخل�����ي�����لِ ح���ام��� َل��� ًة ������ص ِ �����ر ْب�����تَ����� ُه ِب ُ ض َ ����دم����ا َف��� َق���د َس�� ِل��م��وا ����وم����ا ِإذا تَ��� ِل���ف���وا ُق ً َق ً ����وج َع�����ن َل����� ّب ِ تجَ َ ����� َّف ُ �����ات َخ���ي��� ِل���هِ ِ���م ����م ُ �����ل ال����ـ َ كَ����م����ا تجَ َ ������ َّف ُ ���ع��� ُم حَ�������ت ������ل ت َ ال������غ������ار ِة ال��� َّن َ َ ِ ف����ي����ه َوف��������ي َب���� َل ٍ ����د ����ه����م َع������ َب َ ������رت تَ����ق���� ُد ُم ُ �����م����� ُم ُس������كّ ������ا ُن������ ُه ِر مَ ٌ م َم����س����ك����و ُن����ه����ا ُح َ ويرسم املتنبي صورة هزلية لقائد الروم (ابن شمشيق) وقد أخذت ميينه التي حلف بها تبتسم سخرية وقد الذ بدروعه مختف ًيا من مطاردة الفرسان وراء الشجر، ولو ظهر لهم لكان طعا ًما شه ًيا لكواسر الطير: ((( ���ش���ق���ي���ق َأ ِل����� َّي�����تَ����� ُه ���م َو َأس�������� َل�������� َم ِاب���������نُ ُش ُ ٍ ������ي تَ��ب��ت ِ َ��س�� ُم َألاّ ان�� َث��ن��ى َف���ه َ ���و َي���ن���أى َوهْ َ ����أم ُ ��ج ِ��ت ِ��ه ��ـ��م ْ ���س ا َألق����ص����ى ِل ُ ال َي ُ ��ه َ ����ل ال��� َّن��� َف َ ����س ا َألدن��������ى َو َي���غ���ت ِ َ���ن��� ُم َف���� َي ِ ����س����ر ُق ال���� َّن���� َف َ ����اب َ ����غ���� ٌة تَ���������� ُر ُّد َع����ن���� ُه َق����ن����ا ال����� ُف�����رس ِ �����ان س ِ ���������و ُب ا َأل ِس������� َّن ِ �������ة ف����ي َأث����ن ِ ����ائ����ه����ا ِديمَ ُ ص ْ َ ت ُ َ����خ ُّ ���ي���س تَ��ن�� ُف�� ُذه��ا ال���ع���وال���ي َل ����ط ف��ي��ه��ا َ َ كَ������������� َأنَّ ُك َّ �������ن�������ان َف�����و َق�����ه�����ا َق����� َل����� ُم ����������ل ِس ٍ ال��غ ُ َف�ل�ا َس��ق��ى َ ��ج ٍ��ر ��ي��ث م���ا وارا ُه ِم���ن َش َ ���ص��� ُه ال��� َّر َخ��� ُم َل����و ز ََّل َع���ن��� ُه َل ��������وار ْت َش���خ َ َ وهكذا وظف املتنبي فنه للتشفي من قائد ال��روم املنهزم والسخرية من أفعاله وتصوير جبنه وفراره للنجاة بنفسه بعد أن لقي جيشه هزمية نكراء. ((( ديوان املتنبي .140 :4 - 124 - سفراء الروم: رسم املتنبي في شعره صو ًرا للسفراء والرسل الذين أوفدهم ملوك الروم إلى البالط احلمداني يطلبون الهدنة وافتداء أسراهم ،وقد رآها املتنبي مناسبة للتشفي والزهو ،فص َّور وفد الروم الذي وفد على سيف الدولة عقب معركة خرشنة ووصفهم وهم يسيرون فوق أشالء جنود الروم القتلى ويدوسون فوق هاماتهم وقد أرسلهم ملك الروم بدافع االجتداء والتملق ،فقال: ال��������روم ِا ِ َرأى َم���� ِل ُ �����اح َ �����ك ِل���ل��� َّن���دى ����ك رت�����ي َ ِ ���ق َف����ق����ا َم َم����ق����ا َم َ���م��� ِّل ِ ���ج���تَ���دي ال���ـ ُ ُ ���م���ت َ ال���ـ���م ْ ٍ ���رام���ه���ا رض َب َ������ب ِم�����ن َأ ٍ ���ع���ي���د َم ُ َوك������ات َ ����ي����ل َح�����وا َل�����ي َ ����ق �����ب َع����ل����ى َخ ٍ �����ك ُس���� َّب ِ َق�����ري ٍ ����س َ ����راك ِم��ن��ه��ا َرس����و ُل���� ُه �����ار ف���ي َم ْ َو َق������د س َ َ ����ق ����������وق س��������ار ِإلاّ َف َف����م����ا ه��������ام ُم���� َف���� َّل ِ َ ٍ ويصف املتنبي استقبال سيف الدولة لسفير الروم وهو يخطو في (السماط) وقد استب َّد به اخلوف فيقول: �����ل يمَ���ش���ي ف���ي ال���س���م ِ َو َأق����� َب َ ���اط َف���م���ا َدرى ��در َيرتَقي ِإل���ى ال�� َب��ح ِ��ر يمَ��ش��ي َأم ِإل���ى ال�� َب ِ وفي قصيدة أخرى يصف املتنبي قدوم سفارة أخرى إلى سيف الدولة أرسلها ملك الروم قسطنطني السابع سنة 343هـ برئاسة رسوله (رودس) وقيل :إنه احلاكم (بول .((() Lemagester Paulوكان هدف هذه السفارة فك أسر ابن ملك الروم ،ويشير املتنبي في مستهل قصيدته إلى الرسائل التي أرسلها ملك الروم إلى سيف الدولة وما تضمنته من ثناء ويشبهها بالدروع التي يتخذها ملك الروم حلماية نفسه عن قتال ((( سيف الدولة له ،ويراها دليلاً على اخلضوع واالستسالم ،يقول: ((( املتنبي لبالشير ص 174نقلاً عن شعر احلرب في أدب العرب.287 : ((( ديوان املتنبي .235-232 :3 - 125 - ال���ر ِ ���م��� ْل ِ س���ائ ُ ���ل ال�������روم هَ �����ذي ���ك ُد ٌ روع ِل���ـ َ ِ َ ِ �����س ِ َي����������� ُر ُّد ِب����ه����ا َع�������ن َن�����ف ِ �����ش�����اغ ُ �����ل �����ه َو ُي �����ي ال��������� َّز َر ُد ال���ض���اف���ي َع��� َل���ي ِ���ه َو َل ُ ��ف��ظ��ه��ا ِه َ �������اب������� ٌغ َو َف������ض ِ ������ائ ُ َ ������ل َع����� َل �����ي�����ك َث�������ن�������ا ٌء س ِ ويصدر املتنبي في قصيدته عن إحساس بالزهو والتشفي ،والسخرية من رسل الروم ،فيتساءل متعج ًبا ساخ ًرا :كيف اهتدوا إلى الطريق وغبار املعركة لم يسكن ،ومن ُ تصف منها بع ُد: أي منهل يسقون خيولهم وقد امتألت األنهار بدماء قتلى الروم ولم رض ِ س����ول ِب���� َأ ِ ُ ����ه َو َأ ّن�������ى اه���تَ���دى هَ �����ذا ال���� َّر �����ر َت ف��ي��ه��ا ال�� َق��س ِ ��اط ُ��ل َوم����ا َس��كَ�� َن ْ ��ت ُم���ذ ِس ْ ٍ م������اء ك������انَ َي���س���ق���ي ِج�����ي�����ا َد ُه َو ِم�������ن َأ ِّي ����زج ال��� ِّد ِ م���اء ال��ـ َ��م��ن ِ ُ ��اه ُ��ل َو َل����م ت َ��ص��ف ِم���ن َم ِ ويصور املتنبي سفير ملك الروم وقد متلكه الرعب حتى تخيل السيف واق ًعا عليه وقد انفصل رأسه عن عنقه وارتعدت مفاصله من اخلوف والذعر ويصفه وهو يسير بني صفني من اجلند بني يدي سيف الدولة وقد متلكته الهيبة فأخذ ينظر بإحدى عينيه إلى سيف الدولة وباألخرى إلى سيفه فانشطرت نفسه بني التأميل واخلوف أو احلياة واملوت: َ ����ح���� ُد ُع���ن��� َق��� ُه َأت ����ج َ ���������اك َي�����ك�����ا ُد ال���������� َّر ُ أس َي ْ ��م��ف ِ ��اص ُ ��ل حَ�����ت ال���� ُّذع ِ َوتَ���ن��� َق��� ُّد ت َ ����ر ِم���ن��� ُه ال��ـ َ َ ��ي�ن َم���ش��� َي��� ُه ال����س مي ُي������ َق ِّ ������و ُم تَ�����ق�����و ُ ����م����اط ِ ّ ِ ف������اك ُ َ ������ل ������و َج������تْ������ ُه ا َأل ِإ َل ������ي������ك ِإذا م�����ا َع َّ ����م َ َ لحَ�����ظ����� ُه ��ي�ن ِم����ن���� ُه َو ����ك ال َ ����ع����ي���� َن ِ ����اس َ َف����ق َ َس ِ �����ك َو ِ ُّ ������زاي ُ �����م����� ُّي َ ������ل اخل ������������ل ا َّل���������ذي ال ُي ِ زق َوال�������� ِّر ُ ���ك ال������� ِّر َ ����ر ِم���ن َ زق ُم��ط ِ��م ٌ��ع َو َأ َ ب����ص َ ���وت ه ِ ��ائ ُ ��ل ���م ُ ���م َ َو َأب َ ���وت َوال���ـ َ ����ر ِم���ن��� ُه ال���ـ َ ����ص َ - 126 - ويحتفي املتنبي بوصف مراسم استقبال سفير ملك الروم في لقطات تسجيلية وثائقية نادرة ،فيشير إلى أن السفير أو الرسول ق َّبل األرض بني يدي سيف الدولة ثم ق َّبل ُك َّمه وسط فرسان سيف الدولة الذين يقفون متصاغرين هيبة له ،فنال الرسول بذلك شر ًفا عظي ًما لم يحظ مبثله امللوك ،ولكنه لم يبلغ هذا الشرف ملنزلته بل تعط ًفا من سيف الدولة واستجابة لطلب الرسول: ًّ كُ�����م�����ا َق����� ِّب َ َو َق������� َّب َ �������ر َب َق���ب��� َل��� ُه �������ل �����ل ال������� ُّت ْ ُ�������������ل ك ِ �������������ف ُم�����تَ�����ض ِ �������ي ِ ٌ ُّ �����ائ ُ �����ل واق َوك َ�������م ٍّ ����ب س�������ع������� ُد ُم َو َأ َ ٍ ����ش����ت����اق َو َأظ������� َف������� ُر ط����ا ِل ٍ ������ك ِ واص ُ ������م َ ��������ل هُ ������م������ا ٌم ِإل��������ى تَ���ق���ب���ي���لِ ُك ِّ ِّ ال�����ش�����ف�����ا ُه َودو َن������������ ُه َم������ك������انٌ مَتَ�������� ّن��������ا ُه واب ُ ����ل ���م���ذاك���ي َوال����� ِّر م�����اح ال���� َّذ ِ ُ ُ ص������دو ُر ال���ـ َ َف�����م�����ا َب����� َّل َ َ�������رام������� ٌة �����غ�����تْ����� ُه م������ا َأرا َد ك َ ����ك َو َل ِ ِ �����ك�����ن َل�����م َي ِ س���ائ ُ �����ب َل َ َع���� َل����ي َ ���ل ������ك �����خ ْ وميضي املتنبي في وص��ف مشهد االستقبال ،فيشير إل��ى إكبار ال��روم لهذا الرسول الذي سعى ليحميهم من احلرب ،ويصف لهفة جيش الروم وقواده ملعرفة نتائج هذه السفارة وأملهم في استجابة سيف الدولة لرغبتهم في الهدنة والفداء ،ويشير إلى حتول موقف الرسول حيث أقبل حاملاً رسائلهم ،ناط ًقا مبا يتردد على ألسنتهم ،فلما عاد إليهم عذلهم والمهم على محاربتهم سيف الدولة وعدم خضوعهم له: �����ت ِب ِ �����ه �����ع����� َث ْ ������م������ ًة َب َ ���������ر ِم�����ن����� ُه ِه َّ َو َأك��������� َب َ ����ك ِ اجل���ح ِ ���اف ُ ���رت��� ُه َ ِإ َل����ي َ ال���ع���دا َواس���تَ��� ْن َ ���ل ���ظ َ ����اب ِ ����رس ٌ َف���� َأق���� َب َ ����ل ����ل ِم�����ن َأص����ح ِ ����ه َوهْ َ ��������و ُم َ �����اب ِ ���������و ع ِ �������اذ ُل َوع���������ا َد ِإل�������ى َأص�����ح ِ �����ه َوهْ َ - 127 - ويصف املتنبي ردود أفعال سفراء الروم ورسلهم بعد لقاء سيف الدولة ،فهم يشعرون بالتصاغر والتضاؤل وتهون نفوسهم ملا عاينوه وشاهدوه من املهابة والفخامة، وقد سعت هذه الوفود أملاً في عفوه وخو ًفا من مغبة الهزمية وما ينالهم من قتل وأسر: ْ���ك ال���� ُّرس ُ ِإذا ع���ا َي��� َن���ت َ ��وس��ه��ا ����ل ه���ا َن ْ ���ت ُن��ف ُ َع��� َل���ي���ه���ا َوم������ا ج��������ا َء ْت ِب ِ ����م ِ ����راس ُ ����ل ������ه َوال����ـ ُ ���ر َج���ى ال��� َّن ِ ���واف ُ ���ل كُ�� ُّل��ه��ا َرج����ا ال�����رو ُم َم���ن ُت ْ �����رج�����ى َل����� َد ِ َل����� َد ِ ال����ط ِ ����وائ ُ َّ ����ل ي�����ه ي�����ه َوال ُت َ َف���� ِإن ك���انَ َخ ُ ������ر س��ا َق ُ��ه�� ْم ����وف ال�� َق��ت��لِ َوا َألس ِ ���ل َوا َألس�������� ُر ف ِ ���اع ُ ���ع���ل���وا م���ا ال��� َق���ت ُ ���ل َف��� َق���د َف َ وللمتنبي قصيدة رائية ارجتلها سنة 343هـ مبناسبة إرسال سفارة أخرى وكان يو ًما مشهو ًدا حيث جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم ولم يستطع املتنبي أن يصل إليه لشدة تزاحم الناس لالحتفال بهذه املناسبة ،وعاتبه سيف الدولة على تأخره وانقطاعه فارجتل أمامه قصيدته تلك ،وذكر فيها أن وصفه لهذا اليوم دون أن يشاهد املراسم التي جرت فيه يعد ظل ًما له ألن صدق الوصف منوط باملشاهدة ،ويصف املتنبي فرحة ملك الروم لعفو سيف الدولة ألن هذا العفو ُيع ّد ظف ًرا له وانتصا ًرا يحق له فيه أن يرفع عينيه بعد أن َّ ظل مطر ًقا منكس الرأس استخذا ًء وخو ًفا ،كما يحق له أن يفتخر بني امللوك إن أجابه سيف الدولة عن رسائله؛ ألن الروم هم املستفيدون بالهدنة والصلح حيث تستريح رقابهم من السيوف ،وسيظل أع��داء سيف الدولة اآلخ��رون ((( ينتظرون قراره بالغزو أو الصلح ،وفي ذلك يقول املتنبي: ����ت ِ ����ل ُرؤ َي ِ ����وم َوص ٌ ������ف َق���� ْب َ ����ه ُظ���ل��� ٌم ِل�����ذا ال���� َي ِ ��وص ُ ���ص��� ُد َق ال�� َّن َ ��ظ�� ُر ���ص��� ُد ُق ال َ ��ف َح��تّ��ى َي ْ ال َي ْ اجل���ي ُ َ����زاح���� َم َ ���ج��� ْد َس�� َب�� ًب��ا ���ش َح���تّ���ى َل���م َي ِ ت َ ِ ����س����اط َ ����ص���� ُر ����ك ل����ي َس ِإل�������ى ِب ٌ ����م����ع َوال َب َ ((( ديوان املتنبي .201 :2 - 128 - َ����ص َو َأغ����� َي����� َب����� ُه َف����كُ ����ن ُ ����ت َأش َ ������ه������ َد ُم����خ����ت ٍّ �����ع�����اي����� ًن�����ا َو ِع������ي������ان������ي ُك������� ُّل������� ُه َخ����� َب����� ُر ُم ِ ال���������روم ن ِ �����ع َم ُ �����ر ُه ����ل����ك ال����� َي�����و َم َي�����ر َف ُ ِ �����اظ َ �������ف�������و َك َع������ن������ ُه ِع�������ن������� َد ُه َظ����� َف����� ُر لأِ َنَّ َع َ ����ائ���� ِل ِ �����يء َع�����ن َرس ِ ������ت ِب َ �����ش ٍ ����ه َو ِإن َأ َج������ ْب َ م�����ل�����اك َي���ف���ت ِ ِ ُ َ���خ��� ُر ����������زال َع����ل����ى ا َأل َف����م����ا َي َق ِ �����ت ِإل������ى َو ٍ ����ه���� ُم ������د ِاس�����ت َ�����راح ْ ق�������ت ِرق����ا ُب ُ َ ����وم َي��ن��ت ِ ���س���ي ِ َ��ظ�� ُر ِم�����نَ ال ُّ ���وف َوب����اق����ي ال���� َق ِ وتبرز صورة رسل الروم في قصيدة أخرى نظمها املتنبي لثالث عشرة بقني من احملرم سنة 344هـ مبناسبة ورود فرسان الثغور ومعهم رسول ملك الروم يطلب الهدنة وأنشدها أمام سيف الدولة بحضرتهم وقت دخولهم ،ويشير فيها إلى تقاطر رسل امللوك ((( وخضوعا واستجارة به؛ يقول: فزعا ً سح الغمام ً وتواليهم على سيف الدولة مثل ّ �����م�����ل ِ راع كَ���������ذا ُك َّ �����وك هُ �����م�����ا ُم َأ َ ���������ل ال�����ـ ُ ����م����ل ِ ����������ح َل�������� ُه ُر ْس َ ����وك َغ����م����ا ُم ����������ل ال����ـ ُ َو َس َّ ويؤكد املتنبي في قصيدته ما يلقاه هؤالء الرسل في كنف سيف الدولة من أمن ورعاية، فهم آمنون ما داموا في حماه بينما يفتقد ملوكهم األمان ،فال تنام أجفانهم خو ًفا وذع ًرا: �����ك ال����� ُّر ْس ُ تَ����ن����ا ُم َل����� َدي َ �����ل َأم���� ًن����ا َو ِغ َ ���ب���ط��� ًة ����ي����س تَ����ن����ا ُم َو َأج�������ف�������انُ َر ِّب ال������ ُّر ْس������لِ َل َ ِ ����ي����اد َف����ج����ا َء ًة اجل ����ر ْو َرى ِ ����ـ����م ْ ِح��������ذا ًرا ِل ُ ����ع َ ����ط����ع����نِ ُق�����ب اً ِإل�������ى ال َّ �����ه�����نَّ لجِ������ا ُم ��ًل�� م�����ا َل ُ ويشير إلى قدرة سيف الدولة على اتخاذ القرار برفض الهدنة أو املوافقة عليها، ويؤكد على الشيم العربية األصيلة التي تقضي بأن من يلوذ بالكرماء وجبت له الذمة، ((( ديوان املتنبي .112-109 :4 - 129 - وطاملا قصده رسل الروم راجني العفو والهدنة فقد حرمت إراقة دمائهم وقد أدركوا أنهم مهزومون في احلرب فعمدوا إلى الرسل والكتب يتلطفون بها طل ًبا للصلح وتعل ًقا بحب احلياة برغم ما في أساليبهم من مذلة: ِإل�����ى كَ����م تَ������� ُر ُّد ال����� ُر ْس َ َ��������وا َل��� ُه �����ل َع ّ ���م���ا َأت ْ ��������ب��������ت َم����ل���ا ُم ��������ه�������� ُم ف������ي م������ا َوهَ َ كَ�������� َأ َّن ُ ����واع���� ًة َو ِإن ك َ ُ���ن���ت ال ُت��ع��ط��ي ال����� ِّذم�����ا َم َط َ َ������رمي ِذم��������ا ُم �������و ُذ ا َألع�������������ادي ِب������ال������ك َف َ �������ع ْ ِ م���������ت َ ���ن���ي���ع��� ٌة ْ���������ك َم َو ِإنَّ ُن َ �����ف�����وس�����ا َأ مَّ َ ً َو ِإنَّ ِدم����������������ا ًء َأ َّم�������� َل��������ت َ ْ��������ك َح�����������را ُم خ������اف َم���� ْل ٌ َ ������رتَ������ ُه ِإذا ����ك ِم�����ن َم���ل���ي ٍ���ك َأ َج ْ َو َس����� ْي����� َف َ اجل�������������وا ُر ُت����س����ا ُم �����ك خ����اف����وا َو ِ ���ض ِ ِ ���ه���م َع َ ����ف����اف تَ���� َف���� ُّر ٌق اخل ���ن���ك ِب���ال ِ���ب���ي ِ َل ُ ِ َو َح�������و َل َ ����ط����اف ِزح�������ا ُم ْ����ب ال���� ِل �������ك ِب����ال����كُ����ت ِ ت ُ �����وس ُق���ل���و َب���ه���ا َ�����غ����� ُّر َح ������ل�����اوات ال����� ُّن�����ف ِ ُ َف���تَ���خ���ت���ا ُر َب���ع َ ������و ِح���م���ا ُم ���ع��� ْي ِ ���ض ال َ ���ش َوهُ َ ويرى املتنبي أن وفود رسل الروم لطلب الصلح يقترن باإلذالل واملهانة ،ألنهم تشفعوا بفرسان الثغور ووسطوهم في طلب الهدنة وه��و ما لم يجرؤوا على طلبه بأنفسهم فكان ذلك م ًّنا من هؤالء الفرسان وتفضلاً : ���ح���ا َل�����م َي���� ُك����ن ِب َ ���اع ٍ���ة ���ش���ف َ َف���� َل����و ك������انَ ُ ص���ل ً َو َل ِ ��������ه��������م َو َغ�����������������را ُم ���������ك��������� َّن��������� ُه ُذ ٌّل َل ُ �����ور َع��� َل���ي���هِ ��� ُم َو َم�����������نٌّ ِل����� ُف ِ �����رس�����ان ال����� ُّث�����غ ِ ِب����تَ����ب����ل����ي ِ ����غ����هِ ���� ْم م������ا ال َي�������ك�������ا ُد ُي����������را ُم ِ كَ����ت ِ ���ع�ي�ن َف���� َأق���� َدم����وا خ���اض ����ب ج�������اؤوا َ ����ائ ُ ِ خَ���ام���وا ���ع�ي�ن ل خ���اض َو َل�������و َل�����م َي���ك���ون���وا َ - 130 - لقد اقترنت الهدنة بإذالل الروم ألنها كانت مشروطة بجالئهم عن قراهم ونزوحهم عن أرضهم ،فإذا خرقوا الهدنة كانت سيوف سيف الدولة في انتظار رقابهم وكان مصيرهم القتل أو السبي: ع�����او َد َ �������او ْد َت َأ َ ���ه��� ْم َم��ت��ى رض ُ اجل����ال����ونَ ع َ َ �����س�����ي ِ �����وف َوه���������ا ُم َوف����ي����ه����ا ِر ٌ ق������������اب ِل�����ل ُّ �����������وا َل َ ������ك ا َألوال َد َح����تّ����ى ُت��ص��ي�� َب��ه��ا َو َر َّب ْ �����������ب ُغ���ل���ا ُم �����ن�����ت َو َش �����ت ِب ٌ َ�����ع����� َب ْ َو َق����������د ك َ َّ وعلى هذا النحو اف َّ نت املتنبي في رسم تلك املشاهد الواقعية لرسل ملوك الروم ووفودهم وهم يتقاطرون على البالط احلمداني طل ًبا للهدنة والصلح وهم في موقف الضعف واخلزي واملهانة. XXXX - 131 - حضور األماكن األجنبية في شعر املتنبي كان املتنبي كثير األسفار والتنقل جر ًيا وراء طموحه وأحالمه في املجد والثراء، فش َّرق وغ� َّرب واحتفى بوصف األماكن التي شاهدها وكثر ترددها في شعره حتى ب َّذ الشعراء اآلخرين في ذلك ،وأصبحت هذه األماكن متثل معج ًما طري ًفا يعكس رؤيته لتلك األماكن وامتزاجها بعاطفته في حالتي الرضا والسخط واحلب والكراهية والسلم واحلرب. حضور األماكن الفارسية: لألماكن الفارسية حضور واضح في شعر املتنبي حيث ارحتل إلى بالد فارس وشاهد بعض مدنها ووصف األماكن التي زارها ومن أشهرها (شعب بوان) الذي وصفه وص ًفا في قصيدة قال فيها(((: َم���غ���ان���ي ال ِّ ��م��غ��ان��ي ���ش���ع ِ ���ب ط��ي�� ًب��ا ف���ي ال��ـ َ �������ن�������ز َل ِ �������ان ب ������ع ِم���������نَ ال������� َّزم ِ ِ مِ َ �������ة ال������ َّرب������ي ِ َو َل ِ �������ي ف��ي��ه��ا ���������ك���������نَّ ال����� َف�����ت�����ى َ ال�������ع َ �������ر ِب َّ ال������و ِ ج������ه َوال������� َي ِ �����ان �����ري�����ب َغ �������د َوال����� ِّل�����س ِ َ ُ ِ ���������ب ِج�������� َّن ٍ س�����������ار ف���ي���ه���ا ��������ة َل���������و َم ����ل����اع ُ َ ������م������ان َ������رج ُس������ َل������ي������م������انٌ َل ِ ��������س��������ار ِب������ت ُ َ ((( ديوان املتنبي .389-383 :4 - 132 - ������ت ُف����رس����ا َن����ن����ا َو َ َ �������ي�������ل َح����تّ����ى اخل َط������ َب ْ ِ ان َخ ���������ر ِ ���ش���ي���ت َو ِإن كَ������ ُرم������نَ ِم�������نَ ُ احل َ َغ������� َدون�������ا تَ�����ن����� ُف ُ �����ض ا َألغ��������ص��������انُ ف��ي��ه��ا ِ ������ث������ل ُ َ ������م������ان اجل ع�������راف�������ه�������ا ِم َع�����ل�����ى َأ ِ َف ِ َّ ���م���س َع��� ّن���ي ال���ش ��ب�ن ����ج َ �����س ُ �����رت َو َق�������د َح َ َ ِ ِّ مِ������ا كَ���ف���ان���ي ����ي����اء ب ال����ض َو َج����� ْب�����ـ�����نَ ِم�������نَ َّ ال������ش ُ ������رق ِم���ن���ه���ا ف�����ي ِث���ي���اب���ي َو َأل������ق������ى َدن��������ان��������ي�������� ًرا ت ِ ������ان َ��������ف�������� ُّر ِم�����������نَ ال������ َب������ن ِ َ ��������ي��������ك ِم����ن���� ُه �������م������� ٌر ُت�����ش�����ي����� ُر ِإ َل َل�����ه�����ا َث َ ���������ر َب ٍ ���������ة َو َق���������ف���������نَ ِب����ل����ا َأوان�����������ي ِب��������� َأش ِ َو َأم��������������������وا ٌه ت ِ َ�������ص ُّ �������ل ِب�����ه�����ا َح����ص����اه����ا ���ل َ ص���ل���ي َ �����ي ف����ي َأي�������دي ال َ ���غ���وان���ي َ احل����� ْل ِ َ ������ش������ق َث����ن����ى ِع���ن���ان���ي َو َل���������و ك�����ا َن�����ت ِد َم ��������رد ص�����ي ِ �����ق ال�������� ُّث ِ َل�����ب�����ي ُ ������ف������ان اجل ِ �����ي ِ �����ن ُّ �������ت ِل َ ����ض����ي ٍ ����ف �������ع ْ �����ج ِ �����ي م�����ا ُر ِف َ َي����� َل����� ْن ُ �����وج ُّ ِب ِ خ���������ان ���������ه ال������ن������ي������رانُ َن������������� ِّد ُّي ال��������� ُّد ِ ((( �������������ل ِب ِ حَ ِ ُّ ������اع ت �����������ه َع������ل������ى َق�������ل ٍ �������ب ُش������ج ٍ َ���������رح ُ �����ان ���������ل ِم�����ن����� ُه َع�������ن َق َوت �����ل�����ب َج�����ب ِ َ ٍ ٌ �����ي�����ال ���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ َم ِ ُي َ ج�����ان ����ع����ن����ي ِإل��������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ ِ ����ش���� ِّي ُ ((( َ ال��������������و ْر ُق ف��ي��ه��ا احل������م������ا ُم ِإذا َغ����� ّن�����ى ُ ِ ������������ي ال ِ �������ان غ������������ان َأج���������ا َب���������ت��������� ُه َأ �������ق�������ي ِ ُّ ((( اليلنجوجي :عود الطيب أو البخور نسبة إلى اليلنجوج. ((( النوبنذجان :مدينة فارسية. - 133 - َو َم��������ن ِب����ال ِّ ����ام ����ب َأ ����ش����ع ِ َ ح����������و ُج ِم�����ن َح����م ٍ �����ان ِإذا َغ������ ّن������ى َو ن�������������اح ِإل����������ى ال����� َب�����ي ِ َ ������ان ِج�������� ًّدا َو َق����������د َي������ت ������وص������ف ِ َ������ق������ار ُب ال َ َ َو َم�������وص�������وف�������اهُ �������م�������ا ُم�������تَ�������ب ِ �������دان �������اع ِ �������ول ِب ِ َي�������ق ُ ��������������و ٍان ِح���ص���ان���ي �����ع�����ب َب �����ش ّ ِ ِّ ����ع����ان ال����ط َأ َع������������نْ هَ ���������ذا ُي������س������ا ُر ِإل���������ى ِ ����م����ع����اص����ي َأب���������و ُك���������م آ َد ٌم َس�����������نَّ ال����ـ َ �������ن�������ان اجل �������م�������كُ �������م ُم ِ ��������ف��������ار َق�������� َة ِ َو َع������� َّل َ َ هذه القصيدة ذات طبيعة خاصة ألنها من القصائد القليلة النادرة التي تصور رؤية الشاعر العربي القدمي للعالم اخلارجي ،فاملتنبي في رحلته إلى بالد فارس توقف عند (شعب بوان) وهو متنزه قريب من بلدة (شيراز) ويعد من أجمل متنزهات الدنيا مبا فيه من شجر كثيف ورياض مثمرة ومياه جارية .إنه يصور الطبيعة اخلالبة في أبهى صورها ومناظرها. وق��د انبهر املتنبي بهذه اللوحة الطبيعية الساحرة فرآها في سحرها وطيب هوائها تفضل سائر األمكنة كما يفضل الربيع سائر الفصول واألزمنة فرأى فيها ربي ًعا دائ ًما متجد ًدا يحفل بالبهجة واملسرة. ويصور املتنبي مشاعره وقد َّ حل غري ًبا على هذه املدينة األجنبية التي تختلف عن املدن العربية في لغتها وعاداتها وأزيائها ،ويكني نفسه بـ(الفتى العربي) وهو وصف له داللته في ترسيخ روح االنتماء واالعتزاز بالعروبة. إنه يبدو في هذه البالد غريب الوجه في عيون أهلها ،فال أحد يعرفه وال يعرف أح ًدا ،وهو ببشرته العربية السمراء ينفرد عن الوجوه الشيرازية الشقراء ،وهو غريب اليد ألنه يكتب بخط غير خطهم ،فهو يكتب بالعربية وهم يكتبون بالفارسية ،وهو خالي الوفاض ال ميلك شي ًئا في تلك األرض ،وهو غريب اللسان يتكلم بلغة غير لغة هؤالء القوم. - 134 - إنها صورة دالة تعكس وضع الفتى العربي الغريب في تلك البالد األجنبية حيث يبدو في حالة انفصال تام عن هذا املجتمع الغريب الفتقاد وسائل التفاهم والتواصل مما يوحي بتغلغل اإلحساس بالغربة. ويتوقف املتنبي وقفة إعجاب مطولة أمام شعب بوان ،فيتخيله في إعجازه وبديع حسنه كمالعب اجلن جر ًيا على عادة العرب حني يعجزهم وصف شيء فينسبونه إلى اجلن أو إلى قوة خارجية خارقة على نحو ما صنع البحتري في وصف إيوان كسرى ،ويستحضر املتنبي في هذا السياق صورة النبي سليمان الستدعاء األجواء اخليالية أو األسطورية التي اقترن بها ،وفي إشارة إلى تصوره عن (مالعب اجلنة) وكأن سكان الشعب من اجلن العباقرة الذين يتكلمون بلغة بعيدة عن األفهام حتى لو سار سليمان في تلك البالد الحتاج إلى ترجمان يرافقه برغم علمه بلغات الكائنات من جن وإنس وطير. ويشير املتنبي إل��ى اجن��ذاب الفرسان واخل�ي��ل إل��ى ه��ذا امل�ك��ان الساحر فقد استمالهم بروعته وخصوبته فطاب لهم املقام فيه وتعلقوا به حتى خشي على اخليل من احلران وعدم مبارحة املكان برغم أنها خيول كرمية ال تعرف احلران. ويصور املتنبي األجواء اخليالية لتلك الطبيعة الساحرة .فيصف تنزهه فيها في الصباح الباكر بني األشجار الكثيفة والرياض املزهرة وقد تساقطت قطرات الندى على األغصان فصارت تنفضها على أعراف اخليول كأنها حبات اللؤلؤ .وهي صورة لونية حركية متتزج فيها حركة سير اجلياد بحركة اهتزاز األغصان مع املشاكلة بني لون كرات الندى الثلجية الصغيرة وحبات اجلمان. ويصف املتنبي املنظر الطبيعي بدقة متناهية من خالل خيال فنان مبدع مصور. وهو ال يكتفي بوصف املنظر الطبيعي بل يضع نفسه داخل اللوحة ،فيصف سيره بني هذه األشجار الكثيفة التي حجبت ضوء الشمس عنه ولكنها منحته من ضياء نورها وأزهارها ما يكفيه من نور مما أشاع ج ًوا خيال ًّيا ساح ًرا. - 135 - ويستطرد املتنبي في وصفه هذا اجلو اخليالى البديع ،فيصف أشعة الشمس وهي تنفذ من خالل الشجر فتتسلل إلى ثيابه كأنها دنانير ذهبية ظنها حقيقية وحاول إمساكها ولكنها فرت من بني أصابعه ،وهي صورة تعكس اجلو اخليالي الذي استغرق املتنبي كما تشي بدالالت نفسية تتعلق بولع املتنبي بالذهب. ويفنت اخليال الشعري في تصوير مفردات تلك الطبيعة ،فتجذبه الثمار العجيبة املتدلية من األغصان بقشورها املتناهية الرقة حتى ليخيل للرائي أنها أشربة بلورية شفافة تشير إليه وتغريه بالشراب وهي واقفة بغير أوان. وفي صورة صوتيه لونية رائعة يلتفت إلى أصوات املياه وهي جتري في الغدران وتصطك باحلصى الفضي كأنها صليل احللي في معاصم النساء. وف��ي تلك األج��واء الساحرة تستحضر مخيلة الشاعر املغترب ص��ورة غوطة دمشق في معرض املقارنة ويتخيل لو أنه كان هناك الستضافه كرمي من كرمائها وأذهب جوعه بأكلة عربية خالصة (الثريد املوضوع في اجلفان). وف��ي سياق «االس�ت��رج��اع» تستحضر مخيلة الشاعر املغترب ص��ورة العربي الكرمي الذي يوقد النيران لألضياف بالعود (اليلنجوجي) الذي تفوح رائحته بالند من دخانه ،وهي صورة عطرية شم ّية يستكمل بها لوحة األجواء اخليالية. إن املتنبي وهو يعبر عن إنبهاره بهذا العالم اخلارجي الساحر ال ينفصل عن عامله األصلي ،فيستدعي مفرداته وأجواءه وثقافته .لقد أحس أن هذا العالم اخلارجي برغم جماله وسحره يفتقد ال��روح العربية واألج��واء العربية والكرم العربي ،ولذلك استحضر صورة (غوطة دمشق) كمعادل موضوعي لشعب بوان. لقد اختلطت الصورتان في مخيلة الشاعر الغريب في بالد الفرس وطفت صورة األرض العربية املتجذرة في وجدانه وذاكرته فإذا بها تتبعه وتصحبه حيثما حل: - 136 - ٌ �����ي�����ال ���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ َم ِ ُي َ ج�����ان �����ع�����ن�����ي ِإل����������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ ِ �����ش����� ِّي ُ إن خيال دمشق ومنازل أحبته والطبيعة العربية اخلالبة لم تفارق مخيلة املتنبي، فظلت تصاحبه في نومه وصحوه ،وتتراءى له وهو يتنقل بني املدن الفارسية. إن غناء احلمام العجمي ميتزج بغناء القيان الدمشقية ويتجاوب معها في إشارة للتقارب والتمازج بني احلضارتني العربية والفارسية .وقد جمعت (العجمة) بني احلمام وأهل شعب بوان مع اختالف اجلنس وتباعد املوصوفات. وفي سياق (االستعجام) يستنطق الشاعر املغترب فرسه فينكر عليه أن يكون هذا املكان اجلميل قاعدة للحرب واالقتتال بني البشر ،وتأتي احلكمة البليغة على لسان اجلواد األعجم -في مفارقة بديعة -فيعيب على اإلنسان السير في طريق احلرب وارتكاب املعاصي ،ويرى أن أبناء آدم يصنعون هذا الصنيع اقتداء بأبيهم الذي سن لهم اقتراف الذنوب واملعاصي فأخرج من اجلنة. إنه صوت الشاعر احلكيم يختفي وراء قناع صوت الفرس األعجمي ليعبر عن إدانته لسلوك البشر العدواني ويؤكد رؤيته السمحة وقيمه املثالية في احلب والسالم. لقد أوحى (شعب ب��وان) للمتنبي بهذه الرؤية اإلنسانية احلكيمة ،وأزعجه أن تشوه هذه الطبيعة اجلميلة التي منحها الله لإلنسان باحلرب والعدوان واالقتتال بني البشر. إن رؤية املتنبي للعالم اخلارجي -من خالل شعب بوان -لم تقف عند حدود اإلعجاب بجمال الطبيعة ولكنه نفذ من خاللها إلى تأكيد اعتزازه بالقيم العربية في الكرم والضيافة كما ألهمته بطرح رؤيته اإلنسانية في نشر السالم واحملبة في قلوب البشر جمي ًعا. - 137 - وتكشف القصيدة من ناحية أخ��رى عن ق��درة املتنبي على التصوير البارع واخليال املبدع. ومن األماكن الفارسية التي وصفها املتنبي (دشت األرزن) وهو موضع بأرض فارس بالقرب من شيراز ُّ حتف به اجلبال وفيه غاب ومروج ومياه ،وقد شاهده املتنبي حني خرج إليه في صحبة عضد الدولة للتنزه والصيد ،وكانت الوحوش إذا اعتصمت باجلبال أخذت عليها الرجال املضايقة ،فإذا أثخنتها النشاب هربت من رءوس اجلبال إلى الدشت فتسقط بني يديه ،فأقام بذلك املكان أيا ًما على عني ماء حسنة ،ووصف أبو الطيب احلال وأنشده قصيدته في رجب سنة354هـ ،وهي السنة التي قتل فيها، ((( واستهل قصيدته بقوله: م�������ا َأج����������������� َد َر ا َأل ّي�������������������ا َم َوال����� َل�����ي�����ال�����ي َ َ��������ق��������ول م�������ا َل������������ ُه َوم������������ا ل���ي ِب�������������� َأن ت ويصف املتنبي «دشت األرزن» داع ًيا له بالسقيا ويصوره وهو محاط باملروج والقيم الواسعة وقد جتمعت فيه الوحوش وأن��واع الصيد من احليوان وجت��اور فيه األس��د واخلنزير ،واجتمعت فيه األض ��داد ،فمنها املفترس كاألسد وغير املفترس كالظباء واألرانب وقد جاءه عضد الدولة باألفيال ليكتمل شمل احليوان وقد صيدت ((( األيائل وقيدت باحلبال ،يقول املتنبي في قصيدته التي نحا فيها منحى األرجوزة: �������ف�������وس َع����������������� َد ُد اآلج������������الِ ِإنَّ ال������� ُّن َ ِ ُّ ال������ط������والِ ش�������ت ا َألر ُز ِن َس����ق���� ًي����ا ِل������� َد ����ح َوا َألغ�������ي�������الِ ������م َب����ي��� َ ن ال������ـ ُ ������روج ال����ف����ي ِ ِ ����������ج����������او ِر ِ �������ن�������زي�������ر ِل�����ل����� ِّرئ�����ب�����الِ اخل ُم ِ ِ دان��������ي َ ����ن����ان����ي����ص ِم��������نَ ا َألش������ب������الِ اخل ِ َ ال�������غ�������زالِ َ�������ر ِف ال������������� ُّد ِّب َع�����ل�����ى ُم�������ش�������ت ِ �����ع ا َألض�����������������دادِ َوا َألش���������ك���������الِ ُم�����ج����� َت�����مِ ِ ((( ديوانه .35-27 :4 ((( نفسه .32-31 :4 - 138 - كَ������������ َأنَّ َف����� ّن ُ �����ر ذا ا ِإلف���������ض���������الِ �����اخ�����س َ ((( َ ����������������و َز ال������كَ������م������الِ خ�����������اف َع����� َل�����ي�����ه�����ا َع َ َف������ج������اءه������ا ِب������ال������ف������ي������لِ َوال�������� َف��������يّ��������الِ �����������������ل ف�������ي ِ َف ِ ُ احل�������ب�������الِ ��������ق�������� ْي�������� َد ِت ا ُأل َّي ه���������وق َ اخل�����ي�����لِ َوال�������� ِّرج��������الِ ��������وع ُو َط ِ َ ((( ومن املدن الفارسية التي ذكرها املتنبي مدينة (نوبنذجان) وعبر عن إعجابه بها فقال: ((( ٌ �����ي�����ال ���������ن���������از ُل َل��������م َي������������زَل ِم����ن����ه����ا َخ َم ِ ُي َ ج�����ان �����ع�����ن�����ي ِإل����������ى ال����� ِّن�����و َب�����ن����� َذ ِ �����ش����� ِّي ُ حضور األماكن الرومية: لألماكن الرومية حضور كبير في شعر املتنبي يتضاءل أمامه حضور الفارسية حيث ارتبطت هذه األماكن بالصراع بني العرب والروم واقترنت باحلروب والغزوات التي خاضها جيش سيف الدولة احلمداني وصحبه املتنبي في كثير منها ،وقد تنوعت هذه األماكن بني املدن واجلبال واحلصون والقالع والثغور واألنهار. املدن: فمن املدن الرومية التي ذكرها املتنبي في شعره مدينة (أنطاكية) وهي مدينة عظيمة ذات سور كبير كان يحرسه أربعة آالف حارس ويحيط بها ثالثمائة وستون برجا ،وكان اجلند ينفذون من القسطنطينية حلراستها((( ،وقد شاهدها املتنبي خالل ً ((( غزوات سيف الدولة ووصف تساقط الثلج على أرضها وتعذر املرعى على املهر فقال: ((( َفنّاخُ سر :اسم عضد الدولة. ((( الوهوق :احلبال . ((( ديوانه .388 :4 ((( معجم البلدان .267-266 :1 ((( ديوانه .92 :3 - 139 - ِ �����روج ُ �����ض�����ر َو َ �������ق احل اخل �����ل�����م م�����ا ِل ِ �������دائ ِ ُ ِ ِ �����ق ال�����ع َ�������ث�������ر َة َي����ش����ك����و َخ��ل��اه�����ا ك �����وائ ِ َ َ َ����ال����ـ����م ِ ����ق �����ج ك ����راف ِ ُ َأق������������ا َم ف���ي���ه���ا ال����� َث�����ل ُ ِ َي����ع ِ �����س�����نِّ ري َ َ ���ق �������ق ����ق���� ُد َف ال���ب���اص ِ ��������وق ال ِّ �������ف�������ار ِق ُث���������� َّم َم�����ض�����ى ال ع����������ا َد ِم��������ن ُم ِ ِ ِ ِ �������ق�������ائ ٍ ��������ق ������������������ه َو وب ِب س��������ائ ِ �������د ِم���������ن َذ ِ ُّ ��������ق كَ�������� َأنمَّ��������ا ال�������ط�������خ�������رو ُر ب�����اغ�����ي ِآب ِ ����ر ِ َي������أك ُ ُ������ل ِم������ن َن�����ب ٍ ����������ق �����ت َق����ص����ي ِ الص ِ ((( ويشير في قصيدة أخرى إلى إقامته بأنطاكية واضطراره إلى مفارقتها إلى حلب طل ًبا للعطاء ،فيقول: ((( �����م�����ت ِب���� ِإن����ط ِ ����ت ���م���ا َأ َق َ ����اك���� َّي���� َة ِاخ����تَ���� َل���� َف ْ ل���ـ ّ َ �����ر ال����� ُّرك�����ب�����انُ ف����ي َح��� َل���ب���ا ���������ي ِب �����اخل����� َب ِ ِإ َل َّ َف ِ �����و َك ال َأل�������وي َع���ل���ى َأ َح ٍ ������د �����س ُ �����رت َن�����ح َ �����������ث ِ ُّ ����ق����ر َوا َأل َدب������������ا َ������ي ال���� َف َأ ُح َ راح������ َل������ت َّ وذكر املتنبي مدينة (سمندو) وهي في وسط بالد الروم وقد غزاها سيف الدولة وهرب منها ال ُّدمستق فقال: ((( َرض����ي����ن����ا َوال������ ُّد ُم������س������ ُت ُ راض ������ق َغ�����ي����� ُر ٍ ِ �����ج مِ������ا َح�����كَ����� َم ال����� َق ب �����ب َوال َ �����وش�����ي ُ �����واض ُ ِ ����م����ن����دو َف���������� ِإن ُي �������ق�������د ْم َف����� َق�����د ُزرن����������ا َس َ ������م ِ َ ���ل���ي���ج اخل ������وع������ ُد ُه َو ِإن ُي ِ ُ ����ح����ج���� ْم َف َ ((( الطخرور :اسم املهر. ((( ديوانه .248 :1 ((( معجم البلدان .253 :3 - 140 - وأشار املتنبي إلى مدينة (صارخة) الرومية التي غزاها سيف الدولة وأقام بها صالة اجلمعة فقال: ((( ���ار َخ ٍ���ة ���رج َم��ن��ص��و ًب��ا ِب���ص ِ ���م ُ ��ى َل���� ُه ال���ـ َ ُم��خ��ل ً ���اب��� ُر َم����ش����ه����و ًدا ِب���ه���ا ُ ����ع ���م���ن ِ ����م ُ اجل َ َل������ ُه ال���ـ َ وذكر املتنبي (ملطية) وهي بلدة من بالد الروم غزاها سيف الدولة ،وفيها يقول املتنبي: ((( ِ م���������اء َم��� َل ْ ���ط��� َي ٍ���ة ������م������ َّر ْت ف����ي ِد َوكَ������������ َّر ْت َف َ ����ن َث������ ُك ُ َم������ َل ْ ������ول ������ط������ َي������ ُة ُأ ٌّم ِل����ل���� َب����ن����ي����ـ ِ وأشار املتنبي إلى (ال ّلقان) وهي بلد من بالد الروم فقال: ((( �����ان َو ِ واس ٍ ����������ط ���ي���ن ال����� ُّل�����ق ِ ُي����غ����ي���� ُر ِب����ه����ا َب َ َو ُي ِ ِ ������ق ن ال������� ُف ������رك������ ُزه������ا َب����ي��� َ �������رات َو ِج������ ِّل ِ الثغور: مسرحا للغزوات واملعارك، أكثر املتنبي من ذكر (الثغور) الرومية التي كانت ً ومنها (عرقة) و(موزار) وقد جمعهما املتنبي في وصف معركة ظافرة فقال: ((( ���س���ب���اي���ا َي���ن���ت ِ ���ع���ر َق ٍ���ة َ���ح َ �ب�ن ِب َ َو َأم�����س�����ى ال َّ ������ي������وب ال������� َّث ِ ِ ُ ي���������ول ���ل���ات ُذ �������اك كَ������������ َأنَّ ُج َ �������������وزار ُق���� َّف اً َوع������������ا َدت َف َ ��ًل� ب ����ظ���� ّن����وه����ا مِ َ َ ُ َ ����ف����ول خ�������ول ُق ������ي������س َل����ه����ا ِإلاّ ال������� ُد َو َل َ ((( املصدر نفسه .388 :3 ((( ديوانه .224 :3 ((( ديوانه .54 :3 ((( نفسه .223 :3 - 141 - وذكر (هنريط) و(سمنني) فقال : ((( ���م���ن�ي�ن ِل��ل ُّ َوف�����ي َب���ط���نِ ِه���ن���ري ٍ ��ظ��ب��ى ���ط َو ِس َ ُ ����دي����ل م��������ن َأ َب�������������دنَ َب َو ُ ص����������� َّم ال���� َق����ن����ا مِ َّ وأشار إلى (هنريط) و(اللقان) في موضع آخر وأضاف إليهما (آمد) فقال: ���ه���م ���ص���ف���نَ ِب���هِ ���م َي������و َم ال��� ُّل ِ ���ق���ان َو ُس���ق��� َن ُ َع َ ���ي ِ ��ن��ري��ط َح���تّ���ى ِاب���� َي َّ َ آم���� ُد ِب��هِ ����ض ِب���ال َّ ���س��� ْب ِ وذكر (سميساط) فقال: ((( ���م���ي���س َ ال��ـ��م�لا ��م��ط��ام��ي�� ُر َو َ ���اط ال��ـ َ َودونَ ُس َ َو َأ ِ ُ �������ج�������ول ود َي������������������������ ٌة َم�����ج�����ه�����و َل����� ٌة َوهُ ومن القرى التي ذكرها املتنبي (كلواذي) وهي قرية قرب مدينة السالم ،وفيها يقول: ����ور َو َن����ش����ؤه ����ب ا ِإل م�����������ار َة ف����ي ال���� ُّث����غ ِ َط���� َل َ َ ن كَ������رخ������اي������ا ِإل����������ى كَ������ل������واذا م������ا َب�����ي���� َ احلصون والقالع والتالل: ومن احلصون الرومية التي ذكرها املتنبي حصن (الران) وفيه يقول: ن ِب ِ َو ِب��ت� َ ��ح��ص��نِ ال����� َّرانِ َرزح����ى ِم���نَ ال َ��وج��ى ُ ((( ُّ �������زي�������ز ِل���ل�� َ م������ي������ر َذل��������ي��������ل أ �������������ل َع َو ُك ِ ٍ ومن القالع املشهورة التي ذكرها قلعة (احلدث) وهي قلعة حصينة بني ملطية وسميساط أخذها سيف الدولة من الروم سنة 443هـ ،وفيها يقول املتنبي: احل�������� َد ُث َ َ هَ �����لِ ����ر ُف َل��و َن��ه��ا احل�����م�����را ُء تَ����ع ِ ِ ال����س ِ َ ���م���ائ��� ُم ال���غ ��ي�ن َوتَ�����ع����� َل����� ُم َأ ُّي ����اق���� َي ِ َّ ((( نفسه 224 :3 ((( نفسه 224 :3 ((( ديوانه .224 :3 - 142 - وذكر املتنبي حصن (مرعش) وهو من أعمال ملطية فقال: ((( ���رع ً ���ش���ا َي���س���تَ���ق ِ���ر ُب ال��� ُب���ع��� َد ُم��ق ِ��ب�ًلً َأت����ى َم َ ���ل���ت َي���س���تَ���ب ِ ���ع��� ُد ال�� ُق��رب��ا ����������ر ِإذ َأق��� َب َ َو َأد َب َ وذكر (خرشنة) فقال: رب���������اض َخ َ ���رش��� َن ٍ���ة َح����تّ����ى َأق��������ا َم َع���ل���ى َأ ِ تَ��ش��ق��ى ِب ِ ���ع ���ص���ل���ب���انُ َوال ِ���ب��� َي ُ ����ه ال������رو ُم َوال ُّ وأشار إلى (تل بطريق) فقال: ((( ����رور س ِ كَ�����ت ِّ ���اك��� ُن���ه���ا ����م����غ ِ ����ق ال����ـ َ َ�����ل ِب����ط����ري ٍ دار َك ِق����� َّن�����س�����ري�����نُ َوا َأل َج�������������� ُم ِب������������ َأنَّ َ ومن اجلبال التي ت��رددت في شعر املتنبي جبل (األح�ي��دب) القريب من ثغور الروم ،ويشير إلى انتثار هامات قتلى الروم وأشالئهم فوقه ،فيقول: ِ َ �����ر ًة ���������وق ا ُأل َح َ�����ه����� ُم َف َن����� َث�����رت ُ ��������ي��������د ِب َن����� ْث َ كَ���م���ا ُن ِ �����روس ال����� َد ِ ����رت َف َ راه����� ُم �����ع ِ ������وق ال َ ����ث َ وأشار إلى جبل (اللكام) املشرف على (أنطاكية) فقال: ِب����ه����ا َ �����ر اجل������� َب ِ �����ر َو َف�����خ ٍ ص�����خ ٍ ���ل���ان ِم������ن َ ����م����غ����ي ُ ����ث َوذا ال���� ِّل����ك����ا ُم َأن������اف������ا ذا ال����ـ ُ األنهار: ومن األنهار الرومية التي ترددت في شعر املتنبي نهر (آلس) وهو -كما ذكر ي��اق��وت((( -نهر سلوقية القريب من البحر ،وم��ن طرسوس ،وعليه ك��ان الفداء بني املسلمني والروم ،وذكره املتنبي فقال: ((( ديوانه .188 :1 ((( نفسه .132 :4 ((( معجم البلدان 55 :1 - 143 - تَ�������ذري ال���� ُّل����ق����انُ ُغ�����ب�����ا ًرا ف����ي َم���ن ِ ���اخ ِ���ره���ا �������ر ُع َوف�������ي َح ����ن����اج ِ ِ ����ره����ا ِم������ن آ ِل ٍ ���������س ُج َ وتردد اسم نهر (أرسناس) الواقع في بالد الروم ،ويوصف ببرودة مائه ،وقد عبره سيف الدولة ليغزو((( .وفي ذلك قال املتنبي: ب�����ار ٍد ���م���دى ِم����ن ِ ���م���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ َي���ق ُ �����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ ����ان َ����اخل����ص����ي ِ ���ح���ا �����اس َس ِ ���واب ً رس�����ن َ َح����تّ����ى َع����� َب�����رنَ ِب����� َأ َ ِ ِ ُ �����ان ف����ي����ه َع َي �����م�����ائ����� َم ال����� ُف�����رس ِ �����ن�����ش�����رنَ ب�����ار ٍد ���م���دى ِم����ن ِ ���م���ص���نَ ف���ي ِم���ث���لِ ال���ـ ُ َي���ق ُ �����ول َوهُ ����������نَّ ك ِ َي���������� َذ ُر ال����� ُف�����ح َ ����ان َ����اخل����ص����ي ِ وأشار إلى نهر (جيحان) ومخرجه من بالد الروم ويصب في بحر الشام((( فقال مخاط ًبا سيف الدولة: رض ِ آم ٍ ����د ي����ت ِإل�����ى َج���ي���ح���انَ ِم����ن َأ ِ ����ر َ َس َ ٌ َ ب�����ع�����دا دن����������اك َر َث��ل��ا ًث�����ا َل���� َق����د َأ ك��������ض َو َأ َ وتردد اسم نهر (سيحان) وهو نهر بالثغر من نواحي املصيصة يصب في بحر الروم((( وفيه يقول املتنبي : َوات م�����ا ُت ِ َأخ��������و َغ��������������ز ٍ ������ب ُس����ي����و ُف���� ُه ������غ ُّ �������ه������� ُم ِإلاّ َو َس������ي������ح������انُ ج ِ �����ام����� ُد ِرق�������ا َب ُ ((( املصدر نفسه .151 :1 ((( املصدر نفسه .196 :2 ((( معجم البلدان .293 :3 - 144 - وأشار إلى نهر (قباقب) وهو قرب ملطية((( فقال: ض�����ع�����ف�����نَ م����ا كُ���� ِّل����ف���� َن���� ُه ِم������ن ُق ِ ���ب َو َأ َ ���ب���اق ٍ ِ ف����ي����ه َع���ل���ي ُ ���ل َف����� َأض�����ح�����ى كَ����������� َأنَّ امل����������ا َء وعلى ه��ذا النحو ك��ان للروم حضور كثيف في شعر املتنبي ،فاستحضرهم ً وقالعا وثغو ًرا وجيوشا وجنو ًدا وسبايا وسفراء ورهبانًا وبطارق ومدنًا ملو ًكا وقوا ًدا ً وجسد صراع العرب والروم في أدق تفاصيله وصوره ،ونظم قصائد رائعة وأنها ًرا، َّ تتغنى بانتصار العرب وهزائم الروم. XXXX ((( املصدر نفسه .303 : 4 - 145 - صورة املمالك املسيحية في الشعر األندلسي احتدم الصراع في األندلس بني املسلمني واملمالك النصرانية التي كانت متتد على احلدود الشمالية وأهمها: •مملكة جليقية :وتقع في الشمال الغربي وتسمى ً أيضا (مملكة ليون) •مملكة نافار :وتقع شرقي مملكة ليون وسكانها في البشكونس. •مملكة قشتالة :وتعرف بـ(القالع) وكانت من أكبر املمالك. •مملكة برشلونة :وتقع شرقي األندلس. وكان لألندلس ثالثة ثغور تقع في مواجهة املمالك النصرانية ومتثل خط الدفاع مسرحا للجهاد واملعارك ،وهذه الثغور هي: أو الهجوم األول وكانت ً •الثغر األع��ل��ى :ويقع على احل��دود الشمالية الشرقية وقاعدته مدينة (سرقسطة) وكانت تواجه إقليم أرغون ومملكة نافار وبرشلونة. •الثغر األوس��ط :ويقع على احل��دود الوسطى ،وقاعدته مدينة (طليطلة) ويواجه مملكتي ليون وقشتالة. •الثغر األدنى :ويقع على احلدود الغربية وقاعدته مدينة (بطليوس). وقد أطلق العرب مسميات عدة على سكان املمالك النصرانية ،منها :الروم والفرجنة والنصارى واملجوس والنورمان .وتبرز صورة الروم بوصفهم أعداء ميثلون - 146 - خط ًرا على اإلسالم ،ويصور الشعر األندلسي ما دار من غزوات ومعارك وحروب، ويعنى بتسجيل الوقائع التاريخية واألماكن اجلغرافية والسفارات املتبادلة ،ويحتفي برسم مشاهد مللوك الروم وقوادهم حني ينهزمون أو يقعون في األسر ،ونرى صو ًرا من هذا الصراع منذ عصر اإلمارة حني دارت موقعة بني العرب والروم في وادي سليط في اجلنوب الغربي من طليطلة سنة 240هـ ،وقد وصف عباس بن فرناس هزمية الروم في تلك املعركة ووصفهم بـ «العصبة الغلف» ووصمهم باجلنب وشبههم باجلعالن املتحلقة حول البعر وذكر اسم قائدهم (ابن بلوش) وتغنى بهزمية الروم وكثرة قتالهم فقال(((: ��ًل� وادي َس����ل����ي ِ َب����ك����ى ج����ب اً �����وال ����ط َف ْ �����أع َ ��ص�� َب ِ��ة ال ُ��غ�� ْل ِ ��ف ع��ل��ى ال�� َّن��ف��ر ال ُ ���ع��� ْب���دانِ وال��ع ْ ص���ري ُ ���خ َ ���ن ف��اج��ت��م��ع��وا ل�� ُه احل��� ْي���ـ ِ دع���اه��� ْم َ ��ع ِ��ر ف���ي ُق ِّ اج��ت��م��ع ُ ���ف ك��م��ا اجل����ع��ل�انُ ل��ل�� َب ْ َ �����وش مل���وس���ى وق�����د َدن����ا ي���ق���ول اب������نُ ب����� ّل ٍ وت��ت��ي ِ أرى ال��ـ َ��م��وت ُق�� ّدام��ي حَ ْ وم���ن َخ ْلفي ق����تَ����ل����ن����اهُ ���� ُم أل������ ًف������ا وأ ْل������� ًف�������ا وم���ث��� َل���ه���ا ٍ أل��������ف إل������ى أل���ف وأل������ ًف������ا وأل������ ًف������ا ب���ع���د ��ج ِ��ه ��س��تَ�� َل ِّ ِس����وى َم���ن َط������وا ُه ال��ن��ه�� ُر ف���ي ُم ْ َف ْ �����رف ������أغ ِ ������ر َق ف���ي���ه أو َت������دهْ ������ َد َه ِم�����ن ُج ْ �����ور َن�����ا ل����ق����د َن ����ع����م����ت ف����ي����ه غ����������زا ُة ُن�����س ِ ْ ���م���ع ِ ���ت ال����ذؤب����انَ ق��ص�� ًف��ا ع��ل��ى قصف وس ّ وملؤمن بن سعيد قصيدة في وصف املعركة ذاتها يصف فيها ما َّ حل بطليطلة على يد اجليش العربي من وحشة وحزن ويصف أهلها بالفسق فيقول(((: ((( املقتبس ،حتقيق د .محمود مكي ،ص .301-298 ((( الذخيرة .621 :2/2 - 147 - �����اق م���ق���ف���ر ًة ْ �����س ِ أض����ح����ت ط���ل���ي���ط���ل��� ُة ال����� ُف َّ ���ل���ت م���ن أه��� ِل���ه���ا ال������ ُّدو ُر م���ح���زون��� ًة ق���د َخ ْ أق�����������دت ب������أس َ ������ك م������ن ف���ي���ه���ا ف����ق����ادهُ ���� ُم َ ِ ن وتَ�����غ�����ري����� ُر إل��������ى م�����ص�����ارع�����ه����� ْم َح�����ي���� ٌ وتقترن ص��ورة ال��روم في الشعر األندلسي باجلنب والعار واملهانة والتنبؤ باندحارهم ،ويفنت ال�ش�ع��راء ف��ي رس��م ص��ور س��اخ��رة م��زري��ة لهم كقول اب��ن بقي القرطبي(((: ���ت ن��ع��ام��تُ��كُ �� ْم ي���ا م��ع��ش َ��ر ال �������روم ق���د ش���ال ْ ِ ُ ���ب��ن أو م���ن ش������ َّد ِة ال��ف��ش��لِ إم�����ا ِم�����نَ اجل ِ ّ ل���م َي���ك ِ اخل�����زي أس��ب ُ��غ��ه��ا ْ���س���كُ��� ْم م���ن ث��ي��اب ِ ������در ب���ال���ك���ف���ل إال ا ِّت�������ق�������اؤك�������م ل������ل������ص ِ أم����ك���� ُم ي�����ا وي����ل����كُ���� ْم م����ع����ش���� ًرا ب�����ل وي������ل ّ ف����إن����ه����ا و َل���������������� َد ْت ل����ل���� ُّث����ك����لِ وال����ه����ب����ل َ ومن هذه النماذج التي تصور جنب قيصر ملك الروم وجنوحه إلى السلم هر ًبا من بأس املسلمني قول ابن حربون(((: ������ر ف��������ي ُم������ ْل������ك ِ ������ه أ َل���������������� ْم ت�����������ر ق������ي������ص َ َ �����ل�����م م������ن ب ِ ي����ه����رب �����أس�����ك�����م ال�����س إل��������ى ُ َّ ِ ول������ـ������م������ا تَ�������� َن�������� ْل�������� ُه س�����������وى َع ّ �������ض ٍ �������ة ّ ِ أك��������ت��������اف��������ه ِم ْ �������ب ل������ه������ا ب����ي����ن �������خ������� َل ُ صورة اآلخر في شعر ابن دراج: يع ُّد اب��ن دراج القسطلي (421-347ه� �ـ) من أب��رز الشعراء الذين احتفوا بوصف اآلخر في شعرهم ولعله ينافس املتنبي في هذا املجال ،بل لعله الوجه املقابل ((( املن باإلمامة262-261 : ((( أدب السياسة واحلرب في األندلس .297 : - 148 - له في الغرب ،فقصائده في هذا السياق «تضاهي سيفيات املتنبي التي تغنى فيها بالبطولة اإلسالمية التي أبداها سيف الدولة احلمداني في مواجهة الزحف الرومي على الثغور اإلسالمية هناك ،بل هما يتكامالن ،ألن أحدهما يواكب الصراع اإلسالمي النصراني في اجلناح الغربي من العالم اإلسالمي ،واآلخر يواكب الصراع اإلسالمي الرومي في الشرق اإلسالمي في فترات متزامنة تقري ًبا(((». وقد عاصر ابن دراج املنصور بن أبي عامر في عهد احلجابة الذي اضطلع بدور عظيم في الدفاع عن الثغور اإلسالمية «مما جعل حياة هذا القائد العظيم جها ًدا متواصلاً ،حتى إن املؤرخني يق ّدرون غزواته إلى املمالك املسيحية باثنتني وخمسني غزوة». وكان ابن دراج يرافق املنصور في بعض غزواته ،فكان املنصور أشبه بسيف الدولة ،وابن دراج أشبه باملتنبي ،ولذلك لقب بـ «متنبي الغرب». وقد صنع ابن دراج في شعره صنيع املتنبي ،فسجل الوقائع التاريخية والغزوات واألم��اك��ن التي دارت حولها امل�ع��ارك ،ووص��ف ال��روم وق��واده��م وملوكهم وجنودهم والسفارات املتبادلة وغير ذلك ،فمن ذلك وصفه الغزوة التي وجهها املنصور في سنة 384هـ إلى قشتالة التي كان يحكمها آنذاك غرسية بن فرذلند وفيها فتحت قلعة ُقلنية Culniaوكانت من املعاقل املنيعة في قشتالة ،وأشار ابن دراج إلى شهوده تلك الغزوة فقال: ��������������ر ْأ ِي َع���� ْي ِ ����ن����ي م���ن���ه ي�������و َم ُق��� ُل��� ْن��� َي ٍ���ة وب ِ َ ٌ �����اب ش��������ه��������اب م�����ن�����ه خ��������اط��������ف ل�����ش�����ه ِ ٌ ���ن���ي ِب ِ ال���ـ���م��� ْف ِ س����ي ُ ����ه ����ف اإلل�������ه وح������ز ُب������ ُه ُ ال������ض���ل��الِ ِ َّ ح����������زاب �������ر َق������� َة ا َأل �����ع ِ ِش����� َي َ وف ْ ((( ديوان ابن دراج ،املقدمة .32 : - 149 - ويصف ابن دراج هزمية الروم حيث استطاعت كتائب املنصور أن متحو رسوم الكفر وأن جتعل أرضهم قف ًرا ،فيقول(((: ِب����كَ����ت ِ ����ه����ا ُس���� ُب ُ ����ه���� َدى ����ل ال ُ ����ب َع�������� َّز ْت ِب َ َ����ائ ٍ َ����اب �����ح ْ ����و ِك����ت ِ ����ح َ َ وم َ �����ت ُر ُس���������و َم ال���ك���ف ِ���ر َم ْ غ�������������ا َد ْرنَ َأ ْر َ ��������ه�������� ُم كَ����������� َأنَّ ف���ض���اءهَ ���ا ض ُ ُ �����اب ������ه َأ ������ر َأ ْو ُس ُ ������وب َي����� َب ِ غ������������وال َق������ ْف ٍ ُ ت��������ت ُّ ٍ حَ ْ ه�����داي�����ة ب����غ����ي����ر َ��������ث س�����ا ِل�����كَ�����ه�����ا ِ ������ب س����ائ���� َل����ه����ا َ اب ب����غ ِ �����������و ِ ����ي����ر َج َ وجت������ي ُ وميثل شعر ابن دراج قيمة تاريخية كبرى في حتديد املواضع التي دارت فيها املعارك بني املسلمني والقشتاليني في عهد املنصور بن أبي عامر ،ففي قصيدة أخرى يذكر عدة مواضع مثل «بربديل» وهو حصن كان في قشتالة((( فيقول(((: ال م����� ْث َ ����و ْي����تَ����ه����ا ������ر َب������ ِّدي������ل ي�������وم َح َ �����ل َب ْ َف ْ �����ان و َأ جْ َ �����خ����� ًرا َأ ن��������� َدا غ��������ار َع���� َل����ى ال�����زم ِ َ ص�����ار ًم�����ا ����ي����ه����ا ���ل���إ ِ َج�������������� َّر ْد َت ل ِ س���ل���ام ِف َ ِ ����������ر َب ال ُّ ��������و ْدتَ�������� ُه َ �����و َدا َ�����ع َّ َع َّ ����ط����ل����ى َف�����ت َ ض ْ ويذكر في القصيدة ذاتها قلعة (شنت إشتينب San Estebandes Gornaz التي فتحها املنصور في قشتالة فيقول(((: اش ِ �����ت ْ ���ت���ي���ب��� ًن���ا وك����� َأنمَّ�����ا وت�����رك�����ت َش����� ْن َ َ َح َّ ����ت س���ي���و ُف َ ����ر َق���� َدا ����ط ْ ���ك م���ن ِع����داه����ا ال���� َف ْ ((( ديوان ابن دراج ،حتقيق د .محمود على مكي.91 : ((( كان يعرف هذا احلصن باسم Barba dilloويعرف اآلن باسم ( Barbadillo Del Mercadoديوان ابن دراج ص 600هامش. )1 ((( ديوان ابن دراج.600 : ((( ديوان ابن دراج .602 : - 150 - ������ر َت ُم����� َّدتَ�����ه�����ا ب����وق����ف ِ س����اع ٍ ����ة ����ة َ َف������ َق َ ������ص ْ َ ������ت َل َ اجل���ل���ي���ل ُم���خ��� َّل���دا ال���ف���خ���ر �������ك َأ ْب������ َق ْ َ ويسجل ابن دراج غزوات املنصور إلى مملكته (ليون) التي كان يحكمها آنذاك (برمند الثاني) فيقول(((: ن ك���ت ِ َأ َ وط�������������� ْأ َت َأ َ ���ائ��� ًب���ا رض امل����ش����رك��ي� َ ����ه����ا َوش������ي ُ ������ك َف����ن����ائ����ه����ا و َد َم�������ا ُره�������ا ِف����ي َ ����ت َأ َ �������ي كَ��� َأ َّن���ه���ا وت����رك َ رض « ِل����� ُي�����ونَ » َوهْ َ َل������ ْم ت ْ ال���ق���ري���ب ِدي����ا ُره����ا �����س َ����غ����نَ ب�����ا َألم ِ ِ ويفهم من قصيدة ابن دراج أن الغزوة التي توجهت إلى بالد (ليون) كانت في فصل (الشتاء) فيشير إلى تغطية جبالها بالثلوج وجت ُّمد أنهارها وقسوة طبيعتها مما يضفي على الفتح أهمية ويجسد حسن بالء املقاتلني ،ويشير إلى عبور اجليش خليج (دوير) فيقول(((: ���ت ����اب ا َألم��������نِ ح َ ���ع ْ ����س ْ َل ِ ��ي��ن مَتَ��� َّن َ ����ت ث����ي َ ����ب َ وت��������ب��������اع�������� َد ْت َأق������ط������ا ُره������ا آف������ا ُق������ه������ا َ ����ت ُح���� َل َ ����وج ِج��ب��ا ُل��ه��ا وت����س����ر َب���� َل ْ ����ل ال���� ُّث���� ُل ِ �����ت َم������� َّد َ احل����ي����ا َأن����ه����ا ُره����ا �����ر َغ ْ ْ واس�����تَ����� ْف َ ُ ُ ب�������ط�������ال جت����ه���� ُد َخ��� ْل��� َف���ه���ا واخل�����ي�����ل وا َأل َألاّ َي ِ �����ش َّ �����ط َع����� َل�����ى اخل����ل����ي����لِ َم�����زا ُره�����ا ��ج « ُدو ْي����������� ُر»((( كَ�� َأ َّن��ه��ا ����رنَ خ��ل��ي َ َح���تَّ���ى َع���� َب ْ ِ ب����احل����ت����وف ِب����ح����ا ُره����ا ُس����� ُف�����نٌ ت�����رام�����ى ((( نفسه .550 : ((( نفسه.552-551 : ((( نفسه.552 : - 151 - ويردد ابن دراج اسم (لونة) Lunaوهي قلعة منيعة في مقاطعة (ليون) غزاها عبد امللك املظفر بن املنصور بن أبي عامر سنة 395هـ فيقول(((: �������ذي َأ ْو َر ْد َت « ُل�����و َن����� َة» ق ِ و َأن������ت ا َّل ِ ���اه��� ًرا ���ح���و ُره���ا خ����ي����ولاً ،س���م���ا ُء ا َأل ْر ِ ض ف��ي��ه ُن ُ وق������د الح ب���ال���ن���ص���ر ال����ع����زي����ز ل����واؤه����ا ن َب ِ ����ش����ي���� ُرهَ ����ا ���ح امل�����ب��ي�� ِ و َأ ْع������� َل�������نَ ب���ال���ف���ت ِ ويذكر (لونة) في قصيدة أخرى فيقول(((: َ ����رتَ���� ُه م���ث���ل وال ي������وم ن���ح���و « ُل������و َن������ َة» ِس ْ ٍ ���ار َغ��� َي ِ ���اه��� ُب��� ْه ����س ال���ن���ه ِ ���ع ْ وق����د َق��� َّن َ ���ت َش���� ْم َ ���ار ًق���ا ������ار ِ ���ع َب ِ ���ه���ا ِف����ي ع ِ ����ع َ ����ت َل َ َر َف ْ ض ال��� َّن��� ْق ِ ت ِ ����ح ِ ����ائ���� ُب���� ْه َ�����س ُّ ����ب امل����ن����اي����ا َس َ �����ح ش����آب����ي َ Santiago de وم��ن امل��واض��ع اإلسبانية ال�ت��ي ذك��ره��ا اب��ن دراج (شنتياقب) Compostelaوقد غزاها املنصور بن أبي عامر في حملة إلى جليقية Galiciaفي أقصى الشمال الغربي من أسبانيا ويسجل فيها أسماء املواضع التي اجتازتها احلملة مثل (مليق) و(كرنة) و(بوغة) فيقول في معرض اإلشادة باملنصور وابنيه عبد امللك وعبد الرحمن حلسن بالئهم في تلك الغزوة(((: �����اس�����تَ�����ب�����اح�����ا َ وراح�����������������ا ب�����امل�����ن�����اي�����ا ف ْ ُ ((( ���������ار « َل ِ �����ن �����ـ�����م �����ع����� ِّر َد ْي ِ ����ر ُم َ �����ي�����ق» غ����ي َ دي َ �����ت ُج�����ي ُ ِ َو َق��������� ْد ج َ ��ي��ه��ا �����وش �����اش ْ امل�������وت ِف َ ����ـ����ن ����م���� ْي ِ �������و َل م����ن ت����واف����ي ا َأل ْي َ ب������� َأهْ َ ����ه َ ((( ((( ديوان ابن دراج .97 : ((( نفسه .99 : ((( نفسه .512-511 : ((( مليق :مدينة تقع في البرتغال اآلن شمال غربي لشبونة (د.مكي ،ديوان ابن دراج 511 :هامش .)28 ((( يعني باأليهمني :السيل واحلريق. - 152 - ِ ������ت ����������ج���������� َّر َة ا َأل ف��������ل��������اك َح������ َّف ْ كَ��������������� َأنَّ َم َ ِّ �������ه�������ا م�����ح�����ف�����و َف����� ًة ِب َ ������ر َي���ْي��نْ ِ ب������ال������ش ْ ������ع َ ِّ �������ر ِك م��ن��ه��ا ك�����������اب �����������ت ِر َو َق����������� ْد ُز َّم ْ ُ ال�������ش ْ �������ر َوكَ���������ا َن���������ا احل ِ ���������اد َي����ْي����نْ ِ ِإ َل�����������ى َس������� َق ٍ ِ ب�������ال�������دم�������اء َع������� َل�������ى ُرب������اه������ا ون�������������اءا ي�����ن َن َح������ ًي������ا ل�����ل����� ِّد ِ �����������رز ََم�����ْي�����نِْ ْ �������������و َء ا ِمل ْ ���وا ِل���ي ���س���ـ���ف���ا «كُ�������� ُر َّن�������� َة»((( ب���ال َ ���ع َ َو َق�������� ْد َخ َ ����اد َئ���� ْي����ـ����نِ وع ِ ��������وغ�������� َة»((( ب ِ َ ����ن و « ُب ����ائ���� َد ْي����ـ ِ ويتغنى اب��ن دراج في قصيدة أخ��رى بفتح املنصور مدينة (شنت ياقب) أو شنتياقة وهي العاصمة القدمية ملنطقة جليقية «وكانت هذه املدينة وال تزال من أقدس بقاع املسيحية اإلسبانية واألوربية عامة ،إذ كان إليها حجهم وتعبدهم»((( ،وقد ارتفعت مكانتها في العصور الوسطى بني املسيحيني في غرب أوربا كله حتى أصبحت من أول مراكز احلج بني أمم النصرانية واشتهرت بكنيستها((( وقد غزاها املنصور سنة 387 وشهد ابن دراج الغزوة بنفسه ،ووصفها في قصيدة رائعة قال فيها(((: ���س َع��� َل���ى َع ِ��ق ِ��ب��ـ�� ْه ال���ي���وم َأ ْن�����ك َ َ�����ص ِإب���ل���ـ���ي ٌ ���ب ال���غ���ـ���اوي���نَ م��ـ��ن َس�� َب ِ��ب��ـ�� ْه ُم����� َب����� َّر ًءا َس��� َب���ـ ُ ��ار َح�� ْي��ـ ُ ��ث َن���� َأ ْت ���ع ال��ك�� َّف ِ واس��تَ�� ْي�� َق�� َن ْ ��ت ِش��� َي ُ ْ ��رب َأنَّ ال ِّ ِف��ي ال َّ ��ش َ ��رك م��ن ك َِ��ذ ِب�� ْه ��ش ْ��ر ِق وال��غ ِ ((( لعله يعني (بوغو) وهو اسم نهر صغير وكان من الطرق التي يسلكها النصارى في احلج إلى «شنتياقب» د.مكي ،ديوان ابن دراج 512 :هامش.)2 ((( يرجح د .مكي أن ابن دراج إمنا عني بهذا املوضع» كورونيو »Coronoوهو اسم نهير تقع عليه بلدة صغيرة حتمل نفس االسم وتقع في مقاطعة «الكرونيا» انظر :ديوان ابن دراج 512 :هامش. )1 ((( ديوان ابن دراج ،املقدمة .34 : ((( ديوان ابن دراج( 583 :هامش.)1 ((( ديوان ابن دراج .583 : - 153 - ِب���ـ«ش��� ْن���ـ ِ ����ـ����ت َل���ـ��� ُه ���ت���ـ���ي���ا َق��� َة» مل���ـ���ا َأن َد َل���� ْف َ ��س ِ��ري ِف��ي َس��ن��ا ُش ُ��ه ِ��ب�� ْه بالب ِ يض ك��ال��ب ِ ِ ��در َي ْ س�����ل�����ام ع ِ ���اط��� َف���ـ��� ٌة وح���� ْل���� َب����ـ���� ُة ال����دي����نِ وا ِإل َ ِ ���ك ك���ال��� َف��� َل ِ ���ك اجل������اري َع��� َل���ى ُق ُ َع��� َل��� ْي َ ��ط ِ��ب��ـ�� ْه ����رى دي����نِ ال َّ ���ض�ل�ا َل ِ���ة من ��ص�� ْم َ َح��تَّ��ى َف َ ��ت ُع َ راس����ي ال��ق ِ مم��ن��وع ِ احل��م��ى َأ ِش��ب��ـِ�� ْه ��واع��ـ ِ��د ِ ويصف ابن دراج في قصيدته ما تتمتع به مدينة (شنتياقب) من مكانة دينية في نفوس النصارى ويشير إلى كنيستها املشهورة التي كان يقصدها حجاج النصارى، ويصدر في وصفه عن وجهة النظر اإلسالمية فيقول(((: ��اغ ِ ��ت ُع�� َّب�� ُد ال َّ ��ط ُ اص َ ��وت واع��ت��ق�� َد ْت ��ط�� َف ْ ّ مم��ا ْ ِ َ اآلالف م���ن ِح��� َق ِ���ب��� ْه وش���� َّي���� َد ال��� ُك��� ْف��� ُر ِف����ي ال����س ِ ع����م����و ُد ِش ِ ِ ذوائ������ ُب������ ُه ����ام����ي �����رك�����هِ ����� ُم َّ واحل��� ْب ُ ُ ���ش وا َأل ْف�������رنجْ ُ م��ن ُط�� ُن ِ��ب�� ْه وال������ ُّرو ُم �������ار س ِ �����ائ����� َل����� ًة حَ�������ج������� ُه ِف �������������ر ُق ال�������كُ������� َّف ِ ت ُّ َ ����و َأ ْظ����� َل����� َم ِف����ي ِ َ ���ب��� ْه ���ح ِ ك����اجل ِّ ����ه ُم���ل���تَ���ق���ى ُس ُ رض َح�� ْي ُ ��ث َن�� َأى ��اب ا َأل ِ َ��و َد ٌع ِف��ي ِش��ع ِ ��س��ت ْ ُم ْ ��ج ِ��ب�� ْه ������ج ِ ُش����� ُّم ِ اجل����ب����الِ و ُل ُّ ال��ب��ح��ر م���ن ُح ُ ���ف���ار ِب ِ م���ن كُ ِّ ����ر م���ن َع ِّ ���ه ال���س �����ض ِ ِّ �����ل َأغ���� َب َ وس ِ ��س َ��رى َش ِج ِب ْه ��اه ِ��م ال َ ��و ْج ِ��ه م��ن ُط���ولِ ال ُّ ����ت ِ ����ع ِ ِّ ������ه ٍ ����ه ������د ِإ َل����������ى َأ ِ وك��������ل ُم ْ رك�������������ان ِب����ي َ َم����ا ع���� َّز م���ن ن���ف ِ ���ه���ا وم����ن َن َ ���ش ِ���ب��� ْه ���س ِ���ه ِف���ي َ َق������ ْد ط���امل���ا َأ ْح����� َف ِ ُ م����ل����اك َأ ْر ُج���� َل����ه����ا �����ت ا َأل ���ب��� ْه ِف���ي ِ���ه َو َخ�������� َّر ْت َع��� َل���ى ا َأل ْذق��������انِ م���ن َرهَ ِ ((( ديوان ابن دراج.584 : - 154 - ويصور اب��ن دراج احل��رائ��ق التي أشعلها جيش املنصور في املدينة مبش ًرا بانتصار الهدى على الكفر والضالل ،يقول: ِّ م�������تَ������� ُه ب����ج����ن ِ ���ت ����ود احل�������ق ف���ا ْن��� َق��� َل��� َب ْ َأ مَ ْ ُ ���ب��� ْه ب�����غ����� َّر ِة ال���ف���ت���ح م����ن ت���غ���ي���ي ِ���ر ُم��� ْن��� َق��� َل ِ ِ ���ار َم�����ا َب ِ وس���� ْم����تَ���� ُه ج ِ ���ت ����م����ا ل���ل���ن ِ ���ق��� َي ْ ����اح ً ُ ������ي م���ن َح َ ��ط ِ��ب�� ْه ن��ف��س م���ن ِ ٌ ال��ك��ف��ر ِإلاّ َوهْ َ ��ح َم�� ْن َ ��ظ ِ��ر ِه ��س��نَ م���ر َأى ال ُ ��ه��دى م��ن ُق�� ْب ِ ي��ا ُح ْ ���������ر َد َأك�����ب ِ ���ب��� ْه �����اد ���ه ِ ح������زب ال���ل���ه م����ن َل َ ِ و َب ْ وكان لهذا الفتح صداه الواسع في شعر ابن دراج ،فتغنى به في قصيدة أخرى قال فيها(((: «ش������� ْن ِ َو ِف����������ي َ �������ب» َأ ْو َر ْدتَ���������ه���������ا �������ت ي�������ا ُق َ ش�����������واز َب َي����� ْب ِ ����ر ث�����ارا �����غ َ ��ي��ن ِف������ي ال����ب����ح ِ ِ ِ َ ���ل��ال ��������ر َت ِه������ل�����الاً ُت ��������ب��������اري ال������هِ ِ ف��������س ْ ُ ����ب����ح����ارا �������ح������� ًرا ي�����خ �����وض ال ِ ِإ َل����� ْي�����ه�����ا و َب ْ وش����م����س����ا ت َ ����م ْ ����ن ����ر َب���� ْي����ـ ِ ����غ ِ َ�����ط����� َّل ُ �����ع ب����ال����ـ َ ً ِ ب����ح����ي ُ ��������واف��������ي ُذكَ���������������ا ُء ال ُ �����غ�����ب�����ارا ����ث ُت ������ت ج ِ ���ان���ب���اه���ا ف���م���ا ِر ْم َ �����������ت َح�����تَّ�����ى َع������ َل ْ ال����ـ����م���� َذ ِ ب������ َأي ِ ����اج����ا ُم����ث����ارا ������دي اك����ي َع����ج ً َ ِ ال��������ه��������واء ال����� ِّري�����ا ������ه������ا ِف��������ي ُ ������ب ِب َ ت������ه ُّ ُح ِإ َّم�������������ا ُدخ���������ا ًن���������ا و ِإم�������������ا ُغ������ب������ارا ����س����ت ِ ����ره����ا َ����ط ْ ����ع «ي�������ا ُق ٌ �������ب» َن ْ َو َل���������� ْم َي ْ ����ص َ ������ف ع����ن���� ُه ا ْن ِ ������س َ ����������ع َ ����ت����ص����ارا وال َد َف َ اخل ْ ((( ديوان ابن دراج .607 : - 155 - َل ِ �����������و َر ْت ِف�����ي َش�����غ ِ ّ ال���ش���م���الِ �����اف �����ئ�����نْ َغ َّ ل���ق���د َأ جْ َ ْ�����ح ِم���� ْن����ه����ا َ وغ��������ارا ن������������ َد ال����� َف�����ت ُ ويذكر ابن دراج في قصيدته موض ًعا آخر هو حصن (لنيوش) الذي افتتحه املنصور وكان حصنًا استراتيج ًّيا مه ًّما ويقع اآلن في حدود البرتغال ،ويشير ابن دراج إلى حتطيم هذا احلصن فيقول(((: ُ ������وش» َأ ْم َ �����رتَ�����ه�����ا ص���ائ���ب ٍ ���ات و« َل������ ْن������ ُي �����ط ْ ُت ِ َ����ع����ف����و ال����� ِّدي�����ارا ����وس وت ْ ����ص����ي ُ ����ب ال����ن����ف َ ��������اح��������ا ِط���������والاً هَ ���������������� َزز َْت ِإ َل������ ْي������ه������ا ِرم ً ق�����������وم ِق������ص������ارا ع���������م���������ار �������ص������� ِّي������� ُر َأ ُت َ َ ٍ ِ ف������غ������ا َد ْرتَ������ه������ا ِف��������ي َ ل������ـ������ه �������م�������ان ا ِإل ض ِ ���������ت أع�����ل�����ى و َأ ْن����������������� َأى َم�����������زَارا وي��������� ْم َ مَ َّ س ال���ل���ي ُ ���اب َو َق������� ْد َي���� ْف ِ ���ث َأ ْروى ال���هِ ���ض ِ ����ر ُ ����ه ِ اح ِ ش ال ِّ ����م ُ ��������ر َ ���ت���ق���ارا و ُي ْ ����ض����ب ِ ����اب ْ ����ل َح ْ َّ َ ال�����ض��ل��الِ �����ب�����ي����� َد ������ت ِف وخ������ َّل������ ْف َ ����ي����ه����ا ُم ِ َ َ �������ع�������ارا ُي������� َق������� ِّر ُب�������ه�������ا َل ������������ك ث�������و ًب�������ا ُم َ ُي�����كَ�����ف ِ �����ك ُ ����ام����ا ����������������ع َع �����ف َأ ْد ُم �����ْي�����نْ ِس����ج ً َ ٍ �����������رارا و ُي��������� ْب ِ ���������ر ُد َأح�������ش�������ا َء َ ص������������ ْد ٍر ِح َ وسجل ابن دراج في شعره غزوات املنصور في بالد «بنبلونة» أو «نبارة» التي َّ كان يحكمها امللك غرسيه الثاني بن شاجنة (ت391هـ) ،ويذكر أسماء مواضع مسيحية دارت حولها املعارك ،ويشير إلى كنيسة (شنت اقروج) التي خربتها أو أحرقتها تلك احلمالت التي استهدفت روما املسيحية فيقول(((: ((( ديوان ابن دراج.609 : ((( ديوان ابن دراج 529 :والهامش (.)1 - 156 - ِ ف ِ��ت��ل َ واحل��م��ى ��ك ال��� ُّرب���ى م���ن « َب��� ْن ِ���ب��� ُل���و َن��� َة» ����ائ ِ ����و ٌّد ب���� َأ ْرج ِ ��ح ����ه ُّ ����س َ ال��ص�� ْب ُ م����نَ ال������� َّر ِ اح ُم ْ ��ع�� ُة َ ��و َق��ه��ا ���ت ا ْق ������روج» َأ ْو َر ْي َ «ش��� ْن َ وب��ي َ �������ت َف ْ َ �����ب ِف ِ ���ع��� ْم���ي ِ �������ر ُح َس����ن����ا َل َ ����ي����ه ل َ �����ه ٍ ���ائ���ه���ا َش ْ ���ح ا َأل َج ُّ ��ت ��ح ْ َوكَ������انَ َل َ ���ص ُ ������ل ف�� َأ ْ ���ه���ا ال ِ���ف ْ ص�� َب َ ���ح ل����ن ِ ���ح���ا َم����ا َل َ ���ه���ا َب ْ ���ص ً ���ص ُ ����ع���� َد ُه ِف ْ ����ار َك ِف ْ ف���� ِل���� َّل ِ ����ه َع��� ْي���ن���ا م����ن ر َأى ِب َ ���ر َح���ه���ا ������ك َ ص ْ ِ ِ ���ر ُح وم����نْ ج��اح ِ��م ال�� ِّن��ي��رانِ ِف���ي َس�� ْم ِ��ك ِ��ه َ ص ْ ���رص ِ ���ات���ه���ا رف���ع���ت م���ن َ ُّ ال���ص��� ْل��� َب���انِ ِف����ي َع َ ��������ه ُر ِ و ُق���������و ًدا َل������ ُه ِف�����ي َو ْج ِ وم������ َّي ٍ ���ح ������ة َل��� ْف ُ م���������اء ُح���م ِ ِ ���ات���ه���ا ���ي���ه���ا م����ن ِد ������ر َت ِف َ و َف َّ ������ج ْ ت�����اج ُم���ل ِ���ك���هِ ��� ُم َن ْ ���ح ���ه���ا ِف����ي �����ح�����و ًرا َل َ ُب ُ ���ض ُ ِ وترددت أصداء فتوحات (بنبلونة) غير مرة في شعر ابن دراج ،فوصف هزمية غرسية بن شاجنة وصور احلرائق واخلراب الذي َّ حل ببالد ِّ الشرك فقال(((: ح�����ري�����ق ال خ�����م�����و َد َل����� ُه وج������اح������ ٌم م�����ن ٍ وس����ط ُم���ف���ت��� َأ ِد ْه ِإ َّال و َن���ف ُ ���ج» ْ ���س «اب����ن َش���ن ٍ �����ت ِ َ���������ت ُع�������� َّب��������ا َد ِم����� َّل ِ كَ�����ت ِ �����ه َ���������رك ْ �����ائ����� ًب�����ا ت َ �����ام م��ن َأ َح ِ �����د ْه ��س��ب َ ال ت���ع ِ���ر ُف ال َّ ��ت ِف���ي األي ِ �����ب ال��ف��ض ِ ِإن ض َ ��اء فقد ����اق ع��ن َم��� ِّره���ا َر ْح ُ ���ل���ب ِ َن ِ ���ه���ا ِإ َل�������ى كَ����ب ِ ����د ْه ������ف������ ْذ َت م����ن َق ِ ���ه ِف���ي َ َّ�����ت م���ن���ه���ا ق�����واص�����ي « َب���ن���ب��� ُل���و َن ِ ���ت���ه» ف�����ت َّ �����ت ِف����ي ع���ض ِ���د ْه ����ار َف��� ًّت���ا َف َّ ب���ال���ه��� ْد ِم وال���� َّن ِ َ ((( املصدر نفسه.240 : - 157 - ويشير ابن دراج في إحدى قصائده إلى غارة قام فرسان (ابن شاجنة)((( على أهل قلعة أي��وب من أعمال سرقسطة وقتلوا فيها أخا واليها «حكم بن عبد العزيز النجيبي» وقو ًما معه ،فأمر املنصور بن أبي عامر بضرب أعناق من كان في أسره بقرطبة من فرسان اب��ن شاجنة وأق��ارب��ه األش��راف الذين ظفر بهم في مدينة (أون��ة قشتيل) على مقربة من (سرقسطة) وغيرها من بالد «بنبلونة» وركب ابنه عبد الرحمن بن املنصور املعروف باسم (شنجول) إلى باب (السدة) وهو باب قصر اخلالفة بقرطبة وهو املكان الذي تعرض عليه رؤوس من يتم إعدامه بقرطبة من زعماء النصارىالذين يظفر بهم املسلمون في املعارك -وقام عبد الرحمن شنجول بقتل شريف منهم بيده ،وسجل ابن دراج هذا احلدث فقال مشي ًرا إلى مقتل شهيد املسلمني فقال(((: َق�������ت َ �������ل امل�������ش�������رك�������ونَ ِم������� َّن�������ا ش����ه����ي���� ًدا َ �����������ش����������� ُرو ُه �������ه������� ْم َأ ْن �������وا ب������� َأ َّن ُ َ�������م������� َّن ْ َف�������ت َ ُس ِ ال�������ك�������رمي ِدم����������ا ٌء َ������ت ب��������ال�������� َّد ِم ������ف������ك ْ ِ ����س ِ ��������وب ُ ��������ق َ ����ف����ي���� ُه وك���������ذا ُي ِ احل�����ل�����ي����� َم ال َّ �����������������������و َد ْو ُه ���������ص��������� َّف��������� ًدا َف َ َق�������ت�������ل�������و ُه ُم َ �������ر ِف ِ �������ه َل�������� ْم َي��������� ُدو ُه ��������و َع���ل��ا َظ ْ َل ْ ������ه َ ������ر ِط ْ ويشير إلى ر ّد فعل املسلمني وإقدامهم على قتل وجهاء النصارى فيقول(((: َل ِ ������وت ِف����ي «ال����� َّر ِص�����ي ِ �����ف»((( ِرج ٌ �����ال ���ي امل َ ���ق َ ������ن������ي َأب�������ي ِ ������ه������ ْم ِف��������ي َب ِ �������ه َو ِج������ي������ ُه كُ ������ ُّل ُ ص�����������وار ُم ال����ه����ن ِ ����د وال�������� ُّز ْر ْ������ه������ ْم ِ غ������ا َد َرت ُ ُق َح ِ ����ص����ي���� ًدا َي�����ا ُب ْ ���������و ٍم َل���� ُق����و ُه س َي ْ ���������ؤ َ ((( يرجح د .مكي أن يكون املقصود هو ملك البشكنس (نبارة) صاحب (بنبلونة) أو غرسية بن شاجنة املعروف بـ(الرعديد) الذي كان يحكم (نبارة) بني سنتي 391 ،384هـ (ديوان بن دراج ،هامش1ص.)570 ((( ديوان ابن دراج .571 : ((( ديوان ابن دراج .572-571 : ((( الرصيف :مكان بقرطبة. - 158 - ِ ������ج ز َْر َق������������������ ًة ت�����ركَ�����تْ����� ُه ز ََر َق ال������ع������ ْل َ ����������ر ً ض����������ا َق������������ ْد َأظ���������� َّل���������� ُه امل�������ك�������رو ُه َح ِ م��������ات ُذ ْع������������ ًرا م���ن���ه وك������م َل ِ ������ي ا َألب������ـ َ ������ق َ َ ��������و ٍة ف����م����ا َذ َع��������������� ُرو ُه َط �����������ال ِف��������ي هَ �������� ْب َ ي�������������������ا َل�������������� ُه و َق ِ �������ت�������ي اً ���ًل��� ول����������كَ���������� ْم َأ مِّ ً ����ب َم�������نْ َي������ ْد ُع������و ُه ص������� َّم ع����ن َأنْ ُي ِ َ ����ج����ي َ ������������اق �������ص������� َّف������� ًدا ِف��������ي َو َث و َأس���������ي��������� ًرا ُم َ ٍ ِ َّ ������������ف ُف����������و ُه ل����������ط����������ار ٍق َج وغ�������ي�������ا ًث�������ا ِ َذ َ اك َح������تَّ������ى إ َذا ال������ ِّل������ق������ا ُء َدع���������ا ُه َ���ع َ ���م���و ُه اس���ت ْ ���ظ ُ َع����ا َي����نَ ال����ن ُ ����اس م���ن��� ُه َم����ا ْ ومن املواضع املسيحية التي غزاها املنصور بن أبي عامر وحرص ابن دراج على ذكرها في شعره (شرنبة) و(قنتيش) ووادي (آر) ويصف انتصار املنصور على كتائب اإلفرجن في تلك املواضع فيقول(((: ��ي َ ��ع�� ًة ���ر ْن��� َب��� َة»((( َوق َ واس���ت ْ «ش َ َ���و َد ُع���وا ج��ن�� َب ْ ������ال ال������راس������ي ِ ه������� َّد اجل������ب َ ������ات َوئ����ي���� ُده����ا د َل����ف����وا ِإ َل�������ى َش���ه���ب���ا َء ح�����ان َح���ص���ا ُده���ا ب ُ ؤوس ال����� َّدارع��ي��ن َح��ص��ي�� ُده��ا ���ى ُر ُ ���ظ���ب ً ِ ��ش» َو َق������ ْد َح َ ��ه�� ْم وش ����ر ْت َل ُ ���ع���اب « َق��ن��ت��ي ٍ ُ ����ش َ �������ك�������ت ع�����دي����� ُده�����ا مم ُب��������غ��������ا ٌة ال ُي ُّ ُأ ٌ ���ه���ا ِف���ي «آ ُر» و َد َن ْ ������ت َل َ ((( حَ ْ ������وار ٍم ص ِ ت َ �����ت َ ن ُزن������و ُده������ا َو ِر َي ���������������ت ب�����ع����� ِّز امل����س����ل����م��ي� َ ْ ((( ديوان ابن دراج.147-146 : ((( شرنبة :نهير يسمى اآلن Riojaramaوهو فرع من نهر تاجه ( EL Tajoديوان ابن دراج 146 :هامش )1 ((( وادي آر. - 159 - م���اح وأص�� َل�� ُت��وا م��ن ْ ب��ع ِ��د َم���ا َق��ص�� ُف��وا ال��� ِّر َ ِب����� ْي ً �����ع ح����� َّده�����ا ت���وح���ي��� ُده���ا �����ض�����ا ُي�����ش����� ِّي ُ ص���ل���ب���ا ُن���ه���ا ف�����ك����� َأنمَّ�����ا ُر ِف ْ �������ع�������ت َل َ ������ه������ا ُ ِف�����ي ِظ ِّ ���ج���و ُده���ا ������ل هَ ���ب َ �����ح�����انَ ُس ُ ���و ِت���ه���ا َف َ ويشير إلى غزوة أخرى جرت أحداثها في (ناجر) أو (ناجرة) باإلسبانية Najera وكانت ثغ ًرا مه ًّما ،فيقول: ((( وس���ي��� ُف َ ����وق ُم�� ْق��ت ٍَ��د ����س ِ ���ك ِف����ي األع����ن ِ ����اق وال ُّ ِ ��ح ب��س��ي��ف س��ل��ي��م��انَ ُ ال���ـ���م َ ��س ِ ���وكَّ ���لِ ب��ال��ـ َ ��م ْ ����ت ِب ِ ������ر» مل��ع�� ًة ج�����و �������ه ِف�����ي ����ع َ ِ ِّ ����م ْ َل����ـ َ «ن������اج َ ���ان ِ دام����� َي����� َة ُ ������ر ِح َ����ب���� َد ال���ش���ي���ط ِ َث���� َن ْ ����ت ك ِ اجل ْ ���ح���تَ���ه���ا ِف����ي ج��ن��ح ل���ي ٍ���ل م���ن ال�� َق��ن��ا وص��� َّب ْ ���ق ُ َأ َح َّ ���ط ِ���ب َ َ ل��ي��ل ا َألس�����ى ُم ْ ���ح ���ه���ا ������ل ِب َ اجل��� ْن ِ �����رتَ�����ه�����ا ف��������� َأ َّي��������� ُة ُأ ٍّم ل�����ل�����ض��ل��الِ َق َ �����ه ْ ��ط��ل��ى ف ِ ب��ض��رب ِف���ي ال ُّ ���ائ ِ���ز ال ِ���ق��� ْد ِح َب ِ��ن��ي��ه��ا ٍ ويشيد ابن دراج بغزوة أخرى فتح فيها املظفر بن املنصور حصن «ممقصر» وكان من أهم حصون برشلونة ،فيقول: ((( �����م����� ْم�����تَ�����ه�����ا و َب������������� ْل������������� َد ِة ِش ������������������ر ٍك تَ����� َي َّ ْ ال����س ِ ����ائ���� ِل����ي����ن����ا ف�������غ�������ا َد ْرتَ�������ه�������ا آ َي������������� َة َّ ِ ٍ م��������ج��������د تَ������� َق������� َّل������� ْدتَ�������ه�������ا ������������������������ع ودائ ُ ال��������ق��������و َّي ا َألم����ي����ن����ا �����ت ع���ل���ي���ه���ا ف�����كُ�����ن َ ِ ((( ديوان ابن دراج.405 : ((( ديوان ابن دراج.594 : - 160 - ويشير إلى قلعة (بطر شلج) وكانت من معاقل أعمال (وشقة) املنيعة فيقول(((: ����ر ُزوا ِف��ي « ُق ْ وس ُه ْم ��ط ِ��ر َش�� ْن ٍ��ج»((( ُن ُف َ و ِإنْ َأ ْح َ ����ح���� َف ُ ف�����غ مِ ُ �����ار ُم����� ْه ����ظ ال����ل���� ُه غ ِ �����ان َم�����ا ال َي ْ ف����كَ���� ْم ُق�������� ْد َت ِف�����ي َأك ِ ْ���ن���اف���ه���ا م����ن ُم��� َق��� َّن ٍ���ع �����ر ُب����� ُه وم���ط ِ ِ ���م��� ْه �����وس ا َأل ���اع ُ ُن����� ُف ُ ع����������ادي ُش ْ ويذكر ابن دراج مدينة (إيلياء) اإلسبانية التي غزاها املنصور ،فيقول(((: و « ِإي����ل����ي����ا ُء» ا َّل ِ ����ت َأ ِل����� َّي����� َة ِذي ����ت����ي ك����ا َن ْ ��ه ٍ��د م��ن ال ِّ ���ر ِك خ ِ �����م ُم ْ��رت َِ��ق ِ��ب�� ْه َج ْ ��اش��ي ا ِإل ْث ِ ���ش ْ ���ه��� ْم �����ت م��ن��ه��ا َس���ن���ا �����ع َ ن������ار َأض��������ا َء َل ُ ر َف ْ ٍ ���ب��� ْه َم����ا كَ�����انَ َأ ْو َد َع�����ه�����ا ال��ش��ي��ط��انُ م���ن ِر َي ِ ي ُ َ ������و َو َن��������ى َ ������ر ٌم ���ش��� ُّب���ه���ا م���ن���ك ع������ز ٌم َل ْ ض َ ����ر َم����ه����ا ِف����ي ال���ل ِ���ه م����نْ َغ َ م��ن��ه��ا َأل ْ ��ض ِ��ب�� ْه ض َ وعلى هذا النحو كان شعر ابن دراج -في بعض جوانبه -مبثابة وثائق تاريخية وجغرافية على قدر كبير من األهمية إذ تتبع فيه الوقائع واألح��داث التاريخية وسجل مسرحا للصراع بني املسلمني واملمالك املسيحية في عصره. املواضع اجلغرافية التي كانت ً صور امللوك والقواد اإلسبان في شعر ابن دراج: يحتفظ شعر ابن دراج بصورة نادرة للملوك والقواد اإلسبان في مواقف الهزمية واألسر والهدنة واملصاهرة والسفارة وغيرها ،فمن هؤالء غرسية بن شاجنة ملك نبارة ((( هي باإلسبانية Peta Selegومعناها (الصخرة املاحلة) ويتردد اسمها كثي ًرا في الوثائق املسيحية احملفوظة عن مملكة (بنبلونة)( ،ديوان ابن دراج 297 :هامش.)2 ((( وردت في ديوان ابن دراج ،طبعة البابطني (بطر شلج) .انظر :ص .297 ((( ديوان ابن دراج .585 :إيلياء :تسمى اآلن بادرون Padronمن أعمال الكورونيا على الساحل الشمالي الغربي ألسبانيا وتقع بالقرب من شنت ياقب. - 161 - الذي حكم بني سنتي 391 ،384هـ وقد واجه املنصور بن أبي عامر في عدة معارك منها معركة جرييرة Geyveyaسنة 390هـ التي ائتلفت فيها املمالك النصرانية حملاربة املنصور ،فاشتركت في االستعداد للحرب قشتالة التي كان يحكمها شاجنة بن غرسية Carrion بن فرذلند ونبارة التي كان يحكمها غرسية بن شاجنة وقريون التي كان يضطلع بحكمها غرسية بن غومس وأسرته وليون التي كانت خاضعة لسلطان الفنش بن برمند (ألفونسو اخلامس )Alfonsoوكان شاجنة بن غرسية قومس قشتالة هو زعيم هذا االئتالف النصراني ،وقد انتهت هذه املعركة بانتصار املنصور العامري على جيوش املسيحيني بعد أن كادت الهزمية تلحق بجيوش قرطبة ،وكان البني املنصور عبد امللك وعبد الرحمن في هذا اليوم بالء حسن ،وقد اقتحمت اجليوش اإلسالمية بعد ذلك النصر أرض بنبلونة وخربتها»(((. وقد تغنى ابن دراج بانتصار املنصور في هذه املعركة فقال: ((( ���ت ت��ي��ج��انَ ال َّ ���ع َ َف َ ��ع ٍ��ة ���ع َ ����ض��ل�الِ ب��و ْق َ ���ض ْ ���ض ْ َع�� َل��ى ال ِّ ���ر ِك ال ُي ْ ����ر ُح ���ؤس���ى َل َ ��ه��ا َأب����� ًدا ُج ْ ���ش ْ ِ ُّ م�����اء َ وال��ط��ل��ى ����م ����������ت م���ن ور َّو ْي َ اجل����م ِ ����اج ِ َ ����ي����اد َش��� َّف���ه���ا ال َّ ٍ َّ����ر ُح ُم����ت����ونَ ِج ����ظ َ ����م���� ُأ ال����ت ْ ويصور ابن دراج وقع الهزمية على غرسية بن شاجنة ويصفه بـ(عميد الشرك) ((( ويشير إلى فراره الئ ًذا باجلبال وقد تركت الهزمية أثرها على جسده ونفسه ،يقول: ت����ركْ����نَ ع��م��ي�� َد ال ِّ �����ر ِك َم����ا َب���ْي��نْ َ ج��ف ِ��ن ِ��ه �����ش ْ ���ح و َب����ْي���نْ َ ِغ ِ �����و ِم ع���ه��� ٌد وال ُ ص��� ْل ُ ��������رار ال����� َّن ْ ((( ديوان ابن دراج ( 525 :هامش). ((( ديوان ابن دراج .526 : ((( املصدر نفسه.527 : - 162 - ي����ل����وذ ِب ُ ِ ������ح������ ُر ُه ������ش������ ِّم وس ْ ال�����راس�����ي�����ات َ ���ب ل��ل ُ��م��خ ِ م���ن ال َّ ��ح ����و ِد ِش ْ ��ات��لِ َأ ْو َس�� ْف ُ ����ط ْ ���ع ٌ ����م����ع ِ ِ َو َم�����������ا كَ��������� َّر ِإلاّ ����اه ٍ����د ن�������اد ًب�������ا ل����ـ َ ����و ُح ال���ب ِ َل َ َّ����ر ُح ���اق���ي ِب َ �����ك ال���� َف َ ���ه���ا َو َل������� ُه ال����ت ْ وتطل صورة شاجنة بن غرسية خامس ملوك البشكنس أصحاب بنبلونة الذي حكم بني سنتي 427 ،391هـ وقد هزمه املنصور في معركة بنبلونة هزمية نكراء وص ّور ((( ابن دراج هروب شاجنة بعد هزميته فقال: ����ج» َف َّ َ���ر ٍك ����رك َ ْ����ت «اب������نَ َش����ن ٍ �����ل ُم���ع���ت َ وق����د ت َ َ���م ِ ���د ْه مَ����ت م���ن ُظ���ب���ا ُه َ ِإن َل���� ْم ي ْ م����ات م���ن ك َ ُم َ ��غ��ت��ر ًب��ا �����ش����� َّر ًدا ِف����ي ق���واص���ي ال���ب���ي ِ���د ُم ِ َو َق������ ْد َم���ل�� ْ ض م���ن ُخ������ ُر ِد ْه ���اج ا َأل ْر ِ أ َت ِف���ج َ ويشير ابن دراج في قصيدته إلى شخصية مسيحية قيادية أخرى هي شخصية (فرذلند) ولعله «كان أحد األم��راء املستق ّلني على بعض اإلم��ارات املسيحية احمليطة مبملكة نبرة وال�ت��ي ك��ان اب��ن شنج يبذل ك��ل ج�ه��وده لالستيالء عليها واح��دة بعد ((( األخرى»((( وفيه يقول ابن دراج: َو ِ ���ك ِف����ي َي ِ ���م���ل َ �����د ِه �����ر َذل����� ْن����� ُد» َر َد ْد َت ال���ـ ُ «ف ْ ���س ِ ���د ْه ���ر َر ِّد ال������ ُّر ِ وح ِف���ي َج َ َو َم�����ا َرج����ا َغ���ي َ ِش������ب ٌ َ ٍ �������������د ف������وق������ ُه ِل����� َب����� ٌد دع�����������اك ُأل ْس ������ل ���ت ع���ن���ه وا َألظ������ف������ا ُر ِف�����ي ِل���� َب ِ ����د ْه ف���أق���ش���ع ْ ����ع ِ ����دام ِ ���ب���ح���ا ِف�����ي َم ِ ����ه وط�������ار ن�����ح َ �����و َك َس ً َ َو َق������� ْد ت��������ز ََّو َد ِم ْ ����ص����در م���ن ُز ُؤ ِد ْه �������ل َء ال َّ ((( ديوان ابن دراج.241 : ((( ديوان ابن دراج ( 241 :هامش.)1 ((( املصدر نفسه .241 : - 163 - ِّ ث����م ان���ث���ن���ى وم�����ل ُ ������ر ِك َأع����� ُب����� ُد ُه �����وك ال������ش ْ ِ ِإ ْذ ج������ا َء ع���ب��� َد َي ٍ ب���ي���د ْه ����ه����ا ������د َأل����ق����ى َل َ وتتردد ص��ورة اب��ن شنج في قصيدة أخ��رى يشير فيها اب��ن دراج إل��ى تبادل األسرى فيقول: ((( ف���� ِل���� َّل ِ ����س���� ِل ٍ����م ����ه ك�����م َأغ����� َل����� ْي َ �����ت م�����ن َد ِم ُم ْ ع�����دائ ِ ِ و َأ َ �����ه م���ن َد ٍم غ���الِ ������ت ِف����ي َأ ������ص َ رخ ْ ���اع��� ًة ل��ل��إ و َأس����� َل����� ْم َ �����ت ِ س��ل��ام ِف َ ���ي���ه���ا ب���ض َ ِ ت�����ع�����و ُد ب����� َأض�����ع ٍ �����اف و ُت�����وف�����ي ب���� َأم����ث����الِ وح��س�� ُب َ وج��� ْن ِ���د ِه ��ك ِف��ي َ��ه��ا ِب���ـ «ا ْب ِ ���ج» ُ �����ن َش��� ْن ٍ ����ي َأ ْب�������������دالاً ،و َأ َّي���������� ُة َأب��������دالِ م����ن َّ ال����س���� ْب ِ ���ع ِ ���ض ِ���ه �����ر ْي َ �����ت ِب��� َب ْ م��ل��ي��كً��ا َو َم������ا ي���ح���وي َش َ ����������������ح ِب ِ ������اع مب���ث���ق���الِ ����ق و َأ ْر ِب ����ن����ط����ار ُي������ب ُ ٍ ْ ����������ي َء َم ْ ����غ���� َن ٍ����م ف���م���ا ح�������ا َز ٍ غ�������از م����ث���� َل���� ُه َف ْ َ ����ي َأن����ف����الِ ن������ال وال ٍ س������اب م��ث�� َل��ه��ا َس���� ْب َ وتبرز شخصية غرسية بن فرذلند قومس قشتالة بصورة واضحة في شعر ابن دراج وقد هزمه املنصور في غزوته التي وجهها إلى قشتالة في سنة 384وفتح فيها قلعتي «شنت إشتينب» و«قلنيه» ويصور ابن دراج هزمية غرسية وما َّ حل به من خزي ((( ومذلة فيقول: اش ِ وت����رك����ت َ �����ت ْ ���ت���ي���ب��� ًن���ا» وك���� َأنمَّ����ا «ش����� ْن َ َح َّ ����ت س���ي���و ُف َ ����ر َق���� َدا ����ط ْ ���ك م���ن ِع����داه����ا ال���� َف ْ ������ر َت ُم����� َّدتَ�����ه�����ا ب����وق����ف ِ س����اع ٍ ����ة ����ة َ َف������ َق َ ������ص ْ َ ������ت َل َ اجل���ل���ي���ل ُم���خ��� َّل���دا ال���ف���خ���ر �������ك َأ ْب������ َق ْ َ ((( ديوان ابن دراج .400 : ((( املصدر نفسه .602 : - 164 - ب������ه������ ْد ِم َم���ا امل���س���ل���م�ي�ن َش������� َّي������� ْد َت ع������ َّز َ َ ����ر م���ن���ه���ا َش����� َّي����� َدا َق������� ْد كَ���������انَ ِع������� ُّز ال����ك����ف ِ ْ�������ت َ �����رس����� َي����� ًة» ب���ن���ق���م ِ���ة َغ��������� ْد ِر ِه َ�������رك َ وت َ «غ ْ رض ال���ف���ض ِ ���اء ُم��� َق��� َّي��� َدا ب�����ال����� َّر ْو ِع ِف����ي ا َأل ِ ������رو ًع������ا ل����ه����ف����انَ �����ار ُم َّ ُ ي����ج����ت����اب ال�����ن�����ه َ ����اك وال�����ل�����ي َ ب����ظ����ب َ ����ه����دا ����س َّ �����ل ال�����ت�����م�����ا َم ُم َ ِ ب���ل���اد ِه ��������ت ُح������� َّر ��������ع َ خ�����زي�����انَ َق������� ْد َأ ْو َس ْ ����م����و َق���� َدا ال���س �����ب ِ ِ ودي������������ار ِه َل َ ���ع���ي���ر ال����ـ ُ َّ �����ه َ أح��������زاب ال����كُ ����م ِ ���م���ى َق������ ْد َغ������ َّر ����اة َو َم�������ا َح َ َ ض َّ �����اع ال َّ و َأ َ �����ض��ل��الِ َو َم�������ا هَ ����� َدى ���������ل َأش�����ي َ ولم يرتدع غرسيه بن فرذلند برغم هزميته الساحقة ،فعاود الهجوم على الثغور اإلسالمية الواقعة على ضفاف نهر «نويرة» ،فسار املنصور بن أبي عامر ملالقاته مرة أخرى ،وانتهت املعركة بوقوع غرسية في األسر سنة 385هـ ،وأمر املنصور بحمله إلى ((( قرطبة غير أنه توفي بعد ذلك بعدة أيام ،وقد تغنى ابن دراج بهذا احلدث العظيم فقال: ������ه������نِ ال��������دِّي��������نَ وال�����دن�����ي�����ا ب���ش���ي��� ٌر َف������ َي ْ ������ر ِس������ َي ِ ِ ِب������ـ َ وال������ع������ َد ِاء ع������������ادي ������ة» ا َأل َ «غ ْ َ اآلم��������������ال ِق������ ْد ًم������ا ���������ج��������� َز ُ �����ع َأ ْع َ ب�����ص����� ْن ٍ ِ ج�������اء ��������ر ُدو َن���������������� ُه َأ َم�������������� ُد ال������� َّر و َق َّ ��������ص َ ِ ٍ ح����ي����اة ������ع م������ن َأل������������ َّذ َع������ َل������ى امل������س������ام ِ ِّ ال���ش ِ و َأ جْ َ ن ���ف���اء ����وس م����ن ������������ع ِف�����ي ال����ن����ف ِ َ ����ـ����م���� ْف����ت ِ ����ح و ُب�����ش�����رى ْ�����ح�����ا ِل ُ ف����ي����ا َف�����ت ً َ����ت ٍ مل������ن������ت ِ ِ �������������راء �����������������������ر َأ ًى ِل ������ر وي�����������ا َم ������ظ ٍ ْ ((( ديوان ابن دراج .578 : - 165 - ويصف ابن دراج هذا األسير الثمني الذي ال يعادله أحد في الفداء ويشبهه بالداء العياء الذي شفي منه الدين فيقول: َأ ِس��������ي�������� ٌر َم��������ا ُي���������ع���������ا َد ُل ِف��������ي ِف������ك ٍ َ������اك ِ �����������داء ���������اوى ِف���������ي ِف وع�������������ان َم���������ا ُي���������س ٍ َ �����ت م���ن��� ُه �����ع�����ي�����ا ُء َش����� َف����� ْي َ ��������و ال������������ َّدا ُء ال َ هُ َ ِ ي��������ن م��������ن ٍ ع�����ي�����اء داء ف�����م�����ا ِل��������ل�������� ِّد ِ وف��ي القصيدة «تصوير رائ��ع لشخصية غرسية ال يخلو من إعجاب ب��ه ،وهو إعجاب اخلصم باخلصم على ما كانت تقضي به سنن الفتوة والفروسية في العصور الوسطى»((( ،فال يتحرج ابن دراج من اإلشادة بفروسية غرسية وشجاعته وصالبته ((( ودهائه وجاللة قدره وسمو مكانته ومنزلته ،يقول: ل����ق����د ك������������ا َد ْت س�������ع�������و ُد َك م����ن���� ُه جَ ْ ����م����ا ن ً ِ م����ن����ي����ع َ ����������ق����������اء ��������������ر ا ِإل ْر ِت ������������و َو ْع اجل ِّ َ َ �����ض��ل��ا َل ِ �������ظ������� َم ِف������ي ال َّ و َأ ْع َ �����ة م����ن ص��ل��ي ٍ��ب ِ ِ ��������واء ����ب م�����ن ِل و َأ ْع������� َل�������ى ِف�������ي ال����ك����ت����ائ ِ َّ ال�������ض���ل���الِ ف����� َأهَّ ����� َل�����تْ����� ُه ������ع َح�����م�����ى ِش������ َي َ ِل������ـ ِ ������م������ ْل ِ ِ وال�������������والء ������ك ال��������������� ِّر ِّق م����ن����ه����ا ������م������ َذ ِ زع������ي������ ٌم ب�����ال�����ك�����ت ِ اك������ي �����ائ ِ �����ب وال������ـ َ ِ ٌ ع������������اء ����������م����������ال ل�������ل������� َّرع�������اي�������ا وال������������ ِّر ِث ������ف ِ ُم�������ب�������اري َس������ ْي ِ ������ه َق�������� َد ًم��������ا وب������ ْأ ًس������ا ِ ه�����اء َّ�������ج�������ار ِب ب�����ال����� َّد وم�����ش�����ف�����وع ال�������ت ِ ُ ويلهج ابن دراج بعظمة جيش املسلمني الذي أوقع هذا امللك العظيم في األسر وينعاه إلى ذوي جلدته من الروم واإلفرجن في لهجة ال تخلو من التشفي ،يقول: ((( ((( ديوان ابن دراج ،املقدمة.34 : ((( ديوان ابن دراج .578 : ((( املصدر نفسه .579 : - 166 - س�������ل�������ام ج���ي ٌ ���ش �������م������� ُه ِإ َل�����������ى ا ِإل و َأس������� َل َ ِ �����ع ِ �����ج����� ْم ِ �����������ب ال���� َف����ض ِ ����اء �����ه َر ْح َأ َغ َّ �����������ص ِب َ َ ِ ُ ����ع����وال����ي ل�����ئ�����نْ َخ������ َذ َل������تْ������ ُه َأ ط�������������راف ال َ ِ ُ ������ك������اء ع��������������������وال ال������ ُب ل�����ق�����د آس���������������ا ُه ِإ ب������ك ِّ ������و ِح ُي ْ ����ج����ي ����ش ِ ���������ع ل������ل������ َّن ْ ُ������ل ُم َ ���������ر ِّج ٍ ���������و ِ ِ ��������داء ي������ب ال�������� ِّن اك��������� َي��������� ُه ب������تَ������ ْث ِ ������و ِ َب َ ِ ِ ������ع������اء ِإ َل����������ى َن وم ُط��������� ّرًا م�����ل�����وك ال�������������� ُّر ِ ������ر ِس������ َي������ ًة» َن����ع ِ ����ان َ ����اء َذوي ال���� ِّت����ي����ج ِ «غ ْ ْ ������������������������رنجْ ِ م���ن��� ُه ل�������ل�������روم وا ِإل ْف ������������ل وهَ ِ َ ِ ِ ال�����ع�����زاء ����������وء َو َق����������� ْد أودى ِس��������وى ُس ������س ِب ِ �����م����� ْل ُ ��������ي �����ك ال�����كُ����� ْف ِ َف َ �����ر َل������ ْي َ ���������ذي َو ِل ٍّ ِّ ���������و ِاء وث����������� ْأ ُر ������س ب������ذي َب َ �������ر ِك َل������ ْي َ ال�������ش ْ ومن املصادفات أن صاع ًدا البغدادي تنبأ بأسر غرسيه في اليوم ذاته ،وذلك ((( حني بعث بأيل هدية إلى املنصور بن أبي عامر وكتب معه بأبيات يقول فيها: ِّ ������خ������و ٍف وأم����������انَ كُ��� ْل���ـ ك������ل ُم ����������ر َز َّ ي�����ا ِح ْ وم ِ ّ ك���������ل ُم�������ذ َّل�������لِ ���������ع��������� َّز ـ���������لِ م��������ش�������� َّر ٍد ُ ���ع ِ ب���ب���ض ِ ْ ج����ذب����ت ع����ب���� ٌد �����ت ِم����نْ ُ ���ه ورف�����ع َ ِ م����������ق����������داره أه�������������دى إل�������ي�������ك ِب��������أ ِّي��������لِ ������م������ي������ ُت������ ُه «غ�������رس�������ي������� ًة» وب����ع����ث���� ُت���� ُه س َّ ف������ي َح������ ْب������ ِل ِ �����اح ف����ي����ه ت���ف���اؤل���ي ������ه ل����� ُي�����ت َ فقضى في سابق علم الله تعالى وق��دره أن غرسية ملك ال��روم ،وهو أمنع من النجومُ ،أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد باأل ّيل وسماه «غرسيه» على التفاؤل بأسره ،وكان أسره في ربيع األول سنة خمس وثمانني وثالثمائة. ((( ((( الذخيرة.34 :1/4 ((( الذخيرة .35-34 : 1/4 - 167 - وقد ص َّور عبادة القزاز مصرع «غرسية» بعد أسره وع َّبر عن إحساسه بالتشفي والشماتة إزاء هذا احلدث ،فقال: ((( ����������ت ب���ي���ن دم���������اغ ِ ِ �����������������ؤاده ���������ه و ُف ف���������� َّر ْق َ ِ ِ �����ي�����د وال�����س ��������راب��������ه وج�����م�����ع�����ت ب���ي��ن ُغ َ ِّ ������وت ح����� َّن َ ������و ُه وك�����أمن�����ا ال������تَّ������اب ُ �����ط ِش������ ْل َ �����ح ِ ف������أت َ �����ود ������اك ف�������وق ال����ظ����ه ِ ����ر ف�����ي َم����� ْل ُ ودي������ع������تَ������ ُه ال�����وغ�����ى وك����أمن����ا �������ت أكَ������� َل ْ َ ف������������ع ال����������ذي أ ْب������� َق�������تْ������� ُه ف������ي س���� ّف����ود ُر َ رأس أم������ي َ ������ل ع�����ق�����وب����� ًة إذ ل������م ي������دنُ ٌ ِ ���������������ام���������������ه ب��������س��������دود ل��������ل��������ه ف�����������ي أ َّي ������ت إل�����ي�����ه ع�����ي�����و ُن����� َن�����ا ف���ك���أمن���ا ������م������ح ْ َط َ ����ت ِ رص���������������� َد ْت ب����ط����ل����ع ِ َ ه�����ل����ال ال���ع���ي���د ����ه َ ومن الشخصيات اإلسبانية التي ذكرها ابن دراج في شعره شخصية (برمند) الثاني Bermandoملك (ليون) وجليقية بني سنتي 372و390هـ «وكان السبب في إعالنه مل ًكا هو فشل سلفه وابن عمه رذمير الثالث في حروبه ضد املنصور بن أبي عامر مما أدى بأهل جليقية Galiciaإلى الثورة على ذلك امللك وتنصيب برمند هذا على عرش ليون .على أن برمند لم يسعه حني ولي امللك إال إعالن اخلضوع الكامل للمنصور ودفع اجلزية له وطلب احلماية منه مما حمل املنصور على أن يرسل إليه ً جيشا من املسلمني يتكفل بحمايته ،غير أن برمند لم يلبث أن نقض عهده .وطرد ذلك اجليش من ب�لاده فوجه املنصور إليه حملة لتأديبه في سنة 377ه �ـ ،واحتلت اجليوش اإلسالمية عند ذلك مدينة قلبرية ( Coimbretفي البرتغال اآلن) ،وفي السنة التالية 378هـ احتلت جيوش املنصور عاصمة ملكه ليون Leonوكذلك مدينة سموره وحينئذ طلب برمند الصلح فقبل املنصور منه ،بل إن برمند أهدى إليه ابنته Zamora ٍ ((( التشبيهات البن الكتاني.460 : - 168 - في سنة 383هـ لتكون جارية له فأعتقها املنصور وتزوج منها .غير أن برمند حاول الثورة مرة أخرى وأعلن مترده على املنصور بإيوائه عبد امللك املرواني الذي تآمر على املنصور ،فأرسل هذا إليه حملة ثالثة احتلت مدينة أستورقة Astorgaوخربت مملكة ليون ،وكان ذلك في سنة 385هـ ،وفي سنة 387هـ سار املنصور بنفسه على إيقاعا شدي ًدا كما رأس حملة رابعة خربت مدينة «شنت ياقب» وأوقعت بـ«جليقية» ً أرسل عدة حمالت إلى نواحي مملكة «ليون» ،وفي سنة 389هـ أوطن املنصور عد ًدا كبي ًرا من جنود املسلمني مبدينة «سمورة» وجعل أمر هذه احلامية إلى قائده معن بن عبدالعزيز التجيبي(((. ويضفي ابن دراج على شخصية «برمند» الظالل التاريخية التي احتفظت بها ((( الروايات ،فيصف هزميته ويصمه بنقض العهود واإلخالل باملعاهدات واملواثيق ،يقول و َأ ْخ������� َل َ ������رم������ ْن������ َد» م���ن���ه���ا ال����� َّرج�����ا ُء �������ف ِ «ب ُ ِّ ��������ر ُك ِإلاّ َو َم�����������ا زا َد ُه ال��������ش ْ �������ر ْي ِ ���������������ر َت ِإ َل����������ى َن ِ ����اج����ا َأ َط �������ه َع����ج ً �������اظ َ ْ تَ������ َب������ارا �������ت ِب ِ �����س�����تَ�����ط�����ارا ت�������رك َ �����������ه َع������� ْق������� َل������� ُه ُم ْ �����ه����� َد ِإلاّ ا ْم ِ ُ �������ت�������را ًء ي�����ع�����رف ف����م����ا ال�����ع ْ َ ِ ��������وق��������نُ ال�����ع�����ه����� َد ِإلاّ ا ِّدك������������ارا وال ُي ويشير ابن دراج في قصيدة أخرى إلى قائدين من كبار قواد «ابن شنج» ويعني به « شاجنه األكبر» ملك نبارة ،وهي تلك اململكة النصرانية املتاخمة ململكة التجيبيني في سرقسطة ،ويبدو أن جيوش منذر بن يحيى استطاعت قتل هذين القائدين ،وأن منذ ًرا أمر بنصب رأسيهما على باب «طليطلة» من أبواب مدينة سرقسطة جر ًيا على ((( العادة املتبعة في العصور الوسطى((( ،وص ّور ابن دراج هذا احلدث فقال: ((( ديوان ابن دراج ( 608 :هامش.)1 ((( نفسه .610-609 : ((( ديوان ابن دراج(650 :هامش.)1 ((( نفسه .650: - 169 - ��ر ْه ��ص�� ُر َم���نْ َن َ َو ْع����� ًدا َع�� َل��ى ال��ل ِ��ه َح�� ًّق��ا َن ْ ��ص َ ���ك ِف���ي ه���ام ِ وح���كْ��� ُم َس��� ْي ِ���ف َ ���ر ْه ُ ���ات َم����نْ كَ��� َف َ «ط���ل��� ْي ِ رأس ُم ِ ����ط ُّ ����ي ُ ���ط��� َل ٍ���ة» ٌ ����ل َع���� َل����ى ب����ا َب ْ ُي ِ ���و ِع��� ُد ال��كَ�� َف َ��ر ْه ���وم���ي إل���ى ال���كُ��� ْف ِ���ر :هَ ���� َذا َم ْ ��ب ِ ���ام ُ ���ام��� ٌة َق��� ْد َق َ ��ى ��ض ْ وه َ ��ت َن ْ احل���م ِ ��ح َ ض��ح ً ���ج» ُم�� ْن��ت ِ ��ح��ي َ ���ام��� ٌة َف َ َ��ظ َ��ر ْه «ش��� ْن ُ ����وق َ وه َ ص�� ْف َ �������د م����ن���� ُه ُت ِ �������و ِع ٍ �����راق����� ُب����� ُه أوف�������ى َع����� َل�����ى َم ْ َ ال����غ���� َد َر ْه ����س����تَ����و َد ِع تَ���� ْد ُع����و :هَ ���� ُل���� َّم إل����ى ُم ْ ِ ������س ِف����ي ال���ب���ي���داء م���ن ِع َ ���ظ ٍ���م ون����اخ���� ًرا أ ْم ِ ���م���ا َن ِ أع ُ ����ر ْه ����ح ِف���ي َ ���ه���ا ْ ���ظ ً وال����ي����و َم أص���� َب َ ����خ َ ِ ن��س��ب ����ي ل����ه ف���ي���ه���ا وذي ك����م م����ن ٍ س����م ٍّ ((( ل����م ي ِّ �������ر ْه �����ر ن�����ا َب����� ُه ع���ن���ه وال ُظ������� ُف َ �����دخ ْ وقد صرح ابن دراج باسم أحد هذين القائدين وهو ( ُل ّبس) -بضم الالم وتشديد ((( الباء -وهو اسم كان وما زال شائ ًعا في أسبانيا النصرانية ،فقال: ���و ٌ ��ه ْ ض ��ل ِل��ن��ف ِ ��س «اب ِ َف َ ����ن ش�� ْن ٍ��ج» ب��ع�� َده��ا ِع َ ����س»((( أو م��ن ك ِ ���اف ِ���ر ال��كَ�� َف َ��ر ْه ِم����نْ ُل ِّ ����ب « ُل���� ِّب َ ���ت ِ ����رب ِ ض�ل�ا َل ِ ����ه أو ِف����ي َ ���ه ِص����� ْن�����وا ُه ِف����ي ح ِ ���ر ْه ���ع��� ُه ِف َ َق����� ْد ك�����انَ ذا َس��� ْم َ ��ي��ه��ا وذا َب َ ���ص َ ((( يستدل د .محمود مكي على أن «في هذا البيت داللة على أن ابن دراج كان يعرف الالتينية الشائعة في أيامه بني األندلسيني ،فهو يشير هنا إلى اسم أحد القائدين النصرانيني وهو Lopezالذي أشرنا إليه في التعليق على مناسبة هذه القصيدة ،وهذا االسم مشتق من الالتينية Lupusومعناها الذئب (وهي باإلسبانية احلديثة )Loboفابن دراج إمنا عرض باألصل الذي اشتق منه اسم القائد املذكور ،إذ إنه يقصد أن يقول« :كم من ذئب مثل هذا القائد مسمى باسمه لم يأل جهدًا في إيذاء املسلمني والعدوان عليهم بنابه وظفره حتى رد الله كيده وبطش به على يد منذر»( .ديوان ابن دراج 650:هامش .)2 ((( ديوان ابن دراج .652 : ((( أشار د .محمود مكي إلى قائدين من قواد شاجنه األكبر ،أحدهما اسمه (لُ ّبس بن غندشلب ،واآلخر :لُ ّبس بن شاجنه ،ولعل ابن دراج يقصد أحدهما. - 170 - ُ م�����اؤهُ �����م�����ا َث����������أ ًرا ف���ل���م َي���� َدع����ا ����������ت ِد َو َف ْ َّ �����ر ْه ح�����رب ن َع��� َل���ى ل��ل��م��س��ل��م�ي َ ِ ال����ض��ل�الِ ِت َ السفارات والسفراء والوفود: لم تكن احلروب واملعارك هي الوجه الوحيد للعالقة بني املسلمني واإلسبان ،وإمنا كانت هناك صور أخرى تعكس اجلوانب اإليجابية والسلمية لعالقة الطرفني ،ومنها تبادل السفارات والسفراء والوفود في ما يشبه العالقات الدبلوماسية ،واضطلعت قرطبة بدور كبير في هذا املجال في فترة اخلالفة األموية ،و«ك��ان الوفد السفاري يتكون من مجموعة من األفراد ،بينهم رئيس للوفد ،تتوافر فيه الصفات الالزمة من عراقة النسب ،ومهارة في التفاوض وحنكة سياسية ،واطالع واسع ،وفصاحة ،وكان السفير ومن معه يتمتع مبا يسمى اليوم باحلصانة الدبلوماسية ،وهو محط احترام وتقدير منذ وصوله إلى رحيله ،وكان السفير يقدم وثائقه في حفل رسمي يقام لهذا اً مجال الغرض ،يدل على تقدم كبير في قواعد اللياقة ..،وكان استقبال السفراء.. إلبراز عظمة الدولة ورخائها وقوتها» ((( وتنوعت أهداف تلك السفارات ما بني رغبة في عقد هدنة أو صلح أو صداقة أو تبادل جتاري. وحتتفظ املصادر األندلسية بأخبار كثير من هذه السفارات بد ًءا من عهد اإلمارة، فيذكر امل ّقري أن ملك القسطنطينية توفلس Theophilusبعث إلى األمير عبد الرحمن بن احلكم سنة 225هـ بهدية يطلب مواصلته ،فكافأه األمير عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه بسفارة من كبار رجال الدولة((( ،ونشطت السفارات في عهد اخلالفة ال سيما في خالفة الناصر ،وتذكر الروايات أنه ملا هلك غرسية بن شاجنة ملك البشكنس ((( أدب السياسة واحلرب.60-59 : ((( نفح الطيب .346 :1 - 171 - قام بأمرهم بعده أمه (طوطة) Teodaأو Todaوكفلت ولده ثم انتقضت على الناصر فغزا بالدها فجاءته (طوطة) بطاعتها وعقد البنها غرسية على بنبلونة. ((( كما وف��دت على الناصر سنة 336ه �ـ رس��ل صاحب قسطنطينية اإلمبراطور قسطنطني واحتفل الناصر لقدومهم في يوم مشهود حيث «ركب في ذلك اليوم العساكر وج ّمل بالسالح في أكمل ش ّكة ،وزين القصر اخلالفي بأنواع الزينة وأصناف الستورُ ، السرير اخلالفي مبقاعد األبناء واألخوة واألعمام والقرابة ،و ُرتّب ال��وزراء واخلدمة يومئذ في مواقفهم ،ودخل ال ُّرسل فهالهم ما رأوه ،و ُق ّربوا حتى أ ّدوا رسالتهم ،وأمر ٍ ّ ويعظموا من أمر اإلسالم واخلالفة ،وشكروا نعمة األعالم أن يخطبوا في ذلك احلفل، الله على ظهور دينه وإعزازه ،وذ ّلة عد ّوه .. ،ثم انصرف هؤالء الرسل وبعث الناصر معهم هشام بن هذيل بهدية حافلة ليؤكد املودة ،ويحسن اإلجابة ،ورجع بعد سنتني ((( وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطينية» وتشير الروايات إلى توافد السفارات والرسل على الناصر ،فقد جاءه رسول من ملك الصقالبة (هوتو) ،Ottonورسول آخر من ملك األملان ،ورسول آخر من ملك الفرجنة (أوقه )Hugoورسول آخر من ملك اإلفرجنة بقاصية الشرق (كلدة )Guido واحتفل الناصر لقدومهم وبعث مع رسول الصقالبة ربي ًعا األسقف إلى ملكهم هوتو ((( ورجع بعد سنتني. وفي سنة 344جاء رسول أردون يطلب السلم فعقد له ،ثم بعث يطلب إدخال فرذلند قومس قشتيلة في عهده ،فأذن له في ذلك ،و ُأدخل في عهده .وكان ملك الناصر باألندلس في غاية الضخامة ورفعة الشأن ،وهادته الروم ،وازدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر ،ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم واإلفرجنة واملجوس ((( وسائر األمم إال وفدت عليه خاضعة راغبة ،وانصرفت عنه راضية. ((( املصدر نفسه .364-363 :1 ((( البيان املغرب ،319 :2تاريخ ابن خلدون .142 :4 ((( نفح الطيب .365 :1 ((( املصدر نفسه .366-365 :1 - 172 - وحتتفظ املصادر بتفاصيل دقيقة عن مراسم استقبال السفارات ،ومنها سفارة امبراطور القسطنطينية حيث رحل الناصر من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول ولي العهد من بنيه، وفود الروم عليه ،فقعد لهم في بهو املجلس الزاهر ،وقعد عن ميينه ّ اً احلجاب من أهل اخلدمة من أبناء وشمال ،ووقف وحضر الوزراء على مراتبهم ميينًا ّ الوزراء واملوالي والوكالء وغيرهم ،وقد ُبسط صحن الدار أجمع بعتاق ال ُبسط وكرائم وظ ّللت أبواب الدار وحناياها ُ الدرانكُ ، بظلل الديباج ورفيع الستور ،فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة امللك وفخامة السلطان ،ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطني بن ليون ،وهو في رقّ مصبوغ لونًا سماو ًيا ،ومكتوب بالذهب باخلط اإلغريقي ،وداخل الكتاب ُمدرجة مصبوغة ً أيضا مكتوبة بخط إغريقي ً أيضا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها ،وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل ،على الوجه منه صورة املسيح ،وعلى اآلخر صورة قسطنطني امللك وصورة ولده ،وكان الكتاب بداخل درج ّ فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطني امللك معمولة من الزجاج املل ّون البديع ،وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج ،وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه :قسطنطني ورومانس املؤمنان باملسيح ،امللكان العظيمان ملكا ال��روم ،وفي سطر آخر :العظيم االستحقاق املفخر الشريف النسب عبدالرحمن اخلليفة احلاكم على العرب باألندلس -أطال الله بقاءه. ((( وحتتفظ امل �ص��ادر ك��ذل��ك مب��راس��م استقبال (أردون ب��ن أذف��ون��ش) على عهد املستنصر وذلك عندما بلغه اعتزام املستنصر الغزو إليه ،فخرج قبل أمان ُيعقد له أو ذمة تعصمه في عشرين رجلاً من وجوه أصحابه وتقدموا إلى باب قرطبة ،فمروا السدة وب��اب اجلنان سأل عن مكان بباب قصرها ،فلما انتهى أردون إلى ما بني ّ قبر الناصر فأشير له إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة ،فخلع قلنسوته ،وخضع نحو مكان القبر ،ودعا ،ثم ر َّد قلنسوته إلى رأسه ،وأمر املستنصر ((( نفح الطيب .368-366 :1 - 173 - بإنزال (أردون) في دار الناعورة ،وقد كان تق َّدم في فرشها بضروب الغطاء والوطاء، وتوسع له في الكرامة وألصحابه ثم استدعاه املستنصر وانتهى من ذلك إلى الغاية، َّ بالله بعد إقامة الترتيب وتعبئة اجليوش واالحتفال في ذلك من العدو واألسلحة والزينة، وقعد املستنصر على سرير امللك في املجلس الشرقي وقعد األخوة وبنوهم والوزراء ونظراؤهم ص ًفا في املجلس ومعهم القضاة والفقهاء ،وأتى الوزير محمد بن القاسم بن رومي ديباجي طملس -صاحب احلشم -بامللك (أردون) وأصحابه وعالي لبوسه ثوب ّ ّ أبيض و َبلْيوال من جنسه وفي لونه ،وعلى رأسه قلنسوة رومية منظومة بجوهر وقد صفي حفته جماعة من نصارى وجوه الذمة باألندلس يؤنسونه ويبصرونه ،فدخل بني ّ الترتيب يق ّلب الطرف في نظم الصفوف ،ويجيل الفكر في كثرتها وتظاهر أسلحتها فترجل جميع من ورائق حليتها حتى وصلوا إلى باب األقباء أول باب قصر الزهراء َّ كان خرج إلى لقائه وتق َّدم امللك أردون وخاصة قوامسه على دوابهم ،حتى انتهوا إلى فترجلوا ودخل امللك بالترجل هنالك واملشى على األقدام، السدة ،فأمر القوامس ُّ ّ باب ُّ أردون وحده وخرج اإلذن ألردون امللك من املستنصر بالدخول عليه فلما قابل املجلس الشرقي الذي فيه املستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع ُبرنسه ،وبقي حاس ًرا إعظا ًما ،واستنهض فمضى بني الصفني وخ َّر ساج ًدا سويعة ثم استوى قائ ًما ثم نهض خطوات ،وعاد إلى السجود ،ووالى ذلك مرا ًرا إلى أن قدم بني يدي اخلليفة وأهوى إلى يده فناوله إياها وك َّر راك ًعا مقهق ًرا على عقبه إلى وساد ديباج مثقل بالذهب ،جعل له هناك ،ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير ،فجلس عليه ،والبهر قد عاله ،وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه ،فدنوا ممتثلني في تكرير اخلنوع وناولهم اخلليفة يده فق ّبلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم ،ووصل بوصولهم وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة ،وكان الترجمان عن امللك (أردون) في ذلك اليوم ،فأطرق املستنصر عن تكليم امللك (أردون) إثر قعوده أمامه وقتًا كيما ُيفرخ روعه ،ومتضي الرواية فتنقل احلوار الذي دار بني املستنصر و(أردون) ،وفيه يشكو (أردون) من ابن عمه شاجنه ويلتمس وساطة املستنصر الذي وعده بإنصافه وصرفه ((( ً مغبوطا إلى بلده بعد أن أبدى كل مظاهر اخلضوع للمستنصر. ((( نفح الطيب393-388 :1 - 174 - وكان لهذه السفارات أصداء واسعة في نفوس الناس أو الرعية الذين استشعروا عزة اإلسالم وعظمة اخلالفة ،وواكب الشعراء هذه املناسبات وص َّوروها تصوي ًرا رائ ًعا على نحو ما جنده في قصيدة عبدامللك ابن سعيد املرادي التي يصف فيها سفارة امللك (أردون) وجلوئه إلى املستنصر لنجدته ونصرته وعقد أواصر الذمة واملودة ،وفيها يقول: ((( ��������ك اخل�����ل�����ي�����ف ِ ُم�������� ْل ُ �����ة آي������������ ُة اإلق�������ب�������الِ وس����������ع����������و ُده م�������وص�������ول������� ٌة ب�����ت�����وال�����ى ٍ وب�����رف�����ع�����ة وامل�������س�������ل�������م�������ونَ ب���������ع��������� ّز ٍة وامل���������ش���������رك���������ونَ ب���������ذ ّل ٍ وس��������� َف���������الِ ���������ة َ �����و ُه أل������ق ْ ������ت أي�����ادي�����ه�����ا األع�������اج������� ُم ن�����ح َ ِ �������ول�������ة ال������ ِّرئ������ب������ال ل�������ص ن م�����ت�����وق�����ع��ي�� َ َ ه������������ذا أم����������ي���������� ُرهُ ���������� ُم أت��������������اه آخ������������ ًذا �����������������ة ِ ٍ وح�������ب�������ال ذم م������ن������ه أواص��������������������ر ّ َ ِ جل���ل���ال�������ه م����ت����خ ّ ����ع����ا ������ع������ا ����ش ً م������ت������واض ً �����������������ر ْع ب����ق����ت����الِ ل�����ـ�����م�����ا ُي م������ت������ب������ ّر ًع������ا ِ ّ س����ي����ن ُ ����ال ب���ال���ت���أم���ي���لِ ل���ل���م���ل���ك ال���� ّرض����ي ِع������������������� ًّزا َي��������ع�������� ُّم ِع����������������داه ب����������������اإلذاللِ فاملرادي يرى في وفادة امللك (أردون) يو ًما مشهو ًدا أدخل املس ّرة على اخلالفة وتواصلت به السعود ،وه��و يؤكد ع��زة اإلس�لام ورفعته في مقابل إذالل املشركني واتضاعهم ،ويشير الرمادي إلى ما أظهره (أردون) من خضوع للخليفة طم ًعا في نيل رضاه وإنصافه من بني جلدته. ويشيد املرادي بعظمة هذا اليوم وال يبخس امللك اجلليقي ح ّقه من املنزلة التي يتمتع بها في قومه فيقول: ((( نفح الطيب.394-393 :1 - 175 - ال ي������������و َم أع�������ظ������� ُم ل�������ل�������والة م������س������ ّر ًة وأش���������������� ّده غ�����ي ً �����ظ�����ا ع�����ل�����ى األ ْق��������� َي���������الِ ي���������وم (أردون) ال���������ذي إق����ب����ال���� ُه م������ن ِ ُ أم�������������ل امل�������������دى ون�������ه�������اي������� ُة اإلق�������ب�������ال األع������اج������م ك��� ّل���ه���ا اب������ن م���ل ِ م����ل ُ ���وك���ه���ا ����ك ِ وال����������ي ال�������� ُّرع��������اة ول���ل��أع������اج������م وال������ي إن ك�������ان ج�������اء ض������������رور ًة ف���ل���ق���د أت����ى ٍ وط��������������وع رج�������ال مم�����ل�����ك�����ة ع�������ن ع���������� ّز ِ ُ �����ام����� َن�����ا ال����ـ����م ف�����احل�����م����� ُد ل����ل����ه ُ ����ن����ي����ل إم َ ِ امل������ل������وك ب�������� َق�������� ْد ِ َّ ���م���ت���ع���ال���ى ح�������ظ ره ال���ـ ُ ويحتفي املرادي بوصف مراسم استقبال (أردون) وصحبه ،ويشبه جتمع الناس وتزاحمهم وكثرتهم بيوم احلشر ،ويصف اجليش الذي اصطفت كتائبه ومألت الفضاء وتصاعد غباره فغ َّبر األفق وكأنه لبس ثو ًبا قامتًا وأحال النهار ظال ًما حتى ال يستطيع الساري فيه أن يهتدي إال ببريق السيوف والرماح ،ويشير إلى رسوم العقبان املنقوشة ُّ تنقض على أهل الشرك والضالل على الرايات وكأنها حقيقة ال مجرد رسوم ويتخيلها ويصف الرماح الطويلة التي يحملها اجلنود ويراها كاجلبال املمتدة ويتخيل التجافيف وهي تبرق كأنها اكتست بنيران تؤججها دون اتقاد حقيقي ،يقول: ال������ن������اس إال أن����ه���� ْم ح����ش����ر ه�����و ي��������و ُم ِ ِ ل�������م ُي������س������أل������وا ف�����ي�����ه ع�������ن األع�������م�������الِ ِ ب��ج��ي��وش��ه ���م���ا أض����ح����ى ال����ف����ض����ا ُء م���ف ّ ���ع ً ُ �����س�����رب�����ال واأل ْف ����������������ق أق������ت������ ُم أغ������ب������ ُر ال ّ ال�������س�������اري ل����ل����ي����لِ ق���ت���ام ِ ���ه ال ي����ه����ت����دي َّ ِ ������������������وارم وع������وال������ي ص إال ِب ��������ض��������وء َ ٍ - 176 - �����م ِ ����ت ����رب����ل ْ وك���������أنَّ أج�����س�����ا َم ال����� ُك َ �����اة ت َ َ����س ْ ���������ت ع����ن����ه ج������س������و َم ِص���ل��ال ُم��������ذ ُع��������� ِّر َي ْ وك������أمن������ا ال�����ع�����ق�����ب�����انُ ع�����ق�����ب�����انُ ال���� َف��ل�ا ال��������ض اّ ������ض������ ٌة ل������ت������خ ُّ ُّ ������ط َ م������ن������ق ّ ����ّل���ل ������ف ����ب ال�����ق�����ن�����ا م�����ه�����ت����� َّز ٌة وك�������������أنّ م����ن����ت����ص َ ٍ ن��������ازح��������ة ب�����ع�����ي�����دة ج�������الِ أش��������ط��������انُ �����ل ال����تَّ����ج����اف����ي ِ وك�����أمن�����ا ُق����� ْب ُ ���ت ����ف اك���ت���س ْ ������ج������ه������ا ب����ل����ا إش������ع������ال ن�����������������ا ًرا ت������وه ُّ وحتدث ابن حيان عن سفارة أخرى في عهد احلكم املستنصر سنة 360هـ حيث وفد على بالطه (بون فليو )Bonfillبن سندريط سفي ًرا لبريل Borrellبن شنير حاكم إمارة برشلونة وكان بصحبته مجموعة من الفرسان وكان هدف هذه السفارة هو عقد معاهدة ِس ٍلم وصداقة بني إمارتي برشلونة وقرطبة ،وقد استجاب اخلليفة لهذا الطلب واستقبلهم أحسن استقبال ،وأنزلهم في منية نصر التي تقع خارج قرطبة على نهر الوادي الكبير وعني اخلليفة هشام بن محمد حاكم طرطوشة وبلنسية ليشرف على راحتهم وكان يقوم بالترجمة لهم وللخليفة عنهم بعض القرطبيني املستعربني((( ،ويذكر ابن حيان أن سفير حاكم برشلونة تقرب إلى اخلليفة احلاكم املستنصر بإهدائه ثالثني أسي ًرا من أسارى املسلمني ،وشارك الشعر في هذه املناسبة ،ونظم أحمد بن إبراهيم اخلازن قصيدة ص َّور فيها حاكم برشلونة بـ(الطاغية) ورأى أنه كان على صواب في إيثار الهدنة وأنه لو لم يسلك هذا السبيل وجاء طائ ًعا مذعنًا جلاء أسي ًرا مقي ًدا في ((( األصفاد ،يقول: ���ق ف���ي األرض ن��اك ٌ ���ك أن ل���م ي���ب َ ���ه��� َن َ ��ث ِل��� َي ْ أت�������������اك ب���ل���ا ع����ه ِ وال م�������ش ٌ َ ����د �������رك إال ((( املقتبس في أخبار بلد األندلس ،البن حيان القرطبي ،حتقيق عبد الرحمن احلجي ص .20 ((( املصدر نفسه .123-122 - 177 - ف��ه��ـ��ذا «اب�����ن ش���ن���ج» وه���ـ���و ط���اغ���ي��� ٌة لهم ِ القصد رأى ال ُّرش َد في التحكيم واألمنَ في ٍ إف�������رجن�������ة وع���م���ي���ده���ا وأل�������ق�������ت ي��������دا ْ ول���������وال ي������� ُد اإلل�������ق�������اء ج���������اءك ف������ي ق���� ِّد َّ وه�����ذا مل���ن ف���ي ����رق وال����غ����رب م����ؤذنٌ ال����ش ِ ك��م��ا أنَّ خ���ط َ ����رق ي������ؤذنُ ب���ال��� َّرع ِ���د ���ف ال����ب ِ ويع ُّد اب��ن د َّراج من أكثر الشعراء األندلسيني وص ًفا للسفارات والوفود مم��ا هيأه لذلك كثرة األجنبية ،وميثل ه��ذا اجل��ان��ب ً ملمحا ب ��ارزًا ف��ي ش�ع��ره ،و ّ السفارات في عهد املنصور بن أبي عامر ،فقد أخافت انتصاراته الروم ،فسعوا إلى التماس الصلح معهم ،وأنفذوا رسلهم ووزراءهم يعلنون خضوعهم وانقيادهم، ورسم ابن دراج صو ًرا لهؤالء الرسل الذين وفدوا على املنصور يحملون كت ًبا تنطق بالتضرع واالستسالم ،ومن ذلك تصويره موقف «غرسية بن شاجنة» واضطراره إلى اخلضوع للمنصور بعد أن أدرك أنه ال يستطيع الصمود أم��ام قوة جيش املنصور ،وفي ذلك يقول: ((( ���م���ا ر َأى َ �����ر ِس����� َّي����� ٌة» َأ َّن�������� ُه ال������ َّردى ول���ـ ّ «غ ْ ي���ق���ي��� ًن���ا و َأنَّ ال�����ل����� َه ال َش َّ ��������ك غ����ا ِل���� ُب���� ْه ���اف ِ ح������زب ال����ل ِ ����ه دونَ َش���غ ِ َو َق�������� ْد َح َّ ���ه ������ل ُ �����ر ْي ِ َ����ت ِف�����ي ن ِ �����ه ك��ت��ائ�� ُب�� ْه َو َق�������� ْد َس���� َل����ك ْ �����اظ َ �����وع����� ُه ������ح ال����ع����زم ي��س��ق��ي ُر ُب َ وواف���������ا ُه ري ُ ِ ؤام س���ح ِ ����ل ب�����امل ِ ����ه ُّ ���ائ��� ُب��� ْه وت����ن َ �����وت ال������������ ُّز ِ ِ امل���������وت َط������� َّم ُع����ب����ا ُب���� ُه ����ر و َأب َ �������ر ب����ح َ �������ص َ ن���واح ِ ِ َ َ غ����وار ُب���� ْه ����ت ���ي���ه ����ت ِ وج����اش ْ وف����اض ْ ((( ديوان ابن دراج .518-517 : - 178 - ص����������ادق َو ْع ِ ُ �����������د ِه و َأي������� َق�������نَ َأن ال�����ل����� َه ِ َّ ال�������ض���ل���الِ ك�������واذ ُب������� ْه م�������ان�������ي و َأنَّ َأ َّ �����ام ِإ َل�������ى ا َّل ِ ض����� ْن ُ �����م����� ُه َ ���ت���ي و َأس����� َل َ �����ك امل�����ق ِ ����اع����ي ِ ����ه����ا ق������ا َم ن ِ ِ ����ه َ ن�����واد ُب����� ْه �����ت �����ج ْ َل َ وض َّ َو َق������������ ْد را َب������������ ُه َأن���������ص���������ا ُر ُه وكُ�����م�����ا ُت����� ُه َ ق���������ار ُب��������� ْه ش������ي������اع������ ُه و َأ �����������ش����������� ُه َأ و َأ ْو َح ِ ُ ِ ِ وع�������د ِه خ����������اد َع و َأخ�����ل����� َف����� ُه ال����ش����ي����ط����انُ َ �����ح�����ار ُب����� ْه ع����ن����ك ُم و َأي�������ق�������نَ َأنَّ ال�����ل����� َه ِ ت����ل���� َّق َ ج���ي���ش م����ن ال�������� ُّذ ِّل ج��ح��ف ٍ��ل ����اك ِف�����ي ٍ ِ ورغ�������ائ������� ُب������� ْه ص������������وار ُم������������ ُه آم���������ا ُل��������� ُه ِ ويشير ابن د ّراج إلى إحفاء امللك النصراني رسله ووزراءه طم ًعا في طلب الصلح من املنصور بعد أن تخلى عنه أنصاره وجنوده ولم تفلح محاوالته العسكرية الفاشلة، ((( وفي ذلك يقول: ِ وم���ن َق�� ْب ُ ��ل َأح��ف��ى ال��� ُّر ْس َ ��ار ًع��ا ��و َك ض ِ ���ل ن��ح َ َ ل���دي���ك م��ط��ال�� ُب�� ْه َع��� َل���ى ح��ي��ـ��نَ َأنْ َع������� َّز ْت ِ َّ������ر ِّ ض������ي وزي���������� ُر ُه و َأ ْع�������ي�������ا ب�����������آراء ال������ت َ �������اظ ال������تَّ������ َذ ُّل������لِ ك ِ و َأ ْن�������� َف�������� َذ َأل�������ف َ ����ات���� ُب���� ْه راح�����تَ����� ْي ِ ف���� َأ ْع����ط����ى ِب ِ �����ه ُم�����ب ِ �����اد ًرا َ����ي َ ����ك���� ْل����ت ْ ��������ر ٍض ب�����ا َّل ِ ن�������ت راغ���� ُب���� ْه �����ذي َأ َ َأل ْم ِ �����������ر َك ُم ْ ����ل ال������� ِّر ِّق م���ن ُح����� ِّر ِج ِ و َأ ْم�����كَ�����نَ َح���� ْب َ ���ي���د ِه ِ ����ع َع��������ز ٍْم َح���� ْي ُ ج����اذ ُب���� ْه ����ث َأ ْم���������� ُر َك ُم����ت ِ ����اب َ ف���� َأ ْع َ ����اع���� ًة �������ر س َ ����ط���� ْي����تَ���� ُه َم������ا َل ْ �������و تَ������� َأ َّخ َ ���م َرك ِ ����ائ���� ُب���� ْه ������ت ِإ َل�������ى ِ َل������ ُز َّم ْ ن������ار اجل���ح���ي ِ ((( املصدر نفسه .519-518 - 179 - ويرصد ابن دراج في شعره «وف��ود ملك البشكنس (إم��ارة نبارة) شاجنة بن غرسية Garces Sanchoعلى قرطبة محك ًما للمنصور في نفسه ومعلنًا له بالطاعة واخلضوع ،وكان شاجنة قد ج َّدد من قبل عهود السلم للمنصور ثم نقض تلك العهود، وحينئذ لم ير فأوقع به العامري عدة هزائم قتل في إحداها ابن له في سنة 371هـ، ٍ امللك املسيحي ب ًّدا من العودة إلى إعالن طاعته للمنصور وجتديد العهد له ،بل إنه لم يلبث أن أهدى إلى املنصور ابنة له ،فأعتقها هذا وتزوج منها فأجنبت له ابنه عبد الرحمن الذي كان ُينبز من أجل ذلك بلقب (شنجول) ..وهو تصغير اسم (ساجنة) ج ّده ألمه .وفي سنة 382هـ ورد إلى قرطبة مقدم امللك املسيحي صهر املنصور إلى قرطبة اً ً استقبال فخ ًما(((، مستصرخا» فاستقبله املنصور «محك ًما في نفسه» ..أو «زائ� ًرا ((( وبهذه املناسبة قال ابن دراج قصيدته التي مطلعها: ���س��� ُم ل��ل��م��ج ِ��د َم�����نْ َس��م��ا َأال هَ ����كَ���� َذا َف��� ْل��� َي ْ م������ار امل���ل ِ ���ك وال����دي����نِ َم�����نْ َح��م��ى ����م ِذ و َي ْ ����ح ِ َ ويحرص ابن دراج في قصيدته على تعظيم صورة امللك النصراني واإلعالء من شأنه فيصفه بـ «عظيم الشرك» و«سليل ملوك النصارى» ،و«وارث ملك الروم» وواسطة العقد في أنساب القياصرة ،وبرغم هذه املنزلة الرفيعة التي يتبوؤها في قومه ،فقد ((( جاء إلى املنصور خاض ًعا منقا ًدا .يقول ابن دراج: وه����ذا ع��ظ��ي�� ُم ال ِّ ����ر ِك َق���� ْد ج����ا َء خ ِ ��اض ً��ع��ا ����ش ْ و َأل������ق������ى ب����ك���� َّف���� ْي ِ ����ه ِإ َل�������� ْي َ ���ح ِّ ���ك���م���ا ��������ك ُم َ ��ل م���ل ِ س��ل��ي ُ ��س��ن��ا ���وك ِ ال��ك��ف��ر ِف����ي ِذ ْر َو ِة ال َّ ِ وم َأ ْق����������� َد َم َأ ْق����� َدم�����ا ووار ُث ِ م���ل���ك ال���������� ُّر ِ ِ �����وس َ ���ر ف��ان��ت��م��ى ن�����س�����اب �����ط َأ ال���ق���ي���اص ِ ت َّ َ ِ ق��������ر َب ُم�� ْن��تَ��م��ى ���ص���ي ِ���د وا َأل م���ن ال ِّ م����ل����اك َأ َ ((( ديوان ابن دراج ،املقدمة .30: ((( ديوان ابن دراج .534 : ((( ديوان ابن دراج .535 : - 180 - ويعلل ابن دراج أسباب وفود امللك النصراني خاض ًعا ،ويعزو ذلك إلى خوفه من قوة املنصور العسكرية ويأسه من مواجهته ورغبته في احلياة وتشبثه بها مما دفعه مشرعا رماح التذلل وسيوف اخلنوع إلى االرحتال إلى كنف املنصور واالستجارة به ً واخلضوع ،يقول: ((( ِ س���ي���ف َ ���س��� ُه ���������ر ُب ���ك َن��� ْف َ ومل������ا ت���ق���اض���ى َغ ْ وح َ ���ح���تَ��� َق���نَ ال��� ِّد َم���ا ����اط ْ ����ت َل����� ُه ا َألق���������دا ُر ُم ْ َو َل�������� ْم ي���س���ت ِ ِ احل����ي����اة ت���� َأ ُّخ���� ًرا ���و ���ع ن���ح َ ���ط ْ ����و ال����� َّن�����ج ِ �����اة تَ���� َق���� ُّدم����ا �������و ٍت وال ن����ح َ ِب������� َف ْ ������دارك������ ُه امل�����ق�����دا ُر ِف�����ي ق���ب���ض ِ���ة ال������ َّردى ت َ ������اط������ َب������ ُه ح����� ًّن�����ا َع����� َل����� ْي ِ وخ َ ����م����ا �����ه ف���� َأ ْف َ ����ه َ َّ �������ر ُه ال�����تَّ����� ْأ ِم�����ي ُ �����ل م����ن َ ب���ع ْ ���ط��� َف ٍ���ة ����ك َ وب�������ش َ ِ ���س���م���ا ����ه����ا َر ْو َح ت���ل��� َّق���ى ِب َ احل�����ي�����اة تَ��� َن ُّ ِ م�����������اح ال������تَّ������ َذ ُّل������لِ ظ���اع��� ًن���ا أر َ ف������� َأ ْش َ �������ر َع ْ �����ت َأس����ي َ ��ص ِّ��م��م��ا ص����� َل َ ����وع ُم َ و َأ ْ ����اف اخل����ض ِ ويشير ابن دراج إلى ما وجده امللك النصراني من تبجيل في رحاب املنصور وكيف حظي في بالطه بالنعيم بعد أن سامه الذل في بالده وسقاه كؤوس الهزمية في عقر داره مؤك ًدا سنن اخللق العربي في الشهامة وإكرام الضيف ،يقول: وق���������ا َد حل����ب����لِ ال���������� ِّر ِّق ن�����ح َ ����س���� ُه �����وك َن���� ْف َ وواف������������اك ُم��� ْن ِ َ َ ���ع���م���ا م�����تَ����� ًّن�����ا َف ���ل��اق������اك مُ ْ �����ت ِب ِ ���ب ال����ق ِ ����د ا َّل ِ ����ائ ِ ������ذي وح����� َّف ْ ������ه ل���ل���ح ِ ���اج ِ َ َأب�������ى ال�����ده����� ُر ِإلاّ َم�����ا َأ َم��������� َّر و َأ ْح����كَ����م����ا ٍ ق����������ادر آب���������������اء وم������ن������ع������ ُة ح�������م�������ا َي������� ُة ٍ ِ ���ح��� َّر َم���ا ي���تَ���ي��� ُه َع���� َل����ى ص������رف ال�����زم ِ �����ان ُم َ ((( ديوانه .535 : - 181 - ����������راح ذل�����ي اً ����ج��ًلً َف ��ًل�� ُث�������� َّم َأض�����ح�����ى ُم���� َب َّ َ ْ���رم���ا و َأم����س����ى ُم���ه���ا ًن���ا ُث������ َّم َأ َ ص����ب����ح ُم���ك َ ِ ��ل�ام����ة ِ ِّ واف�������� ًرا ال����س ح�����ظ ص�����ب�����ح م����ن و َأ َ ّ ���ع ِ ���دم���ا راح م����ن ع����� ِّز ا ِإل م�������������ار ِة ُم ْ ب������� َأن َ َ َ َ �����اس�����ت ْ ل�����دي�����ك ت����ذ ُّل��ًلً َ�����خ�����ذى والق�����������اك ف ْ َ َ����ر ُّح����م����ا ل���ي���ح���ت���ا َز م����ن أدن�������ى رض��������اك ت َ َ ق��������ادر ذم������������ ُة �������رتْ������� ُه م�����ن�����ك َّ ٍ ل����ئ����ن َخ������� َف َ َ ����ر َ اخل����������� ُذ َ مَّ����ا ول ُم���� َذم ل���ق���د ف ��������ارق ال����كُ���� ْف َ دار ِه ����ر ِ ل��ئ��ن ُس��� ْم���تَ��� ُه ال���ب��� ْأس���ا َء ِف����ي ُع���� ْق ِ دار م���ل ِ ���ك َ ل���ق���د ُع ْ ���ع���م���ا ����ض����تَ���� ُه ِف�����ي ِ ���ك َأ ْن ُ ويعتمد ابن دراج على «املقابلة» بني موقف املنصور من امللك النصراني وقومه في حالة احلرب حني سقاهم علق ًما ،وحاله حني وفد عليه (شاجنة) فبسط له يد األمن واستقبله مبا ميليه عليه اخللق العربي من مروءة: ����س َ ب���س ْ ����ط ال�� َق��ن��ا ���ط َ ���ت َل����� ُه َأ ْم���� ًن����ا َو َق������� ْد َب َ �������رى َأ ِ ب�����ك َأع ُ رض��������ه م����ن أه���ل���ه���ا َ ���ظ���م���ا َث َ س���ق���ي���ت ِب ِ �������ه ا ِإلس�����ل�����ا َم َأ ْر ًي�����������ا وط���امل���ا َ ِ وع�� ْل�� َق��م��ا س���ق���اهُ ��� ْم ب���ك��� ْأ ِس امل�����وت ص���ا ًب���ا َ وتستهوي اب��ن دراج ص��ورة (ش��اجن��ة) وه��و في موقف التذلل واخلضوع واالنقياد فيرددها غير مرة: راح�����تَ����� ْي َ �����ك ُم����� َذ َّل��ًل�ً وه������ا هُ َ �������و َذا ِف������ي َ �����ت ِف ِ ره���ي��� ًن���ا مل����ا َأ ْم َ ���ح���كَّ ���م���ا �����ض����� ْي َ ����ي����ه ُم ْ ال��ـ��م�� ِل ِ ��ك ا َّل ِ ����ذي ����س���� ًرا ِإ َل�����ى َ َ رم����ى ن��ف َ ��س�� ُه َق ْ ���م���ا ������ر مم���ل���وكً���ا َل������� ُه َف���ت َ َ���ع��� َّل َ ر َأى ال������ َّده َ - 182 - ويؤكد ابن دراج على دور القوة العسكرية للمنصور في إخضاع (شاجنة) ويرسم مشه ًدا رائ ًعا يجسد عزة اإلسالم في األندلس وفيه نرى امللك النصراني وهو يتقدم ملالقاة املنصور وقد حاصره الرعب واستب َّد به اخلوف فمشى إليه بخطوات متثاقلة وكأن الرعب يقيده وقد بدا كالدابة التي أرخيت لها حبال اخلضوع ،ويصفه وهو يتكلم فيكاد الرعب يقيد لسانه وقد ضاعف من رعبه مشهد اجلنود املصطفة بأسلحتها فيحجم عن احلديث ويتردد ولكنه ال يلبث أن يتذكر ما أحاطه به املنصور من رضى فيتق َّدم وهي ص��ورة نابضة بالدالالت النفسية املوحية حلالة هذا امللك املضطرب النفس: ُ �ي�ن ا ْن��ت َ َ��ض�� ْي��تَ��ه��ا ول����وال س��ي��وف ال��ن��ص ِ��ر ح َ ل���ق���د ج َّ َ���وهَّ ���م���ا �����ل هَ ������� َذا ال���ص ُ ُّ ���ن���ع أن ُي���ت َ ���ص��� ُر َخ ْ ����و ُه ف���ج���ا َء و َق���� ْي���� ُد ال��������� َّر ْو ِع َي���ق ُ ����ط َ وي������تَ������ ُّد ِف�����ي ح���ب���لِ اخل����ض����وع تَ��� َق��� ُّدم���ا مَ ْ ِ ي���خ ِ مفصحا ������ب و ِإن كَ�����انَ ً ���اط ُ ���ب ع���ن ُر ْع ٍ و ُي���� ْف ِ ذع�����ر و ِإن كَ������انَ َأع��ج��م��ا ����ح ع���ن ����ص ُ ٍ �������ول اجل�����ن ِ راع��������� ُه ه ُ ���ج���م���ا ِإذا َ �����ود ف��� َأ ْح َ َ ض������������اك ف���� َأق����دم����ا ت���������داركَ��������� ُه ِذك�����������رى ِر َ ُّ تصطف فيه كتائب اجلنود وميضى ابن دراج في وصف مشهد االستقبال الذي حاملة األعالم التي رسمت عليها صور األسود والعقبان حيث تذ ّكر (شاجنة) بهول املعارك وتضاعف من رعبه مبا توحي به من دالالت اخلوف والرهبة: ال����ط ِ ����رف ِإلاّ َّ َ وض���ي َ ���غ��� ٌم ������ع رج َ َو َم������ا ك���� َّر ْ ��������ب ا َأل ِس������ َّن ِ ������ة َ ض��ي َ ��غ��م��ا ُي�����س ِ �����او ُر ِف�����ي ُر ْع ِ اض ِ ���ط���و ب����ال����ه ِ و َأ ْر َق����������� ُم ي���س ُ ����واء ْ ����ط����را ُب���� ُه ي����ن ِ ����ع َأرق���م���ا ����س ِف�����ي ٍ ل���ي���ل م����ن ال���� َّن����ق ِ ����اه ُ - 183 - ِ ع�������ل������ام مَ ُ ت������������ ُّر ي���خ���ا ُل���ه���ا وع������ق������ب������انُ َأ ٍ َع��� َل���ى ن��ف ِ ��وم��ا �����رب ُح َّ ����ر ِك احل ِ ��س ِ��ه ِف���ي َم ْ ����ع َ َف�����ل����� َّل ِ ِ �����ه ي����������و ٌم َج َّ �������دي�������د ِه ����������ل َق������������� ْد ُر َع وع����������� َّد ِت ِ مَّ�������ا �����������ه ع�������ن ِم����� ْث����� َل�����م�����ا وك������� َأن ُ وفي سياق التذكر واالسترجاع يشير ابن دراج في قصيدة أخرى إلى وفادة (ابن شنج) خاض ًعا منقا ًدا بعد أن ضاقت به األرض ولم يجد أمامه وسيلة لإلبقاء على حياته سوى اللجوء إلى املنصور ،فوفد عليه معتر ًفا بأخطائه وذنوبه مشتملاً مبالبس الرهبان ((( ليبدو في صورة أخرى مناقضة لصورته كداعية حرب .وفي ذلك يقول ابن دراج: �����ك خ ِ �����و َم َأ َّم َ ��اض ً��ع��ا ���ج» َي ْ َح���تَّ���ى «ا ْب�����نُ َش��� ْن ٍ �������ك ِب ِ ام�������� ُة ت ِ تَ���س���ع���ى ِإ َل������� ْي َ ����ب ����ائ ِ ��������ه َن�������� َد َ ���ع ِ ���ج��� ْد ���د َم����ا َرا َز((( ال���ب�ل�ا َد َف��� َل��� ْم َي ِ م����نْ َب ْ ض ع���ن م������� ْأ َ ه����ار ِب ����ر َب ِف����ي ا َأل ْر ِ ِ واك َم ْ ����ه َ ِ ����ع َ ور َأى ال َّ ��ل�ال َع��� َل��� ْي َ ����ض َ ���ك َأ ْ ن��اص ٍ��ر ����ف ض َ ي���������نَ ص ِ ورأى ال ِ ار ِإ َل����� ْي َ ���ب ���اح ِ �����ك َأ مْ َ ������ر َ ������ف َ �������ذ َّل ِ َ�����ر ًف�����ا ِب ِ َ ������ب �����ع�����ت ِ ودع�����������اك ُم ْ �������ة ُم������ ْذ ِن ٍ ����س ِ ����ش����ت ِ ����ة ِ َ����م اً ت�����������اك ُم ْ َ �������ب و َأ راه ِ ��ًل� ِب���� ِل���� ْب َ ويسجل ابن دراج في قصيدة أخرى وفادة أمير قشتالة «شاجنة بن غرسية بن فرذلند» سنة 382هـ موف ًدا من قبل أبيه «غرسية» قومس قشتالة ،وترجع أهمية هذه القصيدة إلى أنها تع ُّد الوثيقة الوحيدة التي حتتفظ بوصف هذه السفارة حيث َّ استهل ابن «لم تتحدث كتب التاريخ اإلسالمية وال املسيحية عن تلك السفارة»((( ،وقد دراج قصيدته بإظهار قوة املنصور بن أبي عامر احلربية وهيمنته على الب ّر والبحر ((( ديوانه.267-266 : ((( راز :امتحن ،ج َّرب. ((( ديوان ابن دراج ،املقدمة 30: - 184 - مما أفزع املمالك املسيحية فلم يجد ملوكها ُب ًّدا من مهادنته وخطب و ّده والوفود إليه من كل حدب وصوب .يقول: ((( ِ اخل�����ائ ِ َ ِإ َل������ ْي َ �����و ِج�����لِ م���ن���ك ف�������را ُر ������ك �����ف ال َ َ ال�����ف�����ار ِس ال��� َب َ ���ط���لِ َو ِف�������ي َي ����دي����ك َأم��������انُ ِ ����و َك اآلف ُ ���ت ���ع ْ ت���ق���ا َب��� َل ْ َ���م َ ���ت ن����ح َ واج���ت َ ��������اق ْ ���ك َش���تَّ���ى ال ُّ َع��� َل���ى مي���ي ِ���ن َ ���س��� ُب���لِ �����ر ِق وال ُّ �����ط ْ ����ع ِ ْ�����ك م�����ل ُ �����م�����ت َ ����م���� َل���� ًة �����وك ا َأل ِ رض ُم ْ مَ َّ وي َ ِ ِإ َل������� ْي َ جن�������اء اخل�����ي�����لِ وا ِإلب���������لِ �������ص �������ك َن َّ ����ك ِف����ي ُش ُ ف���ال��� َب��� ُّر وال���ب���ح��� ُر ِم�����نْ ِآت����ي َ ���غ ٍ���ل َّ راج���ي َ ���ك ِف���ي َج��� َذلِ ���رب م��ن ِ ���ر ُق وال���غ ُ وال���ش ْ ُّ وتطل ص��ورة «شاجنة» وقد جاء على رأس وفد حاملاً الكتب التي تدعو إلى ً جيشا من الذل االستعطاف في لهجة مفعمة بالتهكم والتشفي ،فيتصوره وهو يقود واخلضوع ،وقد تخلى عن أسلحته وكتائبه ورفع راية االستسالم وقد استبشروا خي ًرا بعفو املنصور وإجابة طلبهم .يقول ابن دراج: ((( ����ك ع ِ ����م���� َم َ ������ج» م����ن َ �����ائ����� َد ًة َو َق��������� ْد تَ���� َي َّ «ش������ ْن ٌ تجُ ِ ����ي���� ُر ُه م���ن س���ي ِ ����وهَ ����لِ َ����ر ِب وال َ ���وف ال����ك ْ َّ�����و ِف�����ي ُ �����ق َي���� ْق���� ُد ُم���� ُه وق��������ا َد ن�����ح َ �����و َك وال�����ت ْ ج��ي ً ��ش��ا م���ن ال������ ُّذ ِّل ِم ْ ��س��ه��ل واجل��ب��لِ ������ل َء ال َّ ���ت���ع ِ حل����ي����اة َج َّ �������ل َم ْ ٍ ���ط��� َل��� ُب���ه���ا ���ط��� ًف���ا ���س ْ ُم ْ َ��ع ِ��ط ِ ��ف ال�� ُّر ُس��لِ ��س��ت ْ ع��ن ُم�� ْب�� ِل ِ��غ ال��كُ��ت ِ ْ��ب َأ ْو ُم ْ ِ ����ت ل��س��ي��وف م��س��ت��خ��ذ ًي��ا ِ ال��ن��ص��ر ح�ي�ن َأ َب ْ �����اع�����ت ِ ����م����لِ م�����ن دي��������نِ ط َ �����ه ق��������ولاً ب��ل��ا َع َ ((( ديوانه.554: ((( ديوانه .555-554 : - 185 - َخ��� َّل���ى ال���ك���ت ِ ����س���� ًرا وال ُّ ���ظ���ب���ى َ وغ����دا ���ائ َ ���ب َق ْ ع����ن ا َأل ِح������� َّب ِ ش�������ي�������اع ِف������ي ُش ُ ����غ����لِ �������ة وا َأل ِ ����ح ِ ُم ِ ع��������ان َج َّ ��������ل م���ط��� َل��� ُب��� ُه ����ة ٍ �����������ذ َّل ص����ف َ ص��� ْف ِ ���ح َ ���ك امل����� ْأم�����ولِ ُم��� ْب��� َت���هِ ���لِ داع ِإ َل������ى َ ٍ َ ����ي����ع ٍ ����ه���� ُم ����ة َم ف�����ي ِش �����ل�����أ ْت ُذ ّاًل ُق���� ُل����و َب ُ َ �����ل ِإ َل���� ْي����ه����ا ِل���� ْل���� َق���� َن����ا ُذ ُل�������لِ ������وج ُس����� ْب ٍ ُن ُ ������ه ُ ����ك ِ ����ح ِّ ����وس ِإ َل�����ى ����م��ي� َ ُم َ ن ي����س����وق����ونَ ال����ن����ف َ ����اذ ُح���ك ِ ِإن����ف ِ ْ���م َ ���ي وال��� َّن��� َف���لِ ���ك َس ْ ������و َق ال َّ ���س��� ْب ِ ���س���تَ��� ْب ِ �����ل ���ري���نَ ب ����ت م���ن َأ َم ٍ مِ����ا َأ ْح���� َي���� ْي َ ���ش ِ ُم ْ َ���س��� ِل ِ �ي�ن مل����ا َأم َ ����ت م����ن َأ َج������لِ ���م َ ����ض���� ْي َ ُم���س���ت ْ وفي مشهد احتفالي نادر ،يصف ابن دراج رحلة الوفد القشتالى وما تعرضوا له من مخاطر حتى وصلوا إلى بالط املنصور فر َّوعوا مبظاهر االستقبال والعرض العسكري ال��ذي ك��ان في انتظارهم حيث ضاقت األرض باحلشود العسكرية وقد تز ّودت بأسلحتها ومع َّداتها ورفعت راياتها وقد امتطى الفرسان ظهور اجلياد التي أخذت تتهادى في زينتها كالغيد يرفلن في حليهن وحللهن وقد سار «شاجنة» والرسل مخترقني الصفوف وقد امتألت قلوبهم رع ًبا بهذا املشهد املخيف وانشطرت نفوسهم ((( بني اخلوف والرجاء .يقول ابن دراج: امل������وت ِ ِ خ ُ ����اض����وا ِإ َل����� ْي َ �������ر ًة ب���ح���ار �����ك زاخ َ َ ����ع ك���ال ُّ ���ظ��� َل���لِ مي�������و ُر ف���ي���ه���نَّ م ُ �������وج ال���� َّن���� ْق ِ ��ح ِ ��ت ا َأل ُ و َأ ْ ��ج��ا رض ِف��ي َر ْح ِ ���ب َ ض َ الـمال لجُ َ ًَ ��ي��ض ال��ه��ن ِ��د وا َأل َس�����لِ ���ت َع�� َل�� ْي��هِ �� ْم ِب ِ��ب ِ س���ا َل ْ ِ ������م ������ار َق������ ُة ا َأل وا ُأل ْس����������� ُد ب ِ حل����������اظ ِف�����ي َأ َج ٍ ���ش���ت ِ ���ح ِ���ب���ي ِ ���ض ُم ْ َ���ع���لِ ���ك ال���ب��� ْي ِ م���ن ال��ق��ن��ا ِب َ ((( ديوانه .555 : - 186 - ِ �����ه����� ُم �����ه����� ْم َس �����������ت َر َّق ْ �������������ر ًدا كَ����� َأ َّن ُ غ��ل��ائ����� ُل ُ ْ ��������راق م����ن ال ُ ���غ��� َل���لِ ����س رق ٍ ����ر َب���� ُل����وا ُل���� ْب َ ت َ َ����س ْ ����ن����ات تَ�����ه�����ا َدى ِف�����ي َأ ِع��� َّن ِ وال����ص ِ ���ت���ه���ا ����اف ُ َّ ِ ك��ال��غ ِ ُ ��ي��د ي���ر ُف��� ْل���نَ َب���ْي��نْ َ َ واحل��� َل���لِ ����ي احل���� ْل ِ ِ َ ����ق����ات ك���� َأم����ث����الِ ���ت وخ����اف ٌ احل����ش����ا َخ��� َف��� َق ْ َر ْوع ِ ����ات����ه����ا َخ َ وال����و َج����لِ ����ر �����ر ُ ات ال����ذع ِ َ �����ط َ ����اب����تَ���� ًة ت����� َز َّي����� َن ْ ب����س����ك����ونِ اجل���������� ْأ ِش ث ِ �����ت ُ ���وات ال��ط ِ ���ر ْت هَ ��� َف ِ واس���ت ْ ال��و ِج��لِ ��ائ ِ َ���ش َ ��ش َ ْ ���ع َ َح��تَّ��ى ا ْن��تَ��ه��ى َي����� َد َك ال ُ��ع�� ْل��ي��ا َو َق����� ْد ُق ِ ��ت ��س َ��م ْ َأح����ش ُ ����اؤ ُه َب��ْي��نْ َ َأ ْي ِ ������دي ال���� َّر ْي ِ ��ج��لِ ����ث َ وال��ع َ وفي وثيقة تاريخية فنية أخرى يسجل ابن دراج وفادة األمير «غندشلب» ابن ملك البشكنس «نبارة» «شاجنة الثاني بن غرسية» الذي وفد على املنصور بقرطبة سنة 382هـ ووصف ابن دراج سفارته في القصيدة السابقة .وقد أوفد ابنه «غند شلب» إلى قرطبة في أواخر حكمه وبتكليف منه ليؤكد عهود الوالء للمنصور ،وإن كانت املراجع التاريخية لم تذكر شي ًئا عن هذه السفارة((( ،مما يضفي على قصيدة ابن دراج أهمية تاريخية خاصة. ويستهل ابن دراج قصيدته مفتخ ًرا بقوة املنصور بن أبي عامر وعظمة إجنازاته العسكرية التي أخضعت له امللوك واألحرار والسادة وأسلمت أز ّمتها له ،وانقادت إليه، فقد أظهر للروم من القوة ما تن ّهد له اجلبال الش ّم حتى خلت متون اخليل من فرسانها، ((( وأقفرت البيع ممن كانوا يعمرونها والكنائس من عبادة الصليب .يقول: �������ك ا َألح������������را ُر ب���اس���ت���ع���ب ِ �����ت َل َ ���اده���ا �����اع ْ ط َ �����ب ِق ِ �������اح ِ ُ ���ي���اده���ا �������ت ا َأل ص ْ م�����ل����اك َ و َأب َ �����ع َ ((( ديوان ابن دراج( 574 :هامش.)1 ((( ديوان ابن دراج .574 : - 187 - ����ك ال����ي����و َم ُح������ ُّر ُو ُج ِ ف��ل� َ ����ص���� ْي َ ���وه���ه���ا ����م َ أ ْخ َ ���������س ُح������ ُّر ِب ِ ول�����������و ْط ِء خ���ي��� ِل َ ��ل�اده����ا ���ك َأ ْم ِ َ ���ب ب���ال ُّ ��������ت ت���خ ْ رواح�����ه�����ا ���ظ���ب���ى َأ م����ا ِز ْل َ ���ط ُ َ ْ������ك ِب�����هِ �����نَّ ِف������ي َأج����س ِ َح����تَّ����ى َأتَ������ت َ ����اده����ا اخل ِّ �������م ُ �������ل َ حُ َ �������ي َأ ْر ُؤ َس���������ه���������ا ف��ق��د وت ِّ �������ط َّ ْ�������ك حت���م��� ُل���ه���ا َع����� َل�����ى َأكْ�����ت ِ ج�������ا َءت َ �����اده�����ا ����د َم������ا َق�������� ْد ُر ْع�����تَ�����ه�����ا ب����ع ِ م�����ن ب����ع ِ ����م ����زائ ٍ ������ه������نَّ ال ُّ ِ ط������واده������ا ������ش������ ُّم م�����ن َأ هُ ����������� َّد ْت َل ُ َ �����ت م����ت����ونُ اخل����ي����لِ م����ن َأب���ط���ا ِل���ه���ا وخ����� َل ْ ِ ُ آس������اده������ا اآلج�������������ام م������ن ���������ض وم���������راب ِ ِ وم�����ش ِ ����ب����ي����ع ِ ����اره����ا ����م ِ �����اه����� ُد ال ِ ����ات م�����ن ُع َّ ����ب����ان م�����ن ُع���� َّب ِ وم�����ع�����ا ِل ُ ����اده����ا ال����ص���� ْل �����ق ِ ُّ وتبرز ص��ورة امللك النصراني «اب��ن شنج» مرة أخ��رى في سياق االستعطاف والتذلل ويشير إلى تكليفه ابنه وفلذة كبده بالوفادة على املنصور أملاً في استرضائه، ((( يقول ابن دراج: ورم����ى «ا ْب�����نُ َش��� ْن���ج» ِإ َل��� ْي َ ��ح ِّ��ك ٍ��م ���ك َن�� ْف��س ُم َ َ ���ل َرش ِ ���ه���ا س ِ���ب���ي َ ����اده����ا ����ج اخل����ض ُ ����وع َل َ َن َ ����ه َ ����ك ِ �����ة م�����ن ُم���� ْل ِ َ����ع ِ ����ط���� ًف����ا ُ حل�����ش َ �����اش ٍ ����ه ����س����ت ْ ُم ْ ����������������ت ب����ن����ف ِ و ُث�������م�������ا َل ٍ ����اده����ا �������ة َق���������� ْد آ َذ َن ْ ����ك ع����������و َد ُة ُم���� ْن ِ ف����اس����تَ���� ْن���� َق���� َذتْ���� ُه م����ن َ ����ع ٍ����م ْ �����ت ِ �����ج ِ �����ه م������ق������ا َم َم�����ع ِ �����اده�����ا ق�����ام�����ت مل�����ه َ ن��������واج�������� َذ ُه ِ وف�������� ْل�������� َذ َة ِك������ ْب ِ ������د ِه و َث�����ن�����ى ِ �����ن ِ ������ر َع����� ْي ِ ِ ِ وس�����واده�����ا �����ه َش���� َف���� ًق����ا ون������اظ َ ((( ديوان ابن دراج .575 : - 188 - ويردد ابن دراج وصف مظاهر االستعراض الذي قوبل به األمير «غندشلب» من حشد اجليش العامري ويشير إلى سفارة أبيه «شاجنة» إلى املنصور في سنة 382هـ وكيف استطاع أن يغنم بها احلياة ،وينجو من بأس املنصور ويعيش في طاعته وأمنه، فإذا فكر في خيانة العهد فإن السيوف كفيلة بردعه والقضاء عليه ،يقول: ((( ����ر ك���ت ِ ف��س��م��ا ُ ُ ����وض ِإ َل����� ْي َ ���ب ي����خ �����ك َب ْ ���ائ ٍ ����ح َ رض ع���ن َأج���س ِ ���اده���ا ���ت ج���ن���و ُد ا َأل ِ ض���ا َق ْ �����ات ُد ُر ِ �����اب�����غ ِ وم���� َث���� َّق���� َف����ا ف�����ي س ِ وع��������ه��������ا ُ ِ ������ات ِج����ي ِ ������وم ِ ����اده����ا ِت ِر ������س َّ م����اح����ه����ا ُ وم َ ِ ����ع ِ ِن َ ع�ل�ام���ه���ا ����د ِم������نْ َأ ���ي���ط ْ ����س ْ ���ت جن������و ُم ال َّ ���ر م���ن َأ ْم ِ َ �����داده�����ا وغ�������� َد ْت ج���ن���و ُد ال��� َّن���ص ِ ِ �����ط ِ ������ر ِّي م����ج ِ �����ع ْ ����اه���� ٌد �����ف ال������ع������ام ِ غ��������از ل َ ٍ �����اع ِ ِ ����ور َح َّ ���ه���اده���ا ������ق ِج �����ة امل����ن����ص ِ ِف�����ي ط َ ِ �����ع ����ج���� ٌد م����ن����ه َم��������� َذ َّل��������� َة م����س����ت����ن ِ خ�����اض ٍ َغ ِ �����ن����� َم احل�����ي�����ا َة َأ ُب����������و ُه ب���اس ِ���ت��� ْن���ج ِ ���اده���ا ����ك ا َّل ِ ����م����تْ���� ُه ط����اع���� ُت َ ������و خ��ا َن��ه��ا �����ت�����ي َل ْ ����ح َ َف َ ط��������ار ْت ِإ َل����� ْي ِ ِ ُ غ���م���اده���ا ���ي���ض م����ن َأ ال���ب �����ه ِ َ ويسجل ابن دراج في قصيدة أخرى وفادة القومس (الكونت) ابن غومس وبعض رؤساء أسرته على املنصور مجد ًدا عهد الوالء بعد أن نكثوا عهودهم فغزاهم املنصور ((( ون ّكل بهم ،وقال في مطلعها: األمم ج������اءت������ك خ����اض����ع���� ًة أع����ن����ا ُق����ه����ا ُ حَ�����ت ِ م���س���ت���س���ل���م�ي�ن مل�����ا ت ِ َ�����ك����� ُم مُ�����ض�����ي وت ((( ديوانه .575 : ((( ديوانه.542 : - 189 - ويكرر ابن دراج مشهد اخلضوع واإلذالل مصو ًرا مظاهر االستعراض مبفرداتها حيث الرايات التي رسمت عليها صور العقبان والرخم واحليات واخليل املطهمة بفرسانها واألفق الذي يزدحم بالفرسان والسيوف املشرعة الالمعة والرماح السمر وغير ذلك من مظاهر القوة التي تبث الرعب في قلوب الوفد اخلانع ،يقول: ((( ����ك ب���� َأي ِ ����وا ِإ َل���� ْي َ ����دي ال������� ُّذ ِّل ف��اع��ت��ق��دوا َأل���� َق ْ ً م م������ن َم ع���ه��� ًدا م���ن ا َأل ِ ��ح��ف��وظ��ا َل����� ُه ال����� ِّذ مَ ُ ���ت ���م ْ ����و ُه ع���ن َأ ْن����� ُف ٍ وج�����اه����� ُدوا ع����ف َ �����س َع��� ِل َ ��م��وا ���ه���ا م���ن ِ َأنَّ احل���ي���ا َة َل َ ب��ع��ض َم����ا َغ ِ��ن ُ ُ مي���ش���ونَ ِف����ي ُظ��� َل���لِ ال����� َّراي ِ �����ات ُت���� ْذ ِك���� ُرهُ ���� ْم َأي���������ا َم ت���غ���ش���اهُ ��� ُم ال ِ ����ع���� ْق����ب����انُ وال����� َّر َخ����� ُم م�����ن كُ ِّ ِ ب�������������واد ُر ُه م������ح������ذور غ������ل������ب ��������ل َأ ٍ َ ������ح َأح����ي����ا ًن����ا و َي���� ْل���� َت����هِ ���� ُم ي������س ِ ������او ُر ال������ ِّري َ ِّ وك������ل َف����ت َ ���ره���ا ����خ����ا َء ���س ِ ٍ م������اض َح������ ُّد ِم��� ْن َ ِ ن����ح����و َأك�������ب ِ ��������ر ُم �������اد كَ�������� َأ َّن�������� ُه ال������ع������دا َق ِ َ �����وى ن����ح����و َأ ْر ُؤ ِس���������هِ ��������� ْم و َأر َق ��������������م ي�����ت����� َل َّ ٍ ����ه����ا ِف�����ي اجل�����و َي��� ْل���ت ِ َ���ق��� ُم َح����تَّ����ى ي����ك����اد َل َ ِ خ���اف��� َق��� ٌة وال�������راي�������ات وا ُأل ْس������������ ُد ت����������� ْز َأ ُر ُ ����وب����هِ ���� ُم كَ����� َأ َّن�����ه�����ا ُم����� ْث����� َب�����ت ٌ �����ات ِف�������ي ُق���� ُل ِ واخل�����ي ُ ك��ت��ب م���ن���ظ���وم��� ٌة ب���اخل���ي���لِ ال �����ل ٌ َ م���ن���ه���ا ل����غ����ا َي ِ م ����ة ِذي َس ْ �����ي وال َأ مَ ُ �����ع ٍ رض م����ن ره����ب ِ ����ة ا َألب�����ط�����الِ م ِ وا َأل ُ ����ائ���� َد ٌة ال���ف���رس���ان ُم����� ْز َد ِح����� ُم �������ج ِ ُّ واجل������و م���ن َرهَ ِ ((( ديوانه.544-543 : - 190 - ِ ���ع ث��اق��ب�� ٌة ����س���� ْم���� ُر ِف�����ي هَ ����� َب وال ُّ �����وات ال���ن���ق ِ ِ وال ِ���ب���ي ُ ����م����اد ت��ض��ط ِ��ر ُم ���ض ِف����ي ُق������ ُر ِب ا َأل ْغ ���������ب ال����ف����ض ِ كَ����� َأنمَّ�����ا م����ل��� َ ����ه���� ْم ����اء َل ُ أ ْت َر ْح َ ال����ض ِ َّ ����ات وا َأل َج������� ُم ����ب ����م وال����غ����اب ُ ُغ���� ْل ُ ����راغ ِ ويصل اب��ن دراج مشهد االستعراض مبشهد مثول الوفد بني ي��دي املنصور ويصفهم بـ(شيعة الكفر) ويصور ما أصابهم من رعب وقد اسو َّدت وجوههم وتعلقت ((( حياتهم بكلمة من املنصور تنجيهم ،يقول: ِ ���ع��� ُة ال���ك���ف ِ���ر ِف����ي َم��� ْث��� َن���ى ح��ب ِ ��ائ�� ِل��هِ �� ْم وش���ي َ ������ص������ ِّد ُق ال����ع����ي َ ����ش َأح����ي����ا ًن����ا وتَ���� َّت����هِ ���� ُم ُت َ ��س��م ِ َ ��اط َو َق��� ْد َح��تَّ��ى ت َ������راءاك م��ن َأق��ص��ى ال ِّ ِش���ي��� َم ِ وس���� ْي ُ ال��ع��ف��و ُم��ح��ت ِ��ك�� ُم ����ف ِ احل����م����ا ُم َ ِ مُ����� َّث ٌ ه�����وادي�����هِ ����� ْم و َأ ْر ُؤ ِس��������هِ �������� ْم �����ل ِف������ي م ���ه��� ُم امل���ص���ق���و َل��� ُة ُ اخل������ ُذ ُم ���������و َد ْت م���ن ُ َم����ا ُع ِّ ��م��ا ان���ت َ ���ار ِق���هِ ��� ْم ���ت َس���ن���اه���ا ِف����ي م���ف ِ ���ض��� ْي َ ل��ـ ّ �����ك ا َألع�����ن ُ �����ج�����و ًدا َل َ ���م��� ُم خ������ َّر ْت ُس ُ �����اق وال ِ���ق َ ������ر َب خ ِ ���ع��� ًة ���اض َ و َأ ْو ُج������������ ٌه ع��� َّف���روه���ا ال������ ُّت ْ َّ ������ه������ ُم َق����������� َد ُم كَ���������������� َأنَّ ���ي��ن م������ن ُ ك���������ل ج������ب ٍ ف���� ِإنْ َي ِ���ف ْ ���ه��� ْم فلقد ��ح ِ��ي��ي َل ُ ���ض ب���ح��� ُر َك ال��ـ ُ��م ْ ���ر َي�� ْل��ت ِ ��ص��ف َ َ��ط�� ُم ����وج ال��� ُّذ ْع ِ ج����ا ُزوا ال ُّ ��وف وم ُ ���از ِل ِ���ه ����در ِف����ي َأع���ل���ى م���ن ِ َأ ْو ع���ا َي��� ُن���وا ال����ب َ دون ِ ������ت ِب�����هِ ����� ْم م����ن ِ ف���ق���د َأح َ ���������ه ُظ��� َل��� ُم ������اط ْ ����ن م���ؤتَ��� َل ٌ ���ف ����وت ف���ف���ي ال���� َّرح����م ِ ف������� ِإنْ ع����ف َ و ِإنْ َس َ ���ن ُم��� ْن���تَ��� َق��� ُم �����و َت ف��ف��ي ال���رح���م ِ �����ط ْ ((( ديوانه.545 : - 191 - �����ت ف���ي���ه��� ْم َل���� َن����ا ِن��� َق��� ٌم واس����� َل����� ْم وال َب ِ �����ر َح ْ ْ تَ������تْ������رى ِب������هِ ������ ْم ول َ ����ع���� ُم ��������ك اآلال ُء وال���� ِّن َ وعلى نحو ما وصف ابن دراج السفارات التي وفدت على املنصور بن أبي عامر فقد وصف كذلك سفارات أمراء املسيحيني على سرقسطة خالل حكم منذر التجيبي، قومسا إلمارة صغيرة ومن ذلك قصيدة يصف فيها قدوم األمير «ابن ميرو» الذي كان ً متاخمة للثغر األعلى (سرقسطة) وكان لهذا األمير ولدان هما «جيرمو» و «رميند» فأوفد أحدهما إلى حاكم سرقسطة لالستعانة به على (شاجنة) األكبر ملك البشكنس الذي كان يسعى لضم هذه اإلمارة الصغيرة إلى ملكه((( ،واستهل ابن دراج قصيدته بقوله: ((( �����ي ُ ����ج���� ًب����ا ِل َ ���ب���ي��� ُل��� ُه الح َس ِ احل ِّ ���������ب َ َع َ �����غ ِّ ������د ِح���� ْل ِ و ِل������ ُر ْش ِ ض َّ ����ك كَ���� ْي َ ����م َ ����ف َ ������ل َدل���ي��� ُل��� ُه ويتكئ ابن دراج في قصيدته على األبعاد واملعاني الدينية ،فيصم اآلخرين بأنهم ض ّلوا عن احلق والشريعة وعكفوا على عبادة الصلبان ويؤكد قوة األمير املسلم وبأسه مما جعلهم يأتون إليه خاضعني: ����ت ِب ِ ����ش ِ ����ل ال َّ �����ه ُس���� ُب ُ َ ����ع واهْ ����تَ���� َد ْت ض���� َّل ْ ����رائ ِ ي����ع ِ َ ����ة ال���� ُّزل����ف����ى ِإ َل������ ْي َ ���ب���ي��� ُل��� ُه ب����ش ِ ������ك َس ِ ����ر َ ���ج ِ ���ود َو َم������ا َدرى ������ن ������اش َع��� َل���ى ِدي ِ َن ٍ ال���س ُ ُّ ����س����ج ِ ����ود ِإ َل������ ْي َ َق����� ْب َ ������ك َم�����ا ت���� ْأ ِوي���� ُل���� ُه �����ل ال ُّ ض َّ ������س������ا ُه َق����������� ْد ُر َك َم�����ا َأ َ ص��� ِل���ي��� ُب��� ُه ���������ل َ َأ ْن َ و َأرا ُه َس���� ْي���� ُف َ ن����ي���� ُل���� ُه ����ك َم�����ا َح�������وى ِإ جْ ِ �����ح�����ي�����ا ُه ِإ َل�������� ْي َ َاع������� ُه ��������ك ِن�������ز ُ ف�������� َأ َج��������ا َز َم ْ وأع������������ َّز ُه ِب َ ال�����������ورى تَ���� ْذ ِل����ي���� ُل���� ُه ��������ك ِف������ي َ ((( ديوان ابن دراج ( 301 :هامش.)1 ((( ديوانه .301 : - 192 - ويشير ابن دراج إلى منزلة «ابن ميرو» الرفيعة في قومه ،وال يبخسه حقه من اإلجالل والتعظيم فيقول: و َل ِ ����ئ����نْ َح���م���ى َع��� ْن َ ��ح�� َّل�� ًة ���ك «ا ْب������نُ ِم���ي��� ُر» َم َ ِ ����ج����و َم ُح��� ُل���و ُل��� ُه ِف�����ي ����خ َأ ْع����ي����ا ال���� ُّن ُ ش����ام ٍ ون�����������ا ُه ُم����� ْل ٌ ����ع َ �����ك ال ُي َ مَ َ ����اج���� ُه ����ض ُ ����ض ْ ����ع ت ُ ُ �����م�����و ُل����� ُه ووق��������������ا ُه ِع��������� ٌّز ال ُي ������خ������اف ُخ ُ َ َ َ ����������اك َو ُدو َن����������� ُه �����������اك ِإ َل��������ى ِرض ف���ل��� َق���د َد َع َّ ����ه����و ُل���� ُه ���������و ُل وس ُ َغ ْ ال�����ض��ل��الِ ُح������� ُزو ُن������� ُه ُ ويشير إل��ى ال��رس��ل والكتب التي حملها األم�ي��ر وال��وف��د امل��راف��ق أم�ًل�اً في استرضاء األمير املسلم واالستنجاد به فيقول: �����ح����� ُت����� ُه ِإ َل������� ْي َ �������ك ِك����ت����ا ُب���� ُه َف َ �����ه�����وى َ وص����� ْف َ �����ج����� ُت����� ُه ِإ َل������� ْي َ �������ك َر ُس������و ُل������ ُه وم ْ وهَ �����ف�����ا ُ �����ه َ �����ج اً ���ج���ي��� ُل��� ُه ��ًل�� ِإ َل���������ى َأ َم ٍ َ���ع ِ َع ِ ����������ل َد َن���������ا ت ْ �����ًل����� ِب ِ اً ��������ه َأ َج ٌ �����������ل َن���������� َأى تَ���� ْأ ِج����ي���� ُل���� ُه َو ِج ويصف ابن دراج مسيرة األمير املسيحي وسط الزحام واحلشود واملظاهر االستعراضية وكأنهم أس��رى أذالء مقيدون في األصفاد وقد علت أنفاسهم وعلت وجوههم كظامة وجهامة وكلت أبصارهم؛ يقول: ������ك ِب ِ َف���م���ش���ى ِإ َل������ ْي َ �������ه ال������� ِّز َح�������ا ُم كَ����� َأ َّن����� ُه �����ص����� ُر َخ ْ ْ����ب����ي���� ُل���� ُه َع ��������و ُه تَ����ك ِ ٍ ����������ان ُي����� َق ِّ ��������ط َ �����اة ك ِ احل�����ي ِ ������اس َ ��م��ه��ا ����ه����و ُر َأ ْن������ َف ِ َم���� ْب ُ َ��ظ��ي ُ �������ظ ال���� َّن ِ ����ض لحَ ْ ِ وغ ِ ����ض����ي ُ َ ����ري����نَ كَ��� ِل���ي��� ُل��� ُه ����اظ ِ - 193 - ويصور ابن دراج في قصيدة أخرى سفارة للقوط وقد وفدوا على األمير املسلم ((( خانعني منقادين مستجيبني لدعوته لهم باالستسالم ،ومن ذلك يقول: �����ص ي�����و ُم ال���ق���وط م���ن َ ���ك ِب��� ُر ْس��� ِل���هِ ��� ْم إن َغ َّ ِ َف َ ت���������������راك وم وا َأل ��������غ�������� ًدا ب�����ي�����وم ال��������������� ُّر ِ �����ك ا َّل ِ س���م���ع���وا ب�����دع ِ �����وت َ ْ�����ه����� ُم �����ت�����ي ن�����ا َدت ُ َ����������ر ِ َ�������������ر ِ اك! �������ه������� ْم م���ن���ه���ا :ت َأ ْوط�������ا ُن ُ اك! ت َ َ ����ع إل����ي����ه����م َو ِ اص ٌ ����������ل ف��������ال�������� َّر ْو ُع ُم����ن����ق����ط ٌ ِ �����ل ال������ َب������ َي ِ ل�����ي َ ���������راك ������وم ِع ������ات ل����ه����م ب������ي ِ ويسترسل ابن دراج في مشاهده الوصفية محتف ًيا كدأبه بإبراز اجلانب النفسي للرسل الوافدين ووصف الرعب الذي يحاصرهم وهم في طريقهم للقاء األمير املسلم، ويصف حالة اخلوف واالضطراب التي أملّت بهم وانعكست على سلوكهم وأجسادهم ووجوههم من خالل الصور املوحية الدالة؛ يقول: ِ ِّ ����م َ س��ل�اح����هِ ���� ْم ش����������ك ����وك وم�������ن َأ ����م ُ ف����ت����ي َّ ال������ه اَّ ���َّل�� ِك اخل������ض������وع وب����������� َّز ُة ِس����ي����م����ى ُ ِ ����و ِذي����نَ م����ن ال���� َف����ن ِ َ���ي َ����ع ِّ ُم����ت َ ����اء ب َ ���ص��� ْف َ ���ح���ت ْ ِ دم�������ائ�������هِ �������م َس������� َّف ِ ٍ س������ي������ف مل������ث������لِ �������اك �����ه����� ْم ف�����ك����� َأنمَّ�����ا ْ خ�����اض�����ت إل����ي����ك وج�����وهُ ُ غ�����ض�����اء َأ َر ِ ِ ن����������ا ًرا ت َ اك َ��������ض�������� َّر ُم ِف�������ي ق���م���ر اخل��ل��اف ِ �����ة ح���و َل��� ُه ����وا ح���ت���ى اج����ت���� َل ْ َ ِ َ ف������ل�����اك َ��������واك��������ب ا َأل �������������ر ك َأ م��������ث��������ال َزهْ ِ ِ هكذا استطاع ابن دراج بشعره التسجيلي أن يصف هذا اجلانب املهم من سفارات املمالك النصرانية إلى بالط األمراء املسلمني طل ًبا لهدنة أو صلح أو استرضاء من خالل بنية تسجيلية حتتفي بتفاصيل احلدث ودقائقه. ((( ديوانه .133 : - 194 - وصف الصهر بني ابن فرذلند وابن رميند: وف��ي شعر اب��ن دراج ما يكشف بعض اجلوانب الطريفة وال�ن��ادرة ع َّما بلغته العالقات الدبلوماسية في بعض األحيان بني املسلمني واملمالك املسيحية من تصالح ومودة ومهادنة ومتثل ذلك في السياسة احلكيمة التي انتهجها منذر التجيبي حاكم سرقسطة مع جيرانه من األمراء النصارى ،وكان من ثمار هذه السياسة أنه تولى بنفسه عقد الصهر بني جاريه األميرين املسيحيني رميند بن بريل قومس برشلونة وشاجنة بن غرسية ابن فرذلند قومس قشتالة حيث تزوج ابن األول من ابنة الثاني، وكان هدف األمير منذر من ذلك هو توطيد عالقته بجيرانه النصارى وتوفير جو من السالم واألمن لبلده وهو ما فطن إليه ابن حيان حني قال(((« :وكان (منذر) ألول واليته ً حوطا للثغر وأهله ،وتأن ًيا للجماعة حتى تثوب ألهل قد ساس عظماء اإلفرجن وهداهم يومئذ رميند اجلليقي وشاجنة اإلسالم ،يناهضون بها عدوهم .وكان رؤساء اجلاللقة ٍ فحفِ ظت أطرافه وك ّفت القشتلي ،فسلك معهما سبيل االسترضاء واملوافقة واالستخذاءُ ، املع ّرة عن عمله .ورمبا أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبا منهم ،ورميند وشاجنة باقيان على معاقدته إلى أن مضى بسبيله ،والثغر مسدود ال ثغرة فيه وال و ْه َي في حاله .وبلغ من استمالة احلاجب منذر لهذين الطاغيتني أن أجريا تصاهرهما على يديه و ُكتب عقد النكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل امللتني .ف َق َر َفت األلسنة منذ ًرا لسعيه في نظم سلك الطاغيتني ملا فيه من سوء العاقبة وقد قيل إنَّ رأي منذر كان في ذلك أحصف ،من رأي من قدح فيه وقرف لنظره في شأن وقته وعلمه ٍ بانصداع عصا أهل كلمته ،فآثر من املوادعة ما ستر به العورة ،وشراه بغليظ ال ُكلفة، يومئذ مبناهضة أهل واختدع به عظيمي اجلاللقة رميند وشاجنة احملدثني أنفسهما ٍ وح ّب َب إليهما ال َّدعة .وأعقب احلاجب منذر أهل الثغر األندلس ،فألهاهما عن احلرب َ في مغبة ذلك عاجل السالمة ،واستظهروا به على العمارة ،فحيوا وعاشوا في نعمة ((( الذخيرة .182-181 : 1/1 - 195 - مبنذر املنية ،وقد اعترف ضافية ،وعيشة راضية ،لم يتغير به عنهما حال ،إلى أن ألوت ٍ الناس لرأيه ،وأقروا بسياسته ،ولم يأت بعده من َي ُس ُّد مس َّده ،ولم ينفع الله الطاغيتني بصهرهما الذي كانا عقداه للتآليف على املسلمني ،إذ أعجل عنه شاجنه بن غرسية شيطانهم الرجيم ،وهوى أميرهم رميند ظهير املذكور وابنه بعده ،فشتت الله شمل تلك يومئذ وكفى املسلمني ش َّرهم برحمته». الطواغيت ٍ وينقل ابن حيان رواية شاهد عيان لذلك احلدث وفيها يقول :إن القومس شاجنة بن غرسية صاحب قشتيلة اجتاز بباب تطيلة صدر أيام احلاجب منذر ،فسلك مجتازًا يريد ط��رف الثغر األعلى لالجتماع هنالك بالقومس رميند صاحب برشلونة لعقد املصاهرة بينهما ،واط ًئا ألرضنا عن علم من منذر والينا ،وضمان منه ّ لكف عادية يومئذ بحال عزّة وقوة ،وذهبوا إلى عصيان أميرهم جيشه عنَّا ،فأنكره أهل تطيلة وهم ٍ منذر تفاد ًيا من وصمته فنمى ذلك إلى الطاغية شاجنة ،فلما ش��ارف البلد أرسل يستدعي قو ًما من أعيانهم ،يكلمهم في سبيله ،ووصلوا إلى مضربه فإذا هو جالس على مرتبته ،عليه ثياب من ثياب املسلمني ،ورأسه مكشوف أصلع كهل ،لم يغلب عليه الشيب بعد ،أسمر اللون ،جميل الصورة ،فكلمنا بكالم لطيف حسن بينَّ فيه وجه ((( سيره ،وذكر احلرب وعدواءها ،فلم يتقبله عوام الناس. وكان لهذا احلدث صداه في شعر ابن دراج ،فنظم قصيدتني في هذه املناسبة، استهل إحداهما بقوله: ((( ل����ع ّ ال�����ب�����رق ال�������ذي أن������ا ش���ائ��� ُم ����ل َس����ن����ا ِ ي����ه����ي���� ُم م�����ن ال����� ّدن�����ي�����ا مب�����ن أن�������ا ه����ائ���� ُم ويتبنى ابن دراج في قصيدته سياسة األمير منذر حاكم سرقسطة في التقارب واملهادنة واملساملة ويشير إلى مناخ الهدوء والسالم والطمأنينة الذي ع َّم نتيجة لسياسة ((( الذخيرة .184-183 :1/1 ((( ديوان ابن دراج .257-251 : - 196 - منذر وتوليه عقد املصاهرة بني األميرين املسيحيني وما له من أثر في التقريب بينهما ((( وإشاعة السالم مكان احلرب وإراقة الدماء ،يقول: ��ت ��س «ا ْب ِ ��ح ْ َ ����ن َش��� ْن ٍ���ج» ف�� َأ ْس َ��م َ وم�� َّن�� ْي��تَ��ه��ا َن�� ْف َ ِ ����س����ا ِل���� ُم ������س������المِ َ������ ًة م�����ن َب ������ع������د ِه َم��������نْ ُت َ ُم َ ���و َق���ت ٌ ���ع َ وم ْ ���غ��� َن��� ٌم ���ع��� ْف ِ ���ض ال َ َع��� َل���ى َأنَّ َب ْ ْ���ل َ ����ح ال��ـ ُ��م�� ْل ِ��ك ِف���ي َ ح���از ُم �����ر ِب ِ َو َم����ا َر َّد ِر ْب َ احل ْ ����س����ي ِ ف������� ِإنَّ ق���ت���ي َ ����ب َم ْ ���ع��� ٌم ���ط َ ����ف ل����ل���� ِّذي ِ ���ل ال َّ ل���ل���م��� ْل ِ ِ و ِإنَّ ق���ت���ي َ خ�������اد ُم ���ك ����و ���ل ال����ع���� ْف ِ َ ُ ������روق َل������� ْم َي������ َز ْل������نَ ص ِ ����واع���� ًق����ا َف���� َي����ا ِل������ ُب ٍ َع�� َل��ى ال�� ُك�� ْف ِ��ر َغ��� ْي ُ ��اج�� ُم ���ث ا َأل ْم ِ ������ن م��ن ُ��ه��نَّ س ِ ُت���� َق ِّ �����ت �����س ال����� ِّر ����ع ب�����ا َأل ْم ِ ص����� َل ْ ق�����اب َو ُو ِّ ����ط ُ ِ �����ار ُم �����ح ِ �����و َم َأ ْر َح�����������ا ٌم َل ُ ِب َ ����ه����ا ال����� َي ْ ����ه���� ْم َ وم َ �����س اس َل ُ �����ر ِائ ٌ ���������ر ٌ ����ه���� ْم َو َع َ ������ي َأ ْع َ َغ������� َد ْت َوه َ مِ ُ وم���������آت ������������و ٌت ِف�����ي�����هِ ����� ُم ���������س َم وب���������ا َأل ْم ِ ْ ويشير ابن دراج إلى قيام األمير منذر بكتابته عقد املصاهرة بني أميري برشلونه وقشتاله ويشيد بصنيعه وسياسته وما أضفاه موقفه من أهمية على الصهر ويشيع أجواء احتفالية مناسبة لهذا احلدث السعيد فيقول: ب����ع���� ْق ِ ����د ب�����ن ٍ �����������ت ِش����������� ْد َت ب�����ن�����ا َء ُه �����اء َأ ْن َ َ ِ ه�����اد ُم ����ر َك �����س َل����� ُه ِف����ي ا َأل ْر ِ َو َل����� ْي َ ض غ����ي َ ����ش ِ ِ ����ت ُّ ن������� ُة» َأ ْع����ل����ا ُه و « َق ْ �������ر جْ َ ����ل» ُأ ُّس������ ُه «ف َ ِ ������م ُ ع��������ائ�������� ُم ������ك َأ ْركَ�����������������انٌ َل��������� ُه َو َد َوس������ ْل ُ ال���ـ���م��� ْل ِ َ�������اج َم��� ِل���ي���ك ٍَ���ة ت������اج ْ����ت ����م���� َّل����ك َ ُ َف َ ���ك ت َ َ َ���ع��� ُن���و امل����ل ُ ����وك َ اخل َ �����ار ُم �����ض ِ َ��اج�� ْي��هِ ��م��ا ت ْ ل��ت َ ((( ديوانه .256 : - 197 - ��������و َق ا َألك����ا ِل����ي����لِ وال������� ُّذرى َوت َّ َ����و ْج����تَ����ه����ا َف ْ ���ش ِ َخ ِ ���س���و ُر ال��� َق َ ����واف َ ���اع��� ُم ����ق تَ��غ��ش��اه��ا ال��� ُّن ُ ����را وح��� َّل��� ْي���تَ���ه���ا َب ْ ����ع���� َد ال���� َّد َم����ا ِل����ي ِ َ ����ج وال���� ُب َ ِ وال�������ص�������وار ُم ������ي������ه ال���� َق����ن����ا ُح����� ِل����� ًَّي�����ا آل ِل َّ وض َّ��م ْ َ ����و َرى ��ب ِذك ِ ��خ��تَ��ه��ا م��ن ط��ي ِ ْ�����ر َك ِف���ي ال َ ���دي ِإ َل�� ْي��ه��ا ال�� َّل ِ ِ ���ه ِ ��ط��ائ�� ُم ب�� َأ ض��ع��اف َم���ا ُت ْ ((( ����ز ِ و َن َّ َ ف����اف����ه����ا ������ت آف����������اق ال����� َف��ل��ا ِل ِ ������ظ������ ْم َ ����و ِ اظ���� ُم ����م ْ ����ت َم����ا َق��� َّل��� َدتْ���ه���ا ال���� َّن َ ُخ���� ُي����ولاً َح َ خفي من هذا احلدث ،فيشير إلى أن الصهر بني ويلتفت ابن دراج إلى جانب ّ األميرين املسيحيني بتدبير منذر لم يكن يتوافق مع مصالح «شاجنة ابن غرسيه» فقبله على كره منه وفي ذلك يقول ابن دراج: ((( ����ج» َم ِ��ن�� َّي�� ٌة ���ى كَ�����انَ ِف��ي َ ��ه��ا ِل����ـ«ا ْب����نِ َش���� ْن ٍ ُم���ن ً وح ك ِ ����ر ِغ���� ُر م��ن��ه��ا ِ راه ُ ُي َ ���اظ��� ُم ��������ق ال��������� ُّر ِ ����غ ْ �����ت َع��� َل��� ْي ِ ����ن َي�� ْل��ت ِ َ��ق��ي ����ر ْي ِ �����ر ْج َ ���ه ُل َّ �����ج َب ْ ����ح َ َم َ �����س ِ َع����� َل�����ى َن����� ْف ِ ����م����ت ِ َ��ل�اط���� ُم �����ه تَ������� َّي�������ا ُر ُه ال����ـ ُ ������ن َأ ْط��� َب���ق���ا ������و َد ْي ِ وغ�������ا َد ْرتَ������� ُه َم�����ا َب���ْي���نْ َ َط ْ ������ص ِ ������اد ُم ����س���� ُه و ُت َ ُح���� ُت����و ًف����ا ُت َ �����ص�����ادي َن���� ْف َ َّ واستهل ابن دراج قصيدته األخرى التي نظمها في املناسبة ذاتها مبدح األمير منذر فقال(((: ��������ر ْت ِب ُ �������ط�������ولِ ب����� َق�����ائ َ �����ك األع�����م�����ا ُر َع ُ ��������م َ ������ع ِ ������ة َق�������������� ْد ِر َك األق����������دا ُر وج �������������ر ْت ِب������ر ْف َ َ َ ((( اللطائم :جمع لطيمة وهي العير التي حتمل املسك والطيب. ((( ديوانه .257 : ((( ديوان ابن دراج.242 : - 198 - ويشيد ابن دراج بسياسة األمير منذر احلكيمة التي جنح فيها إلى السلم فوفد عليه ملوك املمالك النصرانية يخطبون وده ويأملون في التقرب إليه ويذكر من هؤالء امللوك ابن رذمير ملك ليون واسمه ألفونسو اخلامس ويلقب بالنبيل Al fonso El noble ((( الذي تولى حكم مملكة ليون بني سنتي ،418-390ويذكر كذلك امللك فرذلند ،يقول: ���س��� ْل ِ���م ا َّل ِ ��ه��ا وج��� َن���ح َ ����ت����ي َج���ن���ح���وا َل َ ���ت ل���ل َّ ���������ك ِف������ي ال ِ �����ع�����ب ِ وق������ض������ا ُء ر ِّب َ �����اد ِخ����ي����ا ُر َ���ب ِ �ي�ن َق������ ْد َق�������� ُر َب امل����دى ���ق َ ������و َك ُم���س���ت ِ ف������ َأت ْ َ َ �����������������ل امل�����ض�����م�����ا ُر ل��������ي��������ك و ُذ ِّل م�����ن�����ه����� ْم ِإ ���ط���و ُه ������ز ُل َخ و َدن������ا «اب������نُ ُر ْذ م�����ي�����ر» ُي������ َز ْل ِ َ ٍ ن������ف������س������ ُه ِ ٌ وح���������������ذا ُر ت�����ق�����س�����م أم�������������ل َّ َ ������������ر س����ي����ف َ ����ك ط����ائ���� ٌر ف�������� ُف��������ؤا ُد ُه م�����ن ُذ ْع ِ َ ل������ي������ك ُم�����ط�����ا ُر �����ج�����ل ِإ ��������������و ًرا وم�������ن َع َط ٍ ْ �����ل َأ ْي������ق������نَ ِ و َل����� َق�����ب ُ �������ر ِذ َل�������ن������� ٌد» َم������ا َل����� ُه «ف ْ ِ َ ���������م���������ام ِف���������رار احل ل��������ي��������ك م�������ن ِإلاّ ِإ ِ ويتطرق ابن دراج إلى عقد الصهر الذي باركه األمير منذر وما اقترن به من إخالص النفوس وتوطيد عرى املودة وتقارب البعداء وتواصلهم ،يقول: ���اك ُأ ْخ���� ِل����ص ِ ف���ه���ن َ ����وس و ُأ ِّك��������� َد ْت ����ت ال���� ُّن���� ُف ُ �����ه ِ �����ود َ وش������������ َّد ِت ا َأل ْن������ص������ا ُر ُع����� َق����� ُد ال�����ع ُ ُ ������ع������ َدا ُء م����ن َ اص َ ���اع ٍ���ة ����ك ب���ط َ ��������ل ال������ ُب َ وت َ َ��������و َ ����ه����ا ا َأل ْرح�������������ا ُم وا َألص������ه������ا ُر ُو ِص������ل ْ ������ت ِب َ ويؤكد ابن دراج أهمية هذا احل��دث ويشيد بصنيع األمير منذر ويتحدث عن اآلثار اإليجابية الناجمة عن هذا الصنيع ،فقد دان الرهبان واألحبار بهذه املواثيق ((( ديوانه .246 : - 199 - التي عقدها األمير منذر وكان لها أثر كبير في استعادة األمن وارتفاع شأن قشتالة وبرشلونة ،وفي ذلك يقول: ((( ال����ض��ل�الِ َم ِ َّ ���واث��� ًق���ا ���ن���ق َف����ع���� َق���� ْد َت ِف����ي ُع ِ �����ه�����ا ال������ ُّره������ب������انُ وا َألح�������ب�������ا ُر دا َن ْ �����������ت ِب َ ِ ������م ك�������ان�������ت ُع��������ق��������و َد وك��������أنمَّ��������ا ْ مت������ائ ٍ ُ ���������������ال وا َأل ْذع�������������ا ُر �����ه�����ا ا َأل ْو َج َس����ك����ن ْ ����ت ِب َ ����ت م��ن��ه��ا ُم����ل َ �������ر» َو َق������ ْد َأح���� َي����ي َ ����ك « ُر ْذم�������ي ٍ �����ت ال������ ُّده������ور َع���� َل���� ْي ِ �����ش ِ َم َ ����ه وا َألع������ص������ا ُر ����ن ِ ت�������اج َج����ب����ي ِ ����ه م������نْ ب���ع ِ���دم���ا �������ت و َأ َق������� ْم َ َ ع������� َف ِ �������ت امل�������ع�������ا ِل������� ُم م������ن������ ُه واآلث��������������ا ُر �����ة» َي������� َد ِ �����ت م�����ن « َق�����ش ِ �����ت����� َّل ٍ ������ن �����س�����ط َ آم ٍ و َب َ ي�������������ار ٌق ِ َ وس�����������وا ُر �����ه�����ا ���������ر ِل ِ ض���������اك ِف�����ي َ َ ويشيد ابن دراج في ختام قصيدته بالسياسة احلكيمة التي اتبعها األمير منذر وما ترتب عليها من نتائج أسهمت في إشاعة األم��ن واالهتمام باملصالح الداخلية وارتفاع منزلة األمير املسلم في نظر أمراء املمالك النصرانية. سفارة الغزال إلى بالد الروم: قام يحيى بن حكم اجلياني امللقب بالغزال (250-156هـ) بسفارة مشهورة إلى ملك القسطنطينية ،وقد تخ ّيره األمير عبد الرحمن بن احلكم للقيام بهذه السفارة ملا عرف عنه من حنكة وخبرة بالعالقات الدبلوماسية ،وكان ملك القسطنطينية (توفلش) الذي ذكره أبو متام في فتح عمورية قد أرسل رسله إلى األمير عبد الرحمن يطلب شن الروم حملة ضاربة على مدينة إشبيلية سنة 230هـ ودخلوها قس ًرا الصلح بعد أن ّ ((( ديوان ابن دراج .247 : - 200 - وفتكوا بأهلها وقتلوا منهم خل ًقا كثي ًرا ،فبعث األمير عبد الرحمن بجيوشه وهزمهم وقتل قائد أسطولهم ،فأوفد ملك القسطنطينية رسله طل ًبا للصلح «وكان (توفلش) هذا أول من م َّد ذلك احلبل من ملوك الطاغية بينهم وبني ملوك األندلس واستجاز فيه خطة االبتداء التي يلوذ منها اجلبابرة ،فأنفذ رسوله بكتاب منه إلى األمير عبد الرحمن بن ((( احلكم يتودد إليه فيه ويستلطفه ،ويخطب صداقته» وقد أكرم األمير عبد الرحمن وفادة رسول ملك القسطنطينية ،وأجابه بكتاب قال فيه« :قد بلغني كتابك الذي كان عليه من ّ مضامتكم ألولنا من املودة واملصادقة ،وأنه قد دعاك ذلك إلى مكاتبتنا ،وإرسال (قرطيوس) رسولك إلينا ،لتجديد تلك املودة ،وترتيب تلك املصادقة ،وتسأل أن ينعقد في ما بيننا وبينك من ذلك ما نتمسك به ونتواصل له ،ونبعث رسلاً من عندنا ليعلموك بالذي نحن عليه من الرغبة في ما حضضت عليه ودعوت إليه لنثبت بقدومهم عليك مودتنا ،وتتم به صداقتنا ...وقد أدخلنا رسولك (قرطيوس) علينا ،وكشفناه على الذي أوصيت به إلينا ،وعن كل ما يجب للصديق أن يعرفه من حال صديقه .ووجهنا إليك بكتابنا هذا رسولني من صاحلي من قبلنا .فاكتب إلينا معهما بالذي أنت عليه من األمر الذي كتبت به إلينا ،والذي نحب علمه من سا ّر خبرك ،ومتعة عافيتك ،للنظر في ما يتصرفان به من عندك على حسب ما يأتياننا به ((( من عندك ،إن شاء الله». والكتاب وثيقة دبلوماسية نادرة تكشف عن فهم عميق للعالقات الدبلوماسية مع راق في املخاطبة .وقد أنفذ األمير عبد الرحمن «اآلخ��ر» وتن ّم عن أسلوب حضاري ٍ رسولني إلى ملك القسطنطينية ،أحدهما يحيى ابن احلكم الغزال «ملا كان الغزال عليه من ح� ّدة اخلاطر ،وبديهة ال��رأي ،وحسن اجل��واب والنجدة واإلق��دام والدخول واخلروج من كل باب»((( وقد أشاد به ابن حيان فقال «وكان ممن جنم في دولة األمير ((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د .محمود على مكي ،الطبعة األولى ،2003مركز امللك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية ،الرياض ص .431 ((( املقتبس ،السفر الثاني ،حتقيق د .محمود مكي.435-432 : ((( املطرب من أشعار أهل املغرب البن دحية .139 : - 201 - احلكم من احلكماء ،الشعراء الدهاة ،العلماء ،يحيى الغزال ،حكيم األندلس ،وشاعرها وع َّرافها»((( ،وكان في صحبة الغزال إلى بالد الروم يحيى بن حبيب. ((( وبدأت رحلة الغزال ورفيقه إلى بالد الروم من مدينة (شلب) وقد أنشئ لهما مركب حسن كامل اآلل��ة ،ومشى رس��ول ملك ال��روم في مركبه ال��ذي ج��اء به وسار املركبان مبحاذاة بعضهما ،فلما حاذوا الطرف األعظم الداخل في البحر الذي هو ح ّد األندلس في داخل الغرب هاج عليهم البحر ،وعصفت بهم رياح هوجاء ،فقال الغزال في وصف ذلك املوقف: ((( َ ق�����������������ال ل����������ي َي�������ح�������ي�������ى َو ِص����������رن����������ا َ�����������اجل�����������ب�����������الِ ������������������������وج ك ن َم َب����������ي��������� َ ِ ٍ ي������������������������اح َ�����������������و َّل�����������������تْ����������������� َن�����������������ا ِر َوت ٌ َ ب�������������������������������ور َو َش����������������م����������������الِ ِم������������������ن َد ٍ ِ َش��������� َّق ِ ���ي���ن َو ِا ْن��������� َب���������تْ���������ـ ال�������ق ���������ت َ �������ل�������ع ِ �����������ل�����������ك ِ َ احل�����������ب�����������الِ ـ��������������ت ُع�����������������رى ِت َ ُ ّ �������م�������و َ�����������������ط�����������������ى َم������������� َل َو مَت �������������ك ال�������ـ َ ِت ِإ َل�����������ي�����������ن�����������ا ِع����������������ن ِح����������ي����������الِ رأي ا ْل��������ـ ��������وت ال��������ـ��������م ���������ر َأي���������ن���������ا َ َ َ َف َ ����������ي���������ن ح��������������������الاً َب������������ع������������ َد ح������������الِ َع ِ �����������وم ف����ي����ن����ا َل��������������م َي�����������كُ�����������ن ِل�����������ل����������� َق ِ ي������������ا َرف���������ي���������ق���������ي أس َر ُ م������������الِ و ُق َّدر للغزال أن ينجو من الغرق وواصل رحلته إلى بالد الروم حتى بلغها ،فأمر لهم امللك مبنزل حسن من منازلهم ،وأخرج إليهم من يلقاهم ،واحتفل الروم لرؤيتهم، ((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د .محمود مكي ص .243 ((( املطرب .139 : ((( املصدر نفسه .139 : - 202 - فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم((( ،وتهيأ لهم بذلك أن يكتسبوا جتارب جديدة ويتعرفوا على بالد غريبة وناس غرباء وعادات يرونها ألول مرة(((. ويحتفظ ابن دحية في (املطرب) بتفاصيل ما جرى في رحلة الغزال إلى بالد الروم، ومنها ما يؤكد ما وصف به من دهاء وذكاء وسياسة وما عرف عنه من حصافة وحضور بديهة وحسن تصرف وخروج من املآزق ،فمن ذلك رفضه أن يسجد مللك الروم واحتياله لذلك بحيلة لطيفة وذلك حني استدعاه ملك الروم لرؤيته ،فلما مشى إليه وصاحبه قعد لهما ملك الروم في أحسن هيئة ،وأمر باملدخل الذي ُيفضي إليهُ ، فض ّيق حتى ال يدخل عليه أحد إال راك ًعا ،فلما وصل إليه جلس إلى األرض وق َّدم رجليه وزحف على إليته زحفة ،فلما جاز الباب استوى واق ًفا ،وامللك قد أع َّد له وأحفل في السالح والزينة الكاملة، فما هاله ذلك وال ذعره ،بل قام ماثلاً بني يديه ،فقال« :السالم عليك أيها امللك وعلى من ض ّمه مشهدك والتحية الكرمية لك ،وال زلت تتمتع بالعز والبقاء والكرامة املاضية بك احلي القيوم ،الذي ُّ كل شيء هالك إلى شرف الدنيا واآلخرة املتصلة بالدوام في جوار ّ ففسر الترجمان له ما قاله ،فأعظم الكالم ،وقال :هذا إال وجهه ،له احلكم وإليه املرجع»َّ ، حكيم من حكماء القوم ،وداهية من دهاتهم ،وعجب من جلوسه إلى األرض وتقدميه رجليه في الدخول ،وقال :أردنا أن نُذله ،فقابل وجوهنا بنعليه ،ولوال أنه رسول ألنكر ذلك عليه، وفسر له ،فاستحسنه ،وأمر ثم دفع إليه كتاب األمير عبد الرحمن وقرئ عليه الكتابَّ ، بالهدية التي بعثها إليه األمير عبد الرحمن ،ففتحت عيابها ،ووقف على جميع ما اشتملت ((( ووسع اجلراية عليهم. عليه من الثياب واألواني ،وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم َّ وكان للغزال مع الروم في رحلته التي استغرقت عشرين شه ًرا بني سفر وإقامة، مجالس مذكورة ومقاوم مشهورة ،جادل في بعضها علماءهم فبكتهم ،وناضل في بعضها شجعانهم فأثبتهم(((. ((( املطرب .141-140 ((( تاريخ األدب األندلسي -عصر سيادة قرطبة -د .إحسان عباس.162 : ((( املطرب.141 : ((( املصدر نفسه .142 : - 203 - ولعل أطرف ما في رحلة الغزال هو افتتانه بزوجة ملك الروم وإظهار إعجابه بجمالها ومحاولة التقرب إليها واستمالة و ّدها مما «يدل على دهائه في التقرب إلى القلوب وإجادته السفارة السياسية». ((( ويشير اب��ن دحية إل��ى إعجاب امللكة (ث�ي��ودورا )Theodoraأو (ت��ود) بالغزال الذي كان ميتاز بالوسامة واملالحة فيقول« :وملّا سمعت امرأة املجوس (الروم) بذكر الغزال وجهت إليه لتراه ،فلما دخل عليها س ّلم ،ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر استحسان أم لض ّد املتعجب ،فقالت لترجمانها :سله عن إدمان نظره :ملاذا هو؟ ألفرط ٍ أتوهم في العالم منظ ًرا مثل هذا ،وقد رأيت عند ملكنا ذلك؟ فقال :ما هو إال أني لم ّ فيهن حسنًا يشبه هذا فقالت لترجمانها :سله نسا ًء انتخنب له من جميع األمم ،فلم أر َّ َأ ُم ِج ٌّد هو أم هازل؟ فقال :ال ،بل ُمج ّد .فقالت له :فليس في بلدهم إ ًذا جمال ! فقال فوجهت امللكة في نساء معلومات الغزال :فاعرضوا علَ ّي من نسائكم حتى أقيسها بهاّ ، فيهن جمال وليس كجمال امللكة ،ألن فيهن وص ّوب ثم قال: باجلمال فحضرن ،فص َّعد َّ َّ احلسن الذي لها والصفات املناسبة ليس مي ّيزه ّ كل أحد ،وإمنا يعنى به الشعراء، وإن أح َّبت امللكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر ُيروى في جميع بالدنا فعلت ذلكَ ،ف ُس َّرت امللكة بذلك سرو ًرا عظي ًما وزُهيت ،وأمرت له بصلة ،فامتنع الغزال من أخذها ،فقالت للترجمان :سله ،لم ال يقبل صلتي؟ أألنه حقرها أم ألنه حقرني؟ فسأله ،فقال الغزال :إن صلتها جلزيلة ،وإنَّ األخذ منها لتش ُّرف ألنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علَ ّي ،فحسبي بذلك صلة ،وإمنا أريد أن فسر لها الترجمان كالمه زادت منه سرو ًرا وعج ًبا، تصلني بالوصول إليها أب ًدا .فل ّما َّ أحب أن يأتيني زائ ًرا فال يحجب»(((. وقالت:تحُ مل صلتُه إليه ،ومتى َّ وقد ُسئل الغزال »:هل كان للملكة من اجلمال في نفسها بعض هذه املنزلة التي صورت؟ فقال :وأبيك ،لقد كانت فيها حالوة ،ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها ،ونلت َ ((( تاريخ األدب األندلسي -عصر سيادة قرطبة -د.إحسان عباس.163 : ((( املطرب.143-142 : - 204 - منها فوق ما أردت»((( وفي هذه اإلجابة ما يدل على دهاء الغزال وخبرته بطبائع النساء وحنكته السياسية والدبلوماسية ،وقد استطاع الغزال بأسلوبه أن يستميل قلب امللكة ُوجه فيه ،ويقيم عندها يح ّدثها البيزنطية «فأولعت به وكانت ال تصبر عنه يو ًما حتى ت ِّ بسير املسلمني وأخبارهم وبالدهم ،ومبن يجاورهم من األمم ،فق ّلما انصرف يو ًما ُّ قط من عندها إال أتبعته هدية ،تلطفه بها من ثياب أو طعام أو طيب ،حتى شاع خبرها معه، وأغب زيارتها ،فباحثته عن ذلك ،فقال لها وح ّذر منه الغزال ،فحذر وأنكره أصحابهُ ، َّ ما ُح َّذر منه ،فضحكت وقالت له« :ليس في ديننا نحن هذا ،وال عندنا َغ ْيرة ،وال نساؤنا باختيارهن ،تقيم املرأة معه ما أح َّب ْت وتفارقه إذا كرهت»(((. مع رجالنا إال َّ وكان للغزال نوادر ومداعبات مع امللكة (ثيودرا) وكان حني وصل إلى بالد الروم قد شارف اخلمسني وتسلل الشيب إلى شعره ،فسألته امللكة يو ًما عن سنّه ،فقال مداع ًبا لها :عشرون سنة ،فقالت للترجمان :و َم ْن هو من عشرين سنة يكون به هذا الشيب؟ فقال للترجمان :وما تنكر من هذا؟ ألم تر ُّ قط ُمه ًرا ُينتج وهو أشهب؟ فضحكت امللكة وأعجبت بقوله ،وفي هذا يقول الغزال معب ًرا عن تعلقه بامللكة التي يسميها (تود) ترخي ًما لثيودورا: ((( �����������وى ُم���ت ِ ���ع���ب���ا كُ����� ِّل �����ف�����ت ي������ا َق����ل����ب����ي هَ َ ً َّ َ ����ي����غ���� َم ا َألغ���� َل����ب����ا ال����ض �����ت ِم�����ن����� ُه غ�����ا َل�����ب َ ِ �������وس������� َّي������� ًة �������ق�������ت َم�������ج َ�������ع������� َّل ُ ِإ ّن�����������������ي ت َ ����س ُ تَ����أب����ى ِل َ احل�����س�����نِ َأن تَ���غ��� ُرب���ا ����ش����م ِ �����ل�����اد ال������ َل ِ ِ ������ه ف������ي َح������ي ُ ������ث ال َأق������ص������ى ِب ِ ����������ي����������ه ِ ����������������ب َم�����ذهَ �����ب�����ا ذاه ُي�����ل�����ف�����ي ِإ َل ٌ ((( املصدر نفسه.142 : ((( املصدر نفسه .143 : ((( املطرب.144 : - 205 - ي�����ا «ت����������و ُد» ي�����ا رو َد ال َّ �����اب ا َّل���ت���ي �����ش�����ب ِ زراره�����������������ا ال����ك ِ َ����واك����ب����ا �����ع ِم�������ن َأ ِ ُت�����ط����� ِل ُ َّ ����خ����ص ا َّل���������ذي ال َأرى ال����ش ي�����ا ِب����� َأب�����ي ُ َأح������ل������ى َع�����ل�����ى َق����ل����ب����ي َوال َأع������ َذب������ا ������وم������ا ِإنَّ َع����ي����ن����ي َر َأ ْت إن ُق ُ �����ل�����ت َي ً �����ه����� ُه َل��������م َأ ْع���������������� ُد َأن َأ ِ ك������ذب������ا ُم ِ �����ش�����ب َ ����������و َد ْي ِ ����������ورا ����������ه َق��������د َن َّ ق������ا َل������ت َأرى َف ْ دع��������ب��������ا ُدع�����������ا َب����������� ٌة ِ ���������ب َأن َأ َ ت���������وج ُ ���������ل���������ت َل�������ه�������ا م���������ا ب����������ا ُل���������� ُه ِإ َّن�������������� ُه ُق ُ ����ه����ب����ا َ�����ج ال����ـ����م����ه���� ُر كَ���������ذا َأش َ ُ َق�������د ُي�����ن�����ت ُ ����ج���� ًب����ا ِب���� َق����ول����ي َل��ه��ا َف���اس���ت َ���ض���ح���ك ْ َ َ���ت ُع ْ َ����ع����ج����ب����ا ��������ل��������ت ِل�������ك�������ي ت َو ِإنمَّ���������������������ا ُق ُ َ ويقال إن امللكة أمرته باخلضاب ،ففعل ذلك وزاره��ا يو ًما ثان ًيا وقد اختضب، ((( وحسنته عنده ،فقال في ذلك: فمدحت خضابه ّ َ�����رت حُ َ �����س�����نُ ل����ي َس��������وا َد ِخ��ض��اب��ي ت ِّ َب�����ك َ ذاك َأع���������ا َدن���������ي ِل َ َ ����ش����ب����اب����ي َف���������كَ��������� َأنَّ ����اب ِل ِ ��ب ِع��ن��دي َو ِ م��ا ال َّ ���واص ٍ ���ف اخل����ض ُ ��ش��ي ُ ِإلاّ ك َ ������ت ِب َ �����اب َ�����ش �����م�����س ُج������ ِّل������ َل ْ ٍ �����ض�����ب ِ َ���خ��� َف���ى َق���ل���ي اً�ًل� ُث������ َّم َي���ق َ ت ْ ال��ص��ب��ا ���ع���ه���ا ���ش ُ َّ �������ر ْت ِب ِ َف���� َي����ص����ي���� ُر م�����ا ُس ِ ������اب ��������ه ِل������ َذه ِ �������ت َ ال ُت����ن ِ ����ك����ري َو َ ���ب َف���� ِإنمَّ����ا ���م���ش���ي ِ ���������ح ال���ـ َ ض َ ل��������ب��������اب ف��������ه��������ام َوا َأل َه��������������ر ُة ا َأل ���������و ز ِ هُ َ ِ َ ((( املصدر نفسه.146 : - 206 - ��ص��ب��ا َف����� َل����� َد َّي م����ا َت���ه���وي���نَ ِم�����ن َش�������أنِ ال ِّ �����������ل�����������او ُة َو ُط َ خ���������ل��������اق ا َأل ِ اآلداب َو ِ وروي أن امللكة أتت يو ًما لزيارة الغزال في القصر الذي َّ حل به ضي ًفا ،وبصحبتها ابنها األمير «ميشيل» وكان يحب الشراب ،فأحضر معه خم ًرا وطلبت امللكة أن يشاركه ((( الشراب ،فأبى ألن ذلك حرام ،وص َّور هذا املوقف شع ًرا فقال: ِ خ��������ص ع���������ط���������اف َر َو َأغ���������ي��������� َد َل�����ِّي����نِّ ا َأل ٍ ال������ط ِ َّ �����ق َط����وي����لِ كَ����ح����ي����لِ ������رف ذي ُع�����ن ٍ ����وج���� َن����تَ���� ْي ِ َّ ����ه ال�����ش تَ���������رى م���������ا َء ِ �����ب�����اب ِب َ ����س����ي ِ ���ص���ق���ي���لِ َي َ�������رو َن ِ ����ف ال َّ ُ �������ق ال َّ �����ل�����وح ك َ ِم������نَ ا ْب����� َن ِ َ ����ر َّي ا ْل����ـ ال����غ �����اء ����ص ِ ِ ����ط����ار ِف َق����ي َ �����وم ِ ����ب َو ُ اخل������������ؤولِ ن ُي �����ة ح���ي�� َ ُع�����م َ ����ن����س ُ َ مي����������������� ُه ِن�����ص����� ًف�����ا ِب ِ �����ن�����ص ٍ �����ف كَ��������������� َأنَّ َأد َ �����وذي�����لِ ������ب ال����������� ِّد ِ ِم�������نَ ال������ َّذهَ ِ الص َأو ال َ َو ُر َّب��������تَ��������م��������ا ُأكَ������������������� ِّر ُر ف������ي ِ ������رف������ي ������ه َط َ ������ب َأ َّن������������� ُه ِم��������ن َع ْ �������م ف���ي���لِ َف������ َأ ح������س ُ �������ظ ِ َ ٍ �����ر َع�������ل�������ى َق������������� ٍّد َس ������������������واء ال َق�����ص�����ي ٍ ِ ����������و ِب�����ال َّ �����ط�����وي�����لِ َف������ت َ������ح������ق������ ُر ُه َوال هُ َ َو َل ِ �������������ك ف������ي اع ِ َ �������دال �������ت ����ي����ن َذ ِل ���������ك���������نْ َب َ ٍ ك ُ ال��ـ��م��س��ي��لِ ��������رب �����ان ف����ي ُق ����ن ال�����ب ِ َ����غ����ص ِ ِ َ َي ِ ��������������ي ُم ِّ �������ر ًف�������ا ِل َ ���ش���ك���ل���ي �������ح�������نُّ ِإ َل �������ط ِ َّ َو ُي������ك ِ ي���������ار َة ِب�����ا َألص�����ي�����لِ ������ث������ ُر ِل�������ي ال��������� ِّز َ ����م����ر ��������������ي ِب �������وم�������ا ِإ َل َأت����������ى َي ِ ً ��������������ز ِّق َخ ٍ َّ ِ �����س�����ك ال��� َف���ت���ي���لِ �������ح كَ�����ا ِمل َش������م������ولِ ال������� ِّري ِ ((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د .محمود مكي .363 : - 207 - �����ب�����ي�����ت ِع����ن����دي ����ش����ر َب����ه����ا َم����ع����ي َو َي ِل���� َي َ َ َ اخل����ل����ي����لِ ������ت َب����ي���� َن����ن����ا ُو ُّد َف������ َي������ ْث������ ُب َ ���������ع��������� ُه َف����ك����ان����ا َوج�������������������ا َءت ُأ ُّم����������������� ُه َم َ كَ���������� ُأ ِّم ِ ِ �����ش�����ف َوال�������� َّر َش�������� ِأ ال���كَ���ح���ي���لِ اخل ص�����ي�����ن�����ي ِب ِ ُ َ��������ق��������ول َأخ����ش����ى ���������ه َوت �����و ّ ُت َ َع���� َل����ي ِ ����ه ال������ َب������ر َد ف�����ي ال���� َل����ي����لِ ال َّ ����ط����وي����لِ ��������وكً��������ا َف����� ُق ُ �����ل�����ت َح������م������ا َق������ ًة ِم������ ّن������ي َو َن ْ ُّ َف����� َد ْي����� ُت َ ال���ش���م���ولِ ����س����ت ِم������ن َأه��������لِ �����ك َل ُ َف����������� َأ َّي����������� ُة ِغ���������������� َّر ٍة ُس�������ب�������ح�������انَ َر ّب����������ي ����ع����ق����ولِ َل������و ِا ّن���������ي كُ�����ن ُ �����ت ِم������ن َأه���������لِ ال ُ والغزال ينحو في قصيدته منحى قصص ًّيا يعتمد على السرد ،فيستهلها بوصف محاسن األمير ميشيل في ما يشبه التغزل الغلماني ،فهو أغيد فيه نعومة ولني ،وهو كحيل الطرف ،طويل العنق ،يتورد خ ّده مباء الشباب ،وهو من أبناء السادة األشراف، قيصري النسب ،ويشير إلى إعجاب األمير الشاب به وإكثاره من زيارته ويشير إلى قصة زيارته له بصحبة والدته امللكة اجلميلة وطلبها أن يشاركه الشراب واملبيت عنده اً موصول واعتذار الغزال عن ذلك ثم تندمه على أنه لم يستجب لطلب امللكة. ليبقى الود وعلى هذا النحو ألهمت سفارة الغزال إلى القسطنطينية شع ًرا ميثل ظاهرة خاصة ال سيما ما يصور عالقته بامللكة البيزنطية ثيودورا وابنها األمير ميشيل وهو ما لم نكد نظفر مبثله في الشعر العربي. ويبدو أن سفارة الغزال إلى بالد ال��روم سبقتها سفارات أخ��رى ،إذ جند له قصيدة طويلة يع ّرض فيها بالرسول الذي كان أرسل إلى ملك الروم قبله ،وسلك فيها ((( طريق الفكاهة ،فقال في مطلعها: ((( املقتبس (السفر الثاني) حتقيق د .محمود مكي.351 : - 208 - َ���ش���ت ِ ِ َم����ا ت ْ �ل�اح���اة �������رج» م���ن ُم َ���ف���ي «أ ُّم ُج ٍ �������و ِ ���ع ال���� ِّدي َ ات ���م ُ ����ك ي���ز ُق���و ع��ش��ر َز ْق َ أو تَ���س َ ���ق ال���� َّزم����انُ َل��ه��ا ص���ل���ع���ا ُء َل����م ُي���ب ِ َج�������ردا ُء َ ����م��ل�ام ِ ِإلاّ ِل�����س�����ا ًن�����ا ُم����� ِل ًّ ����ات �����ح�����ا ِب����ال����ـ َ �����و ِ َ واس�����ت�����ول َم���� ْن َ ����ره اش����� َي����� ُه َر َّق ْ ��������ت َح َ ����ظ َ �������ت احل���� َّن ِ ����ة َ ���م حَ ْ احل���ات���ي ت َ ِع���� ْن���� َد ال���تَّ���كَ��� ُّل ِ ويشير إلى هذا الرسول (ابن طلبة) و ُيع ِّرض به ويسخر من صفاته ومؤهالته التي ال تصلح في السفارة والعالقات الدبلوماسية فيقول: ((( ��ح�� َي ِ��ت ِ��ه ����ر ِس����ل ل��ل ْ إنّ «اب����ن ط���ل���ب���ة» َل���� ْم ُي ْ ال������ـ������م������ ُر َّو ِ ل����ك���� َّن���� ُه ك���������انَ م�����ن أه���������لِ ات ُ �����ع�����ر َف ٍ �����ة َوكَ����������انَ ب�����ال����� َّدهْ ِ �����م َو َم ْ �����ر ذا ِع����� ْل ٍ ِ �����ع�����ل����� َّي ِ �������ح������� َب ٍ ��������االت �����ات ال�������� ِّر َج �������ة ِل َ َو ُ ص ْ ����ت ِ َوكَ������������انَ ل�����ل����� ُّروم ج���������ا ًرا ف�����ي ح����دا َث ِ ����ه ����ار ِ ���غ َ َي ْ ات ����را َي����ا وال���� ِّت َ ���ش���اهُ ��� ُم ف���ي ال َّ ����ج َ ����س َ ���ح َوكَ���������انَ َي َ ���ل���ع ُ ���ب ِب����ا َّل����ش����ط����رنجْ ِ ف����ي ُم��� َل ٍ ������وف ِم������نْ ُف����كَ����اهَ ِ ص������ ُن ٍ ����ات َي����أت����ي ب���ه���ا َو ُ ��������ر ِب َوكَ�������������انَ ُر َّب َ �����ت�����م�����ا غ���� َّن����ى ع����ل����ى َط َ �����و ِ ات �����أص َ ���ع���ب َي ْ �����و ًم�����ا ِب ْ ف��ي��ه��ا َل������� َدى َم��� ْل ٍ ����ش ِ ����������و ٍم ل���ه���م َح ٌ َوك ُّ ���������ال ُت َ ����ه���� ْم ����اك���� ُل ُ ُ����������ل َق ْ ���اع ِ ���ات ���ص��� َن َ ِف����ي َم����ا هُ ���� ُم ِف���ي ِ���ه ِم����نْ أه����لِ ال ِّ وميضي الغزال في تعريضه بهذا الرسول اجلاهل الذي يفتقر إلى الكفاءة وليس له من املؤهالت سوى حليته الك ّثة الطويلة ،وينسبه إلى التيوس البشاريات وهي جبال ((( البشرات اإلسبانية املمتدة بني غرناطة في الغرب واملرية .يقول الغزال: ((( في األصل( :ابن لي طلبة )...وهو مضطرب ،وما اثبتناه هو قراءة اقترحها د .مكي ،ونراها أقرب إلى الصواب. ((( املقتبس (السفر الثاني) ،حتقيق د .محمود مكي ص 351 - 209 - ���ع ٍ���ر َف�� ْأ ِ ن��ش�� َدهُ �� ْم ��س��وا َذ ِوى ِش ْ َوال������� ُّرو ُم َل�� ْي ُ إ َذا َو َر ْد ُت ع���� َل���� ْي����هِ ���� ْم ِم�������نْ َم���� َق ِ ����االت����ى ����ه���� ُم َوال ُي ِ ���������ري��������� ُدون إ ْم���ل��ال������ي ِل����كُ����ت����ب ُ إخ��� َب ِ ����ن ْ ���ات���ى ���اب���ي َوال ف���ي ال���� ِّدي ِ َوال ِح���س ِ ْ���ه��� ْم لحِ ْ ���� َي���� ٌة َع ُ ��ت ��م ْ ���رت ُ ��ظ َ َوإنْ َي���كُ���و ُن���وا َع َ ���م��� َب���اه ِ ِب َ ���اة ����ر َع���� ْق ٍ ����غ���� ْي ِ ����ل ل������ َدى َح�������الِ ال���ـ ُ َف ِ ����ار َّي ِ ����وس ال���� ُب َ ���ع ���ف���ى ال���� ُّت���� ُي ِ ����ش ِ َّ���س ٌ ����ات ُم���ت َ َع���� َل����ى ال ِ ����ه ِ ����ه����ا كُّ ُّ ����اة ����ق����ي ِ ������ل َم���� ْب َ ����اس َو ِف����ي َ ���ت ِ اح��������� ٌد ف����ي ُط�������ولِ لحِ ْ ��� َي ِ َوهَ �������ا هُ ���� َن����ا َو ِ ���ه ����ش���� ُر لحِ ْ ���� َي ِ ����ان َع ْ �����ه�����ا ِب َ ����ات ����م ِ �����ر ِض َ ����ض َ َو َع ْ ����اج ِ ������س������ ِّي������ ُرو ُه َف ِ ����ت����كُ ���� ْم ����ف����ي����ه َف ْ ����������و َق َح َ َف َ ل�����ل�����و َف�����ا َد ِ َم�������نْ تَ���� ْب����ت ُ ات �����������وا ُه َ����غ����ونَ ِس ِ َ وهكذا كان الختيار الغزال للسفارة في بالد أجنبية أصداء واسعة في شعره، وانعكست شخصيته على األحداث واملواقف فتفاعل معها وطبعها بطابعه ،وسلك في سفارته مسل ًكا حضار ًّيا ،وص َّور عالقته مبلكة بيزنطة في لقطات شعرية نادرة. الوجه العدواني لآلخر: وإذا كان الشعر األندلسي ص َّور لنا اآلخ��ر/ال��روم في هزائمهم فقد صورهم كذلك في انتصارهم وطغيانهم وتنكيلهم باملسلمني ال سيما بعد موقعة (العقاب) سنة 609هـ التي كانت سب ًبا رئيس ًّيا في انتثار عقد األندلس ،فقد أضحى الطريق بعدها مفتوحا أمام النصارى الجتالء تلك األشالء املمزقة ،وسرعان ما أخذت املدن األندلسية ً تباعا في أيدي النصارى ،فسقطت إشبيلية وبلنسية وقرطبة وغيرها من املدن تتساقط ً األندلسية ،ولم يبق بيد املسلمني سوى غرناطة وبعض أعمالها(((. ((( الشعر األندلسي في عصر املوحدين .178 : - 210 - وقد أذكت هذه احملنة لوعة الشعراء األندلسيني ،فبكوا مدنهم ،ووصفوا ما أحلقه النصارى بها من خراب وتدمير ،وما ذاقه أهلها من ضروب العذاب والذل والهوان، ومن ذلك قصيدة للشاعر أبي موسى بن ه��ارون يصف فيها هجوم النصارى على إشبيلية بجيوشهم اجلرارة التي يضيق بها الفضاء ،فدمرت وخربت ،ويصف أسارى املسلمني وهم مكبلون في األصفاد ،ويرسم مشه ًدا مؤث ًرا لطفل رضيع اختطف من بني أحضان أمه ليواجه مصيره احملتوم وقد انشغل الوالد عن ولده وأصيب الناس ((( بالذهول وكأنهم في يوم احلشر :يقول ���ص ف���ي َج���م ٍ���ع ي��ض��ي ُ ��ق ب ِ��ه مَ َّ وي ُ ����م����وا ح���م َ ذرع ال���ف���ض ِ ���م���ا ُ ����س َّ ����وى ال���وه��� َد واألك َ ���اء َف َ ���و َث��� َق��� ًة أس�������ارى ْ غ�����دت ف���ي ال��ق��ي��د ُم ْ ف��ك��م َ ِّ �����دام�����ا ل���ه���ا َح َ ��ط��م��ا ت��ش��ك��و م����ن ال�������ذل أق ً رض����ي����ع ظ َّ ������ل ُم���خ���ت َ ���ط��� ًف���ا ص����ري����ع وك������م ٍ ٍ أم ِ ���������ه ف���ه���و ب������األم������واج ق�����د ف��ط��م��ا ع�����ن ِّ ��������و ف����ي ش��غ ٍ��ل ي���دع���و ال����ول����ي���� ُد أب������اه وهْ َ ���ج���م���ا ع����ن ِ ���س َ ����ع س�����ال وا ْن َ اجل��������واب ب����دم ٍ وال������ه������ا ِف����ي����ه���� ْم ووال�����ه����� ًة ف����ك����م ُت��������رى ً ���ع ال ّ ح����اورتَ���� ُه ال��كَ�� ِل��م��ا ����ر َف إن ال ُي ِ ���رج ُ ْ ����ط ْ مب ْ ���غ ِ���ن���ي ٍ���ة َل ْ ���ه���ف���ي ع���ل���ي���ه��� ْم وم������ا ل���ه���ف���ي ُ ����م����ن ت�����ب����� َّدل ب����ع���� َد ال���� ِّن����ع����م ِ ����ة ال��� ِّن��� َق���م���ا ع َّ َّ �����اب وم���ا إن�����ا إل�����ى ال����ل����ه ق����د ح�����ل امل�����ص ُ م���ن ح��ي��ل ٍ��ة ف���ي ال����ذي أم َ ���ض���ى وم����ا حتما ويصور الشاعر في قصيدته النصارى في ُعت ّوهم وطغيانهم وما أحدثوه في إشبيلية بعد دخولها من ه��دم وتدمير ،ومحو معاملها ،وتخريب املصانع واملعاهد ((( والقباب ،يقول ((( البيان املغرب (ط .تطوان) 3:382 ((( البيان املغرب 382 :3 - 211 - ���ت ي���د ال ِّ ���ش���رك م���ا ش����ا َد اخل�ل�ائ ُ ���ف من َع���ف ْ إر َم�����ا ق���ص ٍ���ر وم����ن م��ص��ن��ع ض���خ ٍ���م ح��ك��ى َ ٍ ال����ق����ب����اب ال����ت����ي ك����ان����ت م��ح��ج��ب�� ًة أي�������نَ ُ ف��ي��ه��ا امل����ل ُ ����وك ت��ف��ي ُ َ���رم���ا ��ض اجل������و َد وال���ك َ وك����م ب���ـ «ط����ري����ان ٍ����ة» أب���ق���ى األس�����ى ُن��� ُد ًب���ا وج�������� ًدا كُ ��� َّل���م���ا ك��ل��م��ا ف����ي ال���ق���ل���ب ي��ب��ع��ث ْ ك�����ان�����ت م�����ع�����اه����� ُد ل��������� َّل��������� َّذ ِ ات ن���ع���م��� ُره���ا ���ج���م���ا ف���ل��ا ُ ن�����������راع إذا م������ا ه������اج������ ٌم هَ َ وص َّور الشعراء األندلسيون محنة سقوط «بلنسية» حني سقطت في يد السيد القنبيطور (495-487ه� �ـ) كما ص � َّور اب��ن خفاجة إح��راق النصارى «بلنسية» عند ((( خروجهم منها سنة 495هـ فقال ِ ب����س����اح����ت ِ ����ك ال������ع������دا ي������ا دا ُر ع������ا َث������ت وم�����ح�����ا م����ح����اس���� َن ِ ����ب����ل����ى وال������ َّن������ا ُر ����ك ال ِ َ ������اب ِ ������ك ن����اظ���� ٌر وإذا ت��������������ر َّد َد ف������ي ج������ن ِ واس ِ ِ �����ت�����ع�����ب�����ار ط��������ال اع������ت������ب������ا ٌر ف�����ي�����ك ْ ِ ٌ ������وب ب���أه��� ِل���ه���ا أرض ت����ق����اذف����ت اخل������ط ُ َّ ومت�������خ َ ب�����خ�����راب�����ه�����ا األق�����������دار �������ت �������ض ْ ِ ���رص ِ ���ات���ه���ا ���ت ي����� ُد ِ ك���ت���ب ْ احل�����دث�����ان ف����ي ع َ أن��������ت وال ال�������� ِّدي��������ا ُر دي��������ا ُر» «ال أن�������ت َ ويصف أب��و املطرف بن عميرة أح��وال «بلنسية» بعد سقوطها نهائ ًّيا في يد النصارى سنة 636هـ وقد أظهرهم في صورة الكفر والشرك والتخريب ،يقول(((: أم���������ا « َب������ َل������ ْن ِ ����ر ّ ������س������ َي������ ٌة» ف����م����ث����وى ك����اف ٍ ������ره������ا كُ �������� َّف��������ا ُر ُه ������ت ب������ه ف������ي ُع������ ْق ِ ح������ َّف ْ ((( ديوان ابن خفاجة (حتقيق د .سيد غازي) 354 : ((( أعمال األعالم البن اخلطيب273 : - 212 - ِ َّ �������ص�������ا ُد ُه امل�������ك�������روه زرع م�����ن ٌ ح�������ل َح َ ل��������ج ح������ص������ا ُر ُه ال�������ع�������دو غ������������دا َة ب���ي��ن ِّ َّ ِ ����ع ب���ال���ه���دى وع������زمي������ ٌة ل����ل����ش����رك ج����ع����ج َ أن�������ص�������ا ُرهَ �������ا إذ خ�������ا َن������� ُه أن�������ص�������ا ُر ُه ْ ����ق ال���ع���دا ق�����ل ك���ي���ف تَ���� ْث���� ُب ْ ����ت ب���ع���د مت����زي ِ ُ ���������������درك ث�����������ا ُر ُه آث�����������������ا ُر ُه أو ك�����ي�����ف ُي ويطل النصارى في سينية ابن األبار في صورة الغزاة الكفار الذين عاثوا في بلنسية وحولوها من العمران إلى اخلراب ،وفي ذلك يقول(((: ح������دائ������ق ل���ل��أح������داق ُم ِ َ �����ون����� َق����� ًة ك�����ان�����ت ِ ����و َح ال��� َّن ْ ���س���ا ���ض��� ُر م���ن َف����ص َّ أدواح����ه����ا َوع َ ����اث ج��ي ُ َس���رع���انَ م��ا ع َ ���رب���ا ��ش ال��ك��ف ِ��ر َ واح َ َع���� ْي ُ ����ث ال����� َّد َب�����ى م��غ��ان��ي��ه��ا ال���ت���ي كَ�� َب��س��ا حَ���� َّي���� َف����ه����ا مم���������ا ت واب��������ت�������� َّز ِب������� َّزتَ�������ه�������ا ّ األس ِ ��������د ال َّ ت����� ُّي َ حَ َ �����ض�����اري مل����ا اف��ت��رس��ا �����ف َ اجل�������و ف�����ام�����ت����� َّد ْت ي���������دا ُه إل���ى َخ���ل��ا ل�����ه ُّ إدراك م����ا ل����م ت���ط��� ْأ رج���ل���ا ُه ُم ْ ��خ��ت�� ِل��س��ا �����ر ال������ َّزع������ َم ب���ال���ت���ث���ل���ي ِ ���ث ُم���� ْن���� َف����ر ًدا وأك�����ث َ ِ ّ���وح���ي���د م����ا َن�� َب��س��ا ول�����و رأى راي������� َة ال���ت ويرسم الرندي في نونيته مشاهد مؤثرة للمسلمني الذين أحلق النصارى الهزائم بوطنهم فتجرعوا ك��ؤوس ال��ذل وبكوا بدموع ح��ارة وه��م ي��رون جبروت الغزاة وهم يحولون بني األم وطفلها ،ويأسرون الرجال ويسبون النساء ،ويلتقط مشه ًدا دام ًعا لفتاة شابة يقودها العلج للمكروه ،وفي ذلك يقول(((: ((( نفح الطيب 457 :4 ((( نفح الطيب 488 :4 - 213 - ي������ا َم��������ن ل�������ذ َّل ِ ق����������وم ب�����ع����� َد ع����� ِّزه����� ُم �������ة ٍ �������ه������� ُم ك������ف������ ٌر وط�����غ�����ي�����انُ أح�����������ال ح�������ا َل ُ ب����األم����س ك����ان����وا م���ل���وكً���ا ف����ي م��ن��ازل��ه�� ْم ِ ���ر ُع���� ْب����دان وال�����ي�����و َم ه����� ْم ف����ي ب��ل��اد ال���ك���ف ِ َ دل�����ي�����ل ل���ه��� ْم ف����ل����و ت�����راه�����م ح�����ي�����ارى ال ِّ ال������������ذل أل��������وان ع����ل����ي����ه���� ُم م������ن ث�����ي�����اب رأي�����������ت ب�����ك�����اه����� ْم ع����ن����د ب���ي���ع���ه��� ُم ول��������و َ �����ك األم��������� ُر واس����ت����ه����وت َ �����ه�����ا َل َ ْ����ك أح������زان ل َ َ �����ي�����ل ب��ي��ن��ه��م��ا وط�����ف�����ل ِح رب أ ٌّم ٍ ي�����ا َّ أرواح وأب������������دان ك�����م�����ا ُت����������� َف����������� َّر ُق ٌ ��ت وط��ف��ل�� ٌة م��ث��ل ُح���س���نِ ال��ش��م ِ ��س إذ ط��ل��ع ْ وم�������رج�������ان ������������ي ك������أمن������ا ِه ٌ ي��������اق��������وت َ َ ����ج ل����ل����م����ك ِ ����روه ُم����ك����رهَ ���� ًة ي����ق����وده����ا ال����ع����ل ُ وال�����ق�����ل�����ب ح����ي����ران ���ي���ن ب�����اك�����ي����� ٌة وال�������ع ُ ُ َ����م ٍ ����د مل����ث����لِ ه������ذا ����ب م�����ن ك َ ي���������ذوب ال����ق����ل ُ ُ إن ك������ان ف�����ي ال���ق���ل���ب إس����ل����ا ٌم وإمي������ان وثمة قصيدة نادرة نظمها شاعر أندلسي مجهول بعد سقوط غرناطة سنة 1499م تُق ّدم «اآلخر» في صورة العدو الوحشي الذي ال يتورع عن القتل واإلبادة والتشريد وعدم احترام عقيدة اآلخرين ونقض املواثيق والعهود وتخيير املسلمني بني اجلالء عن غرناطة أو التنصير .وتبدأ القصيدة مبقدمة في الشكوى واالستغاثة يصف الشاعر املسلم بعدها هجوم الروم على غرناطة فيقول(((: وج������اءت ع��ل��ي��ن��ا ال�������رو ُم م���ن ِّ ج��ان��ب ك����ل ٍ ����ل ع����ظ����ي ٍ����م ج����م����ل���� ًة ب����ع���� َد ُج���م���ل ِ ���ة ب����س����ي ٍ ((( وثيقة أندلسية عن سقوط غرناطة مع دراسة حتليلية للمستشرق جيمس.ت.مونرو ،ص ، 32-27والقصيدة في :أزهار الرياض للمقري115-108 :1 - 214 - ِ ب��ج��م��ع��ه�� ْم وم�����ال�����وا ع���ل���ي���ن���ا ك�����اجل�����راد وع������������ ّد ِة وع������������زم م������ن ب�����ج����� ٍّد ٍ خ������ي������ول ُ ٍ ِّ ٍ س���اع���ة ك������ل وف����رس����ا ُن����ه���� ْم ت����������زدا ُد ف�����ي ����ص وق���� َّل ِ ����ة وف����رس����ا ُن����ن����ا ف�����ي ح��������الِ ن����ق ٍ ���م���ا َ ����ع���� ْف���� َن����ا خ���� َّي����م����وا ف����ي ب�ل�ادن���ا ض ُ ف���ل ّ وم������ال������وا ع���ل���ي���ن���ا ب�����ل�����د ًة ب����ع���� َد َب����� ْل ِ �����دة ويشير الشاعر املسلم إلى غدر الغزاة النصارى ونقضهم العهود واستهانتهم بعقائد املسلمني وشعائرهم وإحراقهم املصاحف والكتب الدينية وتعذيب من يؤدي فروض الصيام أو الصالة من املسلمني ،يقول: ِ ع����ق����د ِذم����ام����ه���� ْم ����م����ا دخ����ل����ن����ا حت�����ت ف����ل ّ ِ ال���ع���زمي���ة ب������دا غ�����دره�����م ف���ي���ن���ا ب���ن���ق���ض وخ��������ان ع������ه������و ًدا ك�������ان ق�����د غ����� َّرن�����ا ب��ه��ا ون�����ص�����رن�����ا ك������رهً ������ا ب���ع���ن���ف وس�����ط ِ �����وة َّ َ ٍ م��ص��اح��ف وأح��������رق م����ا ك���ان���ت ل���ن���ا م����ن وخ���� َّل����ط����ه����ا ب�����ال����� ّزب�����ل أو ب���ال���ن���ج���اس ِ���ة ول�������م ي����ت����رك����وا ف���ي���ه���ا ك����ت����ا ًب����ا مل���س���ل ٍ���م ِ ل����ل����ق����راءة وال م���ص���ح��� ًف���ا ُي����خ����ل����ى ب�����ه ����ع���� َل���� ُم ح���ا ُل��� ُه ص���� ّل����ى و ُي ْ وم������ن ص�����ام أو َ َ ِ ّ ح���ال���ة كُ�������ل ف���ف���ي ال�����ن�����ار ُي����ل����ق����وه ع���ل���ى �������ب ن���ب��� َّي��� َن���ا �������س َّ وق��������د أم�������رون�������ا أن َن ُ ٍ رخ�����������اء وش��������� ّد ِة �������ر ْن������� ُه ف������ي وال َن�������ذ ُك َ ������ت ل�������ت أس�����م�����اؤن�����ا وحت������ول ْ وق�������د ُب������� ّد ْ َّ ِ ب����غ����ي����ر ً إرادة وغ������ي������ر رض����������ا م����� ّن�����ا ِ - 215 - وص����رن����ا ع���ب���ي��� ًدا ال ُأس��������ارى َف��� ُن��� ْف���تَ���دى ِ ب����ال����ش����ه����ادة وال م���س���ل���م�ي�ن ن���ط���ق���ه���م ����رت ع���ي���ن َ ���اك م���ا ص����ار ح��ا ُل��ن��ا ف��ل��و أب����ص ْ ������وع ال����غ����زي ِ ����رة إل����ي����ه ْ جل����������ادت ب������ال������ ّدم ِ ب������ؤس م����ا ق����د أص���ا َب��� َن���ا ف���ي���ا وي���ل���ن���ا ي����ا َ وث��������وب امل����ذ َّل ِ م����ن ال ُ ����ة �����ض����� ِّر وال����ب����ل����وى ِ هكذا َّ أطل (اآلخر) بوجهه القبيح وممارساته الوحشية وأحقاده الدفينة لينتهك احلرمات ،ويستهتر بعقائد اآلخرين ومشاعرهم ويكشف بذلك زيف حضارته. اجلدل الديني مع اآلخر: لم يكن الصراع بني املسلمني والروم في املشرق واملغرب مقصو ًرا على احلروب واملواجهات العسكرية ،وإمن��ا استند على مرجعيات عقدية جتسد هوة واسعة من اخلالفات بني اجلانبني ،واتخذ ذلك شكل جدال ومناظرات ع َّبر الشعر عن جوانب منها ،وتشير بعض املصادر إلى احتدام بعض معارك الهجاء بني مسلمي األندلس وبني الفرجنة ،فمن ذلك ما جاء في «صلة الصلة» من أن «النقفور» ملك النصارى بعث بقصيدة نظمها أديب مرتد إلى املعتد بالله ،وذلك عقب استيالء النصارى على بعض ثغور األندلس ،فلما وصلت هذه القصيدة إلى مجلس اخلالفة وقرئت بني يدي اخلليفة، اهتز الفقيه ابن حزم عند سماعها ،وأخذته احلمية ،فرد على شاعر «نقفور» بقصيدة طويلة صيغت في قالب رسالة ،وجهها ابن حزم لنقفور واستهلها بقوله: ((( �����وال�����م ال�����ع رب َ ِم���������نَ احمل����ت����م����ي ل����ل����ه ِّ ِ ����م ودي����������نِ رس��������ول ال����ل����ه م�����ن آل ه����اش ِ ((( قطعة من شعر ابن حزم أوردها د .إحسان عباس في كتابه :تاريخ األدب األندلسي -عصر سيادة قرطبة- ص 374وما بعدها. - 216 - م���ح���م ِ���د ال����ه����ادي إل�����ى ال����ن����اس ب��ال�� ُّت��ق��ى ِ واإلس������ل������ام أف����ض����ل ق�����ادم وب�����ال�����رش�����د ِ ع����ل����ي����ه م������ن ال�����ل�����ه ال�������س���ل���ا ُم م������������ر َّد ًدا ���ث ك َّ إل�����ى أن ي����واف����ي ال���ب���ع ُ ���ع���وال���م �����ل ال َ ق�����ائ�����ل ب�������اإل ْف ِ �������ك ج�����ه اً ��ًل�� وض����ل���� ًة إل�������ى ٍ ����ور امل���ن���ت���زى ف����ي األع����اج����م ع����ن ال���� ّن����ق����ف ِ ويشير ابن حزم إلى استيالء النصارى على بعض الثغور فيقول: س����ل����ب����ن����اك���� ُم ده������������ ًرا ف������ ُل������ذمت ِب������ك������ َّر ٍة ���ض���ع ِ ����ال ال ّ ����ر أف����ع َ ���اف ال���ع���زائ ِ���م م���ن ال���� ّده ِ َف ِ مت س����������رو ًرا ع���ن���د َ ������ط������ر ْ ذاك ون����خ����و ًة ك����ف����ع����لِ �����اق�����ص امل���ت���ع���اظ���م امل�����ه��ي��ن ال����� ّن ِ ِ َ�����ض�����اع ِ �����ف غ���ف���ل ٍ���ة وم�������ا ذاك إال ف�����ي ت ُ ُ ال����ده����ر ج����� ُّم امل�ل�اح���م وص�������رف ����رتْ���� َن����ا ِ َع َ و ُيذ ّكر ابن حزم النصارى بأمجاد املسلمني وما أح��رزوه من انتصارات على الروم في السياسة واحلرب ،وهو ال يصدر في ذلك عن نزعة إقليمية ،ولكنه يصدر عن عاطفة دينية عامة ،فيذكر بفتوحات املسلمني في الشام واألندلس ومصر وصقلية وغيرها من األقطار: �����زع م����ن����ك����م ب�������أ ْي ٍ وق����������و ٍة �������د أل��������م ن�����ن�����ت ْ ّ ِ الزم ب����ل����اد ����ع ج����م����ي َ ال������ش������ام ض�����رب����� َة ِ ِ َ �����روان ب���أس���ره���ا وأرض ال�����ق�����ي وم����ص����ر ِ َ ���م وأن����دل����س����ا ق����س���� ًرا ِ ً ب����ض����رب اجل���م���اج ِ ِ أل���� ْم ت��ن��ت��ص ْ ض��ع��ف حالها ��ف م��ن��ك��م ع��ل��ى ������م ص����ق����ل����ي���� ُة ف�������ي ب�����ح�����ره�����ا امل������تَ���ل��اط ِ - 217 - أل����ي����س (ي������زي������ ُد) ح َّ َ دي�����ارك����� ْم وس�������ط ������ل ِ َ ����وارم ����ص ع���ل���ى ب�����اب «ق��س��ط��ن��ط��ي��ن ٍ��ة» ب����ال َّ ِ داس�����ه�����ا ب����ع���� َد ذاك������ ُم و «م���س���ل���م��� ٌة» ق����د َ �����ام ك����ال���� ّل����ي ِ ����وث ال ّ ����م ب���ج���ي ٍ ����ض����راغ ِ ���ش َل�����ه ٍ وأدى ل����ـ «ه���������ارونِ ال����رش����ي ِ ����د» م��ل��ي��كُ��كُ�� ْم غ��������ارم م�����غ�����ل�����وب وج�������زي������� َة إتَ����������������او َة ِ ٍ ويشير ابن حزم إلى سبايا الروم فيقول: ����ي ق����دن����اك���� ْم ك���م���ا اق������ت������ا َد ج������از ٌر ل����ي����ال َ احل��ل��اق�����م حل����������رز أت�������ي�������اس ج�����م�����اع����� َة ِ ٍ ِ ����ات م���ل ِ ��������ل ب����ن ِ ���وك��� ُك��� ْم وس���� ْق����ن����ا ع���ل���ى َر ْس ٍ ُ ���رائ���م ال���ص ���ت ظ����ب����ا ُء س���ب���اي���ا ك���م���ا ِس���ي���ق ْ َّ ِ ويتكئ ابن حزم في هجائه للنصارى على اجلوانب املتصلة بالعقيدة على نحو ما يبدو في قوله: ُ ������ذول دي��������نُ ُم���� َث���� ِّل ٍ ����ث ��������رنُ ي�����ا م������خ أ ُي�������� ْق َ ٍ �����م َب ����ع����ي����د ع�����ن امل����ع����م����ول ب���������ادي امل�����آث ِ ِ ع������ب������ادة ب�������دي�������ن ������وق ِ ٍ ب�������دي�������ن مل������خ������ل ٍ َ ف����ي����ال����ك س����خ���� ًف����ا ل����ي����س ي���خ���ف���ى ل���ك���امت م����ت����ك����اذب أن�����اج�����ي����� ُل����� ُك����� ْم م����ص����ن����وع���� ٌة ٌ ك���ل���ا ُم األل�������ى ف����ي م����ا أت�������وا ب��ال��ع��ظ��ائ��م س����ج���� ًدا ����ب ال ت�������زال�������ونَ َّ وع����������و ُد ص����ل����ي ٍ ِ ل�����ه ي�����ا ع�����ق َ ����س����وائ����م �����ول ال�����ه �����ام��ل��ات ال َّ إل�������ى م������ ّل ِ ������ة اإلس�����ل�����ام ت����وح����ي���� ُد ر ِّب����ن����ا دي����������ن ل����ن����ا مب����ق����اوم ف����م����ا دي����������نُ ذي ٍ - 218 - ِ ُ رس��������االت ال������ذي ج�����اء ب��ال��ه��دى وص�������دق ب��������دف��������ع امل�����ظ�����ال�����م م������ح������م������ ُد اآلت�������������ي ِ ُّ آس�������ر ق����������ط ق������������و ُة ف������ل������ ْم مت�����ت�����ه����� ْن����� ُه ٍ �����ت م�����ن ج����س����م ِ ����ه ي������� ُد ِ الط�����م وال َم�����كَ�����ن ْ َ�����رى زو ًرا وإف�����كً�����ا ِ وض���� َّل���� ًة ك���م���ا ُي����� ْف�����ت َ ِ َّ ك�������ل آث����م مي����س����ي م����ن����ك���� ُم ع����ل����ى وج��������ه ُ ع�����ل�����ى أن������ك������م ق�������د ق����ل����ت����م ه�������و رب����ك����م َف����� َي�����ا َل�����ض��ل��ال ف�����ي احل�����م�����اق ِ �����ة ج���اث���م أ ُي����� ْل َ ال��������رب ت���� ًّب����ا جل���ه��� ِل���كُ��� ْم �����ط����� ُم وج������� ُه ِّ َّ ك��������ل ظ���ال���م ل����ق����د ف������ ُّت������ ُم ف������ي ظ����ل����م����ك���� ْم ���ب أ َب�����ى ال���ل��� ُه أن ُي َ ���دع���ى ل���ه اب�����نٌ وص���اح ٌ ����ر ح�����ال����� َة ن�����ادم س���ي���ل���ق���ى دع����������ا ُة ال����ك����ف ِ والقصيدة تسيطر عليها عاطفة دينية قوية ،وترتفع فيها نغمة احلماسة واحلدة، غير أن صدورها عن البديهة واالرجتال أفقدها كثي ًرا من املقومات الفنية. وعلى أي��ة ح��ال ،فقد أث��ارت قصيدة شاعر «نقفور» ما أث��ارت��ه رسالة «ابن غرسية» من قبل ،فلم يكن ابن حزم وحده هو الذي تصدى للرد عليها وإمنا شاركه في ذلك شعراء آخرون على شاكلة أبى بكر القفال الشاشي ،وأبى اإلصبغ عيسى ابن زورال الغرناطي(((. وأدار بعض الشعراء هجاءهم ح��ول تسفيه معتقدات الفرجنة ،فسخروا من شعائرهم وطقوسهم ،وذموا رجال دينهم وأماكن عبادتهم ،كهذه األبيات البن شهيد الذعا واص ًفا من يرتادونها بأنهم التي يصور فيها ما يدور في إحدى الكنائس تصوي ًرا ً ((( ً معرضا بتصرفات بعض القساوسة ،على نحو ما يبدو في قوله: ضحايا إبليس، ((( فهرسة ابن خير اإلشبيلي409 : ((( الذخيرة 682 : 1/2 - 219 - ال����ب����ل����ى م���ن���ه���ا ك��م��ا وك����ن����ي����س���� ٌة أخ��������� َذ ِ ���ب ��������رت ف���� ْي���� ًئ����ا ف�����ي ��������ص َ ٍ أ ْب َ م�����غ�����ار ي���ن���ه ُ ����ب ك������م ص�������اد إب�����ل�����ي ُ �����س ب����ه����ا م������ن ت����ائ ٍ ������ب ب������ح������ب������ائ ٍ ������ل أل�������ق�������ى ب�������ه�������نَّ ت������ره ُ وكَ������م ا ْب����تَ���� َن����ى ا ْل ِ ���س ف��ي��ه��ا م��ن��ب�� ًرا ���ق���س���ي ُ ج�������������ؤذر وب�����������دا ع����ل����ي����ه ي���خ���ط���ب ِم���������ن ٍ ْ ي�����زل ���������ي ل�����م س����ق���� ًي����ا ل����ه����ا م�����ن دار َغ ٍّ مي ب���������امل����ل����اح ُم�������ع������� َّذب ف�����ي�����ه�����ا ك��������������ر ٌ أردت ت����ع���� ُّب���� ًدا �����س امل����ص���� َّل����ى إن َ ب�����ئ َ ن�������ع������� َم امل�����ش�����رب ف�����ي�����ه ول������ك������ن ك����������ان ْ واتكأ اجلدال العقدي حول اتهام الشعراء املسلمني للروم بالشرك يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم كقول ابن هانئ: ((( ل���م ي���ب َ ���ق ف���ي أرض ق��س��ط��ن��ط�ين م��ش��رك�� ٌة ������ل مب����ف����ق ِ �����ص�����ه�����ا ث������ك ٌ ����ود إال وق���������د خ َّ ويشير ابن هانئ ً أيضا إلى عبادة الروم للمسيح واتخاذ الصليب شعا ًرا لهم ويفتخر بزوال سطوة «األعالج» فيقول: �����م�����ا ث����اق���� ًب����ا ����م األع�������ل�������اج ع�����ل ً ُ ف����ل����ت����ع����ل ِ ����ب وق�������د َع�������������� َزز َْت دل����ي ُ ����ل أنَّ ال َّ ����ص����ل����ي َ ���س ف��ي و ْل���� َي����ع���� ُب����دوا غ���ي���ر امل���س���ي ِ ���ح ف���ل���ي َ َ �������ب ب�����ع�����ده�����ا ت����أم����ي ُ ����ل دي�����������نِ ال������� َّت�������رهُّ ِ ((( ديوان ابن هانئ216 : - 220 - التسامح مع اآلخر: وفي الشعر العربي ما يصور التسامح مع اآلخر ويتمثل ذلك في اجتاه بعض الشعراء املسلمني إلى مدح بعض امللوك أو الفرجنة ممن ُعرفوا بالسيرة احلسنة وهو ما جنده عند بعض ملوك صقلية من النورمان ،فلم يحل سقوط صقلية اإلسالمية في القرن اخلامس الهجري بعد أن حكمها املسلمون ما يقرب من ثالثة قرون من استمرار تأثير احلضارة اإلسالمية ،فتشبه بعض ملوك النورمان مثل «رجار» مبلوك املسلمني وكانت عالمته احلمد لله شك ًرا ألنعمه وكان ابنه «غليالم األول» يتكلم العربية ويحيط نفسه بحرس من املسلمني ،ومضى «غليالم الثاني» على سنته(((. ومنذ أن استقر أمر اجلزيرة «لرجار» جرى على سياسة تقريب املسلمني ونشر سيرة العدل في أهل صقلية((( .وكان «رجار» يحب مديح الشعراء ويجيزهم فذهب إليه جماعة من الشعراء ومدحوه ،ومنهم أبو حفص عمر ابن حسن الصقلي الذي مدحه بقصيدة جترى على منط قصائد املدح التقليدية ،فيستهلها مبقدمة غزلية يردد فيها ((( مزجا لطي ًفا فيقول: اسم امللك «رجار» وميزج املدح بالغزل ً �����ع ِ �����اد ِه ط���ل���ب ال����س���� ُل َّ ����ر ُس َ ُّ ����و ل����و انَّ غ����ي َ ����������و ْي���������� َدا َق�����ل�����ب ِ وف�������������ؤ ِ َ اده �����ه ح������ ّل ْ ������ت ُس َ ورج��������ا زي�����������ار َة َط���� ْي ِ ص���� ِّده����ا ����ف����ه����ا ف�����ي َ �����������رام�����������ه ي�������أ َب�������ى ل�������ذي������� َذ رق���������اده َو َغ ُ وال������ل ِ ������ه ل������وال امل�����ل ُ �����ك «روج�������������ا ُر» ال�����ذي أز َْرى ُم ِ �����ح����� ِّب�����ي�����ه ع����ظ����ي���� ُم ِوداده �����د ي������و َم ف ِ �����وج ِ م����ا ع َ ���راق���ه���ا ������أس ال ْ ������اف ك َ ِ امل�����ج�����د ف�����ي م����ي��ل�اده �����ح����� َّي�����ا َو َرأى ُم َ ((( العرب في صقلية ،د .إحسان عباس 145 : ((( املرجع السابق147 : ((( خريدة القصر 49-48 : - 221 - وميدحه الشاعر بالكرم والشجاعة واملجد ومالحة الوجه فيقول: ����ه���� َّن ٍ ����د ������ج������ ْد َوى اه�������ت�������زا َز ُم َ ي����ه����ت���� ُّز ل������ل َ ِ ج����ل����اده ي�����ه�����ت����� ُّز ف�������ي ك������ َّف������ ْي������ه ي�����������و َم ���ح ج��ب��ي��ن ِ��ه وي����ض����ي ُء ف���ي ال��� ّدي���ج���ور ص���ب ُ ����س����اده ف���ت���خ���ال ض������و َء ِ ال���ش���م���س م����ن ُح َّ أرض خ���ي���ام ِ ُ ���ه �����ع اجل�����������وزاء وم�����ط�����ا ِل ُ وال������ق������م������ران م������ن ُو َّف�����������اده وال�����ن�����ج����� ُم ِ ���ع ْ ���ب���ه ����ه ْ ���ض ِ وإذا األم����������و ُر ت����ش����ا َب َ ����ت َف��� ِل َ َخ ٌّ ���������ط ُي������ َب������ َّي ُ ب�����������داده ������ض ُس��������و َده��������ا مِ ِ ومنها �����ت ب ِ ي������ا أي�����ه�����ا امل������ل ُ ����ه ������ك ال���������ذي َث�����ب�����ت ْ � ِ ص����� َف�����ا أ ْم�����َل��� اَ ده ِق ً �����دم�����ا ال����ف����ط����ان���� ُة ف�����ي َ ِ �����رم�����ى ب��ه��ا أرواح و َد َع�������تْ������� ُه ُ ال�����ع����� َدا َف َ ِ أغ������م������اده ������ع������ ًب������ا تَ����ل���� َّق����تْ����ه����ا ُظ�����ب�����ى ُل َ وأورد ابن القطاع قصيدة للبثيري الصقلي في مدح «رجار» ووصف قصوره ((( وازدهار احلضارة في دولته التي بذت دول امللوك القيصرية ،ومنها: ِ أد ِر َ ح�������ي�������ق ال������� ّر ������ج ِ ������د ْي������ـ َ ������س َ ال������ع ْ ���ع ِ اص���ط���ب���اح َ ـ����� َي����� ْه َو ِص���������لِ ���ش��� َّي��� ْه ���ك ب���ال َ َ واش���������������������������ر ْب ع�������ل�������ى وق��������������ع امل������ث������ا َ ������ع������ َب ِ ������د َّي������ه ن��������ي واألغ�����������ان�����������ي ال������ـ������م ْ َ م������������ا ع��������ي��������ش�������� ٌة ت�������ص�������ف�������و ِس������������وى ِب������������������������� ُذ َرى ِص ِ ���������ق��������� ِّل��������� َي ٍ ���������ة هَ ������ن������ َّي������ه ���������������������������������ت ع�����ل�����ى أر َب ْ ف�������������ي دول���������������������ة ْ ُد َولِ ِ امل���������ل���������وك ((( اخلريدة (ط .تونس)23: - 222 - �������ر َّي�������ه �������ص ِ ال������� َق������� ْي َ وق��د نسج اب��ن بشرون على منوال قصيدة البثيري فقال مي��دح امللك (رج��ار) ((( ويصفه بـ(ملك امللوك القيصرية) ،ويقول في مطلعها: م����������������ن����������������ص����������������ور َّي���������������� ٌة ل��������������ل��������������ه ِ �����ج�����ت�����ه�����ا ال�����ب�����ه����� ّي����� ْه َرا َق ْ ��������������������ت ِب����� َب�����ه َ �������ره�������ا َ �����ب�����ن�����ا احل �����������س ِ وب�������ق�������ص ِ �����������ن ال ِ ْ َ ُ وال�������ش�������ك�������لِ ������������ر ِف ال�����ع����� ِل����� ّي�����ه وال������������غ َ �������و ْح�������ش�������ه�������ا ِ وم������� َي ِ �������ه�������ا ا ْل�������ـ �������اه َ َو ِب َ �������ر َّي�������ه ��������ي��������ون ال��������ع ُغ�����������������ز ِْر ِ ال�������ك�������و َث ِ ُ ْ �����������ت َج������� َّن�������ا ُت�������ه�������ا َ�����������س ف�������ق�������د اكْ�����������ت ْ َ اً ������ًل������ ب�����ه����� َّي�����ه م�����������ن ب������ي������ن������ه������ا ُح������������� َل ال�������ع���َل��َ وب�������ه�������ا ( ُرج����������������������ار) س������م������ا ُ ِ م��������� ِل ُ �������ر َّي�������ه ���������ك �������ص ِ امل����������ل����������وك ال������� َق�������ي َ دائ���������������م �������������ش ط����������ي����������ب َع������������� ْي ف������������ي ٍ ِ ٍ ِ َ ������������اه ٍ ������������د ف������ي������ه������ا َش������ه������ َّي������ه م������������ش َو ويقف شاعر آخر وقفة إعجاب وانبهار أم��ام إي��وان للملك النورماني «غليالم ((( الثاني» فيقول: ����ل ِ وق ْ ����أم ْ ������وان ���ر إي ِ ت ّ �����ر خ���ي َ ����ر ت َ �������ف وان����ظ ْ خل��ي��ر م���ل���وك األرض «غ��ل��ي��ال��م ال��ث��ان��ي» وقد أغرت هذه األجواء شاع ًرا مشرق ًي َا مثل ابن قالقس فارحتل من مصر إلى صقلية ومدح بعض ملوكها ،كما مدح أحد وزراء غليالم ويسمى (جردانو) فوصفه بقوة اإلرادة والعزمية ،وامتدح أخالقه وشمائله ،وشبهه بالليث الهصور ،وفي ذلك يقول: ِ ف�����اس�����تَ����� َق����� َّر ْت ��������ح وج���������� َّر ْد َن����������ا َ امل��������دائ َ ْ ِ �����ر ع���ل���ى َأ ���������ر َد َّن���������ا» ال�����وزي ِ وص������������اف ُ «ج ْ ((( املصدر نفسه24 : ((( العرب في صقلية 287 : - 223 - ِ َف������ َن َّ �������ر ك�����ال��ل��آ ِل�����ي ������ظ������ ْم������ َن������ا امل�������ف�������اخ َ �����ور �������ي ك�����ال����� ُّن�����ح ِ َ وح������ َّل������ ْي������ َن������ا امل�������ع�������ا ِل َ ������اء ال ِ وق����م����ن����ا ف������ي س������م ِ ������ر َع������ى �������ع������� ِّز َن ْ َّ ال�����ي�����وم امل���ط���ي ِ���ر ����س ف����ي ن ال����ش���� ْم ِ ج����ب��ي� َ ِ �����������رى َأ َّن�����������ا َأ ِم������ َّن������ا ���������ب م������ا َج و َأ ع���������ج ُ َ َ ِ ����ص����ور ال����ه ال����ل����ي����ث ب����ج����ان����ب ون�����ح�����نُ ِ َ ِ خ����������ل���������اق م���ن���ه م���������ك���������ارم ا َأل وم���������������ا ُء ِ ِ ِ ������ر ي�������ك�������ا ُد ي�����������ر ُّد ص����������اع���������� َد َة ال������ َّزف������ي ِ م���������ان���������ي ف������ي َي������� َد ْي ِ ِ �������ه ع������������������راس ا َأل و َأ ُ ض ال��� َّن ِ ِب�����هِ �����نَّ م����ع ِ ����اط ُ ���ر ����ف ال������������ َّر ْو ِ ���ض���ي ِ وال يجد أحد الشعراء املسلمني غضاضة في االعتراف بالسيادة البحرية للروم في العصر النورماني ،فيصف قوة األسطول النورماني ويشير إلى غلبته وقهره له ((( وعصبته ووقوعه أسي ًرا فيقول وأنشدها أمام امللك النورماني ج����ال����ت أس����اط����ي ُ ����ل ج��ي��ش ِ��ه َأ َي��������ا م���ل���كً���ا ْ ِ ف���أع���ظ���م ِ وأك�����ث�����رت األس�����رى ���ت ال���ق���ت���ل���ى ����ر ْي����تَ����ه����ا ف����ي لجُ َّ ِ �������ة امل������اء إ ْذ ج���رى ْ وأج َ ����ر ْي����تَ����ه����ا ب��ح��را ف���أس���ك���رتَ��� ُه ج����ر ًي����ا ْ وأج َ وك����� ّن�����ا مل�����ا جت�������ري امل�����ق�����ادي����� ُر ع���ص���ب��� ًة وامل���������وج َي���خ���ط��� ُف��� َن���ا ُذع������را َر ِك����ب����ن����ا ب����ه ُ وج��������اءت م����ن األس�����ط�����ول ط����ي���� ٌر َم ِ ���س��� َّف��� ٌة �����ت ب���ن���ا م����ن ك ِّ ٍ ن���اح���ي���ة ق��ص��را ������ل أح�����اط ْ ِ ل����دف����ع����ه ف����ق����م����ن����ا إل������ي������ه ث�������ائ�������ري�������نَ ف����ع����اج���� َل����ن����ا ق���ه���را ن����غ����ال���� ُب����ه ق������ه������ ًرا َ ((( ديوان الشعر الصقلي317-316 : - 224 - ومن مظاهر هذا التسامح أننا جند شاع ًرا ينظم قصيدة في رثاء ولد (رجار) ((( ملك صقلية ويستهلها بقوله: �����ت دم���������وع وأج�����ف�����انُ ب�����ك�����ا ٌء وم������ا س�����ال ْ ٌ ذاب��������ت ُش�����ج�����ونٌ وم������ا ق����ل����وب وأب��������دانُ ْ ٌ ويكثر أبو الضوء س��راج من التفجع على ابن امللك النورماني ويشيد مبآثره وشمائله ويصف ما أحدثه رحيله من لوعة وأسى وفي ذلك يقول: ���ت ال��� ُّدن���ا خ���ب���ا ال���ق���م��� ُر األس���� َن����ى ف���أظ���ل���م ْ ِ وم���������ا َد م�����ن ال���ع���ل���ي���اء وامل�����ج�����د أرك�������انُ ���س���ن���ه وج��ل�ال ِ ����ه اس������ت َ َ������وى ف����ي ُح ْ أح��ي��ن ْ وت������اه������ت ب�����ه أوط������������ا ُر ع������� ِّز وأوط����������انُ ْ َ�����خ َّ ري���������ب امل������ن������ونِ ُم َ ت َ ����خ����ات��ًلً �����ط�����ف����� ُه ُ َ ع����ل����ى ِغ������������ ّر ٍة إنَّ امل������ن������ونَ َل �����وانُ �����ـ�����خ َّ ُ أع�������������راض ال�������ب�������دور ي���ع���و ُق���ه���ا ك�����ذل�����ك ِ ���ت م���ن ����ر ُن��ق��ص��انُ ح�����ادث ال���� َّده ِ َ���م���ل ْ إذا ك ُ ٌّ ب�����أدم�����ع حل��������ق ب��������أن ُي������ ْب������كَ������ى ع����ل����ي����ه ٍ ل���ه���ا ف����ي َم���س���ي���لِ اخل������� ِّد د ٌّر وم����رج����انُ ُ حُ ْ ����س ���������������ر ُق أك������ب������ا ٌد وت ومت����������رض أن����ف ٌ َ وت�����ع�����ظ����� ُم أت�������������راح وت�����ك�����ب����� ُر أش�����ج�����انُ ٌ ويصف الشاعر مشاركة مظاهر الطبيعة واحلضارة في البكاء على هذا الفقيد ،فقد بكته القصور واخليمات وتوقفت اخليول عن الصهيل وناحت عليه الورق واحلمائم ،يقول: تَ������� َب َّّ �������ت ل������ه خ����ي����م����ات���� ُه وق�������ص�������و ُر ُه �������ك ْ ون������اح������ت ع����ل����ي ِ �����ف�����ات وم���������� ّرانُ ٌ ����ه م�����رهَ ْ ((( املصدر نفسه192-191 : - 225 - ص���ه���ي���ل اخل����ي����ل ف�����ي ل���ه ِ ُ ���وات���ه���ا وع�������اد ح���ن���ي��� ًن���ا وع����اق����ت����ه����نَّ لجُ ْ ��������� ٌم وأرس�����������انُ َ ِ وم�������ا ن�������اح ُو ُ األي����������ك إال ل�����ه ف��ل��و رق رت َل ����م أغ���ص���انُ ْ َد ْ ���ب���ك���ت ق���ب���ل احل����م����ائ ِ ويصف الشاعر املسلم عظم هذا الرزء وفداحته ويصور هول ذلك اليوم املروع الذي شابت له الولدان ويصف حشود املعزين الذين ضاق بهم الفضاء من رجال ونساء وقد شقت القلوب ال اجليوب وزُلزلت النفوس ،ويشير إلى اتخاذ الثياب السوداء في موقف احلداد ،يقول: ف�����ي�����ال َ �����ك م������ن ٍ ٍ وح���������ادث ����م رزء ع����ظ����ي ٍ ���������ع���������و ُز س�����ل�����وانُ ي�����ع����� ُّز ل������ه ص�����ب����� ٌر و ُي ْ �����ع ه����و َل���� ُه ������وم������ ُه م�����ا ك������ان أف�����ظ َ وي������ا ي َ امل����������������رو ُع ول��������دان ������م������رآه ِّ ت����ش����ي����ب ل������ـ َ ُ ك�������أن م������ن������ادي ال����ب����ع����ث ق�������ام م����ن����اد ًي����ا ُ ���ب اخل���ل���ق ُط������� ّرًا ك��م��ا ك��ان��وا حل���ش ٍ���ر ف���ه َّ وق��د ض َ َ فالتقت باخللق األرض ���ب ِ ْ ���اق رح ُ رج��������ال ِ ٌ ون����س����وان ������ر ًج������ا ����وع ُ ج����م ُ ����ه���� ُم َم ْ ُ �����ت ج����ي����وب ق����ل����وب ال وش����� ّق�����ت �����ع ْ ورج َ َّ ٌ ٌ ُ ب��ل��اب�����ل وارجتَّ ن�����ف�����وس وأذه��������ان �������������ت ْ ٌ ��س ال��ل��ه��و ب��ي ً ��ض��ا ح��م��ائ ً��م��ا وك����ان����وا ب��ل��ب ِ ��س ُ �����زن ِغ��رب��ان ف���ع���ادوا وه���م ف���ي م��ل��ب ِ احل ِ وعلى هذا النحو ينفعل الشاعر املسلم باحلدث ويفيض في وصفه صاد ًرا في ذلك حس إنساني وعاطفة صادقة ونفس متسامحة ال تف ّرق بني مسلم ونصراني ،وتؤكد عن ٍّ - 226 - ووحدت املشاعر واألحاسيس األجواء احلضارية التي ذ ّوبت العصبية للجنس والدين ّ وجعلت الشعراء املسلمني ينشدون قصائدهم إلى جانب شعراء اليونان والالتني في بالط ملوك النورمان(((. اآلخر في دائرة احلب: لم تكن عالقة املسلمني بالروم في العصور الوسطى قائمة على التصادم واملعارك على الدوام ،وإمنا كان فيها مساحات من التالقي والتواصل واحلب ،ومتثل ذلك في زواج املسلمني مبسيحيات أو روم�ي��ات ،وشيوع قصص حب وعشق بني الطرفني، ومن ذلك قصة حب الشاعر األندلسي أبي عبد الله بن احلداد شاعر املرية في عصر الطوائف لفتاة نصرانية من مستعربي املرية ،اسمها «جميلة» ولكنه غ َّير اسمها وذكرها في شعره باسم (نويرة) صونًا لها ،ومحافظة على عالقته بها ،وقد سلبت فؤاده ،وملكت ُل ّبه ،فهام بها ،وصرف إليها غزله ،وفي ذلك يقول ابن بسام « :وكان أبوعبد الله قد ُمني في صباه بصبية نصرانية ذهبت ب ُل ّبه كل مذهب ،وركب إليها أصعب مركب ،فصرف نحوها وجه رضاه ،وحكمها في رأيه وهواه ،وكان يسميها (نويرة) كما فعله الشعراء ميا في الكناية ع ّمن أحبوه ،وتغيير اسم من علقوه»((( وأكد ذلك ابن سعيد الظرفاء قد ً فقال« :وكان يهوى رومية يكنى عنها بنويرة ،وله فيها شعر كثير». ((( وألن محبوبة ابن احلداد نصرانية« ،فقد استطاع بقدرة فنية َّ قل نظيرها في دنيا األدب ،أن يضفي على الغزل ذلك اجلو النصراني السمح بأسلوب قصصي رائع ممتع جميل ،فحفل شعره بذكر كل ماله عالقة باجلو املسيحي ،كالتثليث واإلجنيل وعيسى والنساك والكنائس»(((. املسيح والقس والصلبان والرهبان ّ ((( العرب في صقلية319 : ((( الذخيرة 193 : 2/1 ((( املغرب 144 :2 ((( ديوان ابن احلداد ،املقدمة ص 37 - 227 - وقد صدر ابن احلداد عن روح متسامحة وخفة ِّ ومشاعر متوهجة وعاطفة ظل ٍ ص��ادق��ة ،ويجرى في غزله على مذهب ينحو فيه أحيانًا منحى ال�ب��داوة مع توجيه األسلوب البدوي إلى محبوبته النصرانية وكأنه يسعى إلى حتقيق التوحد واالنصهار في العشق ،ومن ذلك قصيدة يقول فيها: ((( ِ َ �����ل�����ا ِت ذات ا َالث����������� ْي ��������ي ف��������ي َق�������� ْل ِ ��������ب َ ِ ٍ ع��������������������ات �����������ات َو َر ْو �����������و َع َر ِه�������� ْي��������ـ��������نُ َل ْ ��������ه�������� ْم ����������وهُ ���������� ُم إ َّن ُ ���������و ِّج َ ����������ح َ َف َ ���������ه���������ا َن ْ وإنْ َب َ ���������وا ِق������� ْب������� َل������� ُة ُب ْ ����غ����ي����ات����ي ���������غ ْ ِ ������وى وع��������� ِّر َس���������ا ِم����������نْ َع��������� َق َ ���������دات ال������ ِّل َ ِ �������ض������� َب ِ ب�������ال�������ه َ �����������ات �����������ر َّي �������ات ال����������� َزهَ ِ َ ِ �������ر ��������ي َ ع�������ام ٍ وع������������ ِّر َج������������ا ي��������ا َف��������تَ�������� َي ْ ِ �������و ّي ِ ب�������ال������� َف�������تَ������� َي ِ �������ات �������ات �������س ِ ال�������ع������� ْي َ ف�������������إنَّ ِب�����������ي ل������������ل������������ ُّر ْو ِم ُر ْو ِم������������ ّي������������ ًة تَ��������ك ِ ِ ال����ك����ن����ي����س����ات ��������س م��������ا ب����ي���ن ْ��������ن ُ َأ ِه����������ي���������� ُم ف����ي����ه����ا وال���������ه���������وى َ ض������ َّل������ ٌة ِ وب������� ْي�������ع ِ �������ات ص ���������ع ِ ���������وام��������� ْي َ َب������� ْي�������ـ�������نَ َ ْدري وف�������ي ِظ�����ب�����اء ال������� َب������� ْدو َم���������نْ َي������������ز ِ ِ ب�������ال�������ظ������� َب������� َي ِ َّ �������ات َ َ ����������ات ����������ر َّي احل ����������ض ِ هكذا حتول ابن احلداد بخطابه الشعري ،فجعل التعريج واالنعطاف -ال إلى ديار احملبوبة البدوية -بل إلى ديار (العيسويات) املسيحيات حيث محبوبته الرومية احلضرية التي تخالف البدويات ،وحيث ق ّدر له وهو من ينتمي إلى قبيلة بدوية تزدري املسيحيات أن يقع في غرام تلك الفتاة املسيحية ويغدو قلبه معل ًقا بالصوامع والبيع والكنائس ،وهي األماكن التي يتعبد فيها النصارى. ((( ديوان ابن احلداد157-156 : - 228 - وينتقل ابن احلداد إلى مشهد آخر يصور فيه احتفال النصارى بعيد الفصح وهو عيد تذكار قيامة املسيح أو العيد الكبير للنصارى ،ويصدر الشاعر العاشق عن روح متسامحة ،فيشاطر حبيبته النصرانية الفرحة بعيدها ويصف جتمع النصارى ووقفتهم في الكنيسة بني يدي األسقف وهو ميسك العصا ويحمل املصباح ويصلي صالة العيد في خشوع وقنوت ،وال تفارق الشاعر روحه املرحة وميله إلى الدعابة، فيقول إن جمال الفتيات املسيحيات شغل القس عن واجباته الدينية فأخذت عينه تسرح في عيونهن في شهوانية وكأنه ذئب يتأهب الفتراس نعجات ،ولكنه ال يلبث أن ((( يعذر القس على تصرفه ملا تتمتع به النصرانيات من جمال خارق ،يقول: ُأ ْف ِ ������ح َو ْح ِ ����ه���� ْم �����ح َل ُ ������ص ُ �����������دي ي�������و َم ِف ْ �����ص ٍ ِ َ ���������ح���������ات �����������ط�����������ى وال��������� ُّد َو ْي األر ْي َب����ي����ن َ ��������و ِع ٍ ��������د وق���������د َأت َ������������������وا م�����ن�����ه إل���������ى َم ْ ْ واج������ت������م������ع������وا ف������ي������ه ِل������ـ ِ ������م������ ْي������ق ِ ������ات �����������ف ب���ي���ن َي���������������� َد ْي ُأ ْس�������� ُق ٍ ٍ ��������ف �����������و ِق ب ْ مِ َ �������ب�������اح ِ م ِ ����������س ِ وم������� ْن�������س ِ �������اة �������ص ����������ك ِم ْ مُ ْ ٍ ِّ �������������س ُم ْ ��������ر ل����ل���� ُّت���� َق����ى وك�������������ل َق ��������ظ��������هِ ٍ ٍّ ِ ٍ وإخ�����������ب�����������ات ����������������ات ����������������ص ب��������������آي إ ْن َ َ���������س���������ر ُح ف�������ي َع����� ْي ِ �����ن�����هِ ����� ْم وع������ي������ ُن������ ُه ت َ ِ ����ج����ات ����ع ك�����ال����� ِّذئ�����ب َي���� ْب����غ����ي َف س َن ْ ������������ر َ ْ ���������وى وأي َم ����������������ر ٍء س�������ال������� ٌم ِم�����������نْ هَ ُّ ً ْ ال��������ظ�������� َب�������� َّي ِ ُّ ��������ات وق������������د رأى ت������ل������ك ف�������م�������ن ُخ��������������������������� ُد ٍ ٍ ������������ات ������������ر ّي ود َق ������������م ِ َ ��������ص ِ ��������ن�������� َّي ِ ��������ات ع�������ل�������ى ُق���������������������������� ُد ْو ٍد ُغ ُ ((( ديوان ابن احلداد159-158 : - 229 - ويل ُّم ابن احلداد بتفاصيل املشهد الكنسي أثناء االحتفال بعيد الفصح وأداء الطقوس والصلوات املسيحية ،فال يفوته أن يلتفت إلى اإليقاع النغمي الكنسي الذي تُؤدى به الطقوس ،ويعبر عن إعجابه بالنصارى وهم يتلون أناجيلهم بأصوات جميلة وأحلان حسنة ال سيما إنشاد محبوبته نويرة وصواحبها النصرانيات مما يزيد من حرقته وشوقه وصبابته إليهن ،يقول: ((( ������ح َ أن����اج����ي���� ِل����هِ ���� ْم ������ف ِ �������وا ُ وق�������د تَ������� َل ْ ص ْ ِ وأص�������������������وات أحل�������������������ان ��������س��������ن ٍ ُ ب��������ح ْ ���������ر ي����ع����اف����ي����ره���� ْم �����������ز ْي����������� ُد ف�������ي َن��������� ْف ِ َي ِ ع������ ِّن������ي وف����������ي َ ض ْ �������غ�������ط ص����� َب�����اب�����ات�����ي وتلفتنا القصيدة مبنحاها النادر والتفات الشاعر إلى هذه املشاهد الكنسية والهيام مبحبوبته النصرانية التي جذبته إلى عاملها وأجوائها اخلاصة وجعلته يعشق رؤية كل فتاة مسيحية مستعربة ويهيم بذكر النساء النصرانيات. وقد اختار الشاعر قافية خاصة مغايرة للسائد اتسا ًقا مع جتربتها املغايرة للمألوف ،ولم يتحرج من اختراق القاعدة النحوية في اجلمع أحيانًا ،كأن يجمع الكنيسة على (كنيسات) وليس على (كنائس) ويستخدم صيغة (صواميع) اً بدل من (صوامع) خاصا ول ّونته ويسكن (نعجات) للضرورة الشعرية ،وقد منحت القافية املعنى مذا ًقا ً بإيقاعات صوتيه طلية ال سيما في جمل النعت مثل« :الهضبات الزهريات -الفتيات العيسويات -قدود ُغصنيات...إلخ» ويصف ابن احلداد -في قصيدة أخرى -محبوبته نويرة بصفات مستمدة من عقيدة النصارى ،فيصف جمالها بـ «املثلث» إشارة إلى التثليث عند النصارى ويرى أن جمالها فريد ال نظير له ويخاطب ابن احلداد إحدى صاحبات نويرة مستمت ًعا بحديثها ((( عنها ،مستزي ًدا من هذا احلديث الذي يؤنسه ويهيج صباباته ،يقول: ((( ديوان ابن احلداد159 : ((( ديوانه 170-169 : - 230 - ����دي���� ُث ِ �����ز ْي ِ َح ِ �����دي َو َح���� ِّد ِث����ي ����ك م���ا َأ ْح���� َل����ى َف ِ ��م�� َث�� ِّل ِ ����ر ِد َ ��ث ����م����الِ ال��ـ ُ اجل َ َع�����نِ ال���� َّرش���� ِإ ال���� َف ْ ���ؤ ِن ِ ْ��������را ُه ف���ال ِ ���ذكْ��� ُر ُم ْ ���س���ي وال ت ْ َ���س��� َأ ِم���ي ِذك َ ِّ ���ع ِ َ ����ع َ ���ث األش��������واق ِم����ن ����ث ك����ل َم��� ْب َ وإنْ َب َ ُّ وتطل صورة (نويرة) النصرانية وهي تتشكك في حبه لها ،وتُقسم باإلجنيل على ذلك وهي ال تدري أن دموعه املدرارة خير شاهد على إخالصه ووفائه ،ويجري ابن احلداد على مذهبه في االحتفال باألجواء املسيحية وتصوير رموزها وإشراكهم في قصة حبه فيعتزم اللجوء إلى القس وإخباره بحبه لنويرة عساه يساعده ويغيثه بالزواج منها ،ويؤكد على تعاليم املسيحية السمحة ويثق في أن القس لن يبخل عليه باملساعدة ((( ألن املسيحية دين رحمة وتسامح ،يقول: ن������ي������لِ إ ِّن��������ي لمَ َ ِ ������ائ������نٌ ��������س�������� َم ب������ا ِإل جْ ِ و َأ ْق َ ����ك َد ْم ِ �����ع�����ي م����ن ُم ِ ون ِ ����ح ٍّ ���ح��� َّن ِ ����اه����ي َ ���ث ����ق ُم َ ��ص ِ��ت��ي وال ُب���� َّد ِم����ن َق ِّ ���س ِق َّ ���ص���ي ع��ل��ى ال��� َق ِّ ����س����ا ُه ُم ِ ال���ـ���م��� ْد َن ِ ���غ���ي َ ���م���ت َ ���و ِث ���ث َ���غ ِّ ���ف ال���ـ ُ ُ َع َ ���س���ى ِب ِ �����او ٍة �����س َ �����د ْي�����نِ َق َ ف���ل���م َي���� ْأ ِت����هِ ���� ْم ِع��� ْي َ ��و ع��ل��ى ُم ْ ْ���ر ِث ��ن��ى و َي��� ْل ُ ���و مِ ُ ���ه ْ ��س ْ َف�� َي�� ْق ُ ب���ك َ ��ض ً ويستحلف ابن احلداد حبيبته -في قصيدة أخرى -بحق املسيح عيسى -عليه السالم -أن تترفق به وتريح قلبه املضنى ،ويشير إلى تأثير حب الفتاة النصرانية في نفسه ،وكيف أن جمالها الطاغي جعله مغر ًما بالديانة املسيحية ،مول ًعا بالصلبان والنساك ،وأغراه بالتردد على الكنائس ليؤدي فيها طقوس الدين املسيحي - والرهبان ّ في لقطة نادرة في ما يجلبه احلب على احملبني من تسامح ومقت للتعصب -مؤك ًدا ((( إخالصه ووفاءه وحبه الصادق للحبيبة التي أوقعته في شباكها ولم تأبه لبكائه ،يقول: ((( ديوانه171-170 : ((( ديوانه 242-241 : - 231 - ِ ِ ّ ���������اك ���������س ��������������اك ��������������س َع ب���������ح���������ق ِع��������� ْي َ َ ��������ي ال َّ ������ش������اك������ي ����������ر ْي ُم ِ َ ����������ح���������� َة َق�������� ْل��������ب َ ُ ���������������س���������������نَ ق������������د َو َّال احل ف����������������������� ِإنَّ ْ ِ ِ ه�������ل������اك��������������ي إح�����������ي�����������ائ�����������ي و ِإ ِك ِ ��������ان ���������������ع َو َأ ْو َل ��������ص�������� ْل�������� َب ٍ َ ���������������ن���������������ي ِب ُ ِ ������������������اك ������������������س ������������������������ب������������������������ان َو ُن َو ُرهْ ٍ َّ ِ ول��������������م ِ آت ���������س َع����������نْ ال���������ك���������ن���������ائ َ ِ ل��������������������والك ������������������������������وى ف����������ي����������ه����������نَّ هَ ً وه�����������ا أن�����������ا ِم���������� ْن ِ ��������وى ����������ك ف��������ي َب�������� ْل َ ��������������و ِ اك ������������������������������ر ٌج ِل�������������� َب�������������� ْل وال َف َ َ ِ ����������وا ًن����������ا ������������ط������������ ْي وال َأ ْس ُ ������������ع ُس���������� ْل َ ِ ِ �������������راك�������������ي ������������������ت َأ ْش ف�������ق�������د َأ ْو َث������������������ ْق ِ ��������������ك��������������ي ع������ل������ي������ك َد ًم��������������ا ف�������ك�������م َأ ْب وال ت َ������������ر ِث������������ ْي������������ـ������������نَ ْ ل�����ل�����ب�����اك�����ي ويوظف ابن احلداد املعاني املسيحية في أغلب غزلياته في وصف حبه لنويرة وهيامه بها ،وينتقل بهذه املعاني والرموز إلى دائرة العشق ،فيعلل انفرادها باحلسن واجلمال في هذا السياق ،ويقرن شرعة التثليث بشريعة احلب التي أنزلت من عيني محبوبته وح ًيا على احملبني ويكني عنها بـ(العيسوية) ثم يتلذذ بذكر اسمها وكيف أن هوى هذه الفتاة النصرانية قد أض ّله عن شرعة احلنيفية ،وميتاح بعض صوره من أجواء املعارك التي كانت تنشب بني املسلمني والروم ،فإذا كانت (نويرة) قد أسرته بحبها في وقت السلم ،فيتخيل أو يحلم بأن تكون سبية له من بني السبايا في احلرب، ((( وفي ذلك يقول: ((( ديوانه 306 : - 232 - ����ر َع ِ ���ح ِ ����ة ال���تَّ��� ْث��� ِل��� ْي ِ ���اس ٍ���ن ������ر ُد َم َ ���ث َف ْ وف����ي ِش ْ ����ر ِف ِ ������ر ُع ُ ����ه َو ْح��� َي���ا احل ِّ �����ب ِم����نْ َط ْ تَ���� َن���� َّز َل َش ْ ����������ل َن��� ْف ِ و ُأ ْذ ِه ِ ُ ���و َّي ٍ���ة ���س ِ ���س���ي ف���ي هَ َ ������وى ِع��� ْي َ ض��� َّل ِ ���س َ ب��ه��ا َ ال��ه�� ْد َي��ا احل ِ��ن�� ْي�� َف�� َّي�� ُة َ ���ت ال��� َّن��� ْف ُ ������ر ٍة �����و ِن�����ي ب���ال���ت���م���اح ُن َ �����م�����نْ لجِ ُ ����� ُف ْ َف َ ِ ������و ْي َ ��ح�� َي��ا َف���تَ���ا ٌة ه���ي ال���ـ َ ��ي وال��ـ َ��م ْ ���م ْ ���ر َدى ِل�� َن�� ْف��س َ َس��� َب���ت ِ ���س��� ْل���م بيننا ْ���ن���ي ع��ل��ى َع ْ ���ه ٍ���د م���ن ال ِّ ��س�� ْب�� َي��ا ������ر ٌب ْ و َل ْ ل��ك��ان��ت ه���ي ال َّ �����و أ َّن���ه���ا َح ْ وال يتردد ابن احلداد في التعبير عن هواجسه وخواطره وأحالمه في ما يخص عالقته بالفتاة النصرانية فيتمنى أن يقترن بها ،ولكن األعراف والعصبية القبلية حتول بينه وبني حتقيق هذا األم��ل ،وي��رى في الوقت ذات��ه أن من الصعب أن تتحول هذه الفتاة عن دينها وتعتنق اإلسالم ،وميتاح الشاعر صوره من األفكار العقدية كالتثليث وحدها في احلسن ،وينقل فكرة والتوحيد ،فإذا كانت (نويرة) تؤمن بالثالوث فإن الله َّ التثليث إل��ى دائ��رة العشق ،فيقيم الثالوث على ثالثة عناصر هي احلسن والوجد واحلزن ،وبينما تنفرد احملبوبة بالعنصر األول (احلسن) فإن ثنائية الوجد واحلزن جتتمع في قلبه ،بسبب هذه احملبوبة السامرية التي يصعب الوصول إليها ،وال يجرؤ ((( على املساس بها ،وفي ذلك يقول: ���ات ِل�����ي َس ِ ���م ِ ���س��� ْي ِ ���ح��� َّي ِ ����ر َّي���� ٌة ����ام ِ وب���ي���ـ���نَ ال���ـ َ ���ب َ ��ي أن تَ�� ْد ُن��و َب ِ��ع�� ْي�� ٌد ع��ل��ى ال َّ ���ص ِّ احل ِ��ن�� ْي��ف ِّ ���س��� َن���ه���ا ُم����� َث����� ِّل����� َث����� ٌة ق�����د َّ وح���������� َد ال�����ل����� ُه ُح ْ ُ ����و ْج���� ُد واحل�����زْنُ ���ي ف���ي َق�� ْل ِ��ب��ي ب��ه��ا ال َ َف��� ُث��� ِّن َ وت ُّ ُطل (نويرة) وهي تش ُّد (الزُّنار) على وسطها وهو ما يجذب الشاعر العاشق إليها ويضاعف صبابته ،ويستحضر صورة الكثيب في وصف أردافها املتموجة ويشبه ((( كناسا حملبوبته ،ويجعل قلبه ًّ عشا آمنًا لها ،يقول: ق َّدها بالغصن ،ويتخيل أضلعه ً ((( ديوانه 256 : ((( ديوانه 257-256 : - 233 - وف����ي َم��� ْق ِ ���ع ِ ص��� َب���ا َب ِ���ت���ي ���د ال����� ُّز َّن ِ �����ار َع���� ْق���� ُد َ ������ص ِ ����ت ِ َف ِ ت ِ ���م���نْ حَ ْ ��ص��نُ ����ه ِد ْع ٌ وم�����نْ ف��وق��ه ُغ ْ ِ ال���������وادي َر ًش�������ا َأ ْ ض���� ُل����ع����ي ل��ه وف�����ي ذل�����ك ِ �������ر ٌّي ِك ف����������ؤادي ل�����ه َوكْ�������نُ �����ن�����اس و ُق������� ْم ِ ٌ ويعلق هنرى بيريس على قصة حب ابن احلداد لنويرة فيقول« :وفي حالته نحس إخالصا ،واألشد نقا ًء على نحو ما كان عليه بعض معه بأننا في حضرة احلب األكثر ً ((( شعراء التروبادور فيما بعد ذلك» ولم يكن ابن احلداد نسيج وحده في ذلك ،فكثي ًرا ما تع ّلق الشعراء املسلمون بهوى نصرانيات ومنهم فقهاء مثل الفقيه عيسى بن عبد املنعم الصقلي وكان كبير ((( الشأن ووصف بأنه فقيه األمة((( وقد وقع في غرام فتاة رومية ومن بديع غزله فيها ي�������ا َب ِ األص��������ف��������ر أن�������ت������� ْم ب����دم����ي �������ن�������ي ِ م����ن����ك���� ُم ال������ق������ات ُ ����ح ������ل ل������ي وامل����س����ت����ب����ي ْ �������ح ه�������ج������� ُر َم�����������ن َي�������ه�������واك������� ُم أم�������ل�������ي ٌ ٌ دي�����������ن امل����س����ي����ح؟ وح������ل������ال ذاك ف�������ي ِ �������ط ِ ����ل ال َّ ي�����ا ع����ل����ي َ غ����ي����ر ض��ن��ى �������رف م�����ن ِ وإذا الح������������ظ ق������ل������ ًب������ا ف���ص���ح���ي���ح ُّ ٍ ش�����������يء ب�����ع�����د م�������ا أب�����ص�����ر ُت�����كُ����� ْم ك���������ل ِ ص���ن���وف ُ احل���س���ن ف���ي ع��ي��ن��ي قبيح م���ن وق��د ش��اع زواج مسلمي األن��دل��س -على اخ�ت�لاف طبقاتهم م��ن إسبانيات وإفرجنيات -وكان لبعض اخللفاء واألمراء نصيب من ذلك حيث صاهر بعضهم ملوك نصارى الشمال وأجنبوا منهن ،فكانت أمهات بعض أمراء املسلمني من األعجميات. ((( ولم يجد بعض الشعراء غضاضة من التغزل باليهود على شاكلة ابن الزقاق في قوله ((( الشعر األندلسي في عصر الطوائف252 : ((( اخلريدة (تونس) 34 : ((( ديوان الشعر الصقلي270 : ((( ديوان ابن الزقاق 113 : - 234 - ����س����ب ِ ع����ن����دي أن��ن��ي ����ت َ َ ������ب ي�������و َم ال ّ وح������ َّب َ ُي����� َن ِ ���ت �����اد ُم�����ن�����ى ف���ي���ه ال��������ذي أن������ا أح���ب���ب ُ ���������ي م��س��ل�� ٌم وم������ن أع�����ج ِ �����ب األش�����ي�����اء أ ِّن َ ح���ن���ي ٌ ���ت ���ف ول����ك����نْ ���س���ب ُ �����ي ال َّ َ خ���ي���ر أي�����ام َ وعلى هذا النحو لم يقف االنتماء الديني حائلاً دون شيوع قصص احلب والزواج بني املسلمني وغيرهم من أهل األديان األخرى. صورة اليهود: تسلل اليهود إلى املجتمع األندلسي قبل الفتح العربي وباتوا يؤلفون عنص ًرا من عناصر سكانه ،وقد استقبل هذا العنصر الفاحتني العرب كمحررين ألن النورمان كانوا يسومون اليهود أنواع العذاب ..،وفي القرن العاشر امليالدي كانت قرطبة أكبر مدينة إسبانية تضم يهو ًدا ،وكانوا ميتهنون جتارة العبيد وبيع أدوات الزينة ،وقد تقلب بعضهم في مناصب الدولة وال سيما في عهد الناصر(((. وقد أش��اد (جوستاف لوبون) مبا لقيه اليهود من معاملة حسنة في األندلس فذكر أن أسبانيا العربية كانت هي البلد األوربي الوحيد الذي كان اليهود يتمتعون فيه بحماية الدولة ورعايتها(((. وقد ارتفع شأن اليهود في بعض الفترات ،وتقلد بعضهم مناصب الوزارة وقويت شوكتهم في غرناطة في عصر ملوك الطوائف ،فاستوزرهم بنو زيري وسيطروا على مقاليد األمور ،فنشأ تيار مناهض لنفوذ اليهود ،وارتفعت أصوات الشعراء تعبر عن سخط األندلسيني وغضبهم لتحكم اليهود في شؤون املسلمني واستئثارهم بخبراتهم ((( وقد عبر عن ذلك أبو احلسني يوسف بن اجلد فقال: ((( في األدب األندلسي للركابي ص .41 ((( حضارة العرب ص 296 ((( الذخيرة562- 2/2 - 235 -
© Copyright 2026