جمعية الإم�����ام ال�����ص��ادق لإح����ي����اء ال����ت����راث ال��ع��ل��م��ائ��ي Q ال � � � � � � � � �ك � � � � � � � � �ت � � � � � � � ��اب: �إ� � � � � � � � � � � � � �ص� � � � � � � � � � � � ��دار: ت� ��اري� ��خ الإ� � � �ص� � ��دار: جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة جمعية الإمام ال�صادق Qلإحياء التراث العلمائي �إتحاد بلديات جبل عامل 2014م 1435 -هـ 2 ةمدقملا المقدمة �أردنا في هذا الم�ؤتمر ال�سابع الذي نظمته جمعية الإمام ال�صادق Qلإحياء التراث العلمائي ،وبالتعاون مع اتحاد بلديات جبل عامل� ،أن ن�س ّلط ال�ضوء على تلك المحطة المظلمة في �سماء العالم الإ�سالمي ،حيث قاد العثمانيون المنطقة لع ّدة قرون، التع�صب المذهبي ،وكانوا من الجهل والخ ّفة ما جعلهم غير ق ّدموا خاللها �أب�شع �أنواع ّ م�أ�سوف على نهايتهم وجالئهم عن المنطقة .فقد مار�سوا ك ّل �أنواع الظلم ،فلم يحفظوا كرامة لأحد ولم يقيموا وزن ًا لعلم ومعرفة ،وكان الجهالء من وعاظ ال�سالطين �أقرب �إليهم من العلماء من �أ�صحاب العقول الن ّيرة والوزن الإجتماعي ،هذا ،ناهيك ع ّما حدث في نهاية القرن الثاني ع�شر هـ عندما و ّلوا فيه زنيمهم ذلك الوح�ش الأجنبي اللقيط والذي �أطلقوا عليه �إ�سم (�أحمد با�شا الجزار). نحن عندما ن�ستعيد هذه الذاكرة ،لي�س المق�صود �أن نتذ ّكر تلك الآالم �أو نريد الإنتقام من الورثة� ،أو �أن نتّهم �أحد ًا زور ًا وبهتان ًا� ،إ ّنما الهدف هو ا�ستعرا�ض التاريخ بكل �صدق و�أمانة ،والإ�ستفادة م ّما جرى كي ّ نتوخى الدقة والحذر من الأدوات والجهات الم�شابهة ،وخ�صو�ص ًا ما يجري اليوم على �ساحتنا المحلية والإقليمية ،وكما قيل(:ما �أ�شبه اليوم بالبارحة). 3 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ال �أ ّدعي �أننا في هذا الم�ؤتمر �س ّلطنا ال�ضوء على كل الأحداث والتفا�صيل التي جرت في �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ و�إلى نهاية حكم الجزار 1219هـ � ،أو الحقبة التي �سبقت قيام حكم الجزار والتي �أو�صلت هذا الطاغية �إلى ال�سلطة ،وما زاد في حقدهم الن�صار ،ولوال خيانة تلك الخ�سائر التي ُمنيوا بها على يد �أمير جبل عامل ال�شيخ نا�صيف ّ �أبو الذهب من م�صر لكانت المنطقة نالت ا�ستقاللها التام عن العثمانيين في �سنة 1185هـ ،عندما دخل حلف نا�صيف الن�صار والظاهر عمر مع �أبي الذهب �إلى �سوريا وهروب الوالي العثماني (عثمان با�شا) ،والذي �آلمهم �أكثر هو بط�ش ال�شيخ نا�صيف بقوات هذا الوالي التي فاقت الع�شرة �آالف جندي المج ّهزين ب�أحدث الع ّدة ،عندما جا�ؤوا للإنتقام من �أهالي جبل عامل ونزلوا �إلى (بحيرة الحوال) ،وتم ّكن الأمير نا�صيف بع ّدة مئات من جنوده البوا�سل من قتل الكثير منهم وهروب الباقي من دون �أن ي�سقط له �شهيد واحد. هذه الأحداث وغيرها بات معها العثمانيون يزداد حقدهم على جبل عامل ،و�أنه �صار ي�ش ّكل خطر ًا ج ّدي ًا على نفوذهم .وبطبيعة الحال ،هذا الرف�ض في جبل عامل لوجودهم ب�سبب �سيا�ستهم ال ّرعناء وجهل وحقد الوالة ،ولو كانوا غير ذلك الختلف الأمر. �شاكر ًا التحاد بلديات جبل عامل م�شاركتها معنا في نجاح هذا الم�ؤتمر ،ولراعي م�ؤتمرنا الأ�ستاذ الحاج محمد رعد رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة ،وهو مو�صول ب�شخ�ص رئي�س المجل�س التنفيذي في حزب اهلل �سماحة ال�سيد ها�شم �صفي الدين الم�س�ؤول المبا�شر على ملفنا (�إحياء تراث علماء ال�شيعة). م�س�ؤول �إحياء تراث علماء ال�شيعة في حزب اهلل ح�سن بغدادي 4 ���������������������� االفتتاحية كلمة الشيخ حسن بغدادي ((( راعي م�ؤتمرنا رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة �سعادة النائب الحاج محمد رعد �أيها الحفل الكريم أخ�ص المراحل التي م ّر بها جبل عامل � اّإل و�أن يبحث ال ي�سع �أي باحث في التاريخ وبال ّ حول تلك المحطة المظلمة التي م ّر بها هذا الجبل ،والذي لم يكن بمنئ عن المحطات الكبرى التي م ّرت بها المنطقة ،ف�إذا ما ق�سنا كل ما حدث من تداعيات نجد �أنّ المرحلة ((( ع�ضو المجل�س المركزي في حزب اهلل والم�شرف على �أعمال الم�ؤتمر 5 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة التي م ّر بها هذا الجبل في �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ ،على يد العثمان ّيين عبر زنيمهم ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزّار ،هي ال تقا�س ب�أ ّية محطة ولم يم ّر على �أهالي جبل عامل �شبيه ًا لها .لقد ت�ص ّرف هذا الوح�ش المجرم و�أعوانه ال�شياطين بدعم من �أ�سياده الذين �أوكلوا �إليه هذه المه ّمة ،من �إذالل �أهالي جبل عامل و�إطالق يده في �إ�ستباحة ما ي�شاء �ض ّد �شعبنا الطيب الم�ؤمن والوديع الذي لم يبق على موبقة � اّإل وارتكبها ،فع ّذب العلماء وزج بهم في ال�سجون ،ومار�س بحقهم والن�ساء والأطفال ولم يرحم كبير ًا �أو مري�ض ًا ّ �أب�شع �أنواع الظلم والتنكيل ،والذي الحظناه �أنه لم ي�ستعمل الر�صا�ص �أو ال�شنق في الذي ي�صدر بحقه حكم الإعدام ،و�إن ّما يلقى حتفه تحت التعذيب ،لر�أينا �أن مرحلة حكم الجزار هي من �أ�ش ّد المراحل ق�سوة على الإطالق. وبينما كنت �أقر�أ في الأحداث التي م ّرت على �أهلنا في تلك المرحلة وما القوه من �إذالل وقهر وتعذيب دمعت عيني وتمن ّيت لو �أ ّننا في ذلك الزمن ونمتلك هذه القوة والحجم ،حتّى ن�ؤ ّدبه ونجعله عبر ًة لمن اعتبر. �صحيح �أن جبل عامل وقبل النكبة كان يمتلك من القدرة وال�شجاعة والإمكانيات الإقت�صادية ما ي�ؤه ّله للدفاع عن نف�سه ،وكانت المقاطعات الثالث في جبل عامل التي يحكمها الأمراء ،ب�إمكان كل �أمير �أن ي�ستنفر �ألفي مقاتل كح ّد �أدنى �إذ ُي�ش ّكل مجموع ما ت�ستنفره المقاطعات الثالث �ستة �آالف مقاتل من خيرة الفر�سان ال�شجعان ،الذي يجعلهم في م�صاف الجيو�ش الأ�سا�سية وهذا ما نقله الدبلوما�سي الفرن�سي (بارادي�س) بقوله� :شاهدناهم ُيقاتلون بترتيب ونظام مما جعلهم ينت�صرون على �أعدائهم الذين يفوقونهم عدد ًا. ومع كل هذه الق ّوة � اّإل �أنّ الظروف التي عا�شتها المنطقة جعلت العثمان ّيين يعملون على الإنتقام من �أهالي جبل عامل ،حيث باتوا يتم ّردون على الوالة العثمان ّيين وال يدفعون ال�ضرائب الزائدةولي�سللوالةمهابةفيقلوبهم،ونتيجةال�شعوربالعزّةوالق ّوةجعلتالتفكيردائم ًايذهب الن�صار �أن يتّفق �إلى الإ�ستقالل والحرية التامة ،وهذا الذي دعا �أمير جبل عامل ال�شيخ نا�صيف ّ 6 ���������������������� مع الأمير ظاهر العمر في فل�سطين و�أبو الذهب من م�صر على تحرير �سوريا و�إخراجها عن �سيطرة العثمان ّيين والتي �أ ّدى بالفعل �إلى هروب الوالي (عثمان با�شا) ،ولوال خيانة �أبو الذهب لكانتالمنطقةحازتعلىالإ�ستقاللالتامعنالعثمان ّيين،وعندمارجع�أبو الذهب بقواته �إلى م�صر ،ا�ضطر ال�شيخ نا�صيف والأمير ظاهر العمر �أن يعودا �إلى جبل عامل وفل�سطين ،وبعد رجوع الوالي العثماني �إلى دم�شق ق ّرر �أن ينتقم من �أهالي جبل عامل كونهم الأ�سا�س في معركة دم�شق ،ومع ذلك لم يجر�أ �أن ي� ِأت وجه ًا لوجه فجاء بقواته التي تجاوزت الع�شرة �آالف مقاتل والمج ّهزة ب�أحدث الع ّدة ،ونزلوا على (بحيرة الحولة) وعندما عرف ال�شيخ نا�صيف بالأمر زحف �إليهم بعدة مئات من الفر�سان البوا�سل ف�سحق جي�شهم وقتل الكثير منهم وهرب البق ّية يج ّرون �أذيال الخيبة والهزيمة ،وهذا ما زاد من حقد العثمان ّيين �أكثر على �أهالي جبل عامل، القوي لجبل عامل حتى كانت الإنتكا�سة التي وهذا حدث �سنة 1185هـ ،وا�ستم ّر هذا الح�ضور ّ الن�صار في معركة (يارون) �سنة 1195هـ الموافق �سنة لحقت به ج ّراء مقتل ال�شيخ نا�صيف ّ 1781م مع جي�ش الجزّار ،ولوال �أن ز ّلت به قدم فر�سه لما تمكنوا من النيل منه مع �أن قواته لم تتجاوز �سبعمائة مقاتل ،وخ�سر الجزّار في تلك المعركة ما يقرب من ثلث جي�شه� ،إال �أنّ مقتل القائد نا�صيف �أ�شاع الوهن وال�ضعف م ّما كان مدخلاّ لب�سط الجزّار �سيطرته على جبل عامل أخ�ص بعد نكبة �شحور �سنة 1198هـ والتي كانت محاولة م�ستميتة لإعادة المجد والعزة وبال ّ مجدد ًا �إلى جبل عامل ،لكن العوامل الخارجية والداخلية لم تكن لت�سمح بهذا الإنت�صار ،وال �أعرف �إذا كانت هذه الأعمال الذي ُتنبئ بال ّ �شك عن عزّة وكرامة و�شجاعة �أ�صحابها في تقديري ب�شكل دقيق � اّإل �أنّ هذا �شيء ،والتقدير ال�صحيح �شيء �آخر ،وهذا يحتاج �إلى نقا�ش لي�س فيه � اّإل فائدة واحدة هي �أن ن�ستفيد نحن من طريقة التعاطي مع �أو�ضاع م�شابهة لها ،لكن �شرط �أن ال ي�ؤثر هذا النقا�ش على ال ُم�س ّلم بمظلومية �أهالي جبل عامل وعلى �إجرام العثمان ّيين ومنمعهم. المهم �أن المجرم �أحمد با�شا الجزّار ا�ستطاع �أن ُيد ّمر جبل عامل و�أن ُيعيده �إلى ّ وهجر النا�س وع ّذبهم. فهجر العلماء و�أحرق �آالف المكتبات ّ نقطة ال�صفر ّ 7 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �إن �شاء اهلل في بحثي في هذا الم�ؤتمر �سوف �أ�س ّلط ال�ضوء على النه�ضة العلمية الثانية التي �إنطلقت بعد نهاية حكم الجزّار �سنة 1219هـ من كوثرية ال�س ّياد بعدما كان جبل عامل محطة م�ضيئة في �سماء المنطقة ،عندما ا�ستطاع ذلك القائد الف ّذ ال�شيخ محمد بن مكي الجزيني المعروف (بال�شهيد الأول) في �أوا�سط القرن الثامن هـ من �إيجاد هذه الحا�ضرة العلمية التي ا�ستم ّرت حتى نهاية القرن الثاني ع�شر هـ ،حيث كانت تلك المدر�سة الجامعة في بلدة �شقراء برئا�سة العالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني الذي توفي �سنة 1194هـ الموافق 1780م. �أيّها الأعزاء �إنّ الإطاللة على تاريخ جبل عامل ومعرفة ما حدث مع �أهلنا في المراحل المختلفة �سوف ن�ستخل�ص منه العبر والتجارب ،فنبتعد عن نقاط الوهن ،ونبقى يقظين لمواجهة �أمثالها ،وندر�س الحيث ّيات التي �أ ّدت �إلى تلك الأو�ضاع التي نحتاج معها �إلى فهم دقيق للحيثيات التي نجهلها نتيجة ُبعد الم�سافة وعدم الإعتماد على د ّقة النقل التاريخي الذي يروي الأحداث كما هي من دون فهم الحيثيات التي لها دخالة في �صناعة الحدث. لهذا ومن باب الأمانة ال بد للباحث من �إيجاد العذر مهما �أمكن وعدم الحكم على �أحداث هو بعيد كل ال ُبعد عنها ،وخ�صو�ص ًا عندما تكون تلك الأحداث على خالف ال�سياق العام والمعروف .نعم ال ُب ّد من قراءة دقيقة لتلك المرحلة فالحوادث التاريخية تتك ّرر دائم ًا ،وان كانت بجهات و�أ�ساليب مختلفة ،والذي جعلنا نف ّكر بما حدث في عهد ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزّار هو ما تعي�شه منطقتنا من باك�ستان وافغان�ستان مرور ًا بم�صر واليمن و� ً صوال �إلى العراق و�سوريا ولبنان ،حيث تت�شابه ظاهرة �أحمد با�شا الجزّار وتتقاطع مع كثير من هذه الحوادث التي ح�صلت وقد تح�صل في منطقتنا� ،إذ ًا الهدف من البحث في تلك الحقبة هو بال�ضبط لمعرفة ماذا حدث في نهاية القرن الثاني ع�شر هـ ،وال�شيء الثاني لمعرفة مكامن القدرة واله ّمة عند �أهلنا في �إ�ستعادة المبادرة و�إعادة الحياة العلمية 8 ���������������������� والإجتماعية والإقت�صادية �إلى جبل عامل وعدم الإ�ست�سالم ،هذا بالإ�ضافة لإ�ستخال�ص دعم قوى الإ�ستكبار لقطعان ال ِعبر لمواجهة �أو�ضاع م�شابهة ،وخ�صو�ص ًا ما ن�شهده من ِ المنهج التكفيري الخارجة عن الإن�سانية قبل الإ�سالم ،قيقتلون النف�س التي ح ّرمها اهلل ويهتكون الأعرا�ض وي�سلبون الأموال ويمزّقون وحدة الم�سلمين ،ويعملون بالكامل لم�صلحة العدو كي تتاح له فر�صة نهب الثروات والنيل من هذا الإ�سالم العزيز ،لذا كان من الواجب ان نت�ص ّدى لهذه الفئة الباغية والمف�سدة في الأر�ض ،وعلى �أ�سيادهم �أن يدركوا (�أنّ على الباغي تدور الدوائر) وانهم �سوف يدفعون �ضريبة دعمهم ل�شر خلق اهلل كما ورد في الخبر ال�شريف (من �أعان ظالم ًا �إبتلي به) في الختام: �أ�س�أله تعالى �أن ي�أخذ ب�أيدينا �إلى ما فيه الخير وال�صالح و�أن ُيم ّكننا من رقابهم و�أن يفتح ب�صيرتنا على قراءة دقيقة لتاريخنا الذي يحتاج �إلى الكثير من العناية والتوثيق، وعلى قاعدة من ال ي�شكر المخلوق ال ي�شكر الخالق ال ب ّد من �شكر خا�ص لل�سادة الباحثين على جهدهم في �سبيل نجاح هذا الم�ؤتمر. كما ال ب ّد �أن �أ�شكر اتحاد بلديات جبل عامل ب�شخ�ص رئي�سها الأخ العزيز الحاج علي الزين على تعاونه معنا في �إقامة هذا الم�ؤتمر ،وهو مو�صول ب�شكر راعي الم�ؤتمر ال�صديق الحاج محمد رعد ،وال�شكر لل�سادة العلماء والإخوة في المنطقة الأولى ب�شخ�ص رئي�سها العزيز ال�سيد �أحمد �صفي الدين على م�ساهمتهم في نجاح م�ؤتمرنا هذا ،كما ال ب ّد �أن �أ�شكر مم ّثل �سعادة �سفير الجمهورية الإ�سالمية الدكتور غ�ضنفر ركن �آبادي ،وم�س�ؤول حركة �أمل في اقليم جبل عامل الحاج محمد غزال ،و�سعادة النائب قا�سم ها�شم وبلدية مجدل �سلم ورئي�سها الأخ علي يا�سين الذي قدم الخطباء و�سماحة رئي�س مجل�س الأمناء في تجمع علماء الم�سلمين ال�شيخ �أحمد الزين و�أمام البلدة �سماحة ال�شيخ علي يا�سين والأخوة والأخوات جميع ًا. 9 ��������������������������������������� كلمة راعي المؤتمر النائب الحاج محمد رعد ((( �إن العنوان الذي اختير لأعمال هذا الم�ؤتمر اليوم« :جبل عامل وعهد الج ّزار بين النكبة والنه�ضة» دفعني للت�أمل وا�ستح�ضار العديد من المحطات التاريخية التي وا�ضطهاد وا�ستبداد قابله �أهلنا وقهر ٍ ظلم ٍ عبرتها هذه المنطقة وما تخلل ذلك من ٍ و�أجدادنا بال�صبر �أو ًال ثم باالنتفا�ضات والمواجهات والمقاومة انت�صار ًا للحق ودفع ًا للعدوان وطلب ًا للحرية وتحقيق ًا للكرامة وذود ًا عن الوجود والهوية واالنتماء. فعهد �أحمد با�شا الجزّار كان قد �سبقته عهود كثيرة �أذكر على �سبيل المثال ال الح�صر ،عهد ال�صليبيين ثم المماليك و� ً صوال �إلى العثمانيين ،ثم تال ذلك كله الإنتداب ((( رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة. 11 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الفرن�سي فاالحتالل ال�صهيوني والمظلة الدولية اال�ستكبارية التي ال تزال ترعاه وتحميه. وفي كل هذه المحطات التاريخية كان جبل عامل محل ا�ستهداف مبا�شر وغير مبا�شر �سواء على م�ستوى الوجود ال�سكاني فيه �أو على م�ستوى الهوية واالنتماء والموقع والدور. وعلى الدوام كانت مظاهر اال�ستهداف ظلم ومحاوالت اخ�ضاع وفر�ض اجراءات تعيق بناء الوحدة والقوة ف�ض ًال عن الجهود الماكرة لتذويب ال�شخ�صية الح�ضارية لأبناء هذا الجبل العاملي الذين ينتمون �إلى مدر�سة ونهج �أهل بيت ر�سول اهلل محمد Pوما يج�سدونه من �أ�صالة انتماء �إلى اال�سالم ومعيار �صحة التطبيق لقيم الدين الحنيف ِّ فهم دقيق تتفتح منها مفاهيم و�أفكار متجددة عبر اختالف أ�صول َ و�أحكامه ،و� ٍ وقواعد ٍ الظروف والأمكنة والأزمان ،ويمكن من خاللها معالجة مختلف م�ستجدات الع�صر والتفاعل معها اقرار ًا �أو انكار ًا ،تطوير ًا �أو اهما ًال ،تك ّيف ًا �أو مواجهة ،بروح ال تنف�صم عن الن�ص والجذور وب�أداء ال تتحكم فيه رياح الميول والأهواء وال يتكل�س �أو يتحجر لتعبره الأحداث دون �أن ي�ؤثر فيها �أو ي�ضبط م�ساراتها و�إيقاعها. ن�سجل �أن تنامي فاعلية ودور جبل عامل مر ّده �إلى هذا االنتماء الأ�صيل وينبغي �أن ّ والثابت لهذه الهوية اال�سالمية العريقة التي تمنح حامليها المخل�صين و�ضوح ر�ؤي ٍة وقوة منطق وقدرة �صمود وحيوية هائلة على مواجهة الأعا�صير �أو احتوائها. ٍ �أردت من هذا المدخل �أن �أ�ؤكد على الخ�صائ�ص التي باال�ستناد �إليها ا�ستطاع وي�ستطيع �أهلنا في جبل عامل �أن يح ّولوا كل ا�ستهداف �أو تهديد لوجودهم �أو دورهم، �إلى فر�ص ٍة لإثبات الوجود وتعزيز الدور. تف�سر الثبات والن�ضج والفاعلية المذهلة للعامليين عبر وهذه الخ�صائ�ص هي التي ِّ التاريخ وفي زمننا الحا�ضر والمقبل. نقاط للإ�ضاءة عليها: وي�سعدني �أن �أ�شير في هذا الم�ؤتمر �إلى جملة ٍ �أو ًال� :إن ظلم ًا كبير ًا طاول تاريخ جبل عامل وهو الوجه الآخر للظلم الذي كابده �أهله طوال العهود الما�ضية ..ولع ّل �أب�شع الأمور �أن تغ ّيب �صفحات الع ّز والبطولة 12 ��������������������������������������� و�شواهد العلم وم�آثر الأجيال ال�سابقة بهدف �أن تولد �أجيال بدون ذاكرة ،فتترعرع في �أح�ضان بيئة الأمر الواقع الوافد م�ستن�سخة ثقافته و�أعرافه و�أنماط �سلوكه ومناهج حياته.. ولوال بع�ض رذاذ وب�ضع ر�شحات تن�سمها الأجداد والآباء عن تاريخنا العاملي وحكاياه التي نقلها �إلينا وحققها ثلة من المخل�صين من علمائنا و�أعالمنا ورجاالت الفكر والتاريخ منا ،لما بقي للذاكرة ما ن�ستهدي به في حا�ضرنا.. كبير �إلى كل جهد معا�صر يهدف �إلى ت�أريخ وتقييم الوقائع لذلك ننظر بتقدير ٍ ٍ والأحداث والأدوار التي تزخر بها مرحلتنا الراهنة وحفظها والإكثار من تداولها والإحاطة بها من مختلف الجوانب من �أجل �أن ت�صل �إلى �أجيالنا المقبلة عن طريقنا، بدل �أن ت�صل �إليهم مز ّورة وم� ّشوهة عن طريق خ�صومنا و�أعدائنا. أنمى �إنجاز ًا في هذا المجال ومما ال �شك فيه �أن العمل الم�ؤ�س�ساتي هو �أكثر فاعلية و� ٍ من العمل الفردي المطلوب �أي�ض ًا.. بنا ًء عليه ،نث ّمن عالي ًا الدور الم�س�ؤول الذي تنه�ض به جمعية الإمام ال�صادق Q في هذا ال�سياق ،وكل المراكز والهيئات المماثلة ،ون�ؤ ّكد على دور الأ�ساتذة الجامعيين في الإهتمام والح�ض والت�شجيع لطالبهم على �إعداد الر�سائل والأبحاث الجامعية التي تتناول معالجة الق�ضايا والأحداث والأدوار الفاعلة في مرحلتنا الحا�ضرة والما�ضية، كما ن�ؤ ّكد على وجوب التن�سيق وتوزيع الأدوار بين المهتمين لتزخيم النتاج المطلوب وت�سويقه عبر مختلف و�سائل الإعالم المقروء والمرئي والم�سموع وعبر ت�سجيل الندوات والم�ؤتمرات والمحا�ضرات وعبر طباعة الكتب وا�ستحداث مواقع �إلكترونية متخ�ص�صة بهذا المجال. ثانياً�:إن ما ارتكبه �أحمد با�شا الجزّار في �أواخر القرن الثامن ع�شر ميالدي ،من فظائع وجرائم وانتهاكات وت�صفيات وحمالت ت�شريد لي�س �إال نموذج ًا لما كابده جبل عامل على �أيدي الظالمين والطامعين والم�ستبدين قبله � ..اّإل �أن الم�ؤ ّكد �أن 13 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الجزّار تع ّمد م�صادرة جميع الكتب والم�ؤلفات والمخطوطات من المكتبات التي كانت حافلة بمختلف �أنواع الكتب القيمة والثمينة ،ونقلها على ظهور الجمال �إلى عكا حيث و ّزع الكثير منها على الأفران لحرقها رغم �أن بع�ضها احتفظ به و�أهدى بع�ض ًا �آخر منها �إلى عدد من الزعامات وال�سالطين �آنذاك ،فيما �سرق العكاويون بع�ض ًا �آخر وباعوه مجدد ًا لبع�ض العامليين ،وتمكن بع�ض �آخر من العامليين �أن يه ّربوا بع�ض الكتب �إلى العراق و�إيران والهند. �إن هذه الحملة التي نفذها �أحمد با�شا الجزّار �ضيعت من تاريخنا م�آثر ثالثة قرون للعامليين زاخرة بالعلوم والذاكرة والإبداعات. ثالثاً�:إن النكبة التي ت�سبب بها الجزّار في جبل عامل� ،أ ّدت �إلى ت�ش ّرد عائالت و�أبناء قرى وبلدات وعلماء �إلى بعلبك والبقاع و�إلى العراق و�إيران ..وما �إن �أذنت الأو�ضاع بالتغ ّير وخ�صو�ص ًا بعد هالك الجزّار في العام 1804م حتى عاد معظم ه�ؤالء �إلى قراهم وبلداتهم لإعمارها من جديد ون�شط العلماء في �إن�شاء الحوزات العلمية في مي�س الجبل وبنت جبيل وحناوية والنبطية وجزين وجباع والكوثرية وغيرها ،ثم تنا�سلت هذه الحوزات في قرى وبلدات �أخرى و�أحدثت نه�ضة فكرية وثقافية ا�ستعاد العامليون فيها ح�ضورهم وظهر فيهم مقاومون �أبطال تمر�سوا على حرب الع�صابات �ضد الوالة الم�ستبدين ومن بعد �ضد الإنتداب الفرن�سي الذي ابتليت به البالد. �إن هذا الأمر يدلل �أو ًال على مدى تعلق العامليين ب�أر�ضهم ووطنهم وعلى مدى توقهم للعي�ش فيه والعودة �إليه بعد الت�ش ّرد.. ويد ّلل �أي�ض ًا على مواكبة العمل المقاوم للنهو�ض الثقافي وانت�شار الوعي بين العامليين. وبنا ًء عليه ن�ؤ ّكد �أن حب العامليين لأر�ضهم هو �أ�ص ٌل يبنى عليه �سلوكهم الوطني دائم ًا ،و�أن وعيهم الديني والثقافي ي�شحذ روحهم الوطنية للت�صدي والمقاومة �ضد الغزاة �أو الطامعين. 14 ��������������������������������������� لمدقق �أن لمن�صف �أن ي�شكك فيهما وال يمكن وهاتان ميزتان ثابتتان ال يمكن ٍ ٍ يتجاوزهما في تحليل �سيا�سات ومواقف وتحركات الجمهور في جبل عامل ف�ض ًال عن قياداته. رابعاً�:إن �أحداث ًا ح�صلت �ضد �أبناء جبل عامل تورط فيها �أمير جبل لبنان يو�سف ال�شهابي لم�ساعدة والي دم�شق �آنذاك عثمان با�شا ،كانت قد �سبقت ت�س ّلم �أحمد با�شا الجزّار والية عكا ،وهذه الأحداث ال �شك �أنها رغم انت�صار العامليين فيها �إال �أنها ا�ستنزفت قدراتهم وبع�ض قياداتهم ،الأمر الذي ا�ستفاد منه الجزّار لتوقيت حملته وتح�شيد قواته �ضدهم وا�ستباحة قراهم وتدمير منازلهم وفي هذا ندرك مدى الت�أثير ال�سلبي لل�شخ�صيات والقوى المحلية المتواطئة والتي ي�ستخدمها الخ�صم القوي لت�سهيل مهمته والتمهيد لها با�ستنزاف قوى النهو�ض وت�شتيت قدراتهم. �أيها الأعزاء، �إن الحا�ضر هو امتداد للما�ضي ،وما نواجهه اليوم من تهديدات ينبغي �أن نح ّوله �إلى فر�ص للإنت�صار والتق ّدم. ٍ �إذ ال مجال للتردد والتهاون في الت�ص ّدي للغزاة والمت�آمرين على بلدنا لبنان وبالإ�ستناد �إلى الخ�صائ�ص العاملية تمك ّنا و�سنتمكن ب�إذن اهلل من مواجهة الإ�ستهدافات الراهنة ومن يقف وراءها ومن ي�ستخدم فيها. وفي الوقت الذي ت�ستنزف فيه قدرات �أمتنا العربية بنزاعات جانبية خارج دائرة المواجهة للعد ّو الحقيقي للأ ّمة يبقى المقاومون من �أبناء جبل عامل ونظرائهم في كل لبنان ،الدرع الح�صين الذي يقي البلد والمنطقة من �شرور الإعتداءات والحروب الإ�سرائيلية ،و�ستبقى معادلة ال�شعب والمقاومة والجي�ش هي الأقدر على مواجهة كل التهديدات ،خ�صو�ص ًا بعدما �أثبتت هذه المعادلة جدواها في ال�صراع وحفظت لبنان ودحرت م�شروع الغزو ال�صهيوني المدعوم من قوى الإ�ستكبار الغربي والنظام العربي المتواطئ. 15 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �إن بلد ًا يمتلك مثل هذه المعادلة لمقاومة العد ّو ،ال �شك �أن �أبناءه الوطنيين يزدرون الم�شهد الر�سمي للنظام العربي الذي ظهر م�ؤخ ًرا في الدوحة حيث انعقد هناك م�ؤتمر للذل والعار والب�ؤ�س والهزيمة وحيث ل ّوث الزيف والت�آمر ن�ضاالت �شعوب المنطقة و�أحرارها. �إن هذا الم�شهد يك�شف حجم الوهن الذي �أ�صاب �أنظمة الخنوع فيما �أ ّكد �ضرورة حفظ المقاومة ل�صون الروح الوطنية و�إذكاء الأمل في نفو�س ال�شرفاء من العرب والم�سلمين. �إن ا�ستنزاف �سوريا ومحاولة �إ�سقاط موقعها� ،سيرتد �سلب ًا على كل بلدان التواطئ في المنطقة. و�إن اللبنانيين ،خ�صو�ص ًا بعد م�ستجدات الو�ضع الحكومي ،وغياب التوافق على قانون الإنتخاب ،مدعوون للترفع �إلى م�ستوى الم�س�ؤولية التاريخية الوطنية والقومية ومواجهة هذه المرحلة بمزيد من الحر�ص على التفاهم والتما�سك وتجاوز ال�ش�أنيات والطموحات والمكت�سبات الخا�صة والفئوية والت�شبث ب�أ�سباب االنت�صارات التي حققها لبنان في ال�سنوات الأخيرة الما�ضية �ضد العدو ال�صهيوني و�أ�سياده.. مطلوب منها �أن تعيد تر�سيم �إن �أية حكومة مقبلة �أ ّي ًا يكن رئي�سها المك ّلف ت�شكيلها، ٌ الثوابت الوطنية التالية: الحفاظ على معادلة القوة التي تقوم على ثالثية الجي�ش وال�شعب والمقاومة. اعتماد قانون انتخاب ي�ؤمنّ تمثي ًال عاد ًال وي�ضمن منا�صفة فعلية بين الم�سلمينوالم�سيحيين. تحقيق م�شاركة واقعية ت�سهم في تعزيز الإ�ستقرار الداخلي وت�سقط ادعاءاتالإ�ستهداف عند البع�ض وتحفظ الأوزان الحقيقية للقوى الأخرى. الت�أكيد على �أن ا�سرائيل هي العد ّو الأ�سا�سي للبنان واللبنانيين ،وترجمة ذلكعملي ًا وب�شكل ج ّدي ووا�ضح في ال�سيا�سات الداخلية والخارجية. 16 ��������������������������������������� حماية ال�سيادة والكرامة الوطنية ورف�ض الخ�ضوع لأي ابتزاز �إقليمي ودولي يم�سلبنان في �سيادته الوطنية وخياراته ال�سيا�سية وكرامة �أبنائه. ختام ًا.. �أتوجه بال�شكر لكل الم�شاركين في هذا الم�ؤتمر ولكل الم�ساهمين في �إدارته وتنظيم جل�ساته ..وال�شكر مو�صول لجمعية الإمام ال�صادق Qولرئي�سها الأخ العزيز والمجاهد �سماحة ال�شيخ ح�سن بغدادي و�أملنا باهلل كبير �أن يكلل جهوده وجهودكم جميع ًا بنجاح هذا الم�ؤتمر الذي كان هناك حر�ص �شديد على �إقامته في مجدل �سلم عرين العلماء والمقاومة واهلل من وراء الق�صد. وال�سالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته 17 الجلسة األولى ���������������� ترأس الجلسة األولى الشيخ علي ياسين ((( وم ّما قاله: هذه النكبة التي ح ّلت بجبل عامل لم تكن الأولى وال الأخيرة ،و�إن كانت بق ّية النكبات التي �أ�صابته من المماليك وغيرهم ال تقا�س بما ح�صل في عهد ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزّار �سنة 1219هـ ،الذي د ّمر جبل عامل من خالل حرق المكتبات التي كانت ت�ضم كل منها �آالف الكتب والمخطوطات الثمينة. ((( رئي�س اللقاء العلمائي في �صور. 21 �������������������������������������������� الظروف التي عاشها جبل عامل إبان محنة الجزار د .محمد كوراني ((( ما �أن خ�ضعت البالد ال�شامية وم�صر لحكم ال�سلطان العثماني �سليم الأول �سنة 1517م حتى ي ّمم وجهه �شرق ًا برفقة علماء الأتراك ال�ستح�ضار الفتاوى بقتل ال�شاه �إ�سماعيل ال�صفوي �شاه بالد �إيران �آنذاك ،ولم يقل �إبن �إيا�س الدم�شقي ،لماذا �أفتى العلماء بقتل ذلك ال�شاه �شرعا ،لكن �صاحب كتاب تاريخ جبل عامل ،محمد جابر �آل �صفا يقول ،ونحن نقول« :لأنه على مذهب ال�شيعة الإمامية» .وقد �أ�صابت �شروره مدينة حلب ،وكان معظم �أهلها من ال�شيعة الإمامية فقتل منهم مقتلة عظيمة ...وامتد بغ ّيه �إلى �شيعة �سوريا الجنوبية فا�شتد الإ�ضطهاد وال�ضغط عليهم ،و�أ�ضرم الأتراك العداوة بينهم وبين �أهل ال�سنة كما جرت عادتهم (ف ّرق ت�سد) ..فا�ست�صدر الفتاوى من بع�ض علماء دم�شق با�ستحالل قتالهم وهدر دمائهم ،ومحو �آثارهم ،وا�ستعباد ذراريهم ،و�أن ال ُتقبل لهم توبة �إلى �آخرما ورد من فتاوى ال�شيخ نوح الحنفي(((. ((( باحث وم�ؤ ّرخ. ((( تاريخ جبل عامل ـ محمد جابر �آل �صفا �ص 77ـ دار النهار ـ ط 2ـ بيروت 1983 23 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وقد �أجمع الم�ؤرخون �أنّ الإدارة التركية العثمانية طيلة �أربعمائة عام كانت �ش ّر �إدارة منيت بها الأم�صارالتي دخلت تحت حكمهم� ...سادت الفو�ضى ،واختل الأمن ،وانت�شر الف�ساد ،وخربت القرى وهجرها ال�سكان ،وتلفت النفو�س وبارت الزراعة وداهم البالد وعم الب�ؤ�س وال�شقاء((( .وكان من عظيم الرزايا و�أفظع النكبات على ال�سكان� ،أن الفقر ّ «معظم الوالة من ذوي الأخالق الفا�سدة ال ه ّم لهم �إالجمع الأموال ،وم�صادرة �أغنياء ((( ال�شعب ،والت�ضييق عليهم حتى �أتى زمن وبع�ض النا�س يحمد اهلل على الفقر» وكانت �سيا�ستهم في بالد العرب تدور على �إ�ضعاف قوى الأمة و�إذاللها ،وتعرية مدنها من ذخائرالعلم والب�ضاعة ومحو مجد العرب من �سجل التاريخ(((. ..وجبل عامل قطر من الأقطار التي خ�ضعت لظلم الدولة العثمانية كباقي بالد ال�شام وم�صر ،وما العامليين في عهودهم من البالء والمحن لم يكفهم جور الترك وا�ضطهادهم ،وانعكا�س الحروب الدامية بين الترك وال�صفويين على �أهالي جبل عامل، ال ل�سبب �إنما لأنّ �سكان جبل عامل هم على نف�س المذهب الذي كانت تدين به الدولة ال�صفوية في �إيران(الت�شيع) ،فا�ستعانوا على العامليين ب�أهل المقاطعات المجاورة من �أن�صارهم .ف�أ�صبحت بالد عاملة عر�ضة لغارات اال�شمال والجنوب وال�شرق« ،فا�شتبكوا معهم في حروب دامية رخ�صت فيها النفو�س وا�ستهينت الأرواح»(((. ..من �أجل ذلك ا�ستمات العامليون في الدفاع عن موطنهم ،لحفظ كيانهم« .وقد خلق منهم هذا الإرهاق ال�شديد� ...شعبا حربيا يهز�أ بالمنايا ويرى الموت حياة خالدة تحت �شفار ال�سيوف ...وكانوا ال ه ّم لهم �سوى �شحذ ال�سيوف وت�سديد المرمى والكر على ظهور الخيول يعلمونها �أوالدهم منذ ال�صغر .الي�أبهون بمال ُيجمع �أو ((( م.ن�.ص.78 ((( م.ن�.ص.79 ((( م.ن�.ص.79 ((( م.ن�.ص.81 24 �������������������������������������������� ق�صرٍ يبنى �أوغر�س يجنى .ولم يكن فخرهم �إال بعد ٍو ُيغلب(((. يبدو من خالل هذا ال�سياق وما �أورده الم�ؤرخون � ّأن حكام المناطق المجاورة وب�أمر من الوالة العثمانيين لم يتركوا للعامليين بارقة هدوء وا�ستقرارمن �أجل �إ�ضعافهم والق�ضاء عليهم و�إرغامهم على ترك مناطقهم كما جرى لمناطق كثيرة في بالد ال�شام منذ بدايات العهد العثماني .وت�أكيداً على ذلك ما قام به المعنيون �أيام ومن�سق ٍة في غالب الأحيان بت�أييد �أو ت�أليب البا�شا فخر الدين من غزواتٍ متتالي ٍة ّ وان الذين �أظهروا عدا ًء وحقداً دفيناً على �أهل الجبل(جبل عامل) ...حيث ا�ستهدف فخرالدين هذا قرية الكوثرية في �إقليم ال�شومر»((( ويبدو �أنّ الأ�سرة ال�شهابية قد تمتعت �أي�ض ًا بت�أييد متعاظم من البا�شاوات حيث تم ّكن �أمراء هذه الأ�سرة من الت�ص ّرف بعد ب�شير الأول في كثير من الأحيان كما يحلو لهم ...وفي مرحلة تالية �أي منذ ت�س ّلم الأمير ملحم بن حيدر �شهاب تحول الإ�ضطهاد ليطال الأهالي العاديين �إ�ضافة �إلى الم�شايخ((( فكانت �أولى المواجهات بينه وبين العامليين في قرية �أن�صار �سنة1731م ثم هاجم جويا(((ثم هاجم �أن�صار ثانية �سنة 1734م وفي عام1743م هاجم الأمير ملحم ال�شهابي �أن�صار �أي�ض ًا ،وا�ستب�سل العامليون وان�سحب ملحم ال�شهابي دون الح�صول على مكا�سب وفيما كان العامليون يلملمون جراح معركة �أن�صارالثالثة فاج�أهم جي�ش با�شا ٍ دم�شق بقيادة �سليمان با�شا وقد �أق�سم �أن ُيحرق بالد ب�شارة ،وزحف بجي�شه ونزل في مرج قد�س �أق�صى جنوب �شرق جبل عامل لكنه مر�ض هناك ع ّدة �أيام وتوفي بعدها ((( وتراجع جي�شه ونجا جبل عامل من الحريق. ((( م.ن�.ص 83ــ.84 ((( جبل عامل تاريخ و احداث ـ رامز رزق ـ �ص 238ـ دار الهادي ـ بيروت ــ.2005 ((( م.ن� .ص 245ـ .246 ((( تاريخ الأمير حيدر ال�شهابي المعروف بالغرر الح�سان ـ حيدر�أحمد �شهاب ـ ط 2ـ دار الآثار ـ بيروت �سنة 1980 ((( تكملة �أمل الآمل ـ ح�سن ال�صدر ـ �ص 450ـ دار الأ�ضواء ـ بيروت .1986 25 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ..وبعد مرور �سنة واحدة على معركة �أن�صارالثالثة بادر العامليون للهجوم متح ّدين الوجود ال�شهابي في وادي التيم مقر ال�شهابيين الأ�صلي وجرت المعركة في �شمالي مرجعيون وتم ّكن العامليون من تحقيق انت�صارهم الميداني الأول ..وقد �أدى انت�صار مرجعيون �إلى يقظة �شاملة في جبل عامل ..وكانت القيادة التي فتحت هذا الفتح المبين هي القيادة الف ّذة للقائد التاريخي نا�صيف الن�صار(((. وعلى ما يبدو �أن �سيا�سة الأمراء ال�شهابيين كانت تخ�ضع لعوامل خارجية ومخططات �أجنبية وطائفية لها �أهدافها ولها م�ؤثراتها في توجيه �سيا�سةالأمراء وفي �إ�شعال نار الحروب الأهلية بين �أبناء الوطن الواحد((( .وعلى المقلب الآخر ت�شابهت حركات القوى ال�شعبية في المنطقة ،وكانت واحدة لدى الجميع وهي �أن تتحالف وت�ستعد لمواجهة الظروف والأخطارالمتوقعة وخ�صو�ص ًا بعداحتمال تالقي الم�صريين والفل�سطينيين والمتاولة في جبهة واحدة(((. ولقد �أورد المعلم ميخائيل نقوال ال�صباغ ماي�ؤكد ب�أ�س ال�شيعة وهيبتهم في �أعين الجيران و�أهمية التحالف معهم ،ومما قاله�« :إن ال�شيخ ظاهر العمر �إلتفت �إلى المتاولة وهم قو ٌم من ذوي الب�أ�س والج�سارة والنجدة وكبيرهم -يوم ذاك -ال�شيخ نا�صيف الن�صار ...وبالدهم بالد ب�شارة بين جبل الدروز وبالد �صفد(((.ولما تطاول بع�ض حكام الجوارعلى �أطراف جبل عامل قا�صدين �ض ّم بع�ض قراه �إلى �إقطاعهم، ر ّد ال�شيخ نا�صيف جواباً يرف�ض فيه هذا التطاول مغلظا بالقول« :التظن �أننا نظير �سوانا فواهلل � ّإن عندنا مقابل �سيفك �سيوفا �أح ّد منه وب�إزاء كيدك مكائد كثيرة، فالأولى بك �أن تدعنا غافلين عنك باعتدائك على جيراننا والآن واهلل العظيم �إنك تندم لأننا نحن طالما بغي علينا فانت�صفنا من الباغي ،وعاهدنا فقمنا بعهدنا ((( جبل عامل تارخ...م�.س� .ص.248 ((( للبحث عن تاريخنا ـ ال�شيخ علي الزين ـ �ص 486ـ ط 1ـ .1973 ((( م.ن ـ �ص.491 ((( م.ن�.ص.493 26 �������������������������������������������� وك ّنا من �أن�صار �أ�صحابك فدونك الأمرين� ،أنت ور�أيك ونحن نرى فيما يبدو منك وال�سالم»(((. ..ولعل �إ�سم ال�شيخ نا�صيف الن�صار الذي يتكررمعنا في هذه الحقبة هو الإ�سم البارز الذي �سبق حملة الجزار ،حيث لم ي�سبق �أن م ّر في تاريخ جبل عامل �أيام الحقبة العثمانية رج ٌل بتلك ال�صفات القيادية .وهذا «بازيلي» القن�صل الرو�سي في �صيدا ي�صف العامليين و�شيخهم نا�صيف الن�صار ب�شيء من الده�شة حيث يقول� :أنهم كانوا بقواههم الجامحة يرف�ضون التعاي�ش مع البا�شاوات كما يرف�ضون ذلك مع �أمراء جبل لبنان ...والمتاولة ه�ؤالء يقودهم ال�شيخ القوي نا�صيف الن�صار الذي كان ي�ستطيع �أن ُير�سل �إلى الميدان ع ّدة �آالف من الفر�سان الممتازين ،وكان يملك �أرا�ضي غنية والعديد من الح�صون((( .هذه الق ّوة العاملية الهامة �أغرت ال�شيخ ظاهر العمر بالتقرب منهم ولي�س بمعاداتهم ،و�أقام ال�شيخ ظاهر حلف ًا مع ال�شيخ نا�صيف تعود فوائده على �سكان المنطقتين المتجاورتين ،الجليل وجبل عامل((( .وبالمقابل كان ال�شيخ نا�صيف في ذلك الوقت يحاول توحيد كلمة العامليين والفل�سطينيين والدروز والبعلبكيين ،و�أن يك ّون من الجميع وحدة وا�سعة الأطراف ،و�أن يجعل من هذه الوحدة �سور ًا منيع ًا ال يجد الأتراك فيه منفذ ًا يدخلون فيه لتفرقتهم ثم الإ�ستعانة ببع�ضهم على الآخر((( .حاول ال�شيخ نا�صيف تكوين وحدة وا�سعة النطاق وك�أنه وحده المعني بهذه المه ّمة دون من عداه من الزعماء �آنذاك. ربما �أ�ضمر الجزار ال�سوء والكراهية لل�شيخ نا�صيف والعامليين منذ �أعان نا�صيف وحليفه ظاهر العمر الأمير يو�سف ال�شهابي على انتزاع بيروت من يد الجزار((( ..و�أما ((( م.ن�.ص.491 ((( �سوريا وفل�سطين تحت الحكم العثماني ـ ق�سطنطين بازيلي ـ �ص 52ـ دار التقدم ـ مو�سكو.1989 ((( جبل عامل تاريخ...م�.س� .ص.256 ((( جبل عامل في التاريخ ـ ال�شيخ محمد تقي الفقيه ـ �ص 398ــ 399ـ دار الأ�ضواء ـ ط 2ـ بيروت.1986 ((( العرفان ـ م 27ـ �ص.194 27 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �صحة �أحقاد الأتراك �ضد العامليين ،فما م ّر في هذا البحث وزيادة على ذلك دليل على ّ الخطط المو�ضوعة والمد ّبرة م�سبق ًا لإ�ضعاف و�إبادة ال�شيعة في جبل عامل وهذا ما �سينذر بالعاقبة الوخيمة عند الفر�ض بذلك .ولعل والي دم�شق العثماني ،عثمان با�شا تع�صب ًا و�إ�ساء ًة �ضد العامليين ،وكان الم�شايخ العامليون متنبهين لكل كان �أكثر الوالة ّ ما ُيحاك �ضدهم من د�سائ�س وعلى ر�أ�سهم �شيخ م�شايخ الجبل العاملي ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،وها هو ال�شيخ المذكور يع ّين الأمير يو�سف ال�شهابي في حربه �ضد عثمان با�شا والي ال�شام في واقعة «المغ ْيثة» (البقاع) وكان البا�شا قد ج ّرد حملة م�ؤلفة من خم�سة ع�شر �ألف مقاتل ،ولما ّ تدخل ال�شيخ نا�صيف �إلتج�أ عثمان با�شا �إلى الفرار والنجاة تاركا مخ ّيمه وذخائره الحربية غنيمة باردة (((. كان علي بك الكبير حاكم م�صر طموح ًا ،وحاول توحيد م�صر وال�شام وتحالف مع ال�شيخ ظاهر العمر حاكم فل�سطين ،وبدوره تحالف ال�شيخ ظاهر العمر مع العامليين، ولما توجه محمد �أبو ال ّذهب قائد الم�صريين و�صهر علي بك الكبير نحو ال�شام لطرد الأتراك ،ح�صل ما لم يكن بالح�سبان فقد انثنى �أبو ال ّذهب وعاد �أدراجه نحو م�صر بعد وعد �س ّري تل ّقاه من با�شاوات الأتراك في ال�شام ،لي�صبح �سيد م�صر بدل علي بك الكبير، وهذا ماجعل عثمان با�شا والي ال�شام يغتنم الفر�صة للإنتقام من الذين �ساندوا �أبا بجي�ش قوامه ال ّذهب (ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار) «فتحرك البا�شا ٍ ع�شرة �آالف مقاتل نحو بحيرة الحولة وع�سكرعلى �ض ّفتها الغربية واثقاً ب�أن الن�صر �سيكون حليفه...وما �أن خ ّيم الليل حتى هاجمه ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف ال�صعبي وال�شيخ حمد العبا�س وال�شيخ حمزة الن�صار الن�صار وال�شيخ علي الفار�س ّ بثالثماية من الفر�سان الغير في � 15آب 1771م ،وانهار عثمان با�شا وانهزم ومات �أكثر جنوده غرقاً في البحيرة وتركوا �أ�سلحتهم و�أمتعتهم و ُقتل منهم ثمانية �آالف ولم ((( م.ن� .ص .194 28 �������������������������������������������� ُيقتل من فر�سان العامليين �إ ّال ٌ رجل واحد ا�سمه ال�شيخ جبر من قرية الحمادية (((. وكان من نتائج هذه المعركة فرار والي �صيدا دروي�ش با�شا �إبن عثمان با�شا المهزوم. اع ُتبرت هذه المعركة بحق �أق�صى ما و�صل �إليه العامليون في تاريخهم الحربي في العهد العثماني ،بحيث ا�ستطاعوا �أن يثبتوا القدرة على هزيمة من حولهم ،ال بل تغيير الواقع ال�سيا�سي الذي ر�سمته الدولة العثمانية(((. م ّهدت معركة البحرة لمعركة ثانية هي معركة كفر رمان .و�سببها �أن دروي�ش با�شا والي �صيدا لج�أ �إلى �أمير ال�شوف يو�سف ال�شهابي بعد هزيمة �أبيه في معركة البحرة ليكون و�سيلته المادية في الهجوم المبا�شر على العامليين ...بعد �أن ق ّدم مغريات كثيرة للأمير يو�سف بما في ذلك ال�سالح والعتاد .و�سبب المعركة كما يرويها ال�شيخ الفقيه(جبل عامل في التاريخ) ومحمد جابر �آل �صفا (تاريخ جبل عامل) وبقية الم�ؤرخين العامليين: �أنّ مكاريين من كفررمان كانا يحمالن عنبا في قرية نيحا ال�شوفية فاعتدي عليهما بال�ضرب و�سلبا ولم يلبثا �أن ماتا ..وهذا مادفع ال�شيخ علي الفار�س حاكم منطقة النبطية �أن يطلب من الأمير يو�سف ت�سليمه القتلة .فكان رد الأمير يو�سف ت�سويف ًا .وبعد مدة ُوجد �أربعة رجال قتلى من �أبناء نيحا ال�شوف في المكان الذي ُقتل فيه المكاريان. فاتهم الأمير يو�سف المتاولة بقتلهم و�سار �إلى جبل عامل بثالثين �ألفا ((( .وبد�أ ب�إحراق القرى في �إقليم التفاح حتى و�صل �إلى م�شارف النبطية وكان ال�شيخ علي الفار�س قد احت�شد من �أجل ال ّدفاع بعدد من الفر�سان ال يتجاوز الخم�سماية فار�س و�أتت النجدة من قلعة تبنين بقيادة ال�شيخ نا�صيف الن�صار وكان ذلك يوم 21ت�شرين الأول 1771م وما كاد العامليون ي�شتبكون معهم حتى وجدوا فيهم �ضعف ًا ،وزاد الطين ب ّلة عندما اندفع ال�شيخ نا�صيف الن�صار �إلى ميدان المعركة يقتل ويمزق ي�شتت وي�أ�سر الأمير يو�سف ((( جبل عامل في التاريخ ـ م�.س�.ص 215ـ .216 ((( جبل عامل تاريخ...م�.س�.ص.262 ((( جبل عامل في التاريخ ـ م�.س�.ص 219ـ تاريخ جبل عامل ـ م�.س�.ص.130 29 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة نف�سه ثم يعفو عنه و ُيهزم المهاجمون ويغنم العامليون �أ�سلح ًة وذخائروعتاد (((. مجدها تركت معركة كفر رمان في الوجدان العاملي �أثر ًا ب ّينا ،وتحولت �إلى ملحمة ّ ال�شعراء الزجليون بق�صائدهم� ...إن هذه المعركة اخت�صرت تاريخ جبل عامل الع�سكري و�أظهرت قدرة ال�شعب العاملي ال�صغير والمحا�صر بالأعداء من كل �صوب ،ه�ؤالء الأعداء الذين كانوا ي�ستمدون ق ّوتهم من عداء الدولة العثمانية للعامليين. كانت هزيمة الأمير يو�سف وجي�شه في كفر رمان �إ�ضعاف ًا لعثمان با�شا الذي ما لبث �أن توفي و�أ�ضعف ولده دروي�ش با�شا والي �صيدا وهذا ما دفع الدولة العثمانية �أن تو ّلي عثماني ًا �آخرهو عثمان با�شا الم�صري وكان يحمل تكليفا ب�إحالل ال�سالم في �سوريا مهما كلف الأمر �سواء بال�سالح �أو بالمفاو�ضات (((.كان على با�شا دم�شق الجديد �أن ي�سترجع مدينة �صيدا ويعيد �إليها واليها دروي�ش با�شا وبرز من�سق للإت�صاالت بين الأمير يو�سف ال�شهابي وبا�شا دم�شق هو �أحمد با�شا الجزار الذي �سيبد�أ بالظهور على م�سرح الأحداث في واليتي �صيدا ودم�شق حيث يتبع جبل عامل. كان الأمير يو�سف اليزال يعي�ش تحت وط�أة الخ�سارة الع�سكرية الفادحة التي ح ّلت في كفر رمان .لكن �أحمد با�شا الجزار حاول �إقناعه بالدور الع�سكري الذي �سيناط به وذلك ب�إغرائه بالم�شاركة في الحرب �ضد العامليين وال�صفديين ب�صفة حماية لم�ؤخرة الجي�ش العثماني فاقتنع بذلك مكره ًا .وفي نف�س الوقت كان الجزار ين�سق مع والي حلب خليل با�شا وقد �أ�صبح الجزار هذا من�سق ًا للجي�ش العثماني الزّاحف على �صيدا .وفي نق�س الوقت كان جي�ش العامليين وال�صفديين بقيادة ال�شيخ ظاهرالعمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار ,وفي �شهر حزيران 1772م بد�أ الجي�ش العثماني بالهجوم لكن مماليك علي بك الكبير الذين كانوا عند ظاهر العمر في عكا وجي�ش ظاهر العمر وجي�ش العامليين ا�ستب�سلوا وا�ستولوا على المدافع العثمانية ووجهوها باتجاه �أ�صحابها وتراجع الجي�ش ((( باخت�صار وت�ص ّرف عما ورد في تاريخي ال�شيخ الفقيه ومحمد جابر حول المعركة. ((( بازيلي ـ م�.س�.ص.58 30 �������������������������������������������� العثماني مهزوم ًا وانهزم معه جي�ش الأمير يو�سف وتراجعوا نحو �إقليم الخروب وراح جي�ش الأمير يو�سف يفتك بحلفائه الهاربين من الجي�ش العثماني وي�سلبونهم �أمتعتهم وع ّدتهم((( وت�صبح �صيدا ب�أيدي ال�شيخ ظاهر العمر والعامليين .بعد هذه المعركة تم ّكن الجزار من الإن�سحاب ومعه عدد من الجنود الخا�صين به وبع�ض �أعوانه يح�صنها وتوجهوا �إلى بيروت حيث تعهد لبا�شا دم�شق بحمايتها وبت�أييد من البا�شا راح ّ لحمايتها(((...وبعد �أن بدت عالئم ال�صلح بين الدولة العثمانية والرو�س وان�سحاب �أ�سطولهم من المتو�سط ،وبعد انقالب �أبي الذهب مع الدولة على ظاهر وحلفائه ،بعد كل هذه المفاج�آت �شعر العامليون بعجزهم وعجز ظاهر عن مجابهة الأحداث التي بد�أوا يترقبونها والتي كان ظاهر نف�سه ي�شعر بخطرها ...وترك عكا و�سار �إلى قلعة هونين ليجتمع مع م�شايخ العامليين وليتدبر معهم فيما يجب عمله ليدفعوا عن نفو�سهم وعن البالد �شر �أبي الذهب بالمال والمهادنة �أو بالحرب والقتال ((( .ولكنه قتل غدر ًا بالطريق بر�صا�ص بع�ض الخونة من �أتباع ال ّدنكزلي ((( وهو �أحد قادته و�شاءت الأقدار الغا�شمة �أن تلقي زمام الإيالة �إلى �أحمد با�شا الجزارف ُع ّين والي ًا على �صيدا �سنة 1776م وفي 1785م ُ�ض ّمت �إليه والية دم�شق ...ا�ستفحل �أمر الجزار ودانت له فل�سطين و�ألقى الخالف بين �أمراء جبل لبنان ف�أ�صبح بع�ضهم يناوئ الآخر .كان تعيين الجزار والي ًا على �صيدا يعني بالن�سبة للعامليين نقل م�شكلة الميري المت�أخرة �إلى البا�شا الجديد وبالتالي يعني المواجهة المبا�شرة معه ،لكن الجزار � ّأجل هذا الأمر �إلى حين انتهاء م�شاكله الكثيرة المحيطة به ،لبث الجزار في عكا وجعلها مركز ًا لواليته بعد تمكنه من جمع الرجال والمال �شعر ب�أنه بلغ من القوة ما يكفي لمواجهة الأخطار المحدقة به وكان هدفه الأول الق�ضاء على �أوالد ال�شيخ ظاهر العمر ..فلج�أ �إلى المخادعة و�سمح ((( تاريخ جبل عامل ـ م�.س�.ص.132 ((( بازيلي ـ م�.س ـ �ص.62 ((( للبحث عن تاريخنا ـ م�.س�.ص.549 ((( تاريخ جبل عامل ـ م�.س�.ص.116 31 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة لهم بالدخول والخروج �إلى عكا �ساعة ي�شا�ؤون ،ثم �أوقع ثالثة منهم ..ولم ينج من فخ الجزار �إال علي ظاهر العمر حيث ا�ستطاع الجزار �أخير ًا �أن ير�سل �إليه مجموعة من رجاله تمكنوا من الغدر به والق�ضاء عليه في عملية �سريعة((( (ت�شبه العمليات الأمنية الخاطفة وال�سريعة في �أيامنا ) .وقد �أمر ال�شيخ نا�صيف الن�صار بحمل جثمانه ودفنه في بلدة عيناثا. كان لمقتل ال�شيخ علي ظاهر العمر غدر ًا �أث ٌر �سيء على العالقة بين الجزار وبين العامليين وكان قائد الأ�سطول العثماني في المتو�سط ح�سن با�شا قد اتفق مع الجزار على القيام بحملة على جبل عامل لتح�صيل الأموال الأميرية المت�أخرة الم�ستحقة أح�س م�شايخ جبل عامل بالخطر يتهددهم� ...أر�سلوا ال�شيخ قبالن للدولة .وعندما � ّ الح�سن الوائلي ليفاو�ض البا�شا با�سمهم فقابل القبطان ح�سن با�شا في عكا واتفق معه على �شرطين: 1ـ �أن يقف زعماء جبل عامل على الحياد بين المتنازعين على النفوذ في المنطقة. 2ـ �أن يدفعوا الميري ب�صورة منتظمة وتق�سيط المت�أخر منها (((. تمكن القائد الفذ ال�شيخ نا�صيف الن�صارمن �إنقاذ الأو�ضاع في جبل عامل �أطول مدة ممكنة ..لكن الجزار لم يكن يريد �أحرار ًا �أو �أبناء بالد في واليته ذوي �ش�أن ،كان الجزار في الأ�صل عبد ًا يحب العبيد وجزارا يع�شق �سفك الدماء ،وكل من حوله من �أن�صاره هم من ف�صيلته و�صنفه ،لذلك لن ي�ستمر متعاي�ش ًا مع العامليين و�شيخهم نا�صيف الن�صار... ولما حانت الفر�صة للجزار و�أيقن �أنه �أقنع الباب العالي ب�أهمية عمل ع�سكري �ضد جبل عامل ،فو�صله بعد حين فرمان من الآ�ستانة ي�أمره بال�سير على جبل عامل لت�أديبه(((. أعداد كثيفة متظاهر ًا �أنه يريد اجتياز وفي �سنة 1781تحرك جي�ش الجزار من عكا ب� ٍ ((( جبل عامل تاريخ...م�.س�.ص.284 ((( جبل عامل في التاريخ ـ م�.س�.ص.261 ((( م.ن�.ص.264 32 �������������������������������������������� جبل عامل لجهة وادي التّيم ف�أدرك ال�شيخ نا�صيف ق�صده ف�أ�سرع ب�شرذمة من خيل ِه التزيد عن �سبعماية فار�س كانت ترابط معه ب�شكل دائم في قلعة تبنين ..وكان ال�شيخ نا�صيف بط ًال مقدام ًا تع ّود خو�ض المعارك وممار�سة الحروب يهز�أ بالمنايا وال يبالي بالموت .فحملته الجر�أة على منازلة ذلك الجي�ش اللجب بخيله القليلة ...وز ّلت قدم جواده على بالطة يارون وعاجله بع�ض الجنود ب�إطالق الر�صا�ص فخر �شهيد ًا وت�شتت جنوده ..ثم اكت�سح جنود الجزار البالد و�أحرقت القرى ود ّمرت المنازل و�شحنت الكتب والمخطوطات النادرة حيث �أحرقت في عكا ..و�أ�سرف رجاله في ال�شعب ذبح ًا وتقتي ًال وقب�ض على فريق من العلماء والوجهاء ف�أماتهم خنق ًا في �سجون عكا و�ش ّرد من بقي منهم �إلى البالد المجاورة ،وهاجر العلماء و�أهل الف�ضل للبالد الإ�سالمية النائية كالهند و�إيران والعراق والأفغان وخدموا الإ�سالم((( .وتمكن الجزارمن الإ�ستيالء على قلعة ال�شقيف بالخديعة والمكر بعد �إعطاء الأمان ثم غدر بهم ،وت�سلمت قواته الع�سكرية طول البالد العاملية وعر�ضها وعاملوا النا�س بالق�سوة ،وقد ع ّبر ال�سلطان عن ارتياحه ور�ضاه لعملية الجزار في جبل عامل و�أر�سل له الهدايا((( .يقول العالمة ال�سبيتي في العقد المن�ضد..« :وكان بط�ش الجزار �شديداً بعد حملة بونابرت على �أهالي جبل عامل وبالد �صفد وو ّلى رجال على المذهب اليزيدي ا�سمه ال�شيخ طه الكردي و�أعوانه من الن�سطوريين فراح ي�ست�صفي �أموال النا�س وي�أخذهم بالعذاب وي�ضرب بالجنازير ويحمي الط�شوات للرجال وي�ستعمل لهم المكاوي وي�سلط عليهم الكالب في الحبو�س فينه�شونهم ،والن�ساء ي�ضع في �سراويلهن ال�سنانير(القطط) وي�ضغطها حتى تع�ض �أفخاذهن و�سوقهن .وا�شتد البالء على النا�س ا�شتداداً عظيماً وطال الأمر حتى هلك العالِم وخربت القرى وا�ست�صفيت الأموال و ُنهب جميع ما في عاملة من كتب و�أثاث وعقار .و�أعظم بالء كان بالء ال�شيخ علي خاتون الذي حب�س ((( تاريخ جبل عامل ـ م�.س�.ص 137ـ .138 ((( جبل عامل في التاريخ ـ م�.س�.ص.265 33 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة مرتين ثم �أُعدم ...وهكذا كان �أمره فى البالد كلها و�أعظم ماوقع منه البالء على بالد عاملة ،ماعليه �أهلها من التمذهب بمذهب ال�شيعة الإمامية ..فبنى ما هدّم من �أ�سوار عكا بعد حملة بونابرت برجال عاملة .وكان ي�أخذ الرجل منهم بال�ضرب حتى يموت وهو في ال�شغل وربما دفعوا الرجل بالتون وهدموا عليه الأ�سا�س((( .ولم ينفرج الو�ضع �إال بعد هالك الجزار �سنة 1804م وتركت تلك ال ّنكبة ب�صمة �سوداء قاتمة �أرخت بظاللها على جبل عامل ولم يتعافى الو�ضع بعد هذه النكبات �إال بعد مرور ال�صامد». ال�صبر ّ �أكثر من ثالثة عقود من الزمن على �سكان هذا الجبل العاملي ّ ((( العالمة ال�شيخ علي ال�سبيتي ـ �آثاره ـ المجل�س الثقافي للبنان الجنوبي ـ �ص 374ـ 375ـ دار الأقالم ـ بيروت .2010 34 ������������������������������������������������ العوامل التي أ ّدت الى سقوط جبل عامل بيد الجزار األستاذ علي الزين ((( الأخوة في جمعية الإمام ال�صادق لإحياء التراث العلمائي الأخوة الأفا�ضل الباحثون والعلماء المحترمون الح�ضور الكريم ،ال�سالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته، بداي ًة �أ�شكر �سماحة ال�شيخ ح�سن بغدادي �أعزه اهلل على هذه الدعوة ،وعلى كل مبادراته وبرامجه الن�شيطة والممنهجة باتجاه �إحياء تراث وذاكرة جبل عامل الغنية بالأحداث والدرو�س والعبر. و�أحب لفت النظر بداي ًة� ،أن التنقيب في حفريات التراث والذاكرة الجماعية التاريخية لي�س عم ًال ثقافي ًا و�أدبي ًا بحت ًا ،بقدر ما هو تحليل �سيا�سي لتف�سير بع�ض الوقائع الراهنة ،و�صناعة ا�ست�شرافية للم�ستقبل ،لأنّ الدار�س للوقائع التاريخية ي�شعر بقو ٍة �أنه يعاي�ش �شريط الأحداث الحا�ضرة والراهنة ،وي�ست�شرف �أثناء تنقيبه في �سيرة رجالها، والقوى والدول الم�شاركة في معاركها و�أحداثها ،عنا�صر تحليلية جدية لتف�سير الحا�ضر ((( رئي�س �إتحاد بلديات جبل عامل. 35 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وقراءة الم�ستقبل ،فالتاريخ يعيد نف�سه ،وهذه لي�ست عبارة �أدبية مجازية ،بقدر ما قد تك�شف عن قانون علمي مطرد ،يمكن ب�شروط معينة القيا�س عليه ال�ستخال�ص نتائج حقيقية وواقعية .ولي�س حنين بع�ض الزعماء الأتراك اليوم �إلى دولة ال�سالجقة و�أيام ال�سلطنة العثمانية عم ًال رومن�سي ًا خيالي ًا ،بقدر ما هو تعبير عن �سلوك �سلطوي �أ�صيل، وما �إ�ستعادة �سيرة ال�سلطان �سليم ومحمد الفاتح في الأفالم والم�سل�سالت التركية من ورغبات تركية دفينة وباطنية نزعات قبيل ال�صناعة ال�سينمائية ،بقدر ما هو تعبير عن ٍ ٍ تعك�س ال�شخ�صية التركية الطامحة �إلى زعامة المنطقة (هذا الر�أي والإ�ستنتاج يوافق عليه الدكتور محمد نور الدين المتخ�ص�ص بال�ش�ؤون التركية) وهذا يعني �إ�ستعادة الدول لإنتاج طموحاتها ال�سيا�سية في �سلوكيات زعمائها ورموزها ،الذي قد يمثل ذروة عقلها الجمعي القومي ،وهكذا ال يبقى من اختالف �سوى بالأ�سماء والألقاب بين «�سلجوق» و«�أردوغان». �سنتحدث �أو ًال في المنهج الذي �سلكناه لبحث مو�ضوعنا «العوامل التي �أدت �إلى �سقوط جبل عامل بيد الجزار (1776م 1804 -م)». لقراءة الوقائع التاريخية �أكثر من طريقة ومنهج ،فهناك من يقر�أ الوقائع والجزئيات التاريخية كما هي على نحو ال�سـرد والتف�صيل ،ربط ًا بال�سنوات والقرون والعهود ،وهذا منهج الم�ؤرخين القدامى ،و�أغلب المعا�صرين. وهناك من يحاول ا�ستك�شاف العالقات ال�سببية التي تربط الوقائع ب�أ�صول حاكمة لي�ستنتج منها معادالت �سيا�سية وثقافية واجتماعية توجه �سير هذه الوقائع وت�ضفي عليها المعانى ،وتعطيها القيمة الفعلية ،خ�صو�ص ًا �أنّ هناك فراغات ونواق�ص وتناق�ضات في �سرد الوقائع ،قد ال ي�سدها وال يردمها �إال �إعمال العقل في ربط الوقائع ب�شبكة الم�صالح والقوى التي �أنتجتها ،وهذا هو منهج علماء الإجتماع ،وي�أتي على ر�أ�س ه�ؤالء العالمة �إبن خلدون مبتكر وم� ّؤ�س�س علم العمران �أو علم الإجتماع بلغتنا المعا�صرة. ونحن� ،سلكنا طريقة المنهج الو�صفي التحليلي ،وهو منهج توفيقي يجمع بين 36 ������������������������������������������������ ح�سنات العملية ال�سردية التاريخية رغم تفكيكه للجزئيات والوقائع ،وهو م�سلك ومنهج الم�ؤرخين ،وح�سنات الربط والبناء المنظومي للجزئيات والوقائع ،وهو منهج علماء الإجتماع� ،سعي ًا لتحقيق فائدة م�ضاعفة في تف�سير بع�ض �أو�ضاعنا الراهنة ،خ�صو�ص ًا �أنّ الإتجاه ال�سائد لدى �أو�ساط الباحثين وعلماء الإجتماع اليوم ،هو �أنه مهما كانت الوقائع والمعطيات �صحيحة وموثوقة بحد ذاتها ،لكنها تفقد قيمتها الفكرية وال�سيا�سية �إذا ما ف�صلت عن المعاني والمباني والتف�سيرات التي يتم �إنتزاعها و�إلبا�سها و�إ�ضفائها عليها من قبل قارئ الوقائع والباحث نف�سه ،وهنا يمتزج الذاتي بالمو�ضوعي في عملية �إنتاج خال�صات مفيدة للراهن ،وا�ست�شرافية للم�ستقبل. �أما في الم�صادر ،ف�إ�ضافة �إلى الم�صادر التراثية التي وثقت تاريخ جبل عامل ،من محمد جابر �آل �صفا وال�شيخ علي الزين وغيرهما ،حاولت �إغناء البحث عبر بع�ض المعطيات الجديدة المحفوظة بالأر�شيف الفرن�سي ،وبع�ض الدرا�سات الفل�سطينية، والدرا�سات التاريخية اللبنانية غير ال�شيعية. وبالعودة �إلى وقائع البحث ،وبما �أننا حددنا مو�ضوعنا بـ «العوامل التي �أدت �إلى �سقوط جبل عامل بيد الجزار» ف�سنكتفي بحدود الم�ساحة التاريخية والجغرافية المت�صلة بمو�ضوعنا ب�صورة مبا�شرة� ،أو الوقائع التاريخية الخارجة عن حدود جغرافيا جبل عامل، لكنها تركت ت�أثيرها عليه ب�صورة غير مبا�شرة .ومن هنا �سن�ضيف لبحثنا العامل الإقليمي (الدور الم�صري مع �أ�سرة علي با�شا) والدولي (كالحملة الفرن�سية على المنطقة العربية). وتاريخي ًا تمتد فترة بحثنا لقرن كامل هو القرن الثامن ع�شر ب�أكمله �أي منذ �سقوط الإمارة المعنية ،وتولي الإمارة ال�شهابية لحكم جبيل لبنان عام 1697م ولغاية هالك �أحمد با�شا الجزار عام .1804 وبناء عليه ،تنق�سم العوامل الم�ؤثرة في �سقوط جبل عامل بيد الجزار �إلى ثالثة عوامل :محلية ،و�إقليمية ،ودولية. 37 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة في وقائع العامل المحلي العاملي: �أو ًال� :سمي جبل عامل �آنذاك ببالد ب�شارة ،ن�سبة �إلى الزعيم العاملي ح�سام الدين ب�شارة على �أرجح الأقوال ،كما درج �إ�سم بالد «المتاولة» ن�سبة �إلى تولي �أهل المنطقة وانت�سابهم لأهل البيت � ،Rأو على قول البع�ض لإطالق �أهل جبل عامل �أنف�سهم جملة «مت ولياً لعلي» واتخاذها ن�شيد ًا و�شعار ًا وراي ًة �سيا�سية و�إعالمية� ،أو لإطالق الدول الأيوبية والمملوكية �إ�سم المتاولة على ال�شيعة من مفردة «الت�أويل» على بع�ض الأقوال. ثانياً :ينق�سم جبل عامل �إداري ًا �إلى ثمان نواح (جبل هونين ومركزه بنت جبيل، جبل تبنين ومركزه تبنين� ،ساحل قانا ومركزه قانا� ،ساحل بلدة معركة ومركزها مدينة �صور ،ناحية ال�شقيف ومركزها النبطية ،وناحية ال�شومر ومركزها �أن�صار، وناحية التفاح ومركزها جبع ،وناحية جزين ومركزها جزين) وكانت تتبع �إما لإمارة جبل لبنان ،بترخي�ص من الدولة العثمانية� ،أو كان يتبع ل�سنجق �أو �إيالة (والية) القد�س �أو عكا �أو دم�شق ،تبع ًا الختالف الت�شكيالت والترتيبات العثمانية. ثالثاً� :إقطاعي ًا و�سيا�سي ًا و�إجتماعي ًا كانت ت�سيطر عدة عائالت و�أ�سر على جبل عامل ،وكانت تتقا�سم م�ساحات من الأرا�ضي ،وت�ستثمرها في الزراعة ،وتلتزم بتقديم �ضرائبها للدولة العثمانية ،مع تمتعها بنوع من الإ�ستقالل الذاتي ،ومن �أبرز هذه الأ�سر� :آل �صعب ،و�آل ال�صغير ،و�آل منكر. في عام 1697م �سقطت الإمارة المعنية ،وح ّلت الإمارة ال�شهابية ،فقام الأمير ب�شير �أول حاكم لجبل لبنان بعد �سقوط الإمارة المعنية بالعمل على �إخ�ضاع جبل عامل ل�سلطته ونفوذه المبا�شر ،فتوافق مع �إر�سالن با�شا والي �صيدا العثماني لمهاجمة جبل عامل ،وج ّهز جي�ش ًا من � 8آالف مقاتل ،هاجم فيه معاقل م�شرف بن علي ال�صغير �أحد م�شايخ جبل عامل ،تحت ذريعة خروجه عن والية الدولة العثمانية ،ورف�ضه دفع «�ضرائب الميري» وقتل بع�ض �أعوان �آل ال�صغير ،ون�شبت معركة قرب مزرعة م�شرف (القرية ال تزال موجودة الآن) قتل فيها عدد كبير من �أن�صاره ،و�ألقي القب�ض على م�شرف وتم 38 ������������������������������������������������ �سوقه �إلى الوالي وو�ضع في ال�سجن. بعدها �أطلقت يد الأمير ب�شير في جبل عامل ،وبقي يهيمن عليه حتى وفاته. في عام 1706م �إ�ستلم الأمير حيدر ال�شهابي الحكم بعده ،فهاله �إطالق �سراح م�شرف �آل ال�صغير من قبل الوالي العثماني �إر�سالن با�شا وذهب �إلى خلفه ب�شير با�شا والتم�س لديه حكم جبل عامل مقابل مبلغ من المال ،ف�أجازه على ذلك ،وكان �أول عمل قام به الأمير حيدر ال�شهابي �أي�ض ًا هو محاولة �إخ�ضاع جبل عامل ،فزحف على النبطية التي تجمع فيها �أن�صار �آل ال�صغير وحلفائهم من �آل منكر حكام �إقليم ال�شومر والتفاح ((( و�آل �صعب حكام �إقليم ال�شقيف بجي�ش من � 12ألف مقاتل على تقدير بع�ض الم�ؤرخين ودارت معركة �إنت�صر فيها الأمير حيدر ال�شهابي ودانت له المنطقة لعدة عقود. في عام 1732م تولى حكم الإمارة ال�شهابية الأمير ملحم ،ولم يكن الحال مع الأمير ملحم ب�أح�سن منه مع غيره ،وكان �أول طلب رفعه �إلى �سليمان با�شا الوالي العثماني على �صيدا ب�سط نفوذه على جبل عامل ،فنزل الوالي عند طلبه ،فجهز جي�ش ًا لمحاربة �آل ال�صغير حكام المنطقة ،وهزمهم في معركة دارت رحاها عند يارون ،وف ّر �آل ال�صغير �إلى القنيطرة (ال�شام). ويذكر (دي الن) القن�صل الفرن�سي في �صيدا هذه الواقعة بوثيقة م�ؤرخة في � 20آب من عام 1734م �أر�سلها �إلى الكونت «موريبا�س» وزير الدولة الفرن�سية ،قائ ًال «�إن ال�صدر الأعظم حانق ب�سبب رف�ض م�شايخ المتاولة دفع ال�ضرائب وبع�ض الأموال المترتبة عليهم له ولحكامه ،وقد كلف �سليمان با�شا والي �صيدا و�أمير الدروز (يق�صد الأمير ملحم ال�شهابي) مهمة ح�صار قالعهم وت�صفيتهم جميعاً ،وهكذا دخل الأمير عند تلقيه هذا الأمر بالد المتاولة ،بجي�ش مقادره خم�سة ع�شر �ألف مقاتل ،حيث ن�شر النار والدماء في كل مكان حل فيه». ((( يو�سف �إبراهيم يزبك� ،أوراق لبنانية� ،1956 ،ص .277 39 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة في عام 1743م خرج �آل منكر و�آل �صعب مجدد ًا على الوالي العثماني �سعد الدين با�شا ،والي �صيدا ،ف�أر�سل الوالي الأمير ملحم لت�أديبهم ،فدارت معركة في خراج بلدة �أن�صار �إنتهت بتراجع العامليين ولجوئهم الى بلدة �أن�صار ،ف�أقدم الأمير ملحم على �إقتحامها و�إحراقها ،ثم عاد �إلى دير القمر ،بعد �أن قتل في المعارك �آالف الرجال، و�أ�سر �أربعة من م�شايخ جبل عامل. وفي عام 1950م ح�صلت معركة في جزين بين بع�ض العامليين و�أتباع ب�شير جنبالط حليف ال�شهابيين ،حيث جهز ه�ؤالء جي�ش ًا لمقاتلة العامليين في قرية جباع ،وقتل في المعركة مئات الأ�شخا�ص. ومن عام 1754م لغاية العام 1763م تولى الإمارة ال�شهابية حاكمين على نحو ال�شراكة في الحكم هما من�صور و�أحمد ال�شهابي ،دون �أن تحدث �أي مواجهات مع م�شايخ جبل عامل ،و�ساد بع�ض الهدوء ،وتولى من عام 1763م لغاية عام 1770م الأمير من�صور منفرد ًا حكم الإمارة ال�شهابية. و�سبب هذا الهدوء يعود �إلى ان�شغال ال�شهابيين ب�صراعاتهم الداخلية ،وبالأحداث الإقليمية ،ولي�س رغب ًة بالإ�ستقالل ال�سيا�سي لجبل عامل. العامل الإقليمي: في عام 1706م خرج ب�أر�ض فل�سطين (عكا و�صفد خا�صة) زعيم طامح هو ال�شيخ ظاهر بن عمر بن �أبي زيدان الملقب بـ «ظاهر العمر» فعمل على توطيد �أركان حكمه، فا�ستلم من ب�شير با�شا والي �صيدا حكم عكا و�صفد ،وتطلع بداية �إلى جبل عامل ،فحاول ب�أكثر من منا�سبة التحر�ش بالعامليين. في عام 1750م دارت معركة في بلدة تربيخا بين جي�ش ظاهر العمر و�أن�صار �شيخ م�شايخ جبل عامل نا�صيف الن�صار ،هزم فيها ظاهر العمر ،وا�ستمرت التحر�شات 40 ������������������������������������������������ والمناو�شات عقد ًا وب�ضع �سنوات. في عام 1767م و ّقع ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار �إتفاق ًا وتحالف ًا تاله ق�سم يمين على ال�سيف والم�صحف «�إن يكونا و�شعبهما مت�ضامنين مت�صافيين ما دامت الأر�ض وال�سماء». ولم يكن هذا التحالف بمعزل عن ت�أثير الالعبين والفاعلين المحليين كال�شهابيين وحلفائهم الجنبالطيين ،فقد لعبوا دور ًا في الو�ساطة بين نا�صيف الن�صار وظاهر العمر لأجل ا�ستتباب الأمن والإ�ستقرار في المنطقة ،رغبة في ا�ستمرار الم�صالح الإقت�صادية والمالية ،و�إلى هذا ي�شير القن�صل الفرن�سي �آنذاك «كـليـرمبولت» في وثيقته م�ؤرخة في 23 ني�سان من عام 1767م �أر�سلها �إلى وزير الدولة الفرن�سي الدوق «برا�سالن» قائ ًال «ال�شيخ نا�صيف الن�صار هو اليوم �شيخ م�شايخ المتاولة الذين يقيمون من �صيدا حتى �أر�ض عكا ،وهو يحمي ال�شيخ عثمان ظاهر العمر � -إبن ظاهر العمر الذي لج�أ �إلى ال�شيخ نا�صيف الن�صار هرباً من �أبيه -وبما � ّأن الحرب في هذه البالد تهد�أ ثم تتجدد كل ثالثة �أ�شهر ،ف�إنها تنتهي بخراب �أحوال الفالحين ،وب�إعطاء المبرر لم�شايخهم لت�أجيل دفع ال�ضرائب والأموال للوالي العثماني ،وقد و�صل �إلى �صيدا الأمير �إ�سماعيل �أمير وادي التيم ،وثالثة من الم�شايخ الدروز هم ال�شيخ علي جنبالط وال�شيخ عبد ال�سالم العماد وال�شيخ كليب النكدي ،وه�ؤالء يعا�ضدون ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،فعملوا على �إحالل الوفاق بينه وبين ال�شيخ ظاهر العمر» .هذا الوفاق ّتم برعاية وموافقة الأمير من�صور ال�شهابي ،الذي كان ميا ًال للهدوء والإ�ستقرار والمهادنة مع العامليين خالل فترة حكمه، وهو كان «لين العريكة وال يخلو من الجبن» كما ت�صفه الروايات التاريخية.. وما �أن ّتم الوفاق بين ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار ،حتى انقلب �إلى تحالف �سيا�سي ،بمواجهة العثمانيين وال�شهابيين ،خا�صة بعد وفاة الأمير من�صور ال�شهابي الذي خلفه �إبن �أخيه الأمير يو�سف ال�شهابي. �إ�ستفاد ظاهر العمر من عوامل وظروف محلية و�إقليمية تمثلت بتوثب علي با�شا الكبير 41 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة حاكم م�صر للتمدد في الأقاليم العربية خا�صة المحاذية لدولته الم�صرية ،والخروج عن �سيطرة وهيمنة ال�سلطنة العثمانية ،وعاونه في هذا الطموح قائده الع�سكري محمد بك �أبو الذهب. وكان لدى العامليين بطبيعة الحال ميل وتوق قوي للخروج من الهيمنة العثمانية وال�شهابية مع ًا ،فعملوا على �إقامة تحالف �سيا�سي وع�سكري لإخراج العثمانيين وحلفائهم من المنطقة. هذا التحالف تحدث عنه «دراغون» النائب التجاري الفرن�سي ب�صيدا في �إحدى الوثائق ب�أنه تحالف «كونفدرالي» بين م�صر وال�شيخ ظاهر العمر والمتاولة -ح�سب الوثيقة � -ضد ال�سلطان العثماني ،وذلك في ر�سالة بعث بها �إلى الدوق «ديويغويون» وزير الدولة الفرن�سية بتاريخ � 2أيار من عام 1771م. في عام 1771م �إنتفـ�ضت المناطق العاملية مجدد ًا �ضد الوالي دروي�ش با�شا ،ورف�ضت دفع الميري ،وطردت عمال الوالي من جبل عامل ،فجهز الأمير يو�سف جي�ش ًا لقتال العامليين ،قدر بع�شرين �ألف ًا ،و�أر�سل �إلى خاله �إ�سماعيل حاكم بالد التيم لمالقاته ،واقترب من جباع ،لكن العامليين من �آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل النمر لم ي�ستطيعوا ح�شد قوة ع�سكرية كافية لمواجهة هذا الجي�ش الجرار ،فقرروا الإن�سحاب التكتيكي من المعركة ،وات�صلوا بحليفهم ظاهر العمر لم�ساندتهم ،خا�صة �أنهم �ساندوه عن قريب � -أي في نف�س العام 1771م -في معركة بحيرة الحولة �ضد قوات عثمان با�شا والي دم�شق عام1771م التي �إنتهت ب�سحق جي�ش الوالي العثماني وانت�صارظاهرالعمروحلفائهالعامليين. �إت�صل ظاهر العمر �أو ًال بالأمير �إ�سماعيل �أمير وادي التيم ،طالب ًا و�ساطته وتدخله لوقف القتال ،فطلب الأمير �إ�سماعيل من �إبن �أخته الأمير يو�سف التوقف عن القتال بانتظار قدومه ،لكن الأخير لم يلبي طلبه ،وا�ستمر بالزحف ،م�ستغ ًال �إن�سحاب العامليين خارج المنطقة ،فدخل بلدة جباع وعرب�صاليم والنبطية وقرى �أقليم التفاح وعاث فيها ف�ساد ًا وحرق ًا وتدمير ًا. 42 ������������������������������������������������ عندها تج ّمع الآالف من �أن�صار ظاهر العمر و�آالف العامليين وهجموا على جي�ش الأمير يو�سف على تخوم النبطية ،ف�أوقعوا في جي�شه مجزرة كبيرة ،قدر عدد القتلى فيها من جي�ش الأمير يو�سف �ألف وخم�سمائة مقاتل ،و�ساعد في ت�ضع�ضع جي�ش الأمير يو�سف خروج الأمير علي جنبالط من المعركة ،حيث كان ميا ًال لرغبة الأمير �إ�سماعيل ب�ضرورة ال�صلح وقبول الو�ساطة .ولم ينقذ الأمير يو�سف من الإبادة �إال و�صول الأمير �إ�سماعيل بجي�شه ،فف ّر الأمير يو�سف �إلى �إمارتهّ ، وتوغلت قوات ظاهر العمر ،فدخلت �صيدا ،وطردت الوالي العثماني منها ،وعين ظاهر العمر عليها والي ًا من طرفه هو �أحمد �أغا الدنكزلي ،وغادر �إلى فل�سطين ،و�سيطر ال�شيخ ظاهر العمر وحلفا�ؤه من العامليين على والية �صيدا ،وو�صل نفوذهم �إلى جبل لبنان. بداية توثب الجزار على جبل عامل: بعد هزيمة العثمانيين في واليات �صيدا وعكا ،وانح�سار نفوذهم في دم�شق� ،إهتز عر�ش ال�سلطنة العثمانية ،ف�أر�سلت �إلى والي دم�شق عثمان با�شا بتجهيز جي�ش ،بم�ساندة خليل با�شا والي القد�س ،الذي ا�صطحب معه في الحملة �أحمد با�شا الجزار ،وو�ضعوا خطة ع�سكرية بالتن�سيق مع الأمير يو�سف ال�شهابي ،وتجمع لدى الطرفين �أكثر من ع�شرين �ألف مقاتل� ،ضربوا ح�صار ًا حول �صيدا لمدة �أ�سبوع ،وكاد �أحمد �أغا الدنكزلي المعين من ال�شيخ ظاهر العمر ي�ست�سلم ،لوال �أن �أنجده ال�شيخ ظاهر ب�سفن «م�سكوبية» تحمل مدافع حربية -ح�سب و�صف الروايات -فقامت بدك الجي�ش المهاجم ل�صيدا بالمدفعية ،ما ا�ضطر الجي�ش للتراجع وفك الح�صار عن المدينة. في عام 1772م حاول ال�شيخ ظاهر العمر وقف القتال فات�صل بالأمير يو�سف طالب ًا منه الإن�سحاب �إلى ما بعد ج�سر الأولي �شمالي �صيدا ،لكنه �أبى ذلك ،فهجم عندها ظاهر العمر وحلفائه من العامليين ،و�سانده جي�ش من المقاتليين الم�صريين �أر�سلهم علي با�شا حاكم م�صر �آنذاك ،فالتقى الجي�شان في موقعة الغازية جنوب �شرق �صيدا، 43 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وانتهت المعركة بهزيمة جي�ش الأمير يو�سف وحليفه والي القد�س خليل با�شا ،وطاردوهم حتى و�صلوا �إلى حدود جغرافيا الإمارة ال�شهابية .وف ّر خليل با�شا �إلى دم�شق بعد �أن خ�سر خم�ساية رجل ،وخ�سر ظاهر العمر �ألف رجل ،لكنه ا�ستمر بالزحف ،وو�صل �إلى مدينة بيروت ،فحا�صرها بال�سفن الم�سكوبية ،ود ّمر بع�ض �أبراج المدينة ،ودخل �أن�صاره �إلى بيروت ،ف�صالحه �أهلها ،ودفعوا له الأموال ،وقفل جي�شه عائد ًا �إلى عكا. حتى عام 1774م �إ�ستمر التحالف بين ظاهر العمر والعامليين ،لكن الخالف ن�شب بين محمد بك �أبو الذهب الذي ح ّل مكان علي با�شا حاكم م�صر الذي توفي �آنذاك، وبين ظاهر العمر حليف العامليين ،و�ساعد هذا المتغير على تعديل خارطة القوى في المنطقة .وقد ج ّهز �أبو الذهب جي�ش ًا من �ستين �ألف رجل وهاجم �صفد وعكا في محاولة لل�سيطرة على فل�سطين ،وجبل عامل ،و�سواحل لبنان ،فان�سحب ال�شيخ ظاهر العمر من المعركة ،ودخل �أبو الذهب �إلى عكا و�صفد وقرى جبل عامل واحتل مدن �صور و�صيدا، لكنه توفي بعد فترة وجيزة ،فعاد ال�شيخ ظاهر العمر �إلى عكا. في عام 1776م �أغتيل ظاهر العمر على يد �أحد رجال �أحمد �أغا الدنكزلي والي �صيدا المعين من قبل العمر نف�سه .وقد يكون لل�سلطنة العثمانية دور ًا في الإغتيال عن طريق �شراء ذمة �أحد رجال ظاهر العمر ،فا�ستغلوا هذا الإغتيال ل�صالحهم ،وقام �أحمد با�شا الجزار بالتنكيل ب�أن�صار العمر و�أوالده في فل�سطين ،و�سيطروا على والية عكا و�صفد. وبمقتل ظاهر العمر �إنتهى الحلف ال�سيا�سي والع�سكري الذي كان بينه وبين العامليين ،وا�ستعد ال�شيخ نا�صيف الن�صار والعامليون للمعركة المحتمة مع �أحمد با�شا الجزار ،وجهزوا �أنف�سهم للقتال. عام 1781م �إلتقى الجزار وال�شيخ نا�صيف الن�صار عند موقعة يارون ،لكن المعركة لم تدوم طوي ًال ب�سبب اختالل موازين القوى بين الطريفن ،و�سقوط ال�شيخ نا�صيف الن�صار �صريع ًا من على فر�سه على بالطة يارون ،التي ما تزال قائمة �إلى اليوم ،وقتل معه المئات من رجاله. 44 ������������������������������������������������ وبمقتل نا�صيف الن�صار �إ�ستتب الأمر للجزار ،فدخل جبل عامل و�أحرق المكتبات، و�أ�سر الم�شايخ والعلماء ،وقتل المئات من الرجال والن�ساء ،وا�ستمر بحكمه ما يقارب الخم�سة وع�شرين عام ًا. العامل الدولي: في عام 1773م قتل علي بك الكبير حاكم م�صر ،وقيل �أنّ مقتله حدث بفعل �إنقالب دبره قائده الع�سكري محمد بك �أبو «الذهب». في عام 1774م وقعت رو�سيا وتركيا معاهدة �صلح عرفت با�سم معاهدة «كوت�شك قينارجيه» .وكانت رو�سيا قد بد�أت �أي�ض ًا ب�إر�سال بوارجها و�سفنها �إلى المتو�سط، وبد�أت بن�سج العالقات مع بع�ض القوى اللبنانية ،والعربية. وفي هذه الفترة كانت فرن�سا تر�صد الأو�ضاع في م�صر وبالد ال�شام ،وتدر�س موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية لل�سيطرة على هذه المنطقة الحيوية ،وقطع الطريق على بريطانيا ورو�سيا وتركيا. وبد�أت فرن�سا �إبتداء ًا من الثمانينات بتوجيه �سفنها نحو المتو�سط ،وب�إعداد العدة للحملة على م�صر وفل�سطين وال�شام ،وهذا العامل لعب دور ًا في ح�سابات الأتراك ،وفي ح�سابات �أحمد با�شا الجزار خا�صة ،حيث �أعطيت الأولوية على ما عداها من الح�سابات المحلية. �أحمد با�شا الجزار في تقرير �سريع: هو �أحمد با�شا البو�شناقي الملقب بـ«الجزار» ،من �أ�سرة م�سيحية ،تعود �أ�صولها �إلى بالد البو�سنة والهر�سك ،وتذكر الروايات �أن لأحمد با�شا �سوابق جرمية في فترة �شبابه، حيث كان مطلوب ًا لل�سلطات البو�سنية �أنذاك بتهمة الإعتداء على زوجة �أخيه ،فهرب من قب�ضة ال�سلطات ،والتج�أ �إلى تاجر رقيق يهودي ،باعه للوالة العثمانيين� ،أما لقب «الجزار» فحازه من قبل بدو الحجاز في �شبه الجزيرة العربية ،الذين قمعهم ب�شدة 45 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة تقرب ًا من ال�سلطان علي با�شا الكبير حاكم م�صر �أنذاك ،حيث كان يعمل بين يديه، ويقال �أنه �أح�ضر معه من المعركة عدد ًا من رو�ؤ�س زعماء البدو. والجزار من القادة الع�سكريين الذين �أم�ضوا خم�سين عام ًا في المعارك ،وعرف عنه القمع الوح�شي لكل معار�ضي ال�سلطنة العثمانية ،في حين رفعته ال�سلطنة العثمانية �إلى رتبة وزير نظير خدماته لها ،خا�صة بعد ا�ستب�ساله في الدفاع عن عكا بوجه حملة نابليون بونابرت ،ولهذا �أعطيت له والية عكا و�صفد والجليل �أو ًال ،ومن ثم �ضمت �إليه الحق ًا والية �صيدا ووالية دم�شق ،ما يعني حكمه لأهم واليات بالد ال�شام ،خا�صة بعد مقتل الزعيم ظاهر العمر عام 1776م وتنكيله ب�أوالده و�أن�صاره في فل�سطين. ويعد الجزار من ال�شخ�صيات التي تركت ب�صماتها الإجرامية المريرة في تاريخ جبل عامل وبالد ال�شام بالنظر �إلى وح�شية جرائمه التي فاقت كل جرائم الوالة العثمانيين، يكتف بالتنكيل بخ�صوم الدولة العثمانية ،بل انقلب على الأمير يو�سف ال�شهابي فهو لم ِ حليفه الوثيق ،لأهداف �سلطانية ومالية ،عندما �سلمه الأمير يو�سف والية مدينة بيروت لحمايتها وبناء �أ�سوارها ،وقد امتدت فترة حكمه لما يقرب من خم�سة وع�شرين عام ًا (1776م 1804 -م) وهي فترة طويلة ومديدة قيا�س ًا على فترات حكم الوالة العثمانيين. تزامن تو ّلي الجزار لحكم ال�شام وجبل عامل مع ثالثة �أو�ضاع م�ستجدة: 1ـ حدوث موجة وباء وجفاف �أ�صابت المنطقة ،وا�ستمرت عدة �سنوات (1780م1787 -م) قتل فيها ع�شرات الآلآف ح�سب ما ت�شير الوثائق الفرن�سية. 2ـ �سل�سلة من الفتن الداخلية التي �أ�صابت جبل لبنان ،بفعل �صراعات �إقطاعية وطائفية بين الأمير ب�شير الثاني حاكم الجبل وخ�صومه في الواليات والإقطاعيات المناوئة له. 3ـ الحملة الفرن�سية على فل�سطين نهاية القرن الثامن ع�شر على تخوم عام 1795م، ما �أدى �إلى ا�ضطراب الأو�ضاع ال�سيا�سية والثقافية والإقت�صادية في مدن فل�سطين �إبتداء ًا من واليات عكا و�صفد و� ً صوال �إلى والية غزة. 46 ������������������������������������������������ تداعيات حكم الجزار لجبل عامل: �أدت الهزيمة الع�سكرية وال�سيا�سية التي ُمني بها ثوار و�أهل جبل عامل على يد الجزار بعد مقتل �شيخ م�شايخهم نا�صيف الن�صار في بلدة يارون عام 1781م �إلى نكبة �سيا�سية وثقافية وعلمية نجمت عن �إحراق مكتبات جبل عامل في �أفران عكا ،التي بقيت ت�شتعل نيرانها لأ�سبوع على ما يقول بع�ض الرواة والم�ؤرخين ،و�سببت تدهور ًا في الإنتاج العلمي والفكري. لكن ثوار جبل عامل لم يهد�أوا بعد مقتل نا�صيف الن�صار ،فنظموا خاليا ثورية قتالية �إنتحارية بقيادة فار�س الن�صار ،كانت تهاجم المراكز العثمانية ،وعمال الإدارة العثمانية ،وكانت ت�سمى بـ «الطياح» ،ولكن الجزار قمعها بوح�شية و�شدة ،فهد�أت الجبهة ريثما هلك الجزار عام 1804م .وهكذا بقيت ال�شعلة والراية العاملية تعتمل وتثور رغم الجراح وااللآم الكثيرة. تدهور الحياة الثقافية والفكرية في جبل عامل خالل حكم الجزار: ي�شير �إلى هذا الدكتور �أ�سامة �أبو نحل رئي�س ق�سم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإن�سانية في جامعة الأزهر في غزة بفل�سطين ،في بحثه تحت عنوان «الحياة الثقافية في فل�سطين ولبنان في عهد �أحمد با�شا الجزار» وهو �صاحب �أطروحة دكتوراة بعنوان «�أحمد با�شا الجزار� ،إدارته وعالقاته ال�سيا�سية والإقت�صادية بالقوى الإقليمية والدولية» .ويقول الدكتور �أبو نحل «في منطقة جبل عامل بالجنوب اللبناني كانت ال�سيادة لل�شيعة -المتاولة -الم�سلمين الم�ضطهدين من جانب والة الدولة العثمانية ،ورغم هذا الإ�ضطهاد ف� ّإن منطقة جبل عامل �أخرجت عدداً وافراً من �أهل العلم والف�ضل وذوي الثقافة العالية ال يتنا�سب مع �ضيق رقعتها وقلة �ساكنيها». وي�ضيف الدكتور �أبو نحل «ويبدو � ّأن الحياة العلمية والفكرية في جبل عامل واجهت العديد من ال�صعوبات في عهد الجزار ،خا�صة ال�سيا�سية منها ،ب�سبب حروب الجزار 47 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة في تلك المنطقة ،منذ �سنة 1781م ميالدية ،التي �أدت �إلى هزيمة مدوية للمتاولة الذين تزعمهم نا�صيف الن�صار ،بعد مقتله في معركة يارون ،وما تر ّتب على ذلك من فقدان المتاولة ال�ستقاللهم ال�سيا�سي طيلة فترة حكم الجزار ،بعدما تم ّكنت قواته من الإ�ستيالء على عدد كبير من القالع الح�صينة مثل هونين وتبنين� ،إ�ضافة �إلى مدينة �صور ال�ساحلية .فانت�شرت الفو�ضى ون�شبت الثورة �ضد حكم الجزار في غير مكان ،ف�أغلقت المدار�س و�أقفلت معاهد العلم ،وانقطعت �سل�سلة التدري�س بعد �أن احتلت منزلة رفيعة ومرموقة و�أحرزت �شهرة وا�سعة ،و�صلت �إلى موطن ال�شيعة في الهند و�إيران ورو�سيا ،وغيرها من البلدان التي تواجدوا فيها». وتاريخ جبل عامل ،هو بال�ضرورة ت�أريخ العائالت الدينية ،التي �أنجبت وخرجت العلماء ،وبنت المدرا�س العلمية ،ومن نماذج نكبة الجزار على �إحدى المدار�س العاملية، وربط ًا �إحدى العائالت الدينية ،نكبة �آل الأمين الكرام ،فقد خرب الجزار مدر�سة �شقراء الدينية العلمية ،التي كانت ت�ضم 400طالب وتلميذ ،والتي �أ�س�سها العالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى بن حيدر الح�سيني العاملي في القرن الثاني ع�شر هجري .وت�سلمها من بعده نجله ال�سيد محمد الأمين الملقب بالأول ،وكان ي�ستلم من�صب �إفتاء «بالد ب�شارة» من الوالي العثماني �أنذاك ،لكن فترة حكم الجزار ق�ضت على هذه النه�ضة الثقافية والعلمية .فقد قتل الكثير من العلماء والطالب ،وخربت المدر�سة والمكتبة ،وتعطلت درو�سها ،ما ا�ضطر ال�سيد محمد الأمين �إلى ترك �شقراء والتوجه نحو بعلبك ،بعد �أن هجم الجي�ش العثماني على داره ،وعقروا جماله ،وقتلوا �أحد رجاله في الم�سجد ،ومن ثم تو�سط البع�ض لدى الجزار ال�ستعادة ال�سيد محمد الأمين ،ف�أح�ضره �إلى مركز �إقامته، ّ وطلب �إليه تهدئة الأمراء في المناطق العاملية مقابل �إعطائهم الأمان ،وا�ستبقى ولده ال�سيد علي الأمين رهينة عنده ،ثم حب�سه في �سجن عكا ،و�سجنه الحق ًا ل�سنتين في �سجن دم�شق. ومن ثم ا�ستلم ال�سيد علي الأمين مدر�سة �شقراء ومن�صب الإفتاء بعد موت الجزار 48 ������������������������������������������������ عام 1804م ،ف�أعاد �إليها ازدهارها ومكانتها ،لكن الوالة العثمانين �إ�ستمروا بعد الجزار على �سيرته و�س ّنته الإجرامية ،فجاء عبد اهلل با�شا والي ًا على عكا وجبل عامل ،وكان يقيم المناظرات العلمية ،حتى �إذا ما �شعر ب�ضعف حجج علمائه وم�شايخه �أمام العلماء د�س لهم ال�سم ،وهذا ما ح�صل مع ال�سيد علي الأمين و�ستة من �أ�صحابه عام العامليين ّ 1834م .وح�صل نف�س الأمر مع ال�سيد محمد الأمين الملقب بالثاني ،فا�ستلم من�صب الإفتاء و�إدارة الحوزة العلمية ،وخالط العلماء والأمراء ،فما كان من الوالي العثماني �إال �أن نفاه �إلى طرابل�س ثالثة �سنوات ،لأنه اتهم بالتوا�صل مع جهة عربية يقودها الزعيم العربي عبد القادر الجزائري في دم�شق وبال�سعي لإقامة حكومة عربية مناه�ضة للدولة العثمانية ،وقد �شارك ال�سيد محمد الأمين الثاني في م�ؤتمر �س ّري عقد للنظر في ا�ستقالل �سوريا عام 1878م .وجاء من بعده ال�سيد محمد ح�سن مهدي الأمين ،الذي كان يتنقل بين �شقراء وحاري�ص وحوال وم�شغرة ،ومن بعده جاء المرجع المجدد ال�سيد مح�سن الأمين العاملي� ،صاحب الم�شاريع الإ�صالحية وم�ؤ�س�س حوزة دم�شق. �إذ ًا ،هذه نماذج عن الظروف والأحداث التي تركت تداعياتها على الحراك ال�سيا�سي والثقافي في جبل عامل ،والتي ا�ستمرت من �آواخر القرن الثامن ع�شر و� ً صوال �إلى مطلع القرن الع�شرين ،لحظة �سقوط الخالفة العثمانية ،وبد�أ الإنتداب الفرن�سي على لبنان. وقد �أدت هذه العوامل مجتمعة �إلى هجرة ع�شرات العلماء والف�ضالء من جبل عامل �إلى العراق و�إيران والهند هرب ًا من الظلم والقتل والإبادة .وت�أثرت المدار�س الدينية في جبل عامل ،فانكم�شت الحركة الأدبية ،وما بقي منها �إ�صطبغ بالطابع ال�سيا�سي لذاك الع�صر. فالباحث يجد جدلية وديناميكية بين الو�ضع ال�سيا�سي والإنتاج الثقافي ،فالإ�ضطراب وال�صراع ال�سيا�سي �سواء المحلي �أو الإقليمي والدولي لل�سيطرة على جبل عامل، والحمالت العثمانية ،والحق ًا الم�صرية مع محمد علي با�شا ،و�أخير ًا الفرن�سية �أنتجت م�شاريع �أدبية وفقهية وثقافية مت�شابهة مع لون وجن�س الحالة ال�سيا�سية �أنذاك ،ولهذا 49 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة يمكن للمراقب �أن يجد ت�أثير ًا الأمر لهذا في اللون الأدبي الذي اتخذته دواوين وق�صائد ال�شعر ال�صادرة ما بين �سقوط نا�صيف الن�صار وما بعده ،فذهبت نحو الطابعين ال�سيا�سي المقاوم والثوري ،والفخر الذي يتغنى بالأمجاد ويثير كل عنا�صر الهوية العاملية .ومن نماذج هذه الجدلية الثقافية ال�سيا�سية� ،صوت ال�شيخ �إبراهيم بن يحيى العاملي الذي �سكن دم�شق ،و�ألقى ق�صائد تناولت الكوارث التي نزلت بجبل عامل زمن الجزار ،جاء في مطلعها: م�����ن ل�����ي ب�������ر ّد م����وا�����س����م ال����ل����ذات وال���ع���ي�������ش ب���ي���ن ف���ت���ـ���ـ���ى وف���ت���ـ���ـ���ـ���اة ورج���������وع �أي���������ام م�������ض���ي���ن ب���ع���ام ٍ���ل ب��ي��ن ال���ج���ب���ال ال�����ش��م وال��ه�����ض��ب��ات وقال في ق�صيدة �أخرى: دي�����ار ���ش��ف��ى ق��ل��ب��ي ع��ل��ي��ل ن�سيمها وم��ا ك��ان هجري ع��ام ً �لا ع��ن قلي لها وط���اب���ت ل��دي��ه��ا غ���دوت���ي و�أ���ص��ائ��ل��ي ول���ك���ن ن��ب��ت ب���ي ف���ي رب�����اه م��ن��ازل��ي وقال م�ؤرخ ًا لمقتل �إبن الن�صار: ق����ت����ل اب�������ن ن���������ص����ار ف����ي����ا هلل م��ن م���ول���ى ���ش��ه��ي��د ب����ال����دم����ا ِء م�����ض��رج وت���داول���ت���ن���ا ب���ع���ده �أي��������ادي ال���ع���دى م����ن ف����اج����ر �أو غ�������ادر �أو �أه������وج ه���ي دول�����ة ع���م ال���ب�ل�اد ال��ظ��ل��م في ت�����اري�����خ�����ه�����ا اهلل خ�����ي�����ر م����ف����رج وكتب ال�شيخ �سليمان ال�ضاهر ق�صيدة قال فيها: �آال ت�����رب�����ت م������ن ال�������ج�������زار ك��ف ب����ه����ا ل���ل���ف���خ���ر ك������م ظ����ه����ر �أج������ب وك���م غ��ر���س��ت ب���أر���ض ال�����ش��ام غر�س ًا �أل�����������د ج������ن������اة خ������ط������ان وخ����ط����ب وك�������م دك�������ت ب���ع���ام���ل���ة ح�������ص���ون��� ًا ل��ه��ا الأ������س�����وار ب��ي�����ض ظ��ب��ي وغ��ل��ب كذلك تعمقت درا�سات الفقه ال�سيا�سي وطبعت �أي�ض ًا بلون المرحلة ،ف�أخذت بعد ًا محلي ًا هدفه الحفاظ على وجود الكيان ال�شيعي الذي تعر�ض للإ�صابة والتهديد بالإبادة 50 ������������������������������������������������ في ال�صميم ،ولي�س لنزعة مذهبية لدى �أهل جبل عامل ،بدليل �أنّ العلماء والوجهاء ال�شيعة كانوا يدفعون دائم ًا ثمن ًا لتم�سكهم بالوحدة الإٍ�سالمية �أو ًال ،وبالوحدة العربية ثاني ًا ،وبالوحدة الم�شرقية ثالث ًا ،والقا�سم الم�شترك للتم�سك بمجموع هذه الهويات هو تم�سكهم بهذه الأر�ض الطبيعة الأهلية والإجتماعية والوطنية لأهل جبل عامل ،لناحية ّ وانتمائهم لثقافة وقيم �أهل المنطقة والأقليم ،وعدم �إيمانهم ب�أي كيان ذاتي �إنف�صالي، خالف ًا للكثير من للجماعات الدينية وال�سيا�سية اللبنانية. وت�شير النظرة الفاح�صة للواقع الثقافي والتعليمي بعد محنة الجزار �إلى �سعي المرجعيات الدينية والعلماء ال�ستعادة ت�أ�سي�س المدار�س الدينية العاملية .فكانت مدر�سة وحوزة الكوثرية العالية ،وي�شهد هنا للعالمة ال�شيخ ح�سن قا�سم قبي�سي العاملي الذي عاد من النجف عام 1798م بالدور الكبير في �إعادة النه�ضة العلمية لجبل عامل بطلب من مرجعيات النجف الأ�شرف �أنذاك ،ومنهم �آل الطبطبائي و�آل كا�شف الغطاء، وفي هذا يقول الم�ؤرخ محمد جابر �آل �صفا في كتابه تاريخ جبل عامل (�ص�« )241أ�س�س في الكوثرية العالمة ال�شيخ ح�سن قبي�سي ب�إيعاز من علماء ال�شيعة و�أ�ساطينها في النجف� ،أول مدر�سة في العهد الثاني من حياة جبل عامل العلمية ،تدر�س فيها العلوم العربية والدينية و�آداب اللغة ،وكان النا�س في ظم�أ الرت�شاف مناهل العلم بعد تلك ال�صدمة التي دهمت البالد ،فتهافت عليها الطالب من كل حدب و�صوب ،وحفلت بالم�شتغلين والمدر�سين ،وكان في عداد تالمذته فريق �صالح �أ�صبحوا بعدها من كبار المجتهدين ومراجع الفتاوى في جبل بني عاملة ،وما جاورها من البلدان». ولعل بناء وازدهار هذه المدر�سة يعود ل�سبب يت�صل بقرب موت وهالك الطاغية الجزار عام 1804م ،ولعدالة الحاكم العثماني �سليمان با�شا �أنذاك ،الذي �آثر �إعادة الإ�ستقرار �إلى جبل عامل ،ف�أوفد ر� ً سوال من طرفه ،و�أوعز �إلى الأمير ب�شير ال�شهابي بالتو�سط للم�ساعدة في ن�شر الإ�ستقرار ،ول ّبى طلب بناء المدر�سة الكوثرية على ما يقول الم�ؤرخ �آل �صفا .وي�ؤيد هذه الرواية كاتب «�أعيان ال�شيعة» العالمة ال�سيد مح�سن الأمين 51 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة العاملي ،وال�شيخ علي الزين �صاحب كتاب «ف�صول من تاريخ ال�شعية من لبنان». وكانت المدر�سة م�ؤلفة من 2900متر مربع ،وفيها ع�شرة �صفوف درا�سية ،وع�شرة غرف للنوم ،وعلية خا�صة بالم� ّؤ�س�س ال�شيخ ح�سن قبي�سي .وكانت تم ّول من ريع بيع الحرير الذي ين�سجه دود القز ،حيث كان تحت يد ال�شيخ ح�سن مرج لزراعة التوت، وبقيت عامرة حتى �سنة 1967م. وقد تخ ّرج الكثير من العلماء من هذه المدر�سة ،نذكر منهم العالمة ال�شريف ال�سيد �إبراهيم بن �أحمد �آل �إبراهيم الح�سيني ،الذي �أ�سند �إليه من�صب الإفتاء على المذهب الجعفري ،وكان م ّمن تو ّلى التدري�س �أي�ض ًا في هذه المرحلة ،والعالمة الأكبر ال�شيخ عبد اهلل بن علي نعمة الجبعي الحبو�شي ،م�ؤ�س�سة مدر�سة جباع ،والعالمة ال�شيخ محمد علي عز الدين م�ؤ�س�سة مدر�سة حناويه ال�شهيرة ،التي زارها عدد من الرحالة الألمان والفرن�سيين ،وو�صفوها ب�أنها مدر�سة علمية عالية ،والعالمة اللغوي الأديب ال�شاعر ال�شيخ علي بن محمد ال�سبيتي ،وال�شاعر البليغ ال�شيخ علي بن نا�صر بن زيدان ،وال�شيخ �إبراهيم �صادق ،وحمد البك بن محمود الن�صار الوائلي الذي �أ�صبح بعدها زعيم جبل عامل و�شيخ م�شايخ بالد ب�شارة ،كما كانت تطلق عليه هذا الإ�سم المرا�سالت الحكومية العثمانية. وبعد وفاة العالمة ال�شيخ ح�سن قبي�سي تابع �صهره العالمة ال�سيد علي �آل �إبراهيم ال�سير على خطاه ،ولكنه لم يع ّمر طوي ًال ،وتوفي عام 1840م ،وانتقلت بعدها الحوزة العلمية على يد العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة الجبعي الحبو�شي� ،صاحب مدر�سة جباع ال�شهيرة. وفي عام 1880م � ّأ�س�س العالمة ال�شيخ مو�سى �شرارة مدر�سة دينية علمية في بنت جبيل بعد عودته من النجف الأ�شرف في العراق. وتخ ّرج من هذه المدر�سة ع�شرات العلماء من �أبناء بنت جبيل� ،أبرزهم علماء �آل ف�ضل اهلل الكرام ،الذين �أ�س�س بع�ضهم حوزات دينية بارزة في بلدة عيناثا الجنوبية ومنهم ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل العاملي ،الذي در�س على يد ال�شيخ مو�سى �شرارة ،وهاجر �إلى 52 ������������������������������������������������ النجف الأ�شرف للدرا�سة ،وعاد منها �سنة 1895م ليجدد مدر�سة عيناثا الدينية القديمة، وهذه المدر�سة خ ّرجت ع�شرات العلماء والأدباء وال�شعراء ،من �آل ف�ضل اهلل وبزي و�شرارة وجعفر والأمين ،وعلى ر�أ�سهم ال�سيد مح�سن الأمين العاملي المرجع الديني. وفي عام 1890م وبعد رجوعه من العراق �أ�س�س العالمة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي في النبطية المدر�سة الحميدية تيمن ًا بال�سلطان العثماني عبد الحميد ،ولأنها كانت تعفي طالبها من التجنيد الإجباري ،و�أ�صبحت ت�سمى بعد �سقوط ال�سلطنة العثمانية بالمدر�سة الدينية العاملية ،وقد خرجت ع�شرات العلماء والأدباء ،من �أبرزهم �أحمد عارف الزين. ومع نهاية القرن التا�سع ع�شر ،وبداية القرن الع�شرين ،وبروز عالمات �إنحالل وارتخاء قب�ضة ال�سلطنة العثمانية عن جبل عامل نتيجة �ضعفها و�شيخوختها وان�شغالها بالحروب، وتع ّر�ضها للهزائم ،توثب عدد من المثقفين والعلماء العامليين النا�شطين للإت�صال بال�شخ�صيات والجهات العربية الطامحة للإ�ستقالل عن الدولة العثمانية ،ف�ض ًال عن الدور الفاعل للإنفتاح والتفاعل الثقافي بين المنتديات العاملية والمجاميع الثقافية العربية ،وم�ساهمة بع�ض ال�صحف الم�سيحية التي كانت في �أوج عطائها وازدهارها، خا�صة بعد انت�شار المطابع ودور الن�شر اللبنانية� ،أ�سهمت جميعها في �إ�شاعة نه�ضة ثقافية و�سيا�سية عاملية الفتة وم�ؤثرة ،فبد�أت تظهر �شخ�صيات علمية عاملية مرموقة، نذكر منها ال�شيخ �سليمان الظاهر ،الذي انتخب ع�ضو ًا في المجمع العلمي الثقافي في دم�شق ،وال�شيخ �أحمد عارف الزين �صاحب مجلة «العرفان» الأدبية ال�شهيرة. وبعد �سقوط الدولة العثمانية ،دخل جبل عامل مرحلة ثقافية وعلمية جديدة ،تمثلت بانت�شار ع�شرات المدار�س والإر�ساليات الفرن�سية والأوروبية والأميركية في مدن وقرى جبل لبنان و�صيدا و� ً صوال �إلى جبل عامل ،وخا�صة النبطية وجزين ومرجعيون ،وكان هذا العامل الم�ستجد حافز ًا لعلماء الدين العامليين للتم�سك بت�أ�سي�س وتفعيل المدار�س الدينية لمواجهة الغزو الثقافي الغربي �أنذاك .وهكذا �أ�س�س العالمة ال�سيد عبد 53 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الح�سين �شرف الدين الكلية الجعفرية في مدينة �صور �إثر عودته من النجف الأ�شرف عام 1938م .وال يمكن �إغفال دور العالمة �شرف الدين في الإنفتاح على الأزهر ال�شريف والمرا�سالت العلمية التي د ّونت في كتاب المراجعات الذي �ساهم في ت�أ�سي�س مداميك التقارب المذهبي ال�سني -ال�شيعي. وبرز في هذه الفترة العالمة الكبير ال�شيخ محمد جواد مغنية ،الذي �أغنى المكتبة العاملية بتراثه الثقافي والأدبي ال�ضخم ،والعالمة ال�سيد ها�شم معروف الح�سني �صاحب الم�ؤلفات الكثيرة. وفي عام 1960م برز دور الإمام المغيب ال�سيد مو�سى ال�صدر ،الذي له الف�ضل والدور الكبر في �إحداث �إحدى �أكبر النه�ضات الثقافية وال�سيا�سية العاملية التي ال تزال بارزة �إلى اليوم. وفي عام 1970م برز العالمة المجتهد �آية اهلل ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل ،ودوره في بناء الم�ؤ�سات التربوية الإ�سالمية ،و�إحداث نه�ضة ثقافية وعلمية كبرى ،و�أي�ض ًا برز دور المفكر ال�شيخ محمد مهدي �شم�س الدين ،نائب رئي�س المجل�س الإ�سالمي ال�شيعي الأعلى .رحم اهلل علماءنا جميع ًا. 54 ������������������������������������������������ خالصة: لو حذفنا بع�ض �أ�سماء وتواريخ الوقائع والحوادث التي �سردناها ،وو�ضعنا مكانها �أ�سماء وتواريخ وحوادث جديدة ،مع اختالف ال�صورة الإخراجية طبع ًا ،لما ا�شتبه الأمر كثير ًا على القارئ ،على نحو الق�صد الإجمالي ولي�س الق�صد التف�صيلي -كما يقال في علم الأ�صول – لأنّ الم�شاريع وال�سيا�سات هي نف�سها ،و�صراعات وطموحات القوى المحلية والإقليمية والدولية هي نف�سها ،تختلف فقط الأ�سماء والأدوات. فما الفارق بين �أحمد با�شا الجزار �أنذاك وبين �أحمد داوود �أوغلو اليوم �سوى �أنّ تركيا اليوم حاولت �أو ًال ا�ستعمال قوتها الناعمة التي اكت�سبتها من �إت�صالها بالح�ضارة الغربية ،ولما ف�شلت ،عادت �سريع ًا �إلى جوهرها الأ�صلي ،ولج�أت �إلى قوتها الخ�شنة وال�صلبة في �سيا�سات الإنقالبات والتحالفات الظرفية ،والإغتياالت ،ودعم وتجنيد المرتزقة من دول المغرب العربي ،وبالمنا�سبة كان الجزار يج ّند �أنذاك المرتزقة من دول المغرب العربي ،واليوم تج ّند تركيا المرتزقة من دول المغرب العربي ،ويا لل�صدفة، ولي�س في طبائع الدول وال�شعوب �صدفة ،وكل هذه الأ�ساليب الإحتيالية الملتوية في �سبيل ال�سيطرة ال�سيا�سية والإقت�صادية على بالد ال�شام وم�صر والم�شرق العربي ،تحت �شعارات �سيا�سية دينية �إ�سالمية ،ال تعرف من الإ�سالم �إال �إ�سمه ور�سمه ،تك�شف عن خ�صائ�ص ثابته في العقلية والنف�سية التركية ،لي�س على نحو الإتهام العن�صري ال �سمح اهلل ،بل على نحو الك�شف الواقعي لخا�صية طبعية تتجلى في ال�سيا�سات التركية اليوم. ولو نظرنا �إلى �أنماط عمل بع�ض القوى اللبنانية ،وقار ّنا بينها وبين �سلوكيات وت�صرفات حكام الإمارات المعنية وال�شهابية للهيمنة على جبل عامل �سيا�سي ًا ،لما وجدنا فارق ًا جوهري ًا �سوى اختالف الأ�سماء والألقاب. وعلى المحور الفل�سطيني ،تنطبق المقارنة والمقاي�سة على ت�صرفات ظاهر العمر لناحية تذبذب ت�صرفاته وطموحاته وتحالفاته ،و�سوء تقديره للمواقف الع�سكرية وال�سيا�سية ،وبين ت�صرفات بع�ض القوى الفل�سطينية اليوم. وهذا ينطبق على فرن�سا ،ور�صدها الدبلوما�سي والمخابراتي للمنطقة عبر قنا�صلها 55 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة و�سفرائها ،وبحثها عن اللحظة المنا�سبة للإنق�ضا�ض الع�سكري وال�سيا�سي على �أخ�صامها، وهي التي كانت تمثل القوة الدولية العظمى �أنذاك ،و�سعيها لن�سج �شبكة عالقات �سيا�سية مع مختلف القوى المحلية والإقليمية لتمرير م�شاريعها وم�صالحها ال�سيا�سية والإقت�صادية. ويبقى جبل عامل ،جبل العلماء ،وجبل الثوار ،جبل الرجال الأفذاذ ،وجبل المدار�س والحوزات الدينية ،ورغم �ضيق م�ساحته الجغرافية ،لم ُتفت من ع�ضده ال مجازر �أحمد با�شا الجزار بالأم�س ،وال المجازر ال�صهيونية اليوم .كل ذلك بف�ضل همة �أبنائه ورجاالته وطموحهم التي ال تعرف الحدود ،ما جعل م�ساحته الثقافية والعلمية وال�سيا�سية تفوق ع�شرات المرات م�ساحته الجغرافية ،هذا الجبل الذي ترك ب�صماته لي�س في بالد ال�شام فح�سب ،بل في بالد العرب ،وو�صل ت�أثير علمائه �إلى بالد العجم ،و�إنجازات علماء جبل عامل �شاهدة على ذلك ،من ال�شهيدين الأول والثاني والعالمة الكركي وغيرهم من العلماء. موحد بالإ�ستفادة من �أف�ضل يبقى �أنّ هذا التراث بحاجة �إلى حفظه في �أر�شيف ّ التقنيات الحديثة ،وو�ضعه في متناول الجميع ،خا�صة في ع�صر ال�شبكات المعلوماتية والإعالمية ،ليكون �شاهد ًا على دور جبل عامل في نه�ضة العرب والم�سلمين ،وليكون ثروة وحافز ًا لأبناء هذا الجبل ،والعالم �أجمع ،ليتعرفوا على الخدمات الكبرى التي �أ�سداها علما�ؤهم للعرب والم�سلمين ،ف�ض ًال عن الخدمات التي �أ�سداها مجاهدوهم �أبناء المقاومة الإ�سالمية للبنان والعرب والعالم الإ�سالمي ،والم�ساهمات العلمية والتقنية للنوابغ العامليين في المهاجر والمغتربات� ،أمثال ح�سن كامل ال�صباح ،ورمال رمال ،وغيرهم ،ولن نن�سى دور رجال الأعمال والتجار العامليين المنت�شرين في معظم مدن العالم ،ودورهم التفاعلي الداعم مادي ًا ومعنوي ًا لنه�ضة جبل عامل ولبنان ،ونه�ضة الأماكن التي حلوا فيها بطبيعة الحال. وهكذا يقترن تاريخ هذا الجبل دائم ًا ب�أعلى درجات ال�شهادة والجهاد والعلم في خط �سيــر قافلة الوجود المت�شرفة بحمل الراية والخالفة الربانية. و�آخر دعوانا �أن الحمد هلل رب العالمين 56 ����������������������������������������������������������� جبل عامل في العهد العثماني مرحلة أحمد باشا الجزار نموذج ًا د.محمد نورالدين ((( تجمعني بجبل عامل في عهد الجزار عنا�صر كثيرة منها �أن هذه العالقة في تلك الحقبة كانت �أحد ف�صول �أطروحتى للدكتوراه في العام 1982حول االدارة العثمانية في بالد ال�شام في الن�صف الثاني من القرن الثامن ع�شر .ومن ذلك �أي�ضا� ،أنّ الحديث عن جبل عامل في ظ ّل الجزار في نهاية القرن الثامن ع�شر ي�ستدرج ،كوني متخ�ص�ص ًا في ال�ش�أن التركي الحديث ،الكالم عن جبل عامل في مطلع القرن الواحد والع�شرين حيث الخطر ال يزال هو نف�سه ومن المكان نف�سه،حيث ي�ستمر التحالف اال�سرائيلي مع الباب العالي الجديد في ا�سطنبول ،لم تخفف منه «�إ�سالمية» زائفة و�شعارات فارغة لحزب العدالة والتنمية الذي و�ضع ن�صب عينيه ا�ستعادة الهيمنة العثمانية -ال�سلجوقية المذهبية على المنطقة ولم ينظر الى حدود تركيا مع محيطها �سوى �أنها «حدود �أطل�سية» .ومن تلك العنا�صر �أنني ،كواحد من �أبناء جبل عامل ،يثق ثقة مطلقة� ،أنّ ((( �أ�ستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية. 57 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ذلك الخيط من ال�شهادة الممتد من نا�صيف الن�صار في مواجهة الباب العالي و�صوال �إلى مرحلة مقاومة العدو اال�سرائيلي وتحرير الأر�ض� ،سيبقى ال�شعلة التي ال تنطفىء والقب�ضة التي تحمي تراب جبل عامل ونا�سه. هنا ن�ص ا�ستذكاري لما بات معروف ًا لدى الجميع من تفا�صيل وخطوط �أ�سا�سية لعالقة جبل عامل بالحكم العثماني وال �سيما في حقبة والي عكا و�صيدا �أحمد با�شا الجزار .و�إذا كانت معظم المعلومات عن تلك الفترة قد جاءتنا من كتابات �أبناء جبل عامل ومن التقارير القن�صلية والمرا�سالت الديبلوما�سية الفرن�سية التي ن�شرها ال�سفير ال�سابق المرحوم عادل ا�سماعيل ومن م�ؤرخين معا�صرين لها في جبل لبنان ،ف�إنّ الدعوة �أكثر من �ضرورية للعمل على �أر�شيف الفترة العثمانية و�أر�شيفات دول �أخرى وللك�شف ع ّما يمكن �أن يكون ال يزال محفوظ ًا لدى البع�ض من وثائق عن تلك الحقبة. لم تت�أ�س�س الدولة العثمانية في العام 1299م على �أ�سا�س مذهبي حاد .رغم �أن قبيلة �آل عثمان كانوا محاطين بمجموعات يغلب عليها الطابع ال�صوفي وات�سم �سلوكهم بالمرونة والت�سامح في بدايات الدولة وكان ت�أثير الطريقة البكا�شية بزعامة (حاجي ولي بكتا�ش) الأبرز في هذا الخ�صو�ص .غير �أنّ بروز الدولة ال�صفوية في نهاية القرن الخام�س ع�شر ،وبدء مرحلة من ال�شكوك ب�أنّ ال�صفويين يريدون �ضرب العثمانيين، ودخول ال�شك لدى ه�ؤالء ب�أنّ القبائل التركمانية ذات االنتماء العلوي في الأنا�ضول ت�ساعد ال�صفويين ،كان محطة التحول الحا�سمة لتنتقل الدولة العثمانية من دولة مرنة ديني ًا ومذهبي ًا �إلى دولة �شديدة التع�صب لتفتح بذلك مرحلة ،امتدت حتى �سقوطها ،من العداء للمذهب ال�شيعي وكل المذاهب غير الحنفية ومنها المذهب الوهابي. تزامن ال�صراع العثماني -ال�صفوي وال �سيما في موقعة ت�شالديران الحا�سمة ل�صالح ال�سلطان �سليم الأول في العام 1514م مع بدء ا�ستعداد ال�سلطان �سليم الأول لغزو بالد ال�شام و�شمال �أفريقيا الواقعتين في ق�سمهما الغالب تحت ال�سيطرة المملوكية. 58 ����������������������������������������������������������� وبعد ال�سيطرة العثمانية على المنطقتين و�إنهاء دولة المماليك ،لم يغير العثمانيون من �سلوكهم اتجاه المجموعات الدينية والمذهبية المخالفة لهم لذلك كانت العالقة بين الدولة العثمانية وال�شيعة ،مث ًال ـ ا�ستمرار ًا للعداء العثماني ـ ال�صفوي رغم �أنّ ه�ؤالء اتفقوا على عدم االعتداء في العام 1639م في معاهدة ق�صر �شيرين. لذلك نجد �أن ال�صبغة العامة للعالقة بين الدولة العثمانية وال�شيعة في الدولة العثمانية وفي لبنان تحديد ًا وفي جبل عامل على وجه الأخ�ص كانت محكومة بالقمع والتنكيل والتهجير وقتل العلماء والزعماء ال�سيا�سيين. ومن �أ�شهر هذه الحاالت مقتل العالم ال�شيعي زين الدين بن نورالدين علي بن �أحمد العاملي الجبعي المعروف بال�شهيد الثاني في العام 965هجرية بعد اعتقاله من الم�سجد الحرام في مكة المكرمة ،حيث ّتم قتله في ا�سطنبول. ومع �أنّ ال�سيد مح�سن الأمين وال�شيخ محمد جواد مغنية يردان العداء العثماني لل�شيعة المح�صلة في النهاية �أن ال�شيعة كانوا مق�صد ًا دائما �إلى �أ�سباب �سيا�سية ال مذهبية لكن ّ لتنكيل الوالة والق�ضاة العثمانيين. جبل عامل في حقبة الجزار لم يكن لجبل عامل خ�صو�صية كيانية محددة منذ �أن دخله العثمانيون عام 1516م، وا�ستمر في ما ي�شبه الحكم الذاتي ي�ؤدي ال�ضريبة للدولة العثمانية من دون هيمنة عليه للمعنيين في جبل لبنان �إال نادرا� .أما ال�شهابيون فقد كثفوا حمالتهم على جبل عامل لح�ساب والة دم�شق و�صيدا مذ جا�ؤوا �إلى ال�سلطة في جبل لبنان عام 1697م وتمكنوا من احتالله في بع�ض الفترات �إلى �أن جاءت مرحلة الزعيم ال�شيخ نا�صيف الن�صار والتي بد�أت في مطلع الأربعينيات من القرن الثامن ع�شر والتي تمثلت بانت�صار ال�شيخ ن�صار على الأمير ملحم ال�شهابي عام 1744م ثم في معركتي جباع ومرجعيون عام 1749م .وهذه الفترة هي نف�سها فترة ظهور زعامة ظاهر العمر الزيداني في �شمال 59 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة فل�سطين وفي �صفد تحديد ًا على الحدود الجنوبية لبالد ب�شارة .فكان ان�سجام �سيا�سي بين الطرفين في معاداة الدولة العثمانية ومحاولة العي�ش في ا�ستقاللية معينة .وو�صل الأمر الى عقد معاهدة تحالف بين ظاهر العمر ونا�صيف الن�صار في العام 1767م. وا�ست�أنف ال�شيعة في جبل عامل مع ظاهر العمر تحالفهم بت�أييد حملة قائد م�صر علي بك الكبير بزعامة محمد بك �أبي الذهب �إلى بالد ال�شام ومحاربتهما معه �ضد القوات العثمانية عامي 1770م 1771-م متمثلة بعثمان با�شا والي دم�شق وابنه دروي�ش با�شا والي �صيدا ومعهما الأمير يو�سف ال�شهابي وانتهت المعارك �إلى دخول �أبي الذهب دم�شق محاط ًا بقوات ال�شيعة العامليين وظاهر العمر. لكن مقتل ظاهر العمر في العام 1775م كان محطة تحول في عالقة جبل عامل بالدولة� .إذ بعد مقتل العمر ع ّينت الدولة �أحمد با�شا الجزار والي ًا على �صيدا لتبد�أ مرحلة مروعة من التاريخ العاملي. كان نا�صيف الن�صار ،من �آل ال�صغير ،الأعلى رتبة في جبل عامل لذا ُلقب ب�شيخ الم�شايخ ومقره تبنين. وفور تعيينه اتخذ الجزار عكا بد ًال من �صيدا مقر ًا له نظرا لمناعتها وتح�ضير ًا لمغامرات كان يفكر بها .و�أول ما ا�ستذكره الجزار كان تحالف العامليين مع ظاهر العمر فقرر �أن ُيخ�ضع المتاولة مهما كان الثمن .لكن ان�شغاله بالتعامل �أو ًال مع التمرد الدرزي � ّأجل التنفيذ �إلى مرحلة الحقة لم تطل كثير ًا �إذ قرر الجزار في العام 1781م غزو جبل عامل بناء على �أوامر من ال�سلطان العثماني عبدالحميد الأول مبا�شرة وذلك للأ�سباب التالية: -1ت�أديبهم على دعم ظاهر العمر. -2معاقبتهم على غاراتهم المتكررة على جنود الدولة. -3تم ّنعهم عن دفع ال�ضرائب. -4التخل�ص من ب�ؤر انف�صالية خ�صو�صا بعدما ق�ضت الدولة على «دولة» ظاهر العمر. 60 ����������������������������������������������������������� -5الإ�ستفادة من ثروات جبل عامل. وعلى هذا ق ّرر الجزار �إر�سال قائده الع�سكري �سليم با�شا على ر�أ�س � 3آالف مقاتل ليق�ضوا على حكم نا�صيف الن�صار الذي على ما يبدو فوجىء بالهجوم العثماني فقرر تح�ضير �ألف فار�س على عجل .والتقى الفريقان في يارون في � 23أيلول 1781م حيث نجحت قوات الجزار في ك�سر �شوكة المقاومة البا�سلة لنا�صيف الن�صار وقد قتل الن�صار والعديد من الم�شايخ وحوالي 300فار�س ًا في المعركة وا�ستولى في �إثرها الجزار على معظم ح�صون جبل عامل مثل هونين وتبنين و�صور ومي�س وجباع و�شمع ف�ضال عن �صور .ولم ت�سقط قلعة ال�شقيف ب�سبب �صمود ال�شيخ حيدر الفار�س فيها وانتهت �إلى اتفاق ب�ضمان �أرواح الفار�س ومن معه وتمكينهم في البالد ليعيدوا ت�أهيلها وزرعها لكي ي�ستفيد منها والي �صيدا لي�س �إال. وال �شك �أنّ معركة يارون كانت �ضربة قا�سية جدا للعامليين وكيانهم حيث ف ّر معظم زعمائهم وعلماء الدين �إلى �أربع رياح الأر�ض مثل العراق والهند و�إيران و�أفغان�ستان وحلب والأنا�ضول ،كما �إلى مناطق لبنانية مثل عكار وبعلبك. و�أظهر ال�سلطان العثماني �سرور ًا كبير ًا بنجاح حملة الجزار فكاف�أه بهدية من �سيف وخلعة. وا�ست�أنف الجزار حملته على المتاولة بعدما اكت�شف في �أيار 1782م�ؤامرة من �شيخ مدينة �صور للإنق�ضا�ض على الدولة بالتعاون مع الفرن�سيين ف�أعمل الجزار قت ًال وتهجير ًا بمن تب ّقى من متاولة في جبل عامل. ولم ي�ستكن العامليون بعد هزيمة الن�صار فقادهم �إبنه ال�شيخ فار�س نا�صيف الن�صار في فرق عرفت با�سم (الط ّياح) �أو (الطواح) تعتر�ض قوافل جنود الجزار والدولة م�ستفيدين �أحيان ًا من الخالف بين الجزار و�أمراء جبل الدروز ،ونجحوا �أحيانا في هزيمة قوات الجزار ومنها طرد حامية الجزار من قلعة تبنين في حزيران ،1784 �إلى �أن توفي الجزار في العام .1804 61 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وهنا يمكن التوقف عند الحملة الفرن�سية بقيادة نابليون بونابرت على م�صر ،ومن ثم بالد ال�شام حيث وقفت عكا بقيادة الجزار عائق ًا �أمام نجاح الحملة وبالتالي تراجعها عن �أ�سوار عكا حيث عاد بونابرت �إلى م�صر ومنها غادر م�سرع ًا عائد ًا �إلى فرن�سا .لكن الملفت �أثناء ح�صار بونابرت لعكا �أنّ الأقليات الدينية الم�سيحية رحبت به �أي�ضا .كان المرحبين به للتخل�ص من ظلم الجزار .يقول ال�شيخ علي ال�سبيتي في العامليون من بين ّ «جبل عامل في قرنين» �أنّ زعماء جبل عامل ح�ضروا �إلى عكا الذين �أعادهم بونابرت الى حكم بالدهم ويقول �سبيتي �أنّ زعماء عاملة حملوا الى بونابرت «الحطب والدجاج والبي�ض و�سائر الأمتعة للإفرنج» .كما يذكر (�إدوار لو كروا) م�ؤرخ الجزار(عام 1888م) �أنّ �أحد قادة بونابرت «زحف الى �صور ببع�ض الجيو�ش وببع�ض �سكان بالد ب�شارة الذين ع ّب�أهم». الن�صار ،ف�إنّ وفي عودة �إلى هجرة العامليين بعد موقعة يارون وم�صرع نا�صيف ّ الجزار قب�ض على من لم ي�ستطع الفرار من العلماء والر�ؤ�ساء ،وقتل جماعة ،منهم العالم ال�سيد هبة الدين المو�سى ،وال�سيد محمد �آل �شكر ،وال�شيخ محمد الع�سيلي. ومنهم ال�شيخ علي خاتون الفقيه الطبيب ،وقد جاء في �سيرته �أنه «كان عالماً فا�ض ً ال فقيهاً جلي ً ال متبحراً في علم الطب القديم وهو من علماء ع�صر ال�شيخ نا�صيف، قب�ض عليه �أحمد با�شا الجزار فيمن قب�ض عليهم من علماء ووجوه جبل عامل وحب�سه في عكا وع ّذبه ثم قتله ،وكان يحمي له ال�ساج حتى يحمر ثم ي�ضعه على ر�أ�سه .كما نقل من �أحوال �أحمد با�شا �أنه انتهب �أموال العامليين ومكتباتهم ومنها مكتبة �آل خاتون وكانت ت�ضم خم�سة �آالف مجلد .وبقيت �أفران عكا تعمل بنار الكتب العاملية �أ�سبوعا كامال .وفي عهد الجزار هاجر عدد كبير من علماء جبل عامل م�ش ّردين في الأقطار ومن ه�ؤالء العالم ال�شاعر ال�شيخ �إبراهيم يحيى ،وله ق�صيدة ي� ّصور فيها �أو�ضاع ال�شيعة في ظل والية الجزار يقول فيها: 62 ����������������������������������������������������������� وع���اث���ت ي���د الأي�������ام ف��ي��ن��ا وم��ج��دن��ا ول�������س���ت ت�����رى �إال ق���ت ً ���ي�ل�ا وه����ارب���� ًا وك����م ع���ال���م ف���ي ع���ام���ل ط���وح���ت به و�أ����ص���ب���ح ف���ي ق��ي��د ال����ه����وان م��ك��ب ً �لا وك���م ع��زي��ز ن��ال��ه ال�����ض��ي��م ف��اغ��ت��دى وك���م ه��ائ��م ف���ي الأر������ض ت��ه��ف��و بلبه ول���م���ا ر�أي������ت ال��ظ��ل��م ط����ال ظ�لام��ه ���رح���ل���ت ع����ن دار ال����ه����وان وق��ل��م��ا ت ّ ت���م���ل���ك���ه���ا وال����م����ل����ك هلل ف�����اج�����ر ٌ ع���ت���ل زن���ي���م ي��ظ��ه��ر ال����دي����ن ك���اذب��� ًا وب���ال���رغ���م م���ن���ي �أن �أق�������ول م��ه��دم ����س���ل���ي���ب��� ًا وم����ك����ب ً ����وال ي���غ���ل وي���زغ���م ط���وائ���ح خ��ط��ب ج��رح��ه��ا ل��ي�����س ي�ل��أم و�أع�����ظ�����م �����ش����يء ع����ال����م ال ي��ع��ظ��م ف���ي ج���ي���ده ح��ب��ل م���ن ال�����ذل محكم ق�����������وادم �أف�������ك�������ار ت�����غ�����ور وت���ت���ه���م و�أنّ ����ص���ب���اح ال����ع����دل ال ي��ت��ب�����س��م يطيب الثوى في ال��دار وال��ج��ار �أرق��م ������س�����واء ل����دي����ه م�����ا ي���ح���ل وي���ح���رم وه��ي��ه��ات �أن يخفى على اهلل مجرم وقد ق�صد ال�شيخ �إبراهيم دم�شق ف�سكن فيها ،وفيها كتب ق�صيدة تناولت الكوارث التي نزلت بجبل عامل زمن الجزار ،جاء في مطلعها: �����ذات وال���ع���ي�������ش ب���ي���ن ف���ت���ى وب���ي���ن ف��ت��ـ��ا ِة م�����ن ل�����ي ب�������ر ِّد م����وا�����س����م ال�����ل ِ ورج���������وع �أي���������ام م�������ض���ي���نَ ب���ع���ام ٍ���ل ب��ي��ن ال���ج���ب���ال ال ُ ��ات �������ش ِّ���م وال��ه�����ض��ب ِ وقال في ق�صيد ٍة �أخرى: دي���ـ���ار ���ش��ف��ـ��ى ق��ل��ب��ـ��ي ع��ل��ي��ـ��ل ن�سيمها وما كان هجري «عام ًال» عن قلي لها وط���اب���ت ل��دي��ه��ا غ���دوت���ي و�أ���ص��ائ��ل��ي ول���ك���ن ن��ب��ت ب���ي ف���ي ُرب������اه م��ن��ازل��ي وكان ال�شيخ �إبراهيم يحيى العاملي قد �أ َّر َخ لمقتل ال�شيخ نا�صيف الن�صار بهذه الأبيات: ُق����� ِت َ ���رج �����ل اب���ـ���ن ن�������ص���ار ف���ي���ا هلل م��ـ��ن م���ول���ى ���ش��ه��ي ٍ��د ب����ال����دم����ا ِء ُم�������ض ِ أه������وج وت���داول���ت���ن���ا ب��ع��ـ��ده �أي����ـ����دي ال��� ِع َ ���دى م����ن ف����اج ٍ ����ر �أو غ�������اد ٍر �أو � ِ ����رج ه���ي دول����� ٌة ع َّ ����م ال���ب�ل�اد ال ُ��ظ��ل��م في ت���اري���خ���ه���ـ���ا اهلل خ����ي���� ُر ُم����ف����ـ ِ 63 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وممن غادر جبل عامل وكتب �شعر ًا في الحنين �إليها ،ال�شيخ �سليمان ظاهر الذي قال: �أال ت���ـ���رب���ت م���ـ���ن ال����ج����ـ����زار ك��ف ب���ه���ا ل���ل���ف���خ���ـ ِ���ر ك���ـ���م ظ���ـ���ه���ر �أج�����ب ����ان وخ��ـ��ط��ب ��ش��ام غر�س ًا �أل�����ـ�����ذ ج����ن����ـ����ا ُه خ����ـ����ط ِ وك��م ُغ ِ��ر���س��ت ب��� ِ أر���ض ال��� ِ وك���ـ���م ُدك����ـ����ت ب���ع���ـ���ام���ل��� ٍة ح�����ص��ون��ـ�� ًا ل��ه��ا الأ������س�����وار ب��ي�����ض ظ��ب��ي وغ��ل��ب لكن الحياة العلمية والفكرية في جبل عامل واجهت العديد من ال�صعوبات في عهد الجزار �إذ انت�شرت الفو�ضى بعد مقتل الن�صار في غير مكان ،ف�أُغلقت المدار�س و�أُقفلت معاهد العلم وانقطعت �سل�سلة التدري�س بعد �أن احتلت منزلة رفيعة ومرموقة و�أحرزت �شهرة وا�سعة ،و�صلت �إلى مواطن ال�شيعة في الهند و�إيران ورو�سيا وغيرها من البلدان التي تواجدوا فيها. وفي ر�سم الم�شهد العلمي والثقافي بعد نهاية الجزار ،نجد محاولة جديدة لإعادة الحياة العلمية �إلى جبل عامل فكانت مدر�سة الكوثرية �شمالي جبل عامل على مقرب ٍة من النبطية ،التي �أ�س�سها ال�شيخ ح�سن ُقبي�سي ب�إيعازٍ من مدينة النجف الأ�شرف ومن �أبرز من تخ ّرج من هذه المدر�سة ال�سيد علي ابن ال�سيد �إبراهيم الح�سيني الذي تولى الإفتاء في الق�سم ال�شمالي من جبل عامل في عهد والية �سليمان با�شا العادل وعبد اهلل با�شا، اللذين توليا الحكم بعد الجزار مبا�شر ًة. بعد الجزار :هدنات وثورات كوال على �صيدا وعكا ثم تم بعد وفاة الجزار حكم لمدة ق�صيرة �إ�سماعيل با�شا ٍ تعيين �سليمان با�شا الذي عرف بالعادل حاكم ًا على والية �صيدا وعكا عام 1805م. وقد بادر �سليمان با�شا �إلى عقد �صلح مع زعماء جبل عامل الهاربين والذين كانوا ال يزالون في الجبل وفي مقدمهم فار�س نا�صيف الن�صار و�آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل منكر. 64 ����������������������������������������������������������� وتتمثل �شروط ال�صلح فيما يلي: �أو ًال :العفو العام عن الثوار كافة. ثانياً� :أن ي�شارك المتاولة الحق ًا في حروب الوزير متى لزم ذلك والح�ضور دون تردد. ثالثاًُ :يعطى م�شايخ المتاولة �إقليم ال�شومر ملك ًا لهم ولذريتهم مق�سوم ًا بالت�ساوي بد ًال عن �أمالكهم التي �ضبطتها الدولة ،وي�ستثنى منها قرى ال�صرفند ،و�أن�صار، ومي�س ،مفروزة القلم مرفوعة القدم (�أي معفاة من ال�ضرائب والأموال الأميرية) .و�أن يو ّقع الجميع في دفتر خا�ص بذلك للت�أكيد على �أن عملية التوزيع قد تمت بر�ضاهم واتفاقهم حتى ال يحدث في الم�ستقبل �أي خالف. رابعاً� :أال يكون لموظفي الدولة �أي تدخل في حكم البالد وال �سلطة على م�شايخها. و�إنما يرجع الم�شايخ في �أمورهم وف�صل الخالف الذي يقع بينهم �إلى �شيخ الم�شايخ فار�س النا�صيف ،الذي يمثلهم �أمام الحكومة ،وعليه تعود الم�س�ؤولية. ومهما يكن الأمر ،ف�إن ال�شيخ فار�س النا�صيف و�صل �إلى عكا مترئ�س ًا وفد الع�شائر العاملية والقى من الوالي �سليمان با�شا كل �إكرام ورعاية وحفاوة بالغة ،وتم توقيع االتفاق في مجل�س حافل ،ح�ضره قا�ضي عكا ومفتيها وراغب �أفندي وكبار رجال الحكم في عكا وال�شيخ جرج�س باز وكي ًال عن الأمير ب�شير .ولكي ُيظهر �سليمان با�شا ر�ضاه عن ال�شيخ فار�س النا�صيف �أهداه خلعة فاخرة من فرو ال�سمور �إ�ضافة �إلى خم�سة �آالف قر�ش وع�شرة غراير من الحنطة وع�شرين من ال�شعير. ومن مفاعيل هذا ال�صلح ،م�شاركة العامليين في حملة �سليمان با�شا لرد الوهابيين عن دم�شق في العام 1810م وهو العام الذي ُع ّين فيه �سليمان با�شا والي ًا على دم�شق وطرابل�س بعد ف�شل الوالي ال�سابق يو�سف با�شا في ر ّد غزوات الوهابيين وت�أمين قافلة الحج. 65 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وبعد موت �سليمان با�شا عام 1819م ّتم تعيين عبد اهلل با�شا �أحد مماليك الجزار والي ًا على عكا وكان قا�سي ًا جد ًا بحق المتاولة. مع ذلك ا�ستمرت حياة العامليين معقولة حتى العام 1831عندما غزا �إبراهيم با�شا و�ضم بالد ال�شام .ولم ي�ساعد العامليون �إبراهيم با�شا في ح�صار عكا فغ�ضب عليهم ّ بالدهم �إلى جبل الدروز حيث ن ّكل بهم الأمير ب�شير ال�شهابي الكبير الذي كان يكنّ الحقد لزعماء المتاولة في جبل عامل .وقد انعك�س الموقف العاملي من الم�صريين تنكيال لهم على امتداد الح�ضور الم�صري �أي حتى العام 1840وانت�شروا في العالم كما كان الحال بعد موقعة يارون �أيام الجزار .وربما يكون تغيير موقف العامليين من الدولة العثمانية ودعمهم لها �ضد الم�صريين ناتج عن �سببين �أ�سا�سيين :تنكيل ال�شهابيين المتعاونين مع الم�صريين بهم ،و�إلغاء الم�صريين لحكم العامليين على بالدهم لعدم دعمهم ح�صار عكا .وقد �شارك العامليون في الثورة الكبرى �ضد الم�صريين عام 1834 بقيادة ح�سين �شبيب ابن ال�شيخ فار�س النا�صيف و�أخيه محمد علي بك .وفي العام 1840قاد �أحمد داغر ثورة ثانية �ضد الم�صريين في جبل عامل .ومن بعدها كانت �أكبر ثورة عاملية بقيادة حمد البك المحمد �ضد الم�صريين في العام نف�سه حيث عينه القائد العام للجي�ش العثماني عزت با�شا حاكما على جبل عامل بلقب «�شيخ م�شايخ بالد ب�شارة» .بل بات حمد البك معتمد ًا من قبل العثمانيين لت�أديب المتمردين على الدولة في �أكثر من مكان. وبعد وفاة حمد البك عام ،1852ولم يكن له ولد ،كانت ال�سلطة لعلي بك الأ�سعد، ابن �أخيه ،حتى العام ،1865وكان عهد �أمان وازدهار وا�ستقرار .كما ا�ستمرت الدولة في اال�ستعانة بالعامليين لإخماد انتفا�ضات في �أماكن �أخرى وقد اتبع العامليون القوة �أحيانا و�أحيانا الرو ّية والمفاو�ضات لقمع هذه الإنتفا�ضات .وكان عهد علي بك الأ�سعد �أي�ضا عهد حماية الم�سيحيين الفارين من بط�ش الدروز بعد حوادث 1860في جبل لبنان بل حاول محمد بك الأ�سعد� ،شقيق علي بك� ،أن يم ّد يد العون الع�سكري للم�سيحيين 66 ����������������������������������������������������������� ومنع الدروز من مهاجمتهم وال �سيما في جباع .وبوفاة علي بك الأ�سعد و�أخيه محمد بالكوليرا عام � 1865إنتهى الحكم الوطني في جبل عامل وانتقلت �إدارة الجبل العاملي �إلى الدولة العثمانية مبا�شرة بعد �ضم الجبل الى والية بيروت �إلى �أن انهارت الدولة في نهاية الحرب العالمية الأولى عام .1918 ويمكن ختاما ت�سجيل المالحظات التالية: � -1إنّ تعاطي العثمانيين عموما مع العامليين كان �إلى ح ّد كبير على �أ�سا�س مذهبي. -2لكنه لم يكن الأ�سا�س الوحيد ،فالبنية العثمانية �إقطاعية ولم تف ّرق �سيا�سة فر�ض ال�ضرائب وال�صراع ال�سيا�سي بين الوالة بين مذهب و�آخر فطال البط�ش كل فئات النا�س بمعزل عن دينهم ومذهبهم وعرقهم ومكان �إقامتهم. -3لقد عا�ش العامليون فترات طويلة في ظل ما ي�شبه الحكم الذاتي ،ولم تخ�ضع بالد عاملة للحكم المبا�شر للعثمانيين ووالتهم �أو لأمراء جبل الدروز �إال لفترات قليلة وا�ستثنائية� ،سرعان ما كانت تليها عودة الحكم الوطني. -4ومع اعتداد العامليين بهويتهم فلم يكونوا في الوقت نف�سه غير واعين لحجمهم الأقلوي و�سط الأكثرية ال�ساحقة من الأعداء .لذا لم يكن عندهم من مانع لت�سويات تر�ضي الدولة وتحمي الوجود المادي للعامليين من التنكيل والتهجير. 67 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة بعض مراجع النص: - - - الإدارة العثمانية في بالد ال�شام� ،أحمد با�شا الجزار نموذجا ،محمد نورالدين ر�سالة دكتوراه غير من�شورة.1982، المرا�سالت الديبلوما�سية والقن�صلية لعادل ا�سماعيل المجلدان الأول والثاني. تاريخ جبل عامل في قرنين ،حيدر الركيني ،حلقات في مجلة العرفان. الكيان ال�سيا�سي لجبل عامل قبل ،1920منذر جابر،1979 ،محا�ضرة في المجل�س الثقافي للبنان الجنوبي. الم�س�ألتان القومية والدينية في �سيا�سة بونابرت في الم�شرق العربي ،محمد نور الدين ،مجلة المنطلق ،العدد 81/80تموز � /آب 1991 الجزار ونابليون والم�س�ألة ال�شرقية ،محمد نورالدين ،مجلة الفكر العربي ،العدد � ،28صيف � .1982صفحات مطوية من تاريخ جبل عامل الن�ضالي :مقاومة �سيا�سة الجزارالتدميرية ،ح�سين �سلمان �سليمان،مجلة تاريخ العرب والعالم العدد � ،55أيار .1983 الحكم الإقطاعي لمتاولة جبل عامل في العهد العثماني1282 – 1219هـ-1804/ 1865م� ،أ�سامة محمد �أبو النحل ،درا�سة ،جامعة الأزهر – غزة .2001 الحياة الثقافية في فل�سطين ولبنان في عهد �أحمد با�شا الجزار� ،أ�سامة �أبو النحل، درا�سة ،جامعة الأزهر في غزة.2005 ، 68 الجلسة الثانية ����������������� ترأس الجلسة الثانية السيد حسين حجازي ((( نحن في جبل عامل حيث ي�ش ِّكل كل يوم منه تاريخ ًا م�ستق ًال يحتاج �إلى جملة من الكتّاب في مختلف الإخت�صا�صات في هذا التاريخ العريق الذي اقترن فيه القلم بالدم، وجمي ٌل في تاريخ ال�شعوب �أن يقترن القلم بالدم والجهاد في �سبيل اهلل تعالى ،ويا ح ّبذا لو �أ َّننا ا�ستبقنا الظلم والتزوير والتحريف المتوقع ح�صوله في هذا الزمان وبد�أنا بالكتابة عن �إنجازات حرب تموز حتى ال نقع في المحظور �أكثر من م َّرة على ٍّ كل في التاريخ و المخ�ص�ص عقده اليوم في هذا ال�ؤتمر عن مرحلة الجزَّار ن�ست�شرف روح (ال�شيخ �إبراهيم �إبن ال�شيخ يحي �إبن ال�شيخ محمد بن �سليمان العاملي الطيبي) ،حيث يقول: �����روح و ِم�����ص�� ُرن��ا َي��� ِع��� ُّز ع��ل��ي��ن��ا �أن ن َ و َع���ه ِ���د ب��ه��ا م�����ؤه����و َل���� ٌة و رب��ي�� ُع��ه��ا ���������ص����ا ِر ٌم وك���������انَ ل���ه���ا م�����ن � ِآل ن َّ ((( �إمام بلدة قبريخا. 71 ���رع ْ���ونَ َم��غ��ن�� ًا َي�����ص�� َت��ف��ي�� ِه و َم��غ�� َن ُ��م ِل���ف َ ع��ل��ى ُك ِّ ���ح��� َّر ُم �����ل ُم����رت����ا ِد ال��� ِع���ن���ا ِد ُم َ ث��ق��ي�� ٌل و���س��ه��م ٌ ال َي��ط��ي��� ُ��ش و َل��ه َ��ذم��وا جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ق�ضى في ِظ َ فات ُم َط َهر ًا �ل�ا ِل ال ُم َ ره ِ ����ام فينا و َل َ �ست تَ��� َر و ع��ا َث ْ��ت َي��� ُد الأ َي ِ ���س���ت ت����رى �إ َّال ق��ت��ي ً �لا و ه���ارب��� ًا ول���� َ �إلى �أن يقول في مكان �آخر: �أُ َك��� ْف ِ���ك ُ ���ف دم���� َع ال��ع��ي ِ��ن و ه���و َغ��زي�� ُر أرواح م��ن ن��ح ِ��و ع��ام ً��ل و�أن��ت ِ َ�����ش��قُ ال َ 72 و� ُّأي ���ش��ه��ي ٍ��د ال ُي َ ������د ُم �����ط����� ِّه����� ُر ُه ال َ غم مني �أن �أكونَ ُم َه َّد ُم ف َمج ُدنا و بال َر ِ َ���س��ل��ي��ب�� ًا و م���ك���ب ً ���وال ُي���� َغ���� ُل و ُي َ ���م ���رغ ُ ����م ن�����ا َر ال���ق���ل ِ���ب و ه���ي تَ���ف���و ُر و �أك���� ِت ُ ����و ٌة و ُ�����س����رو ُر وف���ي���ه���ا ِل���م���ث ِ���ل َ�����س����ل َ ������������������������������������������������ الخسائر التي ُمني بها جبل عامل جراّء حكم الجزار أ .د .مصطفى بزي ((( مقدمة كان النظام الم ّتبع في جبل عامل في ظل ال�سيطرة العثمانية نظام المقاطعجية� ,أي الإلتزام ,حيث كان المقاطعجيون يلتزمون البلديات والقرى من الوالة العثمانيين (في دم�شق� ,أوعكا� ,أو�صيدا �أو غيرها) ,مقابل مبالغ �سنوية ،تزيد او تنق�ص وفق ًا للعالقة التي كانت تربط المقاطعجي بالوالي ,والإلتزام ي�ستمر �أو يتوقف� ,أو يتغير ثمنه تبع ًا لتلك العالقة. المقاطعجيون بدورهم ,كانوا يجمعون الأموال من الرعايا التابعين لهم ,على �شكل �ضرائب ,وذلك عن طريق وكالء لهم ,في البلدات والقرى ,وعادة يكون ه�ؤالء الوكالء من المقربين للمتنفذين� ,أومن �أقاربهم ,وعادة هم من العائالت الرئي�سية المتنفذة. ومن المعروف �أن «المبلغ المالي المتفق عليه ,لم يكن يدفع كله مرة واحدة ,فبع�ضه ((( �أ�ستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية كلية الآداب. 73 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة يدفع مقدماً ,والبع�ض الأخر �آج ً ال(((. هذا وكانت الدولة العثمانية تطرح المقاطعات «الريفية للوالية ,للمزايدة بين الراغبين فيها من �أعيان البالد و�أغنيائها ,مقابل مبالغ محدودة يدفعها الراغب في الإلتزام ،وفي مقابل ذلك ،كان الملتزم ح ّر الت�صرف في �أن يجبي ما ي�شاء من الأهالي ,ب ً دال من قيمة الإلتزام التي كان يدفعها كل عام»(((. المقاطعجيون كان عليهم مقابل االلتزام ,تلبية رغبات الوالة والحكام ,في تقديم الخدمات الع�سكرية ,خا�صة حين ترى ال�سلطنة �أنّ الواجب ي�ستدعي النفير(�أي ح�شد القوات الع�سكرية من الواليات للم�شاركة في الحروب والدفاع عن ال�سلطنة). جبل عامل كان ي�شكل ق�سم ًا من والية �صيدا ,وامتدت حدوده من نهر الأولي �شما ًال, حتى الر�أ�س الأبي�ض جنوب ًا ،ومن البحر المتو�سط غرب ًا حتى بحيرة الحولة ,بعر�ض ثمانين كلم �شرق ًا .وكان لموقع هذا الجبل ,من الناحية الجغرافية ,الأثر الهام في تطور حياته ال�سيا�سية والإقت�صادية والإجتماعية ,لقد كان يحتل نقطة مركزية ،و�سط ًا ,بين �سوريا وفل�سطين وجبل الدروز ,وتبع ًا لتطور الظروف الع�سكرية والأمنية وال�سيا�سية في هذه االماكن ،ف�إنّ جبل عامل كان حكم ًا يت�أثر �إلى حد كبير بتق ّلبات موازين القوى في المحيط والجوار. �إن ال�سلطة العثمانية في بع�ض المناطق ،ومنها منطقة جبل عامل ،لم تطبق ولم تفر�ض الحكم المبا�شر ,فيكفي �أن يكون الحاكم العثماني متواجد ًا في مركز الوالية، �صيدا� ،أو عكا ،ويرتبط به زعماء محليون متنفذون� ,أبناء عائالت كبيرة ,قادرون على تنفيذ الأوامر التي ت�صدر من ال�سلطان �أو الوالة �أو الحكام ,لجمع ال�ضرائب �أو الخدمة الع�سكرية �أو ال�سخرة ,ويذكر بع�ض الم�ؤرخين في هذا الخ�صو�ص� ,أن «الحكم العثماني في هكذا �أقاليم ك�أنه �إ�سمياً �أو �سطحياً ،بمعنى �أنها (�أي ال�سلطة العثمانية) لم تكن ((( حول مو�ضوع الإلتزام �أنظر :عبد العزيز �شناوي« :تاريخ �أوروبا في الع�صر الحديث» القاهرة� ,سنة �( 1961ص )535 - 534 ((( علي الزين« :للبحث عن تاريخنا في لبنان» ط�( 1973 ،1ص)326 74 ������������������������������������������������ تر�سل �إلى �إقاليمها (البعيدة والجبلية والوعرة) حكاماً عثمانيين ,و�إنما فقط تعترف بوجود زعيم قبلي �أو ع�سكري� ,أو �إقطاعي يحكم با�سم ال�سلطان ,ويدفع في كل �سنة الميري والجزية المقررة عليها ،ويحافظ على النظام بين ال�سكان»(((. الم�شكلة بالن�سبة للوالة والحكام كانت تتمثل ب�أنه «�إذا بلغ �أحد الزعماء درجة من القوة والنفوذ ,ونزع �إلى الإ�ستقالل ،و�شك ّل خطراً على جيرانه ،كانت ال�سلطة المركزية في اال�ستانة� ,أو في الواليات ,تتذرع بال�صبر ,وتنتظر الفر�صة المنا�سبة للإيقاع به، وذلك القتناع �أولئك الم�س�ؤولين ،ب�أن الق�ضاء على جميع المتمردين في وقت واحد �أمر �صعب ،وال نهاية له ،ويتطلب �أ ً مواال وفيرة وقوات غفيرة ...لذلك كانت ال�سلطات العثمانية ت�شير على ه�ؤالء جيرانهم �أو �أقرباءهم �أو ابناءهم �أنف�سهم»(((. ت�سدْ» ،حيث كانت ت�ؤ ّلب الواقع� ،أن الدولة العثمانية كانت تعتمد �سيا�سة «ف ّرق ُ الزعماء المحليين على بع�ضهم البع�ض ,فتكت�سب والء زعيم على ح�ساب زعيم �آخر، وتترك ه�ؤالء يتخا�صمون ويتقاتلون نياب ًة عنها ,في�ضعف الجانبان ,ويكون ذلك في م�صلحة ال�سلطة المركزية ,ويعمل المتخا�صمون �إلى التق ّرب من الوالي لنيل ر�ضاه. كذلك ف�إنّ الأمر نف�سه كان يح�صل في مو�ضوع الإلتزام ,فطالما كان الملتزم م�ؤدي ًا لل�شروط المطلوبة منه ،من تقديم �أموال وهدايا و�أعطيات وخدمات وغير ذلك ,ف�إنّ الإلتزام يبقى قائم ًا ,والعك�س �صحيح .منطقة جبل عامل ,كان يتولى �إدارتها مجموعة من الم�شايخ ،يقيم كل منهم في �إحدى المقاطعات مع �أتباعه المزارعين ,الذين يتعهدون �أر�ض المقاطعة لح�سابه((( ،وه�ؤالء الم�شايخ((( ،كانوا قادرين على تجنيد ((( نقوال زيادة�« :أبعاد التاريخ اللبناني الحديث» جامعة الدول العربية ,ق�سم البحوث والدرا�سات التاريخية والجغرفية ،القاهرة، �سنة �( 1972ص .)34 ((( فولني�« :سوريا ولبنان وفل�سطين في القرن الثامن ع�شر» ترجمة حبيب ال�سيوفي ،جزءان ،الجزء الأول ،المجلة المخل�صية، �صيدا�( 1949 - 1948 ،ص)67 – 66 ((( دائرة الوثائق القومية في باري�س ،مجموعة( ،)A-E-Bمجلد ،1019تقرير �صادر عن �صيدا ،بتاريخ .1712/9/2 ((( حول العائالت المتنفذة في جبل عامل ،راجع :ميخائيل ال�صباغ« :تاريخ ال�شيخ ظاهر العمر حاكم عكا وبالد �صفد» حري�صا، لبنان ،ال تاريخ للن�شر(ورقة رقم .)11 75 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �أعداد كبيرة من المقاتلين والفر�سان ,الذين كانوا يدافعون عن منطقتهم ،والوقوف في وجه �أعدائهم ،وتلبية رغبة الزعيم� ،إذا ما �أراد م�ساعدة �أحد الوالة �أو الأن�صار. �إ�ستقالل عاملي ذاتي «ق ّي�ض للعاملين نوع من الإ�ستقالل الذاتي ,والت�ص ّرف الحر ,فبعد �أن بنى ق�سموا مقاطعاتهم بين زعمائهم �سنة العامليون القالع ,ور ّمموا الموجود منهاّ ، 1163هـ � ,إلى ثمان ,خم�س منها تحت �سلطة �آل علي ال�صغير وهي :تبنين وهونين و�ساحل معركة و�ساحل قانا ومرجعيون ,ومقاطعة واحدة تحت �سلطة �آل �أبي �صعب, وهي مقاطعة ال�شقيف ,ومقاطعتان تحت �سلطة �آل منكر ،وهي �إقليم ال�شومر وجباع، وكان الحاكم ي�ؤدي عنها �ستين �ألف قر�شاً �سنوياً ,مق�سطة على اثني ع�شر �شهراً، وكانت تبنين لنا�صيف و�صور لعبا�س العلي ,وهونين لقبالن»((( . ورغم وجود الأُ�سر العديدة المتناف�سة في جبل عامل ,على زعامته ،وال�سيطرة على مقاطعاته� ،إال �أنه يمكن القول �أن «�آل علي ال�صغير ظلوا الأقوى نفوذاً في المنطقة, حيث ح�صلوا من الوالة العثمانيين على معظم التزامات الإقطاعيات التي كانوا يل ّزمونهم �إياها ،وذلك لجباية الر�سوم وال�ضرائب المترتبة عليها»(((. ويظهر �أنّ خالفات كانت موجودة بين زعماء عاملة في تلك الفترة ,حيث �أنّ بع�ضهم لم َ ير�ض عن التق�سيم الذي حدث للمقاطعات ،ويذكر ال�شيخ محمد تقي �آل فقيه ,في هذا ال�صدد� ,أنّ «�آل منكر و�آل ال�صعبي لم يعترفوا بحكومة �آل علي ال�صغير»(((. الن�صار بروز نجم نا�صيف ّ ي�ؤكد الم�ؤرخ ال�شيخ علي الزين� ,أنه «لم يكن يوجد �شيخ م�شايخ في جبل عامل ((( ال�شيخ طنو�س ال�شدياق�« :أخبار الأعيان في جبل لبنان» الجزء الثاني �سنة �( 1859ص)29 ((( يا�سين �سويد« :جبل عامل في عهد االمارتين المعنية وال�شهابية »1842-1516درا�سة من�شورة في�« :صفحات من تاريخ جبل عامل» المجل�س الثقافي للبنان الجنوبي ،دار الفارابي ،بيروت �سنة �( 1979ص)57 ((( محمد تقي �آل فقيه« :جبل عامل في التاريخ» المطبعة العلمية �سنة �( 1946ص) 84 76 ������������������������������������������������ ن�صار مقدّم �آل ال�صغير في حوادث �سنة ن�صار الن�صار ،عم ال�شيخ قبالن ,وكان ّ قبل ّ 1144هـ ،وان �إبنه نا�صيف كان �شيخ م�شايخ في حوادث كفر رمان والنبطية �سنة1185هـ, وحوادث الغازية وحارة �صيدا �سنة 1186هـ ،وما تالهما من الحوادث»(((. وكان ال�شيخ نا�صيف الن�صار يحمل لقب �شيخ م�شايخ جبل عامل ،ويذكر �أنه في عهده, �أر�سل علي بك الكبير حاكم م�صر جي�ش ًا لفتح �سوريا بقيادة محمد بك �أبو الذهب, و�أثناء مروره بفل�سطين� ،إن�ضم �إليه نا�صيف الن�صار وظاهر العمر في جبل عامل« .وزاد جي�ش علي بك الكبير بجي�ش ظاهر العمر الم�ؤلف من 1500عربي من وطنه �صفد, وخ ّيالة من المتاولة بقيادة نا�صيف ,ومركزه � -أي نا�صيف -على بعد ب�ضعة فرا�سخ من �صور»(((. هذا ويذكر �أنّ جي�ش �أبي الذهب دخل دم�شق منت�صر ًا ,ثم ان�سحبوا منها لغير �سبب ظاهر ،وذهبوا �إلى م�صر ،ولما علم بذلك ال�شيخ ظاهر العمر� ,إن�سحب �إلى ج�سر بنات يعقوب مع المتاولة وال�صفديين ،وفي مو�سوعة �أعيان ال�شيعة �أنّ «المتاولة في تلك الفترة كانوا ينق�سمون �إلى ق�سمين :الأول ي�سكن �شمال �سهل البقاع في �ضواحي بعلبك ,فيميلون تار ًة �إلى الأمير يو�سف -حاكم ال�شوف -وطوراً �إلى عثمان با�شا والي دم�شق ,من قبل الدولة العثمانية ,والثاني �أكثر عدداً من الأول ،و�أكثر �أهمية، وي�سكن القمم من الجبال الواقعة �شرقي �صور ,وي�سير مع ظاهر العمر ,ومنذ زمن بعيد ,رف�ض المتاولة دفع الميرة وت�شاجروا هم وبا�شا �صيدا ،مع �أنهم كانوا �ضمن حكومته»(((. وحول �أهمية نا�صيف الن�صار ,يجمع معظم الم�ؤرخين �أنه «�إلى جانب ظاهر العمر, كان يقيم �أمير جبل عامل نا�صيف الن�صار ,وكان �أول الأمر في خ�صام مع ظاهر ،ثم ((( علي الزين« :المرجع ال�سابق»( �ص) 470 - 469 ((( محمد كرد علي« :خطط ال�شام» �ستة �أجزاء ،ط ،3مكتبة النوري ،دم�شق �سنة �( 1983ص) 300 ((( نق ًال عن ح�سن الأمين« :جبل عامل ال�سيف والقلم» ط ،1دار الأمير ،بيروت �سنة �( 2003ص )146 77 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة تحالفاً على �أعدائهم الم�شتركين ،ونا�صيف نف�سه يتمتع با�ستقالل في جبله ،اليق ّل عن مثيليه في القاهرة وعكا»(((� ،أي علي بك الكبير وظاهر العمر .هذا ومن الوا�ضح، من ت�سل�سل الأحداث� ،أن التفاهم بين ظاهر العمر وحليفه نا�صيف الن�صار كان وا�ضح ًا, ويهدف �إلى توحيد قواهما ,و «م�ساهمة جبل عامل في قيام الدولة الجديدة»(((. �إنّ التحالف بين ظاهر العمر ونا�صيف الن�صار ،كانت له محاذير لدى خ�صومهما, لكن بالمقابل كانت له �آثار �إيجابية على المقاطعات العاملية ,التي كانت تتطلع �أكثر ف�أكثر �إلى نوع من الإ�ستقالل عن الدولة العثمانية ,والتوقف عن دفع ال�ضرائب. يتم فيها تحالف ال�شيخ نا�صيف الن�صار مع قوى �أخرى ُيالحظ �أنها المرة الأولى التي ّ غير عاملية ،متجاوز ًا ال�سلطة العثمانية ،وهي المرة الأولى �أي�ض ًا ,التي يبدو فيها ال�شيخ نا�صيف الن�صار عام ًال وهادف ًا بجدية في �سبيل الإ�ستقالل الفعلي عن الدولة ،وهذا الأمر كان دونه عقبات كبيرة جد ًا ،فالتحالفات مبدئي ًا لم تكن ثابتة ،لأنّ الم�صالح الخا�صة كانت تفر�ض نف�سها وتغ ّير ال�سيا�سات ،كما �أنّ «الدولة العثمانية لم تكن ت�سمح ب�أية حركة ا�ستقاللية ،ل ّأن التغا�ضي عن مثل هذا الأمر� ،أو الت�ساهل به ،ف�إنه ي�ؤدي �إلى �إت�ساع حركة الإ�ستقالل عن الدولة»(((. المعركة �ضد عثمان با�شا ال�صادق (معركة الحولة) �أوعزت الدولة العثمانية �إلى عثمان با�شا ال�صادق ,والي دم�شق ،و�إلى والي �صيدا, بت�سيير حملة كبيرة م�ؤلفة من ثالثين �ألف مقاتل لمهاجمة منطقة جبل عامل ،ومقاطعة �صفد في فل�سطين ،بهدف �إخ�ضاع هذه المنطقة لل�سلطة المركزية ،والح�ؤول دون �أ ّية محاولة للإ�ستقالل عنها. ((( نف�س المرجع (�ص )149 ((( نف�س المرجع ((( حول بروز نا�صيف راجع :ح�سين �سليمان« :مجلة الباحث» ال�سنة الرابعة ،عدد �( 21-20ص)56 78 ������������������������������������������������ علم نا�صيف الن�صار ب�ش�أن الحملة ,فا�ستع ّد لها ،وا�ستنفر ع�ساكره وفر�سانه ،ويقال �أنه «ع�سكر قرب النبي يو�شع ،ونذر نا�صيف هلل تبارك وتعالى �إذا انت�صر في المعركة، �سوف يقوم بتجديد بناء مقام النبي يو�شع ،ون�صره اهلل ،و�أوفى نذره ببناء قمة �شامخة� ،أ ّرخ لها ال�شيخ �إبراهيم العاملي بقوله: م���ق���ام ���ش��ري��ف �أط���ل���ع ال���ي���وم �شم�سه خ��ل��ي��ف��ة ن�������ص���ار ال����م�����ؤي����د ب��ال��ن�����ص��ر ف����ل���� ْذ ب����ح����م����اه ط����ال����ب����اً ل����ل����ذي ب��ن��ى من اهلل ط��ول العمر مع واف��ر الأج��ر وق ْ �����ل ع��ن��د �إه�������داء ال�������س�ل�ام م����ؤرخ���اً عليك �سالم اهلل ي��ا ث��اوي ال��ق��ب��ر»(.)1 نتج عن المعركة فرار عثمان با�شا« ،و ُقتل من رجاله خم�سمئة فار�س ،ولم ين ُج �إال من رمى نف�سه في البحيرة»((( ،وبعد هذه المعركة �أ�صبحت ثقة العامليين ب�أنف�سهم كبيرة ،ويتناقل الم�ؤرخون مروية عن �أل�سنة ممن �شارك في المعركة قولهم« :لما بد�أ نا�صيف بالزحف برجاله لي ً ال بعد ال�صالة والدعاء� ،شاهدوا ظبياً يقفز �أمامهم بين تلك الروابي ،وخلفه رجل مع ّمم ين�شد �أبياتاً اولها: ����م ت���ف���ت���ي ب����ال����ح����ب ب�������س���ف���ك دم�����ي. �أي���������ح��������� ُّل ل�����������س�����اك�����ن����� ِة ال����ع����ل ِ و�سرى الخبر بين المهاجمينّ ، ون�شطهم ر�ؤ�سا�ؤهم� ،أن اهلل �سبحانه وتعالى قد ا�ستجاب دعاءهم ببركة النبي يو�شع ،و�أن روحه ال�شريفة تج�سدت هذا الغزال ،و� ّأن ((( الفوز بجانبهم ,وكان ما �أملوا» وبعد هذا الإنت�صار الذي حققه العامليون بقيادة نا�صيف الن�صار ،والذي تمثل بهزيمة البا�شا العثماني ،والي �سوريا�« ،شوهد والي �صيدا دروي�ش با�شا (�أب عثمان با�شا والي ال�شام نف�سه) ،يف ّْر من المعركة خوفاً على نف�سه»(((. ((( محمد جابر �آل �صفا« :تاريخ جبل عامل» ط ،4دار النهار للن�شر �سنة �( 2004ص )123 ((( نف�س المرجع (�ص)124 ((( نف�س المرجع (�ص )124 ((( الأمير حيدر ال�شهابي« :ال ٌغرر الح�سان في تواريخ والأزمان» � 3أجزاء الجزء الأول ،طبعة الجامعة اللبنانية ،بيروت �سنة 1969 (�ص)89 79 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ومن الجدير بالذكر �أن عدد ًا من زعماء عاملة �شاركوا في هذه المعركة ,وفي مقدمتهم« :ال�شيخ حمزة المحمد ,وال�شيخ حمد العبا�س ،وال�شيخ علي الفار�س ال�صعبي»(((. ال �شك �أنّ الدور الذي لعبه �شيخ الم�شايخ نا�صيف الن�صار في تلك الفترة ,جعله ّ محط �أنظار الجميع ،ومو�ضع اهتمامهم ،فالك ّل يطلب و ّده والتقرب منه ،والتحالف معه، فلقد قال عنه «�شيفالييه دي تولي�س» قن�صل فرن�سا في �صيدا �سنة 1772ب�أنه «ال�شيخ الكبير الذي ا�شتهر في كل �سوريا ب�شجاعته»(((. �إنّ هذا الأمر �سوف يكون في وقت الحق� ،أحد اال�سباب الرئي�سية التي جعلت �أحمد با�شا الجزار ،ي�ضع ن�صب عينيه هدف ًا �أ�سا�سي ًا� ،أال وهو مهاجمة جبل عامل ،و�ضرب قيادته ،و�إنهاء دورها ،والق�ضاء على تطلع العامليين وزعمائهم في تلك الفترة باتجاه �أي نوع من الإ�ستقالل الذاتي. العامليون في مواجهة والي �صيدا والأمير يو�سف ال�شهابي 1185هـ 1771م ( 12رجب) يبدو �أنّ المتاولة نبذوا طاعة دروي�ش با�شا والي �صيدا ،وتقووا على حدود �إمارة الأمير يو�سف ،ويقول طنو�س ال�شدياق �أنهم «جعلوا يخرقون في قرى مرج عيون والحوالتين ،و�أظهروا ال�شحناء للأمير ب�سب توليه مكان عمه الأمير من�صور، (وكانت الدولة العثمانية قد غ�ضبت على الأمير من�صور �أخ الأمير ملحم وع ّم الأمير يو�سف ,لترحيبه باحتالل دم�شق من قبل الحلفاء الثالثة ,محمد ابو الذهب وال�شيخ ظاهر العمر ,وال�شيخ نا�صيف الن�صار) لأنهم كانوا يميلون �إليه ،وكان �أكثرهم هياجاً ال�صغيرية وال�صعبة ,فبلغ الأمير خبرهم ،فدخله الغيظ منهم لتحر�شهم بالديار المذكورة ،فجمع الأمير الجموع في لبنان ،وكتب �إلى خاله (�أمير حا�صبيا) �أن يجمع ((( ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» (�ص )195 ((( ADEL Ismail: «Document diplomatiques et consulaires»T2 (p:210): 210 80 ������������������������������������������������ رجاله ويالقيه بهم �إلى جبل عامل لقتال ال�شيعة». وي�ضيف ال�شدياق قائ ًال حول المعركة ,التي �سار اليها الأمير من دير القمر بجحفل زهاء ع�شرين �ألف ًا ,فر�سان ًا وم�شاة� ,أن هذا الأخير قام بع�سكره قا�صد ًا قرية جباع الحالوة ،ف�أحرق جميع قرى �إقليم التفاح� ،إلى �أن بلغ جباع ،فهرب منها بنو منكر، وتع�صبوا لل�صغيرية وال�صعبية ،فخافوا جميع ًا وا�ستدعوا اليهم ال�شيخ ظاهر �أ�صحابه ّ العمر الزيداني �صاحب عكا ،وكان عمل الأمير يو�سف مكيدة مع ال�شيخ عبد ال�سالم العماد (�أ�شار ال�شيخ عبد ال�سالم العماد على الأمير ب�أذى بني منكر المتاولة� ،أ�صحاب ال�شيخ علي جنبالط ،وبعث هذا الأخير �إلى �أحزابه �س ّر ًا� ،أنه متى �صارت الم�صارف، ينف�ضوا بال قتال ففعلوا) ,ثم �إن الأمير ،بعد �أن نهب جباع وقطع �أ�شجارها و�أحرقها, وهدم �أماكنها ,وبات فيها ليلتين ...ثم �أدرك قرية كفرمان � 29آب �سنة ، 1771 ف�أحرقها ,وبقي �سائر ًا حتى �أدرك �أطالل قرية النبطية ,وهناك �إلتقت قوادم جي�شه بعيون المتاولة وطالئعهم ،فلما ر�أت المتاولة ذلك ,وت�أكدوا عدم �إجابته لل�صلح ،عزموا على القتال ،فتجمعوا نحو �أربعة �أالف ،وان�ضم اليهم ال�شيخ ظاهر ،حنق ًا على الأمير يو�سف ،ولما التقى الجي�شان ,وت�صادمت الفر�سان ،انف�ضت الرجال الجنبالطية ،وو ّلوا الأدبار ,ح�سب �إرادة زعيمهم ال�شيخ علي ,ولما انف�صلوا عن الع�سكر تقلقلت ال�صفوف, وخافوا ,فجمعت عليهم المتاولة والزيادنة فانك�سروا ,وقتل منهم نحو �ألف وخم�سمئة رجل(((. هذا ويذكر بع�ض الم�ؤرخين �أن ال�شيعة «هجموا بال�سالح الأبي�ض ،فانهزم الجي�ش كله انهزاماً تاماً ،ي�صعدون في جبل العرقوب ،وروابي �سجد المطلة على �سهل الميذنة وعقبة جرجوع ,وحراب ال�شيعة تعمل في اقفيتهم وتذبحهم ذبح النعاج، ومات �أكثرهم خوفاً وتعباً»(((. ((( ال�شيخ طنو�س ال�شدياق«:المرجع ال�سابق» الجزء الأول (�ص )152والجزء الثاني (�ص )43 -42 ((( ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» (�ص )274وما بعد 81 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �أما الم�ؤرخ العاملي ال�شيخ علي ر�ضا ،فيقول بدوره حول هذه المعركة الفا�صلة �أنّ «ال�شيخ نا�صيف الن�صار تعقب بنف�سه الأمير يو�سف ال�شهابي ،ف�أدركه في عقبة جرجوع ،و�أنزله عن �ضهر بغلته �إلى الأر�ض و�ألب�سه الفرو مقلوباً ،وقال له« :عفوت ((( ن�صار» عنك ر�أفة ب�شبابك ،واحتراماً لأ�سرتك و�أنا ابن ّ وهناك من الم�ؤرخين ،من يرفعون عدد قتلى ع�سكر الأمير يو�سف بثالثة �أالف(((. «يبدو � ّأن �أموراً عديدة ،ونتائج ،كثيرة� ،أ�سفرت عنها هذه المعركة ،وقيل فيها الكثير، ويقول البع�ض� ،أن نجدة ظاهر العمر ،بقيادة ولديه ال�شيخ علي وال�شيخ عثمان و�صلت بعد �أن و�ضعت الحرب �أوزارها ،وقيل �أنها تباط�أت ق�صداً ،ولما انجلت المعركة عن انت�صار ال�شيعيين ،قال علي لعثمان� :سو ّد اهلل وجهك ،ك�سب �أوالد �أم علي (�أي ((( ال�شيعة) الحرب ،وك�سبنا العار» بالمقابل ف�إنّ بع�ض الم�صادر الأجنبية((( �أكدت �أن علي ظاهر العمر كان يقاتل مع العامليين وبع�ضهم الأخر((( لم ي�شر �إلى مقاتلة الزيادنة مع العامليين في هذه المعركة. المهم �أنّ يو�سف ال�شهابي هزم في هذه المعركة �ش ّر هزيمة((( ،وكان لها الوقع القوي ،وال�صدى المهم ،كما كانت لها تداعيات خالل الفترة التالية .ويذكر الأمير �ضجت الأر�ض حيدر ال�شهابي �أنه «لما رجع الأمير يو�سف ،ومن �سلك معه �إلى البالد ّ بالبكاء ،وت�سرلبت الن�ساء بال�سواد»(((� .أنّ ما يلفت النظر خالل هذه المعركة هو الن�سحاب الجنبالطيين من المعركة ،وعدم م�ؤازتهم للأمير يو�سف في وجه المتاولة، ((( راجع :الأمير حيدر ال�شهابي« :المرجع ال�سابق الجزء الأول (�ص )291 ((( راجع :محمد جابر �آل �صفا « :المرجع ال�سابق (�ص )136-135و�سليمان ظاهر� »:أ�سماء وقرى جبل عامل» مجلة العرفان، م�( 8ص )133وح�سين �سليمان »:المقاومة العاملية ل�سيا�سة القمع العثماني »1825- 1750مجلة تاريخ العرب والعالم ،عدد � ،55أيار �سنة 1982 ((( ح�سن الأمين »:المرجع ال�سابق» �ص 279راجع �أي�ض ًا :طنو�س ال�شدياق »:المرجع ال�سابق» (�ص )30 ((( فولني�« :سوريا ولبنان وفل�سطين» ترجمة حبيب ال�سيوف ،جزءان ،الجزء الأول� ،صيدا� 1949 -1948 ،ص77 ((( راجع� :أر�شيف دار الوثائق الفرن�سية« ...المرجع ال�سابق» �سجل 1037تاريخ 1771-10/30 ((( حول هزيمة يو�سف ال�شهابي راجع :حيدر الركيني« :جبل عامل في قرن» العرفان ،م� 38ص 55ومحمد تقي �آل فقيه« :المرجع ال�سابق» �ص � 109ص( 105يقول �أن المعركة هي من الأيام الم�شهورة التي يتحدث عنها التاريخ). ((( الأمير حيدر ال�شهابي« :المرجع ال�سابق» �ص810-809 82 ������������������������������������������������ ويعزو البع�ض ذلك «�إلى تحالفات �سرية �سابقة ح�صلت بين ال�شيخ نا�صيف الن�صار وال�شيخ علي جنبالط»(((. مهم ومتميز في هذه الواقعة التي ح�صلت ،والتي يقول عنها لل�شيخ علي الزين ر�أي ّ �أنها «لم تكن في الحقيقة معركة م�ستقلة بين المتاولة والدروز ,كما هو م�شهور بين النا�س ,و�إنما كانت بينهم وبين الدولة العثمانية �أو ًال ،ثم بينهم وبين اللبنانيين جميعاً ،من دروز ون�صارى ثانياً� ،إذ لم يكن اللبنانيون فيها �سوى (مخلب قط) تابعين لأوامر الدولة وب�شواتها ،وان هذه الواقعة لم تكن �سوى ت�صفية ح�ساب مع المتاولة« ،الذين اعتبروا ال�سبب في تلك الأحوال» و�أنهم «ال�سبب في ذلك الت�شوي�ش، وفي الهزائم التي لحقت بالدولة في معارك داريا ودم�شق.(((»... قبيل بروز �أحمد با�شا الج ّزار واقعة �صيدا ح�صلت هذه الواقعة في التا�سع من ربيع الأول �سنة 1186هـ ,العا�شر من حزيران � ،1772أي بعد عام واحد من المعركة التي ح�صلت في النبطية وجوارها ،فقد حارب المتاولة بقيادة ال�شيخ نا�صيف الن�صار مع ظاهر العمر ،وذلك في معارك �صيدا والحارة والغازية� ،ضد الأمير يو�سف ،و�ضد اللبنانيين جميع ًا ،دروز ًا ون�صارى ،وفي مقدمتهم ع�سكر الدول(((. وقد ّتم خالل هذه الواقعة� ،إحتالل �صيدا ،وكان لذلك تداعيات �أهمها �أنّ «عملية احتالل �صيدا من قبل ال�شيخ نا�صيف ال ّن�صار وال�شيخ ظاهر العمر ,كان بنظر الدولة العلية تجاوزاً للخطوط الحمر ،وتطاو ًال على هيبة الدولة»((( ،ويقول بع�ض ((( طنو�س ال�شدياق« :المرجع ال�سابق» �ص154 ((( علي الزين« :المرجع ال�سابق» �ص519و �ص 521وال�شدياق «نف�س المرجع» ج � 12ص42 ((( علي الزين« :نف�س المرجع» �ص 547 ((( الركيني« :مجلة العرفان» مجلد � 28سنة � 1939ص952 83 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الم�ؤرخين� ،أن الدولة العثمانية ،لأنها «كانت من�شغلة بحربها �ضد رو�سيا القي�صرية، ف�أنها �أوعزت للأمير يو�سف ال�شهابي القيام بهذه المهمة ،و�أغدقت عليه الهدايا مع بع�ض الأموال»(((. المهم �أن «ع�سكر الدروز انك�سر في هذه المعركة»((( ،مع العلم �أن «عدد �أفراد الأمير يو�سف مع والي ال�شام كان ثالثمئة الف مقاتل ،في مواجهة جي�ش المتاولة المدعوم بع�شرة �آالف مقاتل من قوات ظاهر العمر(((. �صحت �أعداد المقاتلين في هذه المعركة ،ف�إنها ّ تدل �أو ًال على قدرة الدولة في �إذا ّ تلك الفترة ,على �إ�شراك مئات الألوف من الجنود فيها ،كما تبرز ثانيا� ,أنّ المتاولة كانوا قادرين ,مع م�ساعدة ع�شرة �آالف جندي من ظاهرالعمر ،على هزيمة جي�ش ج ّرار ،وهذه مفارقة جديرة بالمالحظة والإهتمام ،لكن ما تجدر مالحظته �أي�ض ًا من خالل ما ذكره �إدوارد الكروا ،هو وجود �أحمد با�شا الجزار في المعركة حيث يقول :ف ّر من المعركة �أحمد با�شا الجزار(والي عكا فيما بعد) ف�أعجب به الأمير يو�سف ،فع ّينه م�ست�شار ًا له في دير القمر» ويتابع الكروا قائ ًال�« :أ ّن الأمير يو�سف كان بطبيعته كالنباتات المتعر�شة ،ال و�صي»((( ،وفي نف�س العام� ,أي �سنة 1186هـ في �شهر مح ّرم ،ي�شير الركيني يعي�ش دون ّ الن�صار وال�شيخ ظاهر العمر �ضد النابل�سي. �إلى وقعة �إ�شترك فيها نا�صيف ّ وفي �سنة1187هـ ،يوم الخام�س والع�شرين من جماد الآخر ،ركب ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار �إلى �أر�ض �صيدا ،وفي يوم ثاني رجب توجهت الع�ساكر على مرجعيون ,قا�صدين البقاع �إلى ع�سكر دولة ال�شام ,فلما �أقبلت ع�ساكر المتاولة على الدولة ,و�أخذوا خبر نقمته ...هربت ع�ساكر الدولة في الليل ....وفات علي ال�ضاهر على ((( محمد تقي �آل فقيه« :المرجع ال�سابق» �ص229- 228 ((( حول هذه المعركة راجع :يا�سين �سويد« :التاريخ الع�سكري للمقاطعات اللبنانية في عهد الإمارتين» جزءان ،الجزء الثاني، ط ،1الم�ؤ�س�سة العربية للدرا�سات والن�شر ،بيروت �سنة � 1985ص111 ((( محمد تقي �آل فقيه« :المرجع ال�سابق» �ص 229 ((( �إدوارد الكروا�« :أحمد با�شا الجزار و�أعماله في �سوريا ولبنان وفل�سطين» تعريب جورج م�س ّرة� ،سان باولو ،البرازيل� ،سنة � 1934ص75-74 84 ������������������������������������������������ قرايا ال�شام ونهبها ....وكانت هذه الواقعة �ضد عثمان با�شا وجنده((( ،ويبدو �أنه بعد هذه المعركة �صفت الأمور بين الأمير يو�سف والمتاولة( ,بعد الخالف الذي ح�صل بين الأمير يو�سف وعثمان با�شا) ،ويقول بع�ض الم�ؤرخين� ,أنّ نا�صيف الن�صار «انثنى راجعاً و�ص َفتْ له الأيام ،و�صار بينه وبين �إلى بالده ،ورجع الأمير يو�سف �إلى دير القمرَ , ال�شيخ نا�صيف وبنى متوال محبة عظيمة ،وزالت من بينهم جميع الأحقاد القديمة, و�أخذوا بع�ضهم على بع�ض العهود والمواثيق»(((. هذا ولم يتوقف العامليون بعد هذا التاريخ عن م�ساعدة ظاهر العمر �ضد �أعدائهما ,وخا�صة �سنة 1188هـ ،وفي �سنة 1189طلب ظاهر العمر من م�شايخ جبل عامل موافاته �إلى عكا لمالقاة محمد بك �أبي الذهب� ،إال � ّأن المتاولة ،كما يبدو لم ي�ستر�سلوا في الوقوف �ضد الدولة و�أن�صارها من الحكام ,ك�أبي الذهب ،على �سبيل المثال ،ولم ي�سلم نا�صيف والم�شايخ �إال بعد موت �أبي الذهب .(((»... هذا الأمر جعل بع�ض الم�ؤرخين ينتقدون موقف المتاولة ,حيث ي�أخذ ال�شيخ علي الزين على ه�ؤالء انقيادهم التام لحليفهم ال�شيخ ظاهر العمر ,وهو يعتبر �أنّ هذا الأخير «ا�ستغ ّل ثمرة هذا التحالف �إلى حد بعيد في كل الميادين التي خا�ضها لتحقيق �أحالمه الكبار»((( ،ويبدو �أنّ ذلك �صحيح ,لأنّ ظاهر العمر كان �صاحب م�شروع وا�ضح، فقد كان يريد الإ�ستقالل عن الدولة ،وربما يكون قد ا�ستعمل المتاولة ك�أداة جيدة لتحقيق هذه الرغبة ،وهذا الحلم لديه كان وا�ضح ًا� ،أما المتاولة ،ف�إنّ الم�س�ألة لديهم كانت تختلف ،ف�أنهم مع محاوالتهم الجادة لحكم منطقتهم ب�أنف�سهم ,ف�أنهم لم يكونوا يجدون �ضير ًا في البقاء على �صالت معينة مع الحكومة� ،إنما ال�شرط احترام حقوقهم, ((( علي الزين« :المرجع ال�سابق» �ص 547- 546 ((( نف�س المرجع �ص 559نق ًال عن العرفان م � 28ص ،159وتاريخ الأمير حيدر ال�شهابي � ،ص ،103والجزء الثاني �ص819 ((( راجع حول هذا المو�ضوع :الفقيه« :المرجع ال�سابق» �ص 138-137وعلي الزين« :نف�س المرجع» �ص 594 ((( ق�سطنطين خمار« :مجلة العربي» العدد ،281ني�سان �سنة � 1982ص .166وحول �أحمد با�شا الجزار ،ووالدته راجع :فيليب حتي« :تاريخ لبنان ،منذ اقدم الع�صور التارخية �إلى ع�صرنا الحا�ضر» ط ،2دار الثقافة ،بيروت� ،آذار �سنة � 1972ص-478 479 85 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وعدم التطاول على منطقتهم ،مع التزامهم بدفع مايترتب عليهم من �أموال وغير ذلك للحكومة. بروز �أحمد با�شا الجزار 1804-1776م1219-1190/هـ من هو �أحمد ب�شا الجزار؟ تم�ض الفترات التي تحدثنا عنها والتي كابدت فيها جبال عاملة كثير ًا من لم ِ الويالت واال�ضطرابات ،والم�شاكل حتى قدم �أحمد با�شا الجزار والي ًا على �صيدا, وا�ضطربت الأو�ضاع بقدومه ،وتوجه بع�سكره بداية نحو بيروت ,فا�ستولى عليها ,ورفع يد الأمير يو�سف عنها ،و�ضبط ما فيها من الإمالك للأمراء ال�شهابيين ,وكتب �إلى الأمير يو�سف يطلب منه الأموال ال�سلطانية عن ال�سنوات الثالث الما�ضية� ,أي تلك ال�سابقة على �سنة .1776فمن هو هذا الحاكم الجديد ,الذي التاع منه جبل عامل ,وذاقت من ممار�ساته وظلمه وجوره المنطقة ال�شيء الكثير. كان مولده في «�أوائل القرن الرابع من القرن الثامن ع�شر م ،في �إحدى قرى البو�سنة ...ويروى انه ارتكب جرماً �أخالقياً( ...قيل �أنه اغت�صب زوجة �أخية)، ا�ضطره �إلى الفرار من وجه ذويه ،حتى عا�صمة ال�سلطنة العثمانية (الأ�ستانة) وجاء �إلى م�صر �أيام المماليك ،و�أ�سلم على يد �أحد التجار ،وت�سمى ب «�أحمد»((( .خالل الفترة الالحقة« ،دخل الجزار في خدمة علي بك الكبير حاكم م�صر ،فنال رتبة البكوية ,ثم �أطلق عليه لقب الجزار ,و�أ�صبح الجالد المف�ضل لدى �سيده ممتهن قطع الر�ؤو�س ،وكان هذا اللقب الجديد مدعاة فخر واعتزاز له ,وبات ي�شعر بن�شوة هائلة كلما ر�أى ر�ؤو�س قتاله تتدحرج ,ودماءهم تهرق ,و�أ�صبح ا�سمه عند النا�س مرادفاً للرعب ،والزمه هذا اللقب طوال حياته» (من الوا�ضح �أنّ تربيته و�سيرة حياته ((( نف�س المرجع .راجع :ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 235 86 ������������������������������������������������ في البو�سنة كان لها ت�أثير كبير في �سلوكياته ,وظلمه و�إجرامه ،حيث لم يعرف عنه، في �أي وقت مع الأوقات �أنه كان رحيم ًا مع �أحد� ،أو �أنه كان يعود �إلى �ضميره ،و�ضرب به المثل حتى قيل «�أظلم من الجزار»). �إنّ البالد ال�سورية «كانت ت�شهد في القرن الثامن ع�شر �أحداثاً مروعة ،وتنتابها �ضروب من المظالم و�صنوف من الم�آ�سي ،نتيجة �إ�ستقالل بع�ض الوالة والحكام الإقطاعيين بالمقاطعات التي دانت ل�سلطانهم ،فعا�شوا بها ع ّتواً وبرعاياهم طغياناً ...وه�ؤالء الوالة الذين كانت �أولى واجباتهم فر�ض القانون وتطبيق النظام, كانت كثرتهم من العجز الحربي وال�سيا�سي بمكان ,وكثيراُ ما كانت الدولة العثمانية تغ ّيرهم با�ستمرار ,وكان ه ّمهم الكبير و�شاغلهم الأوحد �أن يجمعوا �أكبر مقدار من المال ما ي�ستطيعون» ومن ناحية ثانية «�شهدت البالد في هذا القرن �إنهياراً في الأحوال الأمنية والإقت�صادية ,وانحطاطاً في حياة ال�سكان ,كما كان من نتائج هذه الأو�ضاع ال�سائدة ازدياد تدريجي في �أهمية ال�شيوخ المحليين.(((»... �إنّ الدولة العثمانية ,وفي ظل الإ�ضطرابات التي كانت ت�سود معظم مقاطعاتها ،وفي الوقت الذي حاول فيه �أكثر من حاكم و�شيخ وزعيم الإ�ستقالل الذاتي بمقاطعة ،وجدت في الجزار خير م�ساعد لها لتنفيذ مخططاتها �ضد ه�ؤالء ،وكانت ال�سلطنة «بحاجة �إليه لتنفيذ خططها باعادة �صيدا �إلى الحكم المركزي الفعلي ،بعد �أن قويت �شوكة ظاهر العمر حاكم عكا ،لدرجة � ّأن نفوذه و�سلطانه كانا هما ال�سائدين على هذه الإيالة ومعظم فل�سطين ،فوجدت في الجزار رج ً حد من ال ذا ب�أ�س ،يمكنها الإعتماد عليه لل ّ �سيطرة ظاهر»(((. المعروف �أنّ ظاهر العمر ،وعندما �ضاق خطر الدولة به وبعكا ،دارت الدائرة عليه، ويقول الم�ؤرخ ميخائيل ال�صباغ�« :إتفق ال�شيخ ظاهر وذووه على �أن يرحل من عكا مع ((( نف�س المرجع ،والأمين « :نف�س المرجع» �ص240 ((( نق ًال عن علي الزين« :المرجع ال�سابق» �ص ،571والفقيه :المرجع ال�سابق» �ص 141 87 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة عياله �إلى قلعة هونين ,عند ال�شيخ قبالن� ،شيخ المتاولة ،كما فعل ذلك قب ً ال ،حينما ح�ضر محمد بك �أبو الذهب مع ع ّز م�صر ،وعندما �أ�سرع النا�س بالخروج من عكا خوفاً على نفو�سهم ،كذلك تج ّهز ظاهر وخرج بعياله قا�صدا هونين ،ولكن ُقتل غدراً وتم ذلك على يد �أحد رجاله� ،سنة 1189هـ ،ويقال �أنّ ر�أ�سه ُحمل على في الطريق»(((ّ ، �أعمدة البواخر �إلى �إ�سالمبول ،كما يذكر الركيني((( ،وعندما علم �أوالد ظاهر بمقتل الن�صار ،وفي نف�س العام والدهم ف ّروا �إلى جبل عامل ،ملتجئين �إلى ال�شيخ نا�صيف ّ «توفي ال�شيخ علي الفار�س ابن �أحمد الفار�س �صاحب ال�شقيف ،وهو بطل معركة كفررمان والدوالب و�صيدا(((. بعد مقتل ظاهر ،تولى �أحمد با�شا الجزار �أمر �أبنائه ،وا�ستطاع �أن يق�ضي عليهم، وبذلك «دانت له قطاعات �صفد وطبريا ،وع ّينته الدولة العثمانية في الن�صف الثاني من ت�شرين الأول �سنة 1775والياً على �صيدا ،ومنحته رتبة البا�شوية ،ثم ا�ستولى على �أمالك ال�شهابيين في البقاع ,وفي �شباط �سنة 1776منح رتبة(وزير) ،ثم منح لقب (المالكان)� ،أي حق الحكم مدى الحياة»(((. ي�أخذ بع�ض الم�ؤرخين على المتاولة في تلك الفترة ان�صياعهم للجزار ،الذي �أ�سند �إليه الحكم في والية �صيدا وعكا ،و�أنهم �ساروا مع ع�سكره يطاردون ال�شيخ علي ابن حليفهم ال�سابق ظاهر ،وال�شواهد على ذلك كثيرة ،ظاهر العمر ،و�أورد بع�ضها الركيني ّ «المطلع على نف�سه ،وير ّد ال�شيخ علي الزين على ذلك بر ّد ب�سيط ،ي�ؤكد من خالله �أن مجريات الأمور خالل الحكم الأقطاعي( ،يف�ضل تعبير المقاطعجي) يرى �أن من كان يتولى حكم �أي مقاطعة من المقاطعات ،كبيرة كانت �أو �صغيرة عليه �أن يلبي �إرادة ((( الفقيه :نف�س المرجع �ص .141وح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 206 ((( نف�س المرجع �ص 142 ((( راجع :ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 240 ((( الزين« :المرجع ال�سابق» �ص 553 88 ������������������������������������������������ البا�شا الحاكم حين ينتدب لحرب من ي�شاء من الحكام �أو الجماعات �أو الدول»(((. ان ما ورد من �أخبار في ر�سائل الأب العام افتيمو�س ز ّكار ،ال يعبر عن حقيقة الأمر، فيما يتعلق بموقف المتاولة من الجزار ،وي�ؤكد ال�شيخ علي الزين في هذا المجال �أن «المتاولة لم يتراموا في �أح�ضان الجزار لأول وهلة ،وال تهافتوا �أمام قوى الدولة و�سطوتها ،لأول بادرة كما ك ّنا نتوهم ،و�إنما وقفوا منه ومن ع�ساكره موقف الحياد والحذر� ,إلى �أن جرت الأمور بمجراها الطبيعي»(((. �سيا�سة الجزار تجاه جبل عامل ت�سد ,حيث كان يعمد �إلى �إثارة �إ�ستخدم الجزار مع زعماء جبل عامل �سيا�سة ف ّرق ْ الزعماء العامليين على بع�ضهم البع�ض ،تمهيد ًا لإ�ضعافهم ،وقد ّتم الإنق�ضا�ض عليهم الواحد تلو الأخر ،وهي نف�س ال�سيا�سة التي اتبعها مع حكام المقاطعات ،وهناك عوامل الن�صار ,بداية ,و�أهمها: عديدة جعلت الجزار يمالئ ال�شيخ نا�صيف ّ الغزوات المتكررة التي تعر�ض لها العامليين ,والتي جعلت العامليين يهتمون بتح�صينقالعهم وح�صونهم ،للوقوف في وجه الغزاة ،هكذا كان و�ضع قالع :ال�شقيف, هونين ،مي�س ,تبنين ,مارون (في ديركيفا) ،ودوبيه .هذه القالع كانت ت�ستدعي قوات ع�سكرية كبيرة الحتاللها ،وهذا لم يكن متوفر ًا للجزار في بداية عهده. الن�صار في جبل عامل ,والذي كان طبيعة نظام الحكم الذي �أقامه ال�شيخ نا�صيف ّيعتمد عل �شكل من �أ�شكال الالمركزية ال�سيا�سية ,خالف ًا لما كان عليه الأمر في جبل لبنان( ،ففي هذا الأخير كانت دير القمر ت�شكل العا�صمة المركزية ،حتى �إذا �سقطت هذه العا�صمة� ،سيطر هذا الفاتح على كل جبل لبنان� ،أما في جبل عامل، ف�إن ال�سلطة ال�سيا�سية كانت موزعة عل عدد من المراكز� ،أبرزها :تبنين ،جبع، هونين ،ال�شقيف و�سواها ،وكان هذا التوزيع يعيق عملية اجتياح الجبل). ((( علي الزين« :ف�صول من تاريخ ال�شيعة في لبنان» ط ،1دار الكلمة للن�شر �سنة � 1979ص40 ((( راجع :ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 207-206 89 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ال�سبب الأبرز� ،أن مبادرة الثورة على الدولة العثمانية كانت من قبل ظاهر العمر وعليبك الكبير ،و�أن نا�صيف ًا ر�أى فيها فر�صة منا�سبة ف�شارك فيها. ركيزة نا�صيف الن�صار في جبل عامل ،ومكانة و�ضعه الع�سكري وال�سيا�سي ،وهذاجعله ي�صمد فترة ق�صيرة بالقيا�س الزمني ،وطويلة بالقيا�س ال�سيا�سي �أمام خطة الجزار ،ولم يكن مثل الأمير يو�سف ال�شهابي و�أوالد ظاهر العمر ،ولي�س �أدل على قوة نا�صيف ،من محاولة بع�ض الأمراء ال�شهابيين ،وم�شايخ ال�شوف ،اللجوء �إليه خالل نزاعهم مع الأمير يو�سف ال�شهابي �سنة ,1776ب�سب �أموال الميري المطلوبة منهم(((. من خالل ما تق ّدم ،ف�إنّ قناعة را�سخة كانت موجودة لدى الجزار ،كما لدى ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،ب�شكل خا�ص ،بالإبقاء على العالقات الود ّية« ،وبدا من الجزار ما بدا في زيارته لمدينة �صور ومبيته عند ال�شيخ حمد العبا�س ،ثم نزول ال�شيخ نا�صيف الن�صار بعد ذلك لمواجهته ،كما يت�ضح من قول الركيني ،الذي ورد كما يلي« :وفي �سنة1190هـ ،في يوم ال�سبت الثاني والع�شرين من ربيع الأول ،ركبت خيل نا�صيف وخيل القواطعة مع �أحمد با�شا الجزار على علي الظاهر»(((. نالحظ هنا� ،أن و�ضع المتاولة كان م�ستقر ًا في تلك الفترة ،خا�صة و�أن الجزار كان حري�ص ًا على توثيق ال�صلة بهم ا�ضطراري ًا ،كما هو وا�ضح ,وكدليل على ثبات و�ضع المتاولة ،ف�إنه في نف�س العام �سنة 1190هـ ،عندما �ساءت العالقات بين الأمير يو�سف ال�شهابي والجنبالطية« ،ف ّر الم�شايخ الجانبوالدية �إلى جبل عامل ,ونزلوا على ال�شيخ حيدر ال�صعبي المتوالي ،فنه�ض الأمير يو�سف بالع�سكر �إلى ال�شوف ،وخي ّم في الجديدة ،ف�ضبط �أمالكهم ،وهدم م�ساكنهم»(((. هناك اختالف بين الم�ؤرخين حول تاريخ مقتل علي ظاهر العمر ،فال�شيخ علي الزين ((( الزين« :ف�صول « ...المرجع ال�سابق �ص 41-40 ((( ال�شدياق« :المرجع ال�سابق» الجزء الأول� ،ص153 ((( الزين « :للبحث» المرجع ال�سابق �ص 555-554 90 ������������������������������������������������ ينقل عن الركيني� ،أنّ «مقتل علي الظاهر كان �سنة1190هـ ،وقد ا�ضطر المتاولة �أن يم�شوا مع الجزار �ضد علي الظاهر خوفاً من البط�ش بهم ،مع �أنهم لم يكونوا مقتنعين بذلك ،وعندما قتل علي الظاهر غدراً �أم�سى محمد با�شا والي ،حاكم قرية «دي�شوم»� ،أتوا بجثته �إلى قرية عيناتا ودفنوه هناك»(((. �أما ال�شيخ محمد تقي �آل فقيه ،ف�إنه بدوره يعتبر � ّأن مقتل علي ظاهر العمركان �سنة 1191هـ ،ويقول �أنه قتل في ذلك العام في قرية «دي�شوم» ،بعد �أن نقل نا�صيف جثته �إليها ،هربت فر�سه �إلى �صلحا»(((. التحالف المفرو�ض لي�س � ّ أدل على القوة التي كان يتمتع بها المتاولة العامليون ،من التحركات التي كان يقوم بها نا�صيف الن�صار وجماعته ب�شكل ا�ستباقي� ،ضد من يه ّدد منطقة نفوذه ،ومن هذه التحركات ،وكلها في ظل حكم الجزار في المنطقة: �إغارات العامليين على البدو في المناطق المجاوره ،كما حدث في ربيع الثاني �سنة1191هـ (1777م) ،عندما هاجم حيدر فار�س مرجعيون ،فغنم عدد ًا من الأبقار، و�أ�سر خم�سة ع�شر رج ًال. في جمادي الأولى �سنة 1193هـ (1779م) �إ�ستولى نا�صيف على موا�شي من الزرك�شيةوالتركمان 1193 -هـ � ،إ�شترك م�شايخ المتاولة في جبل عامل ،في واقعة الجوالن، �ضد حلفاء والي ال�شام محمد با�شا المعظم ،من القبائل العربية النازلة هناك. ويختلف الم�ؤرخون في تف�سير �سبب م�شاركة الم�شايخ العامليين في هذه الأحداث، فمن خالل ما يرويه ال�سبيتي حول هذه الحادثة ،وما يذكره الركيني في مذكراته، وال�شيخ محمد تقي �آل فقيه في م�ؤلفه «جبل عامل في التاريخ» يتب ّين �أنّ عرب ال�صقر وعرب ال�سردين �أو ال�سردية ،وعرب بني �صخر ،ا�ستن�صروا بال�شيخ نا�صيف ((( الفقيه« :المرجع ال�سابق» �ص144 ((( العرفان م � 28ص 54والفقيه« :المرجع ال�سابق» �ص 148-146 91 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الن�صار على خ�صومهم بني ح�س المر�ؤو�سين لآل المزيد ،الذين كانوا قد ا�ستن�صروا بالحكومة ،و�أن ال�شيخ نا�صيف �أر�سل اليهم �أخاه «�أبو حمد الن�صار» وابن �أخيه «قا�سم المراد الن�صار» �( ،صاحب قلعة دوبية) مع عدد من الفر�سان ،و�أن هذين ال�شيخين قد ا�ست�شهدا في المعركة التي دارت مع العرب ،و�أنه عندما انتهى الجنرال نا�صيف هب للأخذ بالث�أر(((. ّ يف�سر الأمر تف�سير ًا �أقرب الى الواقع والمنطق ،وي�ؤكد �إال �أنّ ال�شيخ علي الزين ّ �أن «�إر�سال ال�شيخ نا�صيف لأخيه وابن �أخيه بمائة فار�س من المتاولة للإ�شتراك مع حلفاء �أحمد با�شا الجزار في واقعة الجوالن � -ضد ع�ساكر محمد با�شا العظم وحلفائه القبائل العربية -لم يكن بادرة عفوية من نا�صيف ،و�إنما كان بوحي من الجزار ،وامتثا ًال لإرادته كما � ّأن ا�شتراك م�شايخ المتاولة في هذه الأحداث� ،إنما كان «تقديراً منهم لميول �أحمد با�شا الجزار والي عكا� ،أو عم ً ال بو�صيته و�إ�شارته»(((. ح�سن الأمين بدوره يتحدث عن هذه الواقعة والتي انجلت على مقتل �أبي حمد الن�صار ،ومقتل مئة فار�س من قوات العامليين ،و�أنه عندما و�صل الخبر لنا�صيف، زحف للث�أر من �آل مزيد ،فهربوا تاركين �أوالدهم ون�ساءهم في م�ضاربهم ،فما كان من نا�صيف �إال �أن حملته ال�شهامة ،و�أمر قومه بالإعتزال عن تح ّلل تلك الربوع.(((... في جماد الأولى �سنة 1194هـ (1780م) ،غزا حيدر الفار�س عرب الع ّزية .وفي 29 رم�ضان �سنة 1195هـ (1780م) غزا نا�صيف قريتين في الحولة ونهب طر�شها»(((. وا�ستمرت العالقات ط ّيبة بين العامليين والجزار ،ولي�س � ّ أدل على ذلك من م�شاركة الن�صار لأحمد با�شا الجزار في معارك «علمان العامليين ،بقيادة ال�شيخ نا�صيف ّ وعانوت» ،لإعادة الأمير يو�سف �إلى حكم بالده بعد الثورة عليه �سنة1195هـ .وفي واقعة ((( علي الزين« :ف�صول »...المرجع ال�سابق» �ص 42و�ص44 ((( ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 210 ((( نف�س المرجع ((( علي الزين« :ف�صول» �ص 45و�ص 47 92 ������������������������������������������������ «ال�ضهر الأحمر» ،التي �ساعد فيها المتاولة ،بنا ًء لطلب من الجزار �أمير را�شيا ،محمد �شهاب� ،ضد ع�ساكر محمد با�شا العظم ،ع�ساكر حليف الأمير �سيد �أحمد �شهاب� ،أمير وادي التيم الفوقا والتحتا ،مع البقاع الغربي ،وفي واقعة «قب اليا�س» التي ا�شترك فيها ع�ساكر والي ال�شام ،وع�ساكر �سيد �أحمد(((. ماذا كانت نتيجة كل ذلك؟ �إنّ �أحمد با�شا الجزار ،كان ي� ّؤخر حتى تلك الفترة �صدامه مع نا�صيف الن�صار، ما دام هذا الأخير ال ي�شكل خطر ًا داهم ًا على الجزار و�سلطته ،وما دام الأخير �أي�ض ًا مقتنع ًا �أنّ نا�صيف الن�صار هو رقم �صعب ،ال يمكن محوه و�إنهاء دوره ب�سهولة ،وذلك ب�سب القوة الذاتية التي امتلكها .ي�ضاف �إلى هذه القوة� ،أنّ الأطراف العامليين ،كانوا ي�شكلون وحدة متما�سكه ال يمكن اختراقها �سريع ًا ،وهذه الأطراف كان لديها ت�صور موحد تقريب ًا� ،أنّ العالقة مع الجزار لن ت�ستمر على نف�س المنوال ،و�أن �سيا�سة هذا ّ الحاكم تق�ضي بالق�ضاء تدريجي ًا على �أعدائه ،وا�ستخدام بع�ض الم�شايخ �ضد بع�ضهم الأخر ،تبع ًا لم�صلحته هو بالدرجة الأولى .و�أن معظم الم�ؤرخين ي�ؤكدون على حكمة ال�شيخ نا�صيف((( ،التي كان لها الأثر الكبير في تما�سك العامليين ,وفي �إبقاء الجبل العاملي بمن�أى عن �أطماع الجزار �أطول مدة ممكنة. �شكوك بنوايا الجزار هكذا نالحظ �أن الجزار كان م�ضطر ًا للتحالف مع العامليين ،وك�أنه ينتظر الفر�صة ال�سانحة للإنق�ضا�ض على ه�ؤالء ,ومن الوا�ضح� ،أنه عندما ح�سم الأمور مع �أكثر خ�صومه و�أعدائه ،ف�إن مالمحه كانت تفيد وتدل ب�أنه �سوف يتابع تنفيذ خطته الأ�سا�سية ،التي تق�ضي بالق�ضاء على كل مراكز النفوذ والقوى في المنطقة ،والذين كان ي�سكت عن ((( نف�س المرجع ((( ح�سن الأمين« :المرجع ال�سابق» �ص 212 93 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة تحركاتهم ،ويقبلهم على ال�ساحة ال�سيا�سية والع�سكرية ،و�إنما على م�ض�ض. لقد بد�أ الجزار بالتوجه نحو نا�صيف الن�صار« ،الذي �شعر بقوة الجزار المتزايدة، ور�أى من الحكمة� ،أن يتقدم من طور المودة �إلى مرحلة التحالف ،ع ّله يحول بين جبل عامل وبين �شرب الك�أ�س المرة ،لذلك ف�إنه �ساهم بالفعل في محاربة علي ظاهر �إلى جانب الجزار»(((. بد�أت ال�شكوك تزداد لدى نا�صيف الن�صار من نوايا الجزار ،خا�صة عندما ر�آه يحاول ت�أديب الأمير يو�سف ،فازدادت �شكوكه حول نواياه التو�سعية ,لذلك �أخذ يع ّد العدة لمحاربته� ،إن هو حاول الإعتداء على العامليين .ويقول ح�سن الأمين نق ًال عن �أحد الم�ؤرخين العامليين� ،إن «ال�شيخ نا�صيف ذهب مع عدد من مرافقيه لزيارة الجزار، فقال ال�شيخ نا�صيف له�ؤالء�« :إذا �سمعتم الجزار يقول لي� :أنت �شعرة من �شاربي فثقوا به واركنوا اليه ،و�إن قال� :أنت ك�شعرة من لحيتي فيكون ق�صده الغدر» خالل الإجتماع ،قال الجزار الجملة الثانية ،عندها انتهز الوفد فر�صة ان�شغال الجزار لمدة وجيزة ،وركبوا وعادوا �إلى بالدهم طالبين النجاة»(((. لقد ظهر �أنّ توتر ًا ما قد بد�أ يلوح في الأفق بين العامليين والجزار ،خا�صة عندما «طلب هذا الأخير من م�شايخ العامليين موافاته �إلى عكا فرف�ضوا ذلك( ،خوفاً من �أن يح�صل معهم مثل ما ح�صل مع �أبناء ظاهر العمر �إذ غدر بهم) ،ولم ي�ش ّذ عن الإجتماع العملي �إال ال�شيخ قبالن ،الذي كان يتطوع للتو�سط بين المختلفين»(((. ((( نف�س المرجع �ص 213 ((( نف�س المرجع 213 ((( راجع نف�س المرجع �ص214 94 ������������������������������������������������ مرحلة مهادنة جديدة بين الجزار والعامليين الأجواء كانت م�شحونة بين الطرفين ،والمواجهة كانت حتمية ،لكن توقيتها كان مرههون ًا بما يح�صل خارج المنطقة العاملية ،وكيفية تعامل الجزار معها ،وا�ضطراره مجدد ًا لل�سكوت عن خ�صومه القريبين ،و�أكثر من ذلك الإ�ستعانة بهم �ضد �أعدائه الآخرين ،وهذا ما ح�صل بالفعل ،فقد ن�ش�أت ظروف �ساعدت على ت�أجيل المواجهة المحتومة ،و�أهم هذة الظروف: معارك الجزار �ضد محمد با�شا العظم ،والذي كان ي�سيطر على وادي التيم ,ويالحظ�أن نا�صيف الن�صار ذهب مع رجاله �إلى عكا ،ليزحف مع الجزار لقتال محمد با�شا العظم. تهديد موقع الأمير يو�سف ال�شهابي في ال�شوف ،وكان حليف ًا للجزار ،ولم يترددنا�صيف في تقديم يد الم�ساعدة للأمير. �سنة1195هـ (1780م) ،كان محمد الحرفو�ش (بعلبك) عند ال�شيخ نا�صيف الن�صارفي النبطية ،ثم توجها مع ًا �إلى بعلبك .وفي 20محرم و�صل محمد حرفو�ش �إلى دير القمر ,ومنها خرج يو�سف ال�شهابي �إلى �صيدا ،ثم �إلى �صور حيث التقى بنا�صيف وكليب �أبي نكد في 28محرم ،ومنها توجه يو�سف �إلى عكا عند الجزار. �أخير ًا ،حاول نا�صيف الن�صار( ،نتيجة ثقته بعالقته مع الجزار لأنه ل ّبى له كل الطلبات في النجدة والم�ساعدة) التو�سط بين الجنبالطيين والجزار ،لكنه لم يوفق، وكانت هذه �إ�شارة من الجزار �أنّ دور نا�صيف قد انتهى ،و�أن مرحلة التنا�صر قد انتهت، وبد�أت مرحلة التناحر(((. ((( عن لقاء الأمير وال�شيخ نا�صيف �سنة 1194هـ راجع :الزين « :ف�صول� »...ص .48والفقيه « :المرجع ال�سابق « �ص 150 95 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة المواجهة بين الجزار والعامليين ومعركة يارون �سبق المواجهة الحتمية بين الطرفين حادثة جعلت الجزار يحقد على نا�صيف الن�صار وجماعته ،وي�ؤكد ال�شيخ علي الزين� ،أنه لم ير فيما يرويه الم�ؤرخون ما يدعو �إلى �شك الجزار بم�شايخ المتاولة� ،أو يوجب �سخطه وثورته عليهم� ،سوى مايحدثنا به الأمير حيدر �أحمد �شهاب من �أن «الأمير يو�سف �شهاب ،لما قتل �أخاه الأمير �أفندي، وخاف من نقمة الأهالي عليه ف ّر �إلى عكا ,وعند و�صوله �إلى بالد المتاولة �إلتقاه ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،ونهاه عن النزول �إلى عكا وقال له �أنه ي�سلمه بالد المتاولة، ويكون هو تحت يده ،فما قبل الأمير يو�سف ،وظل �سائراً في طريقه»(((. هذا ويمكن �أن يكون هذا القول و�صل �إلى م�سامع الجزار بطريق من طرق الو�شاية والد�س. ّ المهم� ،أنّ عالقات الو ّد والإتفاق بين الطرفين انقلبت �إلى عداوة وحقد ،حيث �أخذ ّ الجزار يعمل جاهد ًا لإخ�ضاع المتاولة ،لأنه �أ�صبح يرى فيهم العد ّو اللدود له ،وكانت له معهم وقائع عديدة ،وكان الجزار قد «�أر�سل جماعة من جنده �إلى جهات علما للتحر�ش ،فهاجم جند ال�شيخ نا�صيف ،الذين ان�سحبوا �إلى قرية الزيب ،حيث جرت معركة لمدة �ساعتين ،قتل على �أثرها �ستة من جنود الجزار ،وبد�أ بعدها الجزار ي�ضاعف ا�ستبداده ،ويعزز جيو�شه في بالد ب�شارة»(((. بالن�سبة للمعركة الحا�سمة ،التي ح�صلت في يارون ،ف�إنها كانت �سنة 1195هـ (1781م) ،وقد تع ّددت الآراء حولها كما يلي: كانت المعركة بين طرفين مهي�أين م�سبق ًا للقتال. كانت بتواط�ؤ من قبالن على ابن عمه نا�صيف الن�صار.((( ح�سن الأمين ..المرجع ال�سابق �ص 216نق ًال عن مخطوطة الظاهر. ((( نف�س المرجع �ص216 96 ������������������������������������������������ الجزار تظاهر ب�أنه يزحف �إلى وادي التيم ،في حين كان يق�صد مباغتة جبل عامل. الجزار كان يق�صد حا�صبيا فع ًال ،ولي�س جبل عامل.لقد تحدث عن الحادثة �أكثر الم�ؤرخين ،كمحمد جابر �آل �صفا ،وال�شيخ �سليمان ظاهر الذي روى الحادثة معتمد ًا على الأمير حيدر ال�شهابي و�شبيب با�شا الأ�سعد وال�شيخ محمد تقي �آل فقيه ،ومن خالل جميع الروايات العاملية ،نالحظ �أن هناك اتفاق ًا على �أن الجزار جهز حملة قوية تقدر بحوالي ثالثة �آالف مقاتل ،وجعلها بقيادة معاونه «�سليم» ,نظر ًا لأن البا�شا ال يع ّر�ض حياته في مغامرة خطرة ،غير م�أمونة العواقب، الن�صار خرج على ر�أ�س �ألف فار�س ،و�أن الإقتتال جرى في � 5شوال و�أن ال�شيخ نا�ضيف ّ �سنة 1195هـ (الإثنين� 23أيلول �سنة ,)1781وانتهت المعركة با�ست�شهاد �شيخ الم�شايخ نا�صيف الن�صار وما بين 300و 400من فر�سانه ،ومقتل عدد من الم�شايخ العامليين، من بينهم �أخوه الفار�س �أحمد ،وعدد من القادة ،في حين خ�سر �سليم با�شا ثلث قواته». وهناك عدد من الم�ؤرخين ي�ؤكدون تواط�ؤ ال�شيخ قبالن الح�سن ،حاكم قلعة هونين مع الجزار على نا�صيف ،ظن ًا منه �أن البالد �ست�ؤول �إليه بعد ذهابه ,كما �أنّ موقف حيدر الفار�س حاكم ال�شقيف لم يكن مع نا�صيف. وبعد انتهاء معركة يارون ،دارت الدائرة على قبالن الح�سن ،فف ّر �إلى دم�شق بعد �أن �سقطت قلعة هونين بيد الجزار ،وحيدر الفار�سي حو�صر في قلعة ال�شقيف من قبل الجزار ،الذي وا�صل زحفه في جبل عامل(((. من خالل جميع الروايات العاملية نالحظ حر�ص ًا على جعل ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف مميز ًا ،بل و�أ�سطوري ًا ,مما ّ يدل على مدى تع ّلق العامليين ب�شخ�صية ال�شيخ نا�صيف القائد ،كما يبدو لنا ال�شيخ نا�صيف خريج ًا (لمدر�سة كربالء) بما فيها من معاني القيادة والإخال�ص والإيمان القائد �إلى الإ�ست�شهاد .وقد �أ ّرخ المرحوم ال�شيخ �إبراهيم يحيى العاملي تاريخ ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف بهذه الأبيات: ((( حول اتهام ال�شيخ قبالن بالغدر بال�شيخ نا�صيف راجع:علي الزين «ف�صول» �ص ،50و الفقيه «المرجع ال�سابق» �ص 157 97 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ق����ت����ل اب�������ن ن���������ص����ار ف����ي����ا ل�����ه م��ن م���ول���ى ���ش��ه��ي��د ب����ال����دم����اء م�����ض�� ّرج وت���داول���ت���ن���ا ب���ع���ده �أي��������دي ال���ع���دى ����ر �أوغ�����������ادر �أو �أه������وج م����ن ف����اج ٍ ����م ال���ب�ل�اد ال��ظ��ل��م في ه���ي دول�����ة ع ّ ت���اري���خ���ه���ا اهلل خ���ي���ر م�����ف����� ّرج ()1 يرجح رواية ال�شيخ علي ال�سبيتي لل�شيخ علي الزين ر�أي مغاير في وقعة يارون ,حيث ّ في �أ�سباب حدوث المعركة في يارون ,والتي مفادها �أنه «في �سنة خم�سة وت�سعين و�ألف، �أر�سل الجزار ع�سكراً �إلى حا�صبيا ،فجاء �إلى يارون ،فظن �أهل بالد ب�شارة �أن الع�سكر يريدهم ,فح�ضر نا�صيف ،و�صارت وقعة يارون ،وخربت البالد ،وقبل �أن يع�سكر الجزار ،ح�ضر للبالد بوا�سطة �صاحب قلعة هونين ،و�صار قتل نا�صيف بوا�سطته، وظن �أن البالد ت�صفى له ,فلم يبقِ على �أحد منهم»((( ,كما �أن ال�شيخ علي ي�شكك في حدوث عدة وقائع بين الجزار والمتاولة قبل معركة يارون. �أعمال �أحمد با�شا في جبل عامل بعد ا�ست�شهاد نا�صيف بمقتل ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،و�أخيه ،وعدد كبير من رجاله و�أن�صاره ,خ�ضع جبل عامل خ�ضوع ًا مبا�شر ًا لحكم الجزار طيلة ربع قرن. لقد عاثت قوات الجزار ف�ساد ًا وتخريب ًا في المنطقة العاملية كلها ،وكانت نتائج الحملة كارثية على الب�شر والحجر والثقافة ،و�أهم تلك النتائج: �إحراق القرى والبلدات العاملية وتدمير المنازل. �شحن ما في مكتبات جبل عامل من الم�ؤلفات والمخطوطات النادرة ,حيث يقال�أنها بقيت تحترق في �أفران عكا لمدة �أ�سبوع ,وقدرت المخطوطات بخم�سة �آالف ((( ح�سن الأمين «المرجع ال�سابق» �ص ،220و محمد جابر �آل �صفا« :المرجع ال�سابق» �ص138 98 ������������������������������������������������ مخطوطة( .ويقول بع�ض كبار ال�سن في المنطقة على �أل�سنة �آبائهم و�أجدادهم �أن بع�ض المهتمين بالتراث العاملي ذهبوا �إلى عكا ،حيث ا�شتروا من �أهلها بع�ض ما �سلم من الكتب ولم يحرق). كما �أنه «قب�ض على فريق من الوجهاء ف�أماتهم خنقاً في �سجون عكاّ ، و�شرد من بقي منهم �إلى البالد المجاورة ،وكان هناك حملة �إرهابية هدفها :ال�سرقة والنهب �أمام خوف العامليين وفرار �أغلبهم ،وفي كل مرة يدفع ال�شعب الثمن ،فقد ُ�سرقت الم�ؤن و�أحرقت القرى ودمرت المنازل ،وبد�أ رجال الحملة مجزرة ب�شرية مفجعة عندما �أ�سرفوا في الجبل قتال وذبحاً»(((. لقد قتل الجزار الرجال «و�سلب الأموال و�سبى الن�ساء ,حتى كانت المر�أة تباعبثلث قر�ش ،وبعد ذلك �أخ�ضع مدينة �صور ،كما هاجم جنده بيروت ،فهرب معظم �سكانها ،و�أحرقوا وقتلوا وباعوا الأ�سرى ،و�أر�سلوا �إليه منهم الكثير ،فقطع ر�ؤو�س البع�ض ،و�أجل�س �آخرين على الخازوق»((( ،و�إ�ضافة �إلى ذلك «ف ّر من بقي من الحكام و�أبناء الع�شائر �إلى جبال حلب والأنا�ضول ،وق�صد بع�ضهم عكار ،ف�أنزلهم حاكمها علي بك الأ�سعد المرعبي في دار رحبه ،لم تزل للآن تعرف بدار الع�شائر». كما �أنّ معظم الم�ؤرخين ال يزالون يتحدثون عن م�آ�سي الجزار على جبل عامل فيقولون« :ق�ضى الجزار على الإ�ستقالل الذاتي لجبل عامل ،الذي كان ينعم به في ظل م�شايخه ،كما تابع الجزار انتقامه من العامليين بجي�ش م�ؤلف من الأكراد والأتراك ،و�أعمل ال�سيف بهم ،وا�ستباح �أعرا�ضهم ونهب �أموالهم ،ناهيك عن هتك الأعرا�ض واغت�صاب العذارى ،وت�صف العرفان ما حدث بالأمور التالية� :صار الأمير ا�سماعيل يع ّد الن�ساء وي�أخذ عليهن خفراً ،كما �أخذ العداد والخراج ،وهدمت الدولة القالع ،و�أخذوا الأوالد والن�ساء .كما ورد في دواني القطوف مايلي« :وكانوا يبيعون ((( نف�س المرجع �ص 240 ((( نف�س المرجع �ص 221نق ًالعن ميخائيل م�شاقة و عن العرفان دون ذكر رقم المجلد.. 99 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة المر�أة بع�شرة م�صاري» وفي م�شهد العيان ورد :كان الرجال ي�ساقون �إلى عكا ،ينتظرهم الموت على الخازوق» .وكذلك «هرب الم�شايخ �إلى بعلبك ،وال�شيخ قبالن و�أخوته �إلى ال�شام عند واليها محمد با�شا العظم». كما ورد في العرفان مايلي« :جعلت الدولة ت�أخذ من الرعية الأموال والخيل وال�سالح ،وكانت هذه ال�سنة �سنة خوف وجزع وذعر �شديد»(((. ت�شريد العلماء العامليين يذكر بع�ض الم�ؤرخين �أنّ علماء جبل عامل «تقدموا ب�شكوى �إلى حكومة الباب العالي �ضدّه ،فزاد انتقامه من المنطقة و�أهلها ،فهاجر العلماء و�أهل الف�ضل �إلى البالد الإ�سالمية البعيدة ،كالهند والعراق و�إيران والأفغان ،وخدموا فيها الإ�سالم وال�شيعة الإمامية � ّأجل خدمة»(((. ممن ا�ست�شهد من العلماء العامليين« :العالمة ال�سيد فخر الدين ف�ضل اهلل� ،أحد معا�صري ال�شيخ نا�صيف ،و�شاعره الخا�ص ،وال�شيخ علي بن خاتون العاملي ،وكان فقيهاً ،وبرع في الريا�ضيات والطب القديم� ،أ�سره �أحمد با�شا الجزار من جملة علماء جبل عامل� ،سنة 1800م ،ويقال �أن الجزار عفى عنه �أو ًال ،ثم قتله �أحد جنوده في جويا �أمام احفاده ،ودفن هناك ،وهاجر �آل خاتون �إلى جويا وا�ستقروا هناك»(((. هذا ،ويذكر ال�شيخ الفقيه �أن «ال�شيخ �إبراهيم يحيى ،قطن دم�شق ال�شام ،وبقي بها ال�شيخ علي خاتوني ،الطبيب الفقيه ،والعالم بعدة علوم ،هاجر بطلبها �إلى �إيران، وقد �صودرت �أمواله و�ضبطت �أمالكه ،وحب�س مرتين ،ولم تقبل منه فدية ،ثم �أخذت المكتبة التي كانت لآل خاتون ،وكان ال�شيخ المذكور ولي �أمرها ،وكانت تحتوي على خم�سة �آالف مجلد من الكتب الخطية النادرة ،ف�أم�ست في عكا طعمة للنار»(((. ((( نف�س المرجع �ص 220 ((( راجع :مح�سن الأمين «�أعيان ال�شيعة» المجلد الثامن �ص235 ((( راجع :الفقيه»:المرجع ال�سابق» �ص 166وما بعدها. ((( محمد ح�سين المظفر»:تاريخ ال�شيعة» ط 3دار الزهراء �سنة � 1983ص161-160 100 ������������������������������������������������ وم ّمن ف ّر من العلماء من ظلم الجزار« :العالم الكبير وال�شاعر المبدع ال�شيخ �إبراهيم يحي ،قطن دم�شق ال�شام ،وال�سيد �أبو الح�سن ابن ال�سيد حيدر الأمين، ال�شيخ ح�سن �سليمان ،ال�شيخ محمد الح ّر ،وكثير من �أهل العلم والمعرفة»(((. هذا وقد «�سرق التراث العاملي المخطوط ،والذي كان متراكماً في المكتبات الخا�صة ،ولم يكن مت�سعاً من الوقت لدى �أ�صحاب المكتبات لنقله �أو ترحيله� ،أتلف ما �أتلف والباقي �سرق ،ولم ينج �إال القليل القليل مما حمله �أ�صحابه �إلى البلدان البعيدة»(((. ماذا بعد �إجتياح جبل عامل �إداري ًا ،طر�أ تغيير وا�ضح على الو�ضع الإداري في المنطقة ،فقد «جعل الجزار �إبراهيم م�شاقة مت�سلماً للإدارة ،وجعل مركزه في قلعة مارون ،وت ّم اختياره لأنه كان على خبرة في �أحوال جبل عامل ونف�سية العامليين ،منذ �أن كان كاتباً لنا�صيف في �صور ،فن�ش�أت بينه وبينهم عالقات تجارية زاهرة ،وقد �أح�سن هذا �إدارة الجبل ،لكن العامليين كانوا ال ير�ضون عن الإ�ستقالل بدي ً ال»(((. �إن هذه العملية التي قام بها الجزار ،وحقق خاللها �إنجازات مهمة� ،أك�سبته مكانة ونفوذ ًا زائد ًا في الأ�ستانه وفي الوالية ،لأنه �أخ�ضع منطقة كانت ع�ص ّية لفترة طويلة عن معظم والة �صيدا ،هذا «و�أ�صبح الجزار �سيد بالد مزدهرة و�أرا�ضي خ�صبة وغنية، ت�ضم مدينة ومرف�أ �صور التجاري ،التي غادرها جميع �سكانها ،حين علموا بالنكبة التي حلت بال�شيخ نا�صيف الن�صار .وا�ستبدل البا�شا م�شايخ مقاطاعات جبل عامل الذين ف ّروا من البالد ،مت�س ّلمين م�ؤقتين من قبله»(((. ((( مح�سن الأمين :الأعيان»...المرجع ال�سابق» �ص235 ((( راجع:ح�سن الأمين «المرجع ال�سابق» �ص223 ((( راجع تقرير القن�صل الفرن�سي� ،صيدا ،مترجم ،مجموعة(�)A.E.Bسجل رقم 1040تاريخ 1982/6/2 ((( نف�س المرجع 101 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وكان لهذا الو�ضع الم�ستجد ت�أثيرات �سلبيةَ ،ح َد ْت بوالي �صيدا �إلى محاولة تدارك �أمر ت�أثير خل ّو البالد من �أهلها على الو�ضع الإق�صادي في البالد ،وبالتالي على ما �سيجنيه وما يملأ خزائنه بالثروات« ،فح�ضر �إلى �صور لكي ي�ؤكد ب�شخ�صه بقاء كل ما يخ�ص زعماءها ،وت�أمين ممتلكات ال�سكان ،و�أ�شارت �إلى ذلك الوثائق الفرن�سية ال�صادرة عن �صيدا بقولها�« :أذاع هنا ،وفي كل الأمكنة التي لج�ؤوا اليها� ،أن ب�إمكان جميع الذين خرجوا العودة �إلى �صور ،دون خ�شية �أو خوف� ،سواء منه �أو من �أي �شخ�ص �آخر»(((. لقد �أظهر ال�سلطان العثماني ر�ضاه الكامل عن عملية تدمير جبل عامل واحتالله، و�أر�سل الجزار �أحد موظفيه ومعه هدية ،من �سيف وخلعة ثمينة ،ومظاهر ال�شرف هذه لم تجعله (�أي الجزار) بعيد ًا عن مطالبة الباب العالي له بت�أدية الح�ساب عن الثروة التي ا�ستولى عليها في هذه الحملة. متابعة حملة الجزار بعد �أن ر ّكز الجزار �سلطته في جبل عامل ،ولم يبق �أمامه �إال قلعة ال�شقيف التي بقيت ووجه ع�ساكره لتفر�ض ح�صاراً على قلعة ال�شقيف، ع�صية عليه طيلة تلك الفترة« ،عاد ّ التي كان معت�صماً بها ال�شيخ حيدر الفار�س مع �أتباعه ،وبالرغم من الق�صف المدفعي الذي كانت تتعر�ض له القلعة ،فقد �صمد ال�شيخ �شهراً كام ً ال ،ولم ت�ستطع ع�ساكر البا�شا تحقيق �أي ك�سب ،ب�سب رداءة القنابل الم�ستعملة ،وجهل المدفعجية ب�أ�صول ا�ستخدام �سالحهم ،و�شجاعة المحا�صرين ،الذين �أبدوا ب�سالة فائقة في الدفاع عن �أنف�سهم ،خ�شية �أن ي�صيبهم ما �أ�صاب �أبناء م ّلتهم» كما ورد عن دار الوثائق القومية في باري�س(((. ((( نق ًال عن دار الوثائق القومية في باري�س ،مجموعة (�)A.E.Bسجل رقم 1039تاريخ 1982/6/2 ((( هذه الفرق �سميت بهذا الإ�سم� ،أي قطاع الطرق ،الذين كانوا يطلبون من القرى مال الميري والذخائر والم�ؤن… 102 ������������������������������������������������ وحين ف�شلت خطة البا�شا الحتالل القلعة بالقوة� ،سعى �إلى تحقيق ذلك بالوعود المغرية للأ�سباب التالية: خ�شي �أن تطول فترة الح�صار �أكثر ،وما يتطلبه ذلك من نفقات باهظة. �صمود العامليين فترة �أطول من �أن ي�ؤدي �إلى �إزالة الهيبة والمكانة والخوف ،التيكان يثيرها �إ�سمه في والية �صيدا ( بعد انت�صاراته المتتالية). خطر بقاء قوات في هذه البالد المعادية له ،واقتراب ف�صل ال�شتاء. من م�صلحته �أن يتم ت�سليم الح�صن عن طريق المفاو�ضات ،لي�ضمن �سالمةمحتوياته من نهب قواته. هذا وانتهى الأمر بمفاو�ضات بين الفريقين� ،أدت �إلى ح�ضور البا�شا �شخ�صياً �إلى ال�شقيف في �سنة 1196هـ 24 ،ت�شرين ثاني �سنة ، 1781عندما �أكدوا له ب� ّأن المحا�صرين م�ستعدون �أن ي�ست�سلموا له �شخ�صياً ،وا�ست�سلم ال�شيخ حيدر الفار�س ((( ورجاله و�س ّلموا الح�صن للبا�شا» الجدير بالذكر �أنّ الجزار ّ حطم القالع ال�سبع الرئي�سية في جبل عامل وهي :هونين، تبنين ،مارون ،مي�س� ،صربا ،جباع ،و�شمع� ،إ�ضافة �إلى الإ�ستيالء على ميناء �صور. الرد مجدد ًا على الإحتالل -الفرق الإنتحارية كما �أ�سلفنا قوله ،ف�إن البا�شا ،قائد القوات التابعة للجزار ،والتي احتلت المنطقة، عمد �إلى ا�ستبدال م�شايخ جبل عامل (الحاكمين الفعليين للنواحي المتعددة) ب�ضباط من عنده ،مز ّودين بفرق ع�سكرية قادرة على ال�سيطرة بفاعلية على تلك المقاطعات، لم ي�ستكن �أبناء جبل عامل لهذا الواقع الم�ستجد ،خا�صة و�أنهم يقاومون �أية قوة طاغية ظالمة محتلة ،وهذا ما �أثبتته ال�سيرة التاريخية للمنطقة و�أهلها .وكان الرد على النحو التالي: ((( �إبراهيم العورة»:تاريخ والية �سليمان با�شا العادل» ن�شره ق�سطنطين البا�شا ،حري�صا ،ال تاريخ (�ص )34 103 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة بعد ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،ت�سلم القيادة مكانه �إبنه الأكبر ال�شيخ فار�س النا�صيف ،فلعب نف�س دور والده الن�ضالي والجهادي. الجزار ركز �سلطته في مدينة �صور ،التي لم يبقَ فيها �أحد ،فعمد الجزار على �إعادة الم�شايخ و�أتباعهم �إلى المدينة ،لي�س حب ًا بهم ،و�إنما رغبة منه في جني الأموال المترتبة على عملية الإلتزام� .ش ّكل ال�شيخ فار�س النا�صيف و�إخوانه و�أعوانه الذين ذهبوا �إلى بعلبك وعكار فرق ًا �إنتحارية� ،سميت بـ «الط ّياح»((( .وراحت هذه الفرق «تدخل مت�سللة �إلى جبل عامل ،وراح �أفرادها يقومون بكمائن �ضد قوات الجزار ،وبغارات على مع�سكراته»(((. من ناحية �أخرى ،ح�صلت تحركات عاملية في منطقة �صور ،كان من �ش�أنها محاولة الرد على الهزيمة التي ُمني بها العامليون على يد الجزار ،وفي هذا المجال �إجتمع في قرية �شحور ،من �أعمال �صور� ،أعيان البالد ،وقرروا الت�صدي للجزار بكل ما هو متوفر لديهم ،بغية �إنقاذ ما تبقى من البالد والحفاظ عليها ،و�أ ّلفوا مجموعات قتالية لهذه وع ّين ال�شيخ علي الزين الغاية ،وعهدوا بها�إلى ال�شيخ حمزة بن ال�شيخ محمد ن�صارُ ، من�سق ًا لهذه المجوعات ،وكان �أول عمل قتالي نفذته هذه المجموعات ،هو من �شحور ّ مهاجمة قلعة تبنين ،نظر ًا لما تمثله هذه القلعة من رمزية ،كونها كانت معقل ال�شيخ نا�صيف ،ومركز حاكمية جبل عامل((( ،وكان ذلك �سنة 1179هـ 1783 -م ،يوم ا�شتد الخ�صام بين الجزار والأمير يو�سف ال�شهابي ،عندها �أر�سل �أوالد نا�صيف ورجالهم، يعربون ليو�سف عن ا�ستعدادهم لقتال الجزار� ،إذا �أ ّمن لهم ال�سالح الالزم ،فوافقهم وح�ضروا �إلى بالد ال�شوف ،ومنها توجهوا �إلى �شحور. لم ي�سكت الجزار عن هذه العمليات ،وعمل على الت�صدي لها ،لأنه كان ي�شعر �أنه لو ((( محمد جابر �آل �صفا« :المرجع ال�سابق»(�ص )139 -138 ((( �إدوارد الكروا« :المرجع ال�سابق» (�ص )174 ((( دار الوثائق الفرن�سية … مجلد ،979تاريخ 1784/6/4 104 ������������������������������������������������ لم يح�سم �أمرها ،ف�إن نا�صيف ّن�صار �آخر �سيبرز ،و�سيحاول الأخذ بالث�أر ،ولذلك ،ف�إنه «على �أثر هذه الهجمات ج ّهز الجزار حملة ع�سكرية على بلدة �شحور ،لت�أديبها ،فقتل الن�صار ،وف ّر ال�شيخ علي الزين �إلى �إيران ،ومنها �إلى الهند ،ولم يعد ال�شيخ حمزة ّ �إلى البالد �إال بعد �سيطرة الإنكليز»(((. في نف�س ال�سياق المقاوم من قبل العامليين �ضد الجزار وممار�سته التع�سفية« ،بلغت جر�أة العامليين �إلى ح ّد قيام ال�شيخ عقيل ابن فار�س الن�صار بالهجوم على قلعة تبنين ،ف�أفنى الع�ساكر الموجودة فيها ،و�أخذ منها الثروة التي خب�أها والده في الح�صن المذكور»((( ،ويقال �أن هذه الثروة كانت مطمورة تحت �شجرة في الح�صن. «فوجئ ال�شيخ عقيل بوجود قوة م�سلحة من المغاربة ،كان قد تركها البا�شا لحفظ الأمن في البالد المجاورة ،ف�أفنى تلك القوة ،ونقل الكنز �إلى مكان �أمين ،ولم يقتل من رجاله �سوى �أربعة ،ثم غادر القلعة بعد �أن ترك فيها حامية من رجاله ،و�أحرق ونهب عدة قرى ،وتابع زحفه نحو عكا ،و�أ�صيب الجزار بالذهول حين علم بالن�صر الذي حققته قوات ال�شيخ عقيل وقوات الط ّياح في تبنين ،وخ�شي من انتفا�ضة �سكان جبل عامل ،والتفافهم حول ال�شيخ ال�شاب ،مما قد ي�ؤدي �إلى ا�ستقاللهم ،وتع ّر�ض قواته للفناء ،نظراً للتحالف القائم بين العامليين و�أمير جبل الدروز ...فقرر �إخماد الفتنة في مهدها ،والحيلولة دون ازدياد نفوذ متمردي جبل عامل بين �أبناء م ّلتهم، وبالتالي تدهور مكانته بين رعاياه ...وقد �أنكر �أحمد با�شا تع ّر�ض قواته للهزيمة في تبنين ،و�أطلق في 1199هـ ،في الأول من حزيران �سنة 1784مدافع قلعة �صيدا، �إحتفاء بانت�صار جنوده على ع�صاة جبل عامل»((( ،وكان هذا الأمر زور ًا وبهتان ًا في تلك الفترة ،حيث �أن �أكثر الم�ؤرخين ي�ؤكدون هزيمة ع�سكر الجزار في تلك الحادثة. ((( راجع :ح�سن الأمين »:المرجع ال�سابق» (�ص )324 – 323 ((( تقرير القن�صل الفرن�سي في �صيدا ،مجموعة (� )A.E.Bسجل 1040تاريخ 1784/6/2 ((( راجع� :إبراهيم العورة« :تاريخ والية …» المرجع ال�سابق. 105 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ر ّد الجزارعلى العامليين مجدد ًا ر ّد ًا على هذه الهزيمة ،ف�إن الجزار عمل جاهد ًا في �سبيل �إخ�ضاع بع�ض المناطق العاملية ،التي ات�ضح �أنها ال تزال خارجة عن �سلطته ،وت�شكل تهديد ًا ما له ،و�أ�صدر في 1199هـ ،الأول من حزيران �سنة 1784م �أمر ًا �إلى القوات التي كان قد �سي ّرها في ذلك اليوم الجتياح جبل الدروز ،بالإن�سحاب ،و�أر�سلها من جديد �إلى جبل عامل ،وا�ضطر االمير ا�سماعيل ال�شهابي بالعودة ب�أتباعه �إلى �صيدا ،وق�صف البا�شا �أربع قرى عاملية، ود ّمرها تدمير�أ كام ًال (لم يذكر �أ�سماءهذه القرى) .كما تمكنت قواته من الإنت�صار على الط ّياح. وفي الثاني من حزيران ،عر�ض البا�شا ر�ؤو�س القرى المتمردين خارج �أبواب المدينة، كما �أمر بخوزقة �أحد الزعماء العامليين ،وقد ت�صرف بهذا ال�شكل لتحقيق هدفين، �أولهما �إثارة الرعب والخوف لدى �سكان الوالية ،والثاني ترهيب �أن�صار الأمير يو�سف. وبعد �أن �أعاد الجزار النظام في جبل عامل ،ترك والي �صيدا جانب ًا من القوات التي �أر�سلها �إلى هناك للحفاظ على الأمن فيها ،و�سحب ما تب ّقى ال�ستخدامه في حملة جديدة على جبل الدروز المتمرد عليه ،وعزل الأمير يو�سف ال�شهابي ،و�أقام عمه الأمير �سيد �أحمد وخاله الأمير �إ�سماعيل كحاكمين على تلك البالد(((. تزايد هجمات الط ّياح وموقف الجزار �أقام الجزار مراكز ع�سكرية كثيرة في منطقة جبل عامل ،وكانت تدعى بـ» ال�سردلة»، وهدفها البحث عن الط ّياح في المنطقة ،لكنها -كما يقول بع�ض الم�ؤرخين « -كانت تعود خائبة ،ثم ع ّين ع�ساكر من العامليين �أنف�سهم ،ومع ذلك لم ُي ْجدِ ِه ذلك نفعاً، لأنهم كانوا يح�ضرون للبحث عن الم�شايخ الع�صاة ،ويكون ه�ؤالء قد انتقلوا �إلى ((( ونق ًال عن ح�سن الأمين « :المرجع ال�سابق» (�ص)321 106 ������������������������������������������������ مناطق �أخرى وعرة� ،أو �إلى �أطراف البالد»(((. للم�ؤرخ ح�سن الأمين ر�أى في ه�ؤالء الط ّياح ،حيث يقول �إنّ «جبل عامل عانى كثيراً من هجمات �أولئك الط ّياح ،لأنه وقع بين نارين ،نار مت�س ّلمي الجزار ،وجنوده ،ونار الثوار ،فكان البا�شا ير�سل مت�سلميه وجنوده ال�سردلة لمالحقة الع�صاة ،فيعيثون في البالد ف�ساداً ،وي�ض ّيقون على ال�سكان ،ويغير الثوار على القرى في�سلبون وينهبون ويحرقون ما ي�صادفهم من �أمتعة ،ومن ثم يف ّرون في بطون الأودية� ،أو يعت�صمون في قمم الجبال» ،وي�ضيف الأمين قائ ًال« :كان الأهالي يدفعون الميري والذخائر للمت�سلمين والع�ساكر ال�سردلة ،الذين كانوا يدّعون ب�أنهم يحافظون عليهم من التعديات ،كما كانوا يدفعون الميري والذخائر للم�شايخ المذكورين و�أتباعهم، بحجة �أن البالد بالدهم و�أهاليها عبيد لهم»(((. �إنّ محاوالت الجزار المتكررة للإيقاع بالط ّياح باءت بالف�شل ،بالرغم من �أنه كان قد �أخ�ضع المنطقة العاملية ل�سلطته ،ي�ساعد في ذلك �ضباط عينهم ليحكموا با�سمه المناطق التي �سيطر عليها ،وب�شكل مبا�شر. في تلك الفترة ،تقلب الجزار في �سيا�سته مع الدروز بين الأمير يو�سف وخاله الأمير �إ�سماعيل ال�شهابي ،وو�صلت الأمور به �إلى ح ّد «�إثارة العداء بين الأمير يو�سف، ملتزم جبل الدروز ،وخاله الأمير �إ�سماعيل مت�سلم مقاطعتي مرجعيون وحا�صبيا، مد الأمير الأخير بقوات من عنده� ،أقامت مع�سكراً التابعتين لإدارة والية دم�شق ،و�أ ّ لها في جزين ،لكنها هزمت في جباع»(((. ا�ستغل الط ّياح هذا الأمر� ،أي ان�شغال الجزار في القتال الدائر بين الخ�صمين من �أمراء �آل �شهاب في ال�شوف ،و«�سحبه �أعداداً كبيرة من قواته المتواجدة في بالد ((( نف�س المرجع (�ص)322 ً ((( دار الوثائق الفرن�سية …مجلد ،979تاريخ 1784/8/15راجع �أي�ضا :حيدر ال�شهابي « :الغرر الح�سان» المرجع ال�سابق (�ص )137 ((( الأمين »:المرجع ال�سابق» (�ص)320 107 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة عاملة ،لم�ساندة حليفيه الأميرين ال�شهابيين �إ�سماعيل و�سيد �أحمد ،فزادوا من غاراتهم وهجماتهم على القوات القليلة المتبقية في بالدهم ،وت�شجع فتيانهم الذين ف ّروا �إلى دم�شق ،فح�ضر حوالي �ستماية فار�س منهم ،و�شك ّلوا مع الط ّياح قوة مهاجمة� ،إن�ضم اليها حوالي �ألف من فالحي جبل عامل ،و�شجعهم الأمير يو�سف ال�شهابي ،وتحالف معهم ،و�س ّهل �إمدادهم بال�سالح والم�ؤن والمقاتلين ،وكان ذلك في �سنة .(((»1784 الجزار والم�ؤامرة ترافق تحرك الط ّياح مع �أخبار و�إ�شاعات �أفادت ب�أنّ الباب العالي حانق على الجزار وتحركاته ،وهناك نية من قبل ال�سلطنة العثمانية للتخل�ص منه ،كما �سرت �إ�شاعة في المنطقة تفيد «ب�أن الباب العالي �سوف ير�سل حملة بحرية وبرية لتدمير الجزار، و�صار ال�سكان يت�صورون � ّأن عزل البا�شا �سيتم بين لحظة و�أخرى»(((. في هذا الوقت بالذات ،ت�شكلت خاليا �سر ّية في جبل عاملّ ، خططت للإنق�ضا�ض على ع�ساكر البا�شا ،بمجرد تبلغهم �أول �إ�شارة ر�سمية عن عزله ،لكن بو�صول �أنباء هذه الم�ؤامرة �إلى م�سامع الأخير� ،أ�صدر �أمر ًا في 1200هـ� ،أيار(مايو)�سنة ،1785باقتياد الزعماء المت�آمرين �إلى عكا مقيدين بالحديد ،وبطرد جميع المتاولة ومعاملتهم بال�ش ّدة المتناهية»((( ،وهكذا ا�ستطاع الجزار مجدد ًا �أن يق�ضي على «الم�ؤامرة» التي كانت ت�ستهدفه ،وهذا الأمر كانت له �آثار �إيجابية بالن�سبة اليه ،حيث �أن الأ�ستانة �إقتنعت بقوته الع�سكرية والإقت�صادية ،و�أنه «�أحد الوالة القالئل القادرين الإعتماد على �أنف�سهم لتمويل وقيادة قافلة الحج بفعالية ،ف�صدر فرمان �سنة 1201هـ ،الأول من ((( دار الوثائق القومية في باري�س ،مجموعة ( )A.E.Bمجلد ،979تقرير �صادر عن عكا ،بتاريخ 1785/5/16راجع �أي�ض ًا: «حيدر ال�شهابي« :المرجع ال�سابق» ن�شره �أ�سد ر�ستم وف�ؤاد �أفرام الب�ستاني بعنوان« :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين»الجامعة اللبنانية� 3 ،أجزاء ،بيروت �سنة �( 1933ص )137 ((( دار الوثائق :المرجع ال�سابق» �سجل ( 979حالة القن�صلية العامة في �سوريا وفل�سطين خالل العام �سنة )1786 ((( راجع� :إبراهيم العورة »:المرجع ال�سابق» (�ص )35والأمين» المرجع ال�سابق» ط 325 108 ������������������������������������������������ �أيار �سنة ، 1786يجعل اثنين من مماليكه� :سليمان با�شا والياً على طرابل�س ،و�سليم با�شا والياً على �صيدا ،و�أ�شارت التقارير الدبلوما�سية الفرن�سية ،ال�صادرة عن عكا �إلى ذلك بقولها� ...:أ�صبح الجزار �سيد �سوريا الأوحد ،تخ�ضع لأمره البالد الممتدة من الالذقية �شما ًال �إلى غزة جنوباً ،ومن البحر المتو�سط غرباً �إلى بادية ال�شام �شرقاً، ((( يحكم هذه البالد ال�شا�سعة بوا�سطة �ضباط» المزيد من المعاناة العاملية و�صلت الأمور في منطقة جبل عامل �إلى درجة ،لم يعد فيها �أهله قادرين على العي�ش ب�أمن وهدوء و�سالم ،خا�صة �أن الو�ضع �إت�سم ب�أمور عديدة ،د ّلت ب�شكل رئي�سي على معاناة العامليين من ظلم المت�سلمين ،وا�ضطرارهم لدفع الميري والذخائر والم�ؤن، ومهاجمة البلدات والقرى بحجة �ضرب الثوار ،ونق�ص في الأمالك ب�سبب م�صادرتها، وم�صادرة الغالل والت�ضييق على ال�سكان ،وفر�ض الغرامات النقدية ،و�إجبار المواطنين على القيام ب�أعمال ال�سخرة ،والفر�ض على ال�سكان تقديم الهدايا لل�ضباط و�إيواء الجنود ،وتقديم ما يحتاجونه من طعام وغذاء ،وت�أدية العلف لخيولهم ،وم�صادرة الدواب من القرى لنقل الم�ؤن والذخائر للع�سكر ،وا�سترقاق الن�ساء والأطفال ّ الر�ضع، وبيعهم في �أ�سواق النخا�سة ،والقيام بنهب ما ي�صادفه الجنود من متاع و�أثاث وم�ؤن(((. علم الجزار ،وهو في دم�شق ،وكان ي�ستع ّد لل�سفر من هناك لت�أدية فري�ضة الحج ،بما يح�صل في جبل عامل ،و�أنّ «جماعة من العامليين ،من �آل علي ال�صغير ،قد فرت �إلى م�شغرة ،و�أقامت فيها ب�إذن وحماية الأمير يو�سف ال�شهابي ،فخ�شي �أن ي�ستغل ه�ؤالء فر�صة غياب وتوزيع قواته بين واليات طرابل�س و�صيدا ودم�شق ,ومرافقة عدد من تلك الع�ساكر لقافلة الحج ال�شامي ،فيتوجه ه�ؤالء الم�شايخ �إلى جبل عامل بم�ساعدة ((( حيدر ال�شهابي«:المرجع ال�سابق» الجزء الأول (�ص)141 ((( نف�س المرجع 109 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الأمير ال�شهابي الحاكم ،للإنتقام لما �أ�صابهم على يد البا�شا وقواته ،فق ّرر �أن يزيل مخاوفه بالق�ضاء عليهم ،عن طريق الأمير يو�سف ،والفر�صة متاحة �أمامه نظراً لوجود ال�شيخ �سعد الخوري ،مربي وم�ست�شار الأمير يو�سف مرتهناً لديه ،وبذلك �سوف يجبر الأخير على تنفيذ ما يطلب منه ،وهو ي�ستطيع تحقيق هدفين: �أولهما� :ضرب التحالف العاملي ال�شهابي ،وزرع بزور الفتنة والإن�شقاق. وثانيهما :الق�ضاء على �آل ال�صغير الالجئين في م�شغرة»(((. هذا ،وقبل خروج الجزار بقافلة الحج� ،أ�صدر �أمر ًا �إلى ال�شيخ �سعد الخوري� ،أن يكتب �إلى �سيده �أمير جبل الدروز ب�إلقاء القب�ض على م�ضيفيه العامليين ،و�إر�سالهم �إلى والي �صيدا �سليم با�شا ،وا�ستجاب الأمير يو�سف للأمر ،و�س ّلم العامليين �إلى عدوهم ،وقد �أثار ت�صرفه هذا ا�ستنكار المعا�صرين ،لأنه يتنافى مع تقاليد المنطقة التي تحثّ على حماية الالجئ والدفاع عنه» ،و�أ�شار �إلى ذلك الم�ؤرخ حيدر ال�شهابي بقوله« :لم يحفظ الجوار ويرعى الذمام ...والم النا�س الأمير يو�سف على ذلك.(((»... �إنّ ما ورد في هذا المو�ضوع ي�ؤ�شر على عدة �أمور منها� ،أنّ الجزار ،وبالرغم من اجتياحه المنطقة واحتاللها وقتل بع�ض كبار رجاالتها ومن معهم ،ف�إنه كان اليزال، ي�شعر بالخوف والرعب من ه�ؤالء ،وك�أنه ال يزال يح�سب لهم ح�ساب ًا ،كما �أنّ الزعماء العامليين ،كانوا يحاولون ا�ستغالل الخ�صومات ال�سيا�سية للجزار مع بع�ض الزعامات، للإ�ستفادة منها �ضد محاوالت الجزار �إ�ستهدافهم� ،أو في فر�ض �أنف�سهم كقوى لها �أهميتها ،وال يمكن عدم التطلع �إليها و�إلى مواقفها. كذلك البد من مالحظة �أمر مهم ،وهو �أن �أعداء العامليين كانوا ي�ستغلون �أحيان ًا بع�ض الخ�صومات بين زعماء عامليين ،للدخول من خاللها �إلى المنطقة ،كما �أن االتفاق بين الزعامات العاملية ،كان من �ش�أنه �أن يح ّد من ت�أثير التعديات على المنطقة. ((( علي الزين « :ف�صول…»المرجع ال�سابق» (�ص )106-105 ((( نف�س المرجع (�ص)117-116 110 ������������������������������������������������ هكذا بقيت البالد طيلة فترة حكم الجزار ،وبالرغم من الأقوال التي تتحدث عن تغير طر�أ على موقفه بعد �أن ر�أى خراب البالد ،ثم �أ�شير عليه با�ستدعاء ال�سيد محمد الأمين بعد �أن ي�ؤمنه ،وهذا الأخير يتك ّفل ب�إعادة عمران البالد ،وعودة �أمراء جبل عامل �إلى ربوعه ،وهكذا كان ،حيث ا�ستقر الأمر ،وعمرت البالد من جديد. �سنة 1209هـ � -سنة 1804م ،توفي �أحمد با�شا الجزار في مدينة عكا ،وتن ّف�س العامليون ال�صعداء من الكابو�س الثقيل الذي كان يثقل كواهلهم ،ويذكر ال�شيخ علي الزين� ،أنه من المتفق عليه ،لدى ج ّل الم�ؤرخين� ،أنه لما توفي الجزار «اجتمع مجل�س �شورى والية عكا، الم�ؤلف من قادة الع�ساكر ،واختاروا �إ�سماعيل با�شا القد�سي لتولي من�صب الجزار، وكتبوا للباب العالي في ا�سطنبول ،يخبرونه بوفاة الجزار ،ويلتم�سون منه تعيين �إ�سماعيل با�شا مكان الجزار ،ولكن الدولة العثمانية -لأم ٍر ما -ع ّينت �إبراهيم با�شا والي حلب مكانه ،ثم �أر�سلت راغب �أفندي� ،أمين الخزنة ل�ضبط مخالفات الجزار»(((. بعد فترة وجيزة تغير الموقف ،و�صدرت الأوامر ال�سلطانية بتوجيه الإيالة �إلى �سليمان با�شا �سنة 1220هـ �سنة1805م ،وعزل �إبراهيم با�شا ،وجرى ال�صلح بين م�شايخ جبل عامل والوالي الجديد ،بتع ّهد من الأمير ب�شير� ،إنما ب�شروط ،منها �أن «يتر�أ�س عليهم ب�صفته �شيخ م�شايخ ،ال�شيخ فار�س النا�صيف ،ليتعاطى �أمورهم وم�صالحهم ،وف�صل الدعاوى فيما بينهم ،ثم �أ�صدر �سليمان با�شا مر�سوم الأمان ،الذي �أر�سل لل�شيخ فار�س النا�صيف ،حيث ا�ستدعي لعند �سليمان با�شا ،فح�ضر هو و�إخوته والبع�ض من كبار الم�شايخ ،وا�ستقبلهم بكل ب�شا�شة و�إكرام». يذكر �أنّ هذا العقد ت�ضمن توزيع القرى على الم�شايخ ،كل منهم قدر لزومه بالعدل والإن�صاف ،من دون ميل �أو انحراف ،ويقول ال�شيخ علي الزين �أن «الأمير ت�آمر مع البا�شا على م�شايخ المتاولة ،و� ّأن �شروط ال�صلح كانت محجفة جداً ّ بحق الم�شايخ». ((( نف�س المرجع ،وراجع:حيدر ر�ضا الركيني »:جبل عامل في قرن» مخطوط ،ن�شر في مجلة العرفان ،م� 29سنة �( 1940ص)981 111 ������������������������������������������ المهمة التاريخية للجزار في لبنان في توصيف ّ د .جويدة غانم ((( تقديم : لم ين�أ على لبنان وعلى الإطالق �آفاق النظام اال�ستبدادي بال�شكل الذي يحيل �إلى ذلك التبرير الالمو�ضوعي في ال�سيا�سة بالهجوم ال�شر�س على التاريخ وعلى العقل المك ّون وال�صانع للجماعات ،حيث يروم هذا الأمر ومن ورائه تحقيق جملة من المكت�سبات ،كان لحظتها في �أن يتداخل لحظتها ويتفاعل كل من ال�سيا�سي واالجتماعي والإقت�صادي والديني مع الإجتماعي ،وتبنى على �ضوئه محطات �إ�ضافية لأطر الهيمنة على المنطقة ،و�إدخالها عنفا وتروي�ضا في لعبة الأمم ،التي كانت من ن�صيب الأتراك والرو�س والإنجليز والفرن�سيين ،يوجب هذا الأمر في معرفة و�إدراك الم�سافة الفا�صلة بين ما كان مت�صور ًا ومتج�سدا في فكر هذه القوى من حيث ال�صور المترافقة لمواقع �إحداثياتها. ((( باحثة جزائرية. 113 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ولما كان من ال�صعب تحديد -بال�ضبط -ك ّل ما جرى في عهد الجزار والإبادة التي اتخذت عنده ف ّن ًا رائقا في التعذيب والتقتيل للجماعات الب�شرية ،ف�إنه ثمة وبال �شك، �شعور ًا �إب�ستيمولوجي ًا لدى الباحثين �سيم ّكنهم من تو�صيف لحظات هذا الفعل والبحث في فبركاته المتداخلة مع �شتّى المو�ضوعات والإرتباطات الداخلية والخارجية ،ومن حيث ا�ستعادة هذا الو�ضع الذي �سي�شهد على نف�سه� ،سواء من حيث التعريف بمو�ضوعه وا�ستتباع �أحداثه التاريخية� ،أو ما �أفرزته هذه الأحداث �سلب ًا و�إيجاب ًا على الجماعات الم�ضطهدة ،ومحاولة �إخراجها خارج المكان الخا�ص والزمان الخا�ص ،ق�صد الطم�س والإلغاء بالرغم من ما لها من قوة في الح�ضور والبقاء رغم تعددها وتنوعها� ،سواء من حيث المن�ش�أ الملي� ،أومن حيث الجهاز ال�سيا�سي المتمو�ضع �ضمن �أن�ساق معرفية خا�صة �ست�ؤ�س�س نمط ًا خا�صا في المقاومة والمواجهة ،و�إعادة توجيه التاريخ و�صناعته وفقا لم�صلحتها �سواء بالمواقف الإعتيادية� ،أو غير الإعتيادية �،أيا كانت طبيعة ال�صراع والتناف�س حتى بين هذه الجماعات حينها ،والتي ت�ضاربت في الكثير من الأحيان الم�صالح الذاتية والبرغماتية دون النظر بالدقة �إلى ما ي�ؤول �إليه هذا الأمر من تكالب مختلف القوى عليه� ،إذا ما ا�ستقر�أنا جيد ًا و�أو ًال م�شروع التتريك في المنطقة وتجاوز الحدود الالزمة والقواعد الإن�سانية الذي فر�ضها نظام الحكم الم�ستبد ،الذي با�شر ودون رحمة التف ّنن في الإبادة ،والتفنن في التنكيل ،ومن هذا الأمر كان لزاما وفي هذا البحث �أن نناق�ش ما يلي: •قراءة ماهوية للجزار في قوى الفكر الثالث(.المعرفة والم�صلحة) •في اختالق الأزمة العنفية داخل نظام الجماعة والتجميع. •في تداخل الذاتي والمو�ضوعي لل�سيا�سة الجزارية. •في تكوين خاليا الخطاب الم�ضاد ،والتجاوز في الأزمة. �أو ًال :قراءة ماهوية للجزار في قوى الفكر الثالث �أجمعت الدرا�سات الغربية لكل من القوى الفكر الثالث التي تواجدت في فترة تواجد 114 ������������������������������������������ الجزار في لبنان ،التي جمعت كل من بازيلي الرو�سي ،والكولونيل ت�شر�شل البريطاني، و�إدوارد دوال كروا الفرن�سي ،على �صفة تعريفية ،تو�صيفيه ،تقريرية واحدة للماهوية الجزار ،ناهيك عن بع�ض الفروقات والإختالفات والتي �أخ�ضعت مرة للتفاوت في تو�صيف التعريف فيما بينهما ،و تارة في الإقت�ضاب الحا�صل في بع�ض المحطات، خا�صة �إذا ربطنا هذا الإختالف بالفارق الإيديولوجي والكولونيالي ،الذي يجمع هذه القوى في تقرير الحقائق على ح�سب الم�صلحة. فمن حيث التو�صيف: ت�شير كتاباتهم �إلى �أنه من �أ�صل با�شناقي وفي ال�ساد�سة ع�شر من عمره ،قد نجا هاربا من الق�سطنطينية خوف ًا من انتقام �أقاربه وع�شيرته له ،كونه مار�س عنف ًا ال �أخالقي ًا اتجاهها ،فا ّر ًا من المحاكمة الأخالقية((( وقد بيع في �سوق العبيد حيث �سيق �إلى بكوات م�صر وهو علي بك ليكون خادما �ضمن المماليك ،حيث �أظهر من قوة وته ّور ما جعله متميز ًا عن �أقرانه ،وقد �ساهم مع جماعة من البدو بقتل دون ر�أفة ،وبعد كل عملية ذبح ،كان ي�صرخ ب�أعلى �صوته (�ضحية �أخرى ث�أرا لدم �سيدي عبد اهلل بك). وقد كانت هذه المهمة الأولى التي �أعطاها علي بك للجزار ،هو منحه لقب الجزار بك .وزاد هذا الأمر من تكوين البنية ال�شخ�صية له ،من حيث تزايد الأخالق العنفية وال�سادية ،وبروز الإنتقام من �أي �إن�سان ال يحبذه وال يتما�شى بطريقته المثلى ،ويكون له مقاما في الجماعات والتحكم فيها ،الدور الرئي�س في تكوين �إمبراطورية ال تخرج عن �إطار �أقرانه الأتراك. �أما المهمة الثانية ف�أمره علي بك باغتيال �صالح بك ال�ساعد الأيمن لعلي بك ،و�صاحب ال�سلطة له في م�صر ،فحينما �أراد التخل�ص منه �أمر الجزار بذلك ،لكن الجزار �أبى �أن يقتل �صالح بك رغم الخطة المد�سو�سة من طرف علي بك ،والذي تم ّكن في بداية ((( بازيلي� :سوريا ،لبنان ،فل�سطين ،تحت الحكم التركي ،ترجمة ،ي�سر جابر،دار الحداثة ،بيروت ،لبنان ،ط1،1993م�،ص.79 ،78، 115 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة المهمة الثانية التي قام ببطولتها �أحمد �أبو الذهب والذي خ ّل�صه منه ب�شجار م�صطنع مع �صالح بك ،ول ّما �أراد �أن يق�ضي على الجزار ّ تفطن لذلك بدهاء ،وفي هذا ي�سرد بازيلي بالتف�صيل ظاهرة االنتقام ،مع انتقائنا لهذا الن�ص الم�شكل لهذا الحدث التالي: «وقع اختيار علي بك على محمد �أبي الذهب ..وك ّلفه بمهمة التخ ّل�ص من الإثنين �صالح بك و�أحمد بك الجزار ،قد دعاهما �أبي الذهب �إلى نزهة على �ضفاف النيل()... وهناك ا�صطنع خالفاً وقتل �صالح ( .)..ر�أى الجزار كل ذلك من بعيد ،وقد و�صل مت�أخراً لإنقاذ �صالح بك(� ) ...أبو الذهب لم يتجر�أ �أن يهجم على الجزار مادام الأخير يحمل �سالحا ،فا�ستقبله بحفاوة ،جل�سا على ال�سجاد ّ ودخنا الغليون()... �صحب �سيفه من غمده ،واخذ يفتخر ب�سيفه( )...و �أراد �أن يقارنه ب�سيف الجزار في حيلة لتجريده من ال�سالح ،ف�أجابه الجزار ببرودة ،ب�أنه لن ي�سحب �سيفه من غمده �إال ليقطع به ر�أ�سا ما»(((. اتجه الجزار فيما بعد هاربا من علي بك ،لعدم تنفيذ ما طلبه منه من اغتيال �صالح بك حاكم م�صر ،فانتقل �إلى الآ�ستانة ،ومنها �إلى �سوريا ،ب�صفته جنديا خا�صا ،ومن ثم قادته الأغوار �أن يكون بين الدروز حيث يحظى بوافر الكرم وال�ضيافة من طرف �شخ�صية مهمة ،وهي الأمير يو�سف ،ليكون هذا اللقاء بمثابة التح ّول الكبير والتاريخي الذي �سيق ّدمه الجزار فيما بعد في المنطقة التي تكون خا�ضعة له بقوة ال�سيف وكل �أ�شكال العنف والإ�ضطهاد ،وي�صرخ ب�أعلى �صوته �أنّ لبنان وبيروت هي ملك ًا للأتراك(((. وقد �أ�شار الجنرال ت�شر�شل �أنّ الأتراك انتهزوا هذه الفر�ص فلج�أوا �إلى ا�ستغالل موقعه والإغداق عليه بالأموال والجند ،والمنا�صب وفي هذا يقول« :و�إنه ل�صحيح �-أي الأتراك � -أ ّنهم ال ي�ستطيعون في الوقت الراهن �إال با�ستخدام مثل ما عليه الجزار من ف�ساد� ،أن يمار�سوا بربر ّيتهم ويح ّققوا خطط اختال�سهم الدائمة المتالحقة ((( بازيلي�:سوريا،لبنان،فل�سطين ،تحت الحكم التركي�،ص.79 ((( المرجع نف�سه�،ص.78، 116 ������������������������������������������ التي مار�سها موظفون �أتراك رفيعو المراتب المدنية �أو الع�سكرية ،وعلى العموم ف� ّإن جراثيم الف�ساد التركي تظهر في كل منطقة لهم فيها نفوذ في �ساحل �أو في جبل� ،أو ((( مكان خ�صيب� ،أو �أر�ض بوار� ،أو �صحراء قاحلة». بالتالي ،تتطور ال�صيغة التعريفية له ،من واقع الت�شرد ،والإن�سان العبد الذي بيع في الأ�سواق� ،إلى الإن�سان الفائق في الذكاء ،وتقدير الأحكام بحنكة ،و�صاحب الأوامر والنواهي ،لت�صبح ،بعدها� ،سيا�سة المنطقة عنده تدخل في زاوية ن�شر القوة والنفوذ التع�سف والإرهاب. التي انتقلت �إليه ،و التي ات�سمت غالبا بقدر فا�ضح في ّ واقع المعرفة والم�صلحة بناءا على هذا الو�ضع في ت�شكيل الأحداث وربطها ب�شخ�ص الجزار البطولي، الحاذق في مواجهة المناخ العام وت�سيير الواقع على ح�سب ما يريد ،ت�ستمر الدرا�سات نف�سها ،بالو�صف نف�سه ،الذي يخفي من ورائه �إعجابا بالجزار ،ومدى قدرته وتف ّوقه على خ�صمه ،وهذا ما جعل الفرن�سي دوال كروا ،يفرد له مبحثا بعنوان مميز (الفتى الطريد) ،ويغدق من مغامرته ،ما يجعله �أعجوب ع�صره وزمانه ،و الآمر والناهي ،الذي تنب�سط له �أموره ال�سيا�سية� ،سواء كانت منها الداخلية �أو الخارجية ،كما �أ ّنه المم ّهد لت�سهيل دخول القوات الأجنبية للبنان والمناطق المجاورة للق�ضاء على الإحالل التركي من جهة ،ومن جهة ثانية� ،إعتبر الجزّار ورقة رئي�سية بيد الحلفاء ،لق�ضاء كل قوة على قوة �أخرى ،ق�صد تح�صيل النفوذ الكامل في المنطقة �سواء كان من الجانب الرو�سي، ((( �أو الإنجليزي� ،أو الفرن�سي �آنذاك. تو�سع المد الكولونيالي، ورغم المو�ضوعية التي ي ّدعيها ه�ؤالء ،ف�إنّ واقع الرغبة في ّ يعتمد بالأ�سا�س ،في التقعيد لمثل هذه الم�شاريع الكبرى ،لمثل هذه ال�شخ�صيات، ((( ت�شر�شل:جبل لبنان،ترجمة ،فندي ال�شعار،دار الفارابي،بيروت،لبنلن، 1988،ج�،3ص.143، ((( �إدوارد دوالكروا :الجزار قاهر نابليون�،ص.3، 117 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة توجه �أجنبي في �إحالل المنطقة في بوتقة ال�صراع ومحاولة ح�سم بالتالي يب ّرر كل ّ م�صيرها ،في �ضوء �أي تكتل فقد كان الجزار باعتباره ممثال للأتراك �أعداء للرو�س، فا�شتغل الرو�س مع الدروز لإ�سقاطه و�إخماد عملياته ،كما كان الإنجليز �أعداء للفرن�سيين ،فقاموا بتدعيم الجزار لإخماد تو�سع نابليون ،والمتم ّعن في كتابات كل من بازيلي وت�شر�شل ودوالكروا يجد �أنّ هذه الكتابات تنفتح لم�صلحتها �أوال ،وكما تنفتح على الموقف المعادي والراف�ض للإ�ستقرار وا�ستقالل المنطقة ،والزال لحد هذه اللحظات �آثار لهذه ال�سيا�سات وهذه الكتابات .وفي هذا �أكد بازيلي ما يلي: «�أحيانا كنت �أعمل وحيدا با�سم الحكومة الرو�سية ،و �أحيانا �أخرى كنت �أتعامل مع �إخواني ممثلي الدول الغربية()...مع رفيقي قن�صل بريطانيا العام الكولونيل روزي الذي �شغل من�صب القائد الإنجليزي ،و قن�صل فرن�سا بوري ،كان من واجبنا �أن نعمل بحما�س كي ننقذ الم�سيحيين من الظلم والإ�ستعباد ،بغ�ض النظر من المناف�سة بين انجلترا ،وفرن�سا هذه المنطقة المع ّذبة من ال�شرق العثماني». �إحالل الأزمة في واقع الجماعة والتجميعية قد عمل البحث عن المناطق وتروي�ض الجغرافيات للم�صالح العالمية التي تربطها م�صالح �إيديولوجية ال تخرج بدورها عن المن�ش�أ الكولونيالي الذي يتما�شى مع نظرية االحتواء للمكان ،وتلبي�سه مخططات ا�ستيطانية ق�صد تغيير معايير القوى ،داخل الجماعات الم�ضطهدة والم�ستعمرة ،لإحداث تغيير في مفاهيم الجماعة ذاتها، وال�ضغط عليها وتعميق الفوارق بينها ،ولو بعد قرون �أين ن�ستقر�أ للتو تدابير هذه المهمة، التي عمقت ب�أي �شكل من الأ�شكال �أوامر الأحكام ال�سلطانية فيها� ،سواء من قريب� ،أو من بعيد. بهذه الر�ؤية ،وبهذه ال�صور والأهداف� ،آلت الإمبراطورية العثمانية في تمكين م�آلها على منطقة �سوريا ولبنان وم�صر وفل�سطين وغيرها من الدول العربية فاتحة 118 ������������������������������������������ بذلك حكما جديا ،وزمانا جديدا ،و�سيا�سة جديدة ،ال تخرج عن نظام الإمبراطورية في التو�سيع والت�شميل ،الذي يحيل هذه ال�سيا�سية �إلى التركيز على ما هو �أجدى في مخططها االحاللي ،لتروي�ض عالقات التبعية والوالء الذي يدخل في نطاق تثبيت �سلطتها ال�شرعية ،التي �أرادت �أن تجعل من الم�س�ألة ال�شرقية تحول فا�صل في محتوى العالقات الدولية ،خا�صة فيما يخ�ص ارتباط الأتراك بالمنطقة �أوال ،ورغبة كل من القوى الثالث �آنذاك ،لكل من فرن�سا وانجلترا ورو�سيا ،ثانيا. ومن ثم يتح ّدد الدور الذي تق ّدمه هذه القوى للم�سائل الوطنية داخل المجتمع اللبناني خ�صو�صا فيما يتعلق ب�إعادة توزيع هذه الجماعات داخل القطر الواحد و�إرجاع جماعة �إلى قطر �آخر ،والإمعان في دالالت التكون الثقافي والإجتماعي لها بتهيئة �سل�سلة من ال�ضغوط ال تنتهي �إال �إذا ّتم محا�صرة هذه الجماعة �أو �إخراجها من مكانها الأ�صلي، ومن ثم تتكون �أطر الجز�أرة الجديدة للجماعة وعزلها �إلى ما ال عزلة لها. تطرح فل�سفة الجماعة والتجميع في �إطار علم االجتماع التجميعي ،مفهوم المحنة الذي رافقته �صور ًا قا�سية في الحياة والتعامل وتبديل العالقات ،والتوظيف الإقطاعي له ،وفيما يخ�ص المحا�صرة الإقت�صادية لهذه الجماعات ،بوا�سطة تحقيق مبد�أ التبعية الداخل �ضمن �سيا�سة الأتراك ممثلة في قوى الجزار �أو بتح�صيل مفهوما في المواطنية م�ستقال عن هذه التبعية مطبوعة بقيم الوالء للوطن ،والوالء للمقاومة ،والإنت�صار للآخر في حدود المذهب المتبع ،ال ينف�صل البتة عن لحظة الم�صير الم�شترك ،حيث يكون حينها (التاريخ مرفوع ًا على رماح المنت�صر� ،أو مل�صقا على قفا المهزوم) (((. يقت�ضي هذا الأمر دائما ،و �أبدا�،أج�سادا عالمة ،وحالمة ،مقاومة ،متحدية ،تطمح في كل حين �أن يكون لها التمو�ضع الإجتماعي ،وال�سيا�سي ،الداخلي والخارجي ،وفق ًا لنظرية الوعي المزدوج المناه�ض ال�ستراتيجية العنف الذي مار�سه الأتراك على هذه ((( بازيلي� :سوريا،لبنان،فل�سطين تحت الحكم التركي�،ص.15، 119 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الجماعات ،كون هذه الإ�ستراتيجية الم�شكلة لنمطها الخا�ص ،لي�س في حد ذاتها ما يعبر عن كيان �أو دولة ،و�إنما هي �أزمة �سيا�سية تتمحور �أوال حول حل �أزمة الإمبراطورية، و�أزمة �شعبها ،قبل �أن تكون حال لأزمات المناطق والدول التي احتلها(((. على هذا النحو يغدو القتل ،والح�صار والخنق والت�ضييق والطرد �إال �سمة من هذه ال�سمات التي �ستحدد مجرى الهويات ،وما الجزار �إال العنوان الأبرز في كل هذه المحطات ،ي�ست�شف من خاللها ا�ستك�شاف التاريخ من وجهة الإهتمام بدرا�سة المقدمة الكبرى وال�صغرى والنتيجة� ،شرط �أن تكون مفردات ال�صغرى �صحيحة واقعية ال خيالية ،نا�شئة عن الأهواء وال�شبهات ،و �أن تكون الكبرى �صحيحة واقعية نابعة من النظر المو�ضوعي ،ال نا�شئة من الذاتية الدوغمائية ،الم�ؤدلجة في �إطار �ضيق يمنع الر�ؤية التعددية للذات والمو�ضوع ،من حيث تو�صيفيها للحدث ،و�أن تكون النتائج �صحيحة بمقدور �صحة المقدمات الكبرى وال�صغرى(((. وبنا ًء على هذا الأمر ،تتحدد تاريخا ميزات المجابهة داخل لبنان ،خا�صة حال التو�صيف للو�ضع ،الذي �ساهم الجزار في خلقه� ،إنتقاما ،من الإيديولوجية الدينية التي مثلها بالخ�صو�ص المذهب ال�شيعي ،كون بنية هذا المذهب قائمة في ت�شكيلها على المواجهة الم�ضادة بكل طرقها ،لأنا�س مثل الجزار ،ولإمبراطورية ،مثل الأتراك، وغيرها م ّمن �أراد �أن يماثل في الفعل ،ما يجعل بنيات الدولة والتجميع �إ ّما �أن يتفككان في �أي لحظة� ،أو ي�ستجمعان في لحظة يكون للتداخل الذاتي والمو�ضوعي دورا هاما في ذلك. تداخل الذاتي والمو�ضوعي في ال�سيا�سة الجزارية: با�شرت ال�سيا�سة العثمانية ا�ضطهادها لمختلف �شرائح ال�شعب اللبناني فور ((( _1بازيلي�:سوريا ،لبنان،فل�سطين،تحت الحكم التركي�،ص.08، ((( محمد ح�سين ال�شيرازي:فل�سفة التاريخ،بيروت،لبنان،ط1424، 1ه2003/م�،ص.127 120 ������������������������������������������ تواجدها ،وت�سلم جميع ال�سلطات الت�شريعية والتنفيذية� ،سل�سلة من ال�ضغوطات ال�سيا�سية والإقت�صادية والنف�سية والإجتماعية ،لي�صبح الت�شتيت والطرد� ،سمة من �سمات هذه ال�سيا�سة التجزيرية ،حيث ت�صبح تيمة ال�صوت وال�صمت م�س�ألة محورية من زاوية تقعيد �أ�س�س المواجهة ،والنظر في �إيجاد الحلول المب�سطة على الأقل التي تتخطى الحاجات الملحة في تقبل هذا اال�ضطهاد وهذا العنف. وبناءا على هذا التو�صيف �أ�صبح العنف الممار�س اتجاه اللبنانيين «�ضربة �أليمة وبالأخ�ص -الطائفة ال�شيعية التي فقدت العزة والمنعة ()...حيث كان الأتراك�أ�شداء في حكمهم وعملوا على تفتيت �صفوف جبل عامل ،ووقفوا حجر عثرة في طريق انتقالهم من حيث البداوة �إلى حياة التح�ضر ،وقد �أذكوا نار الفتنة بين �أبنائه ليت�سنى لهم ال�سيطرة والحكم كما ي�شاءون ،كما اتبعوا �سيا�سة الإفقار ،فقد �أرهقوا الإقت�صاد وزادوا ال�ضرائب على الأرا�ضي والإنتاج»(((. وقد واجهوا �ضروبا متفاوتة في الإ�ستغالل ،ليقف كعامل كبح و�إعاقة في وجه �أي محاولة للنهو�ض ،واال�ست�سالم لحكم الأقدار ،من حيث ي�شكل �أكبر عملية تفري�س في التاريخ اللبناني ،والتاريخ العاملي. �أ�شار دوال كروا �أنّ �سيا�سة الأتراك في عهد الجزار كانوا يعرفون كيف يدبرون الم�شاكل ،وكيف يح ّركون �سلطتهم التي ال تثبت من جهة حتى تتزعزع من جهة �أخرى ولكنها ا�ستمرت باقية رغم العوا�صف التي كانت تهزها في كل مرة ،وتعي�ش دائما �أكثر ما ي�ستوجب موتها ،بالإ�ضافة �إلى ا�شتهارها بالد�سائ�س التي كان يديرها ،و يدبرها، �أ�صحاب الديوان بطريق �أكثر نظامية((( . لذا �ساهم هذا المنهج في تكوين البنية الإ�ستئ�صالية للجزار والتخل�ص من مناف�سيه في المنطقة في �أقرب وقت ،و ب�أق�صر طريقة ممكنة ،كونه يعلم بمدى الد�سائ�س ((( نوال فيا�ض �:صفحات من تاريخ جبل عامل في العهدين العثماني و الفرن�سي،دار الجديد ،بيروت،لبنان،ط1988، 1م�،ص.23، ((( �إدوارد دوالكروا:الجزار قاهر نابليون:ترجمة،جورج م�سرة،دار الثقافة،بيروت ،لبنان�،ص.124، 121 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة توحد بين زعماء المناطق والع�شائر ،بهذا المعنى التي �ستدبر �ضده� ،إذا ما كان فيه ّ ي�صيح ا�ستعداد الجزار للمواجهة �أقوى من �سابقيه ،كون هذا الأمر �سيجعل منه �إن�سان ًا كاريزمي ًا �سيتح ّرك وفق ًا لتح ّرك هذه الأحداث وتواليها ،ويكون حينها المنفذ القريب والبعيد في �إثارة الفتن في �آن. ومن ثم وجد الأتراك في �شخ�صيته الرجل الذي يمكن االعتماد عليه ،في الق�ضاء على الظاهر العمر ،حاكم عكا ،والمتم ّرد على �سلطة الباب العالي ،لكن في الوقت نف�سه لم يقدموا له م�ساعدات ح�سية لتنفيذ الأمر ،حيث �أنّ خ�صومه من الدروز بقيادة الأمير يو�سف ،وبم�ساعدة الأ�سطول الرو�سي ،قد ق�صفوا بيروت ود ّمروا �أ�سوارها وكانت القوة الرو�سية لها م�صلحة في ذلك ولي�س حبا في الدروز ،فلج�أ �إلى حيلة ،يخبر الظاهر العمر �أنه في �أتم الإن�ضمام معه في مواجهة الدولة التركية ،فل ّما امن م�ضجعه نكث بوعده، واتجه فار ًا �إلى دم�شق ،فان�ضم لحظتها �إلى الجي�ش العثماني مجددا والءه وتبعيته للباب العالي ،والذي كان من ورائه الق�ضاء على الظاهر العمر وا�ستالم مدينة عكا ،حيث ا�ستلم الجزار كر�سي قيادتها وواليتها من عام 1775م ،لت�سير بعدها المنطقة في قب�ضة حديدية ،لم ت�شهد له مثيل في تاريخها العام(((. على الرغم من تخل�ص الجزار من ظاهر العمر ،ونجاح الفتنة التي ن�شرها بين �إخوته� ،إال �أ ّنه عمل على تهديد �سلطة المن�شقين مما كانوا ي�ؤيدونه خا�صة من طرف المناطق العاملية ،قد كان لقتل عائلة الظاهر العمر �أثر ًا �سيئ ًا بين الجزار والعامليين، و�أوفد في ذلك من طرف ح�سين با�شا حماية �إن�سانية وع�سكرية للقيام بحملة تطهيرية على جبال عاملة ،وكانت �أعدادهم تتدفق عليهم من البو�سنيين والألبان والمغاربة ناهيك عن الفتن التي �أحدثها بين ال�شهابيين ونا�صيف الن�صار ،وبين �إخوان الظاهر، والهجوم على الدروز و�إثارة الفتن بين ال�شهابيين من جهة �أخرى ،والذي �ساهم �إلى حد ((( ح�سن الأمين :جبل عامل (القلم وال�سيف)،دار الأمير،بيروت،لبنان،ط2003 ،1م�،ص.283، 122 ������������������������������������������ بعيد في تفتيت قدرة العامليين(((. ليتفرد بعدها بحملة ع�سكرية وا�سعة النطاق على جبل عامل ق�صد ت�أديبه ،ومن ّثم تطويع المنطقة وتطويقها بح�صار �شامل ،علم ًا� ،أنه كان على(علم بمقدرة العامليين القتالية وبكثرة ح�صونهم وقالعهم ،ولما ر�أى الفر�صة �سانحة ،ج ّهز جي�ش ًا من ثالثة �آالف مقاتل وو�ضع عليه معاونه �سليم قائد ًا و�أمره بالزحف على جبل عامل) ((( . وقد كانت منطقة يارون نقطة التقاء جيو�ش الجزار بجيو�ش العامليين ،حيث كان نا�صيف الن�صار العنوان الأبرز في هذه المعركة كونه ال�ضليع بفن �إدارة المعارك وتحويلها ،وفي الوقت نف�سه ،يعتبر الزعيم الع�سكري والروحي ،و�أي�ضا العنوان الإ�ستراتيجي ،لت�شجيع العامليين نحو مواجهة الجزار لما له من قدرة تعبوية ،قد تم ّكن العامليين من �إثبات الوجود ،على غرار ما هو موجود في �سائر المناطق والطوائف، ،وبالرغم من هذه المقدرة ف�إنّ ال�شهادة قد عجلت له ،حيث تو�سعت مهمات الجزار بعدها ،رغم ظهور حركات تمرد من طرف الأهالي تارة ،وتارة �أخرى ظهورحركات مقاوماتية غير منظمة تعك�س منحى وتوجه كل طائفة ،م ّما زاد الت�ضييق والخناق على المجتمع ،وقد �أ�شار جابر �آل �صفا �إلى الو�ضع الم�ؤ�سف الذي �آلت له المنطقة وفقا لهذا الن�ص» لما تولى المذكور �أي �أحمد با�شا الجزار � -أيالة �صيدا -وا�ستفحل �أمره ()... ودانت له فل�سطين و�ألقى الخالف بين الأمراء اللبنانيين ف�أ�صبحوا يناوئ بع�ضهم الآخر ،وهو ي�ص ّفق طرب ًا وي�ضحك في �سره ،حول نظرته �إلى جبل عامل يريد �أن يخ�ضعه ل�سلطته ( )...ف�ساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة ،وكان في كل مرة يرجع خائبا ...حتى �إذا �شاءت الأقدار هاجمه بجي�ش كثيف في �سنة 1780من الجهة الجنوبية و�أحرقت كل القرى ودمرت المنازل(((. ((( رامز رزق :جبل عامل تاريخ و �أحداث ،دار الهادي للطباعة والن�شر،بيروت ،لبنان ،ط1426 ، 1ه2005/م� ،ص.286 ((( جهاد بنوت:حركات الن�ضال في جبل عامل� ،ص .119/118 ((( جابر �آل �صفا :تاريخ جبل عامل� ،ص.137/136 ، 123 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �إنّ ما �سبقت الإ�شارة �إليه ،يوحي �إلى مدى الت�ضافر بين الأحداث اللبنانية والتحوالت التي تنبثق من جدوى التحوالت الذاتية والمو�ضوعية لقيم هذه الأحداث التي ح ّولها الجزار بفعل �سيا�سته� ،إلى خراب في جميع الم�ستويات ،ولكي يبقى الو�ضع على حاله، عمد �إلى �سيا�سة خبيثة كان من ورائها �أن «ي�ستبدل م�شايخ مقاطعات جبل عامل الذين ف ّروا من البالد بمت�س ّلمين م�ؤقتين من قبله ،ل ّأن �سيا�سته عدم �إبقاء �أحد مدة طويلة في المراكز ذات الأهمية ،وز ّودهم بوحدات ع�سكرية قادرة على ال�سيطرة بفعالية على القرى ( )...و�أظهر ال�سلطان العثماني ر�ضاه الكامل عن تدمير م�شايخ عاملة»(((. الأمر الذي �أدى �إلى ظهور تحوالت عدة كان �أبرزها ،ظهور حركات للمقاومة� ،أ ّدت فيما بعد �إلى المواجهة الر�سمية �ضد الجزار وم�شروع التتريك ،حيث تماثلت ،وتقاربت مع ت�صور الجماهير للدفاع عن الحقوق وتر�سيخ المواطنة الفعلية �إيذان ًا ب�أنّ ما �أُخذ بالقوة ،ال ي�ستر ّد �إال بالقوة ،تلك هي اللغة المنا�سبة التي �ستفهم الجزار جدوى العامليين في الدفاع عن �شرفهم ووطنهم. وفي تكوين خاليا الخطاب الم�ضاد� ،أو مب ّررات تجاوز الأزمة: قد تكون منطلقات هذه المواجهة والإنتفا�ضة في وجه الجزار ،حركة �أ�سا�سية في تغيير لعبة ال�سيا�سة نحو المزيد من ال�صراع الداخلي وانفجار الأو�ضاع ملمح ًا �آخر في تجديد خطاب الذات ،و�إعادة و�صله بتجارب وتح ّديات المو�ضوع. ومن ثم وجب النظر �إلى هذا الأمر الذي �ساهم في تفكيك روابط الجماعة العامة، ومحاولة هذا الآن اللحظي الراهن �إ�ضفاء هذه ال�صفة الآنوية على الحركة الزمنية، والحفر في الحدث التاريخي عن طريق تمثل الظروف ال�سيا�سية واالجتماعية ،تلك، وال�سعي في التركيز على تو�سيع عمران الجماعة ومن�ش�أ الع�صبية فيها(((. ((( محمد تقي الفقيه :جبل عامل في التاريخ :دار الأ�ضواء،بيروت ،لبنان ط 2،1406ه1986/م ((( م�صطفى الكيالني:التاريخ والوجود في المتبقي و المندثر ،الدارالعربية للعلوم نا�شرون ،بيروت ،لبنان ،ط1431 ،1ه2010/م، �ص.63 124 ������������������������������������������ هذا الإقرار في تو�صيف حالة الحدث ،ن�ستقر�أ في بنيته خطة �إ�ستراتيجية ،لتفعيل جبهة المقاومة ومدى ارتباطها بالم�شروع الوطني م�ستقبال ،مع باقي الت�شكيالت المجتمعية المتعددة ،خا�صة فيما يخ�ص تناف�س القوى الأجنبية في احتواء هذه المنطقة، ومن خالل هذا التقدير في الحكم ،يتاح على كثب معرفة مدار الإنتفا�ضات العاملية بمعزل عن تلك الكتابات الطائفية ،حيث �أنّ مثل هذا ال�صراع قد رافق جموع الب�شرية عبر التاريخ� ،سواء في عالقاتهم مع الحاكم� ،أو مع ع�ساكر ال�سلطان العثماني(((. وقد �ش ّكل هذا الت�صور نقطة حد فا�صلة في تكوين تحالف بين جموع ال�شعب لمواجهة �سيا�سة الجزار التجزيرية التي ق�ضت على الأخ�ضر والياب�س ولم ت�سلم منه حتى المكتبات التي قام بحرقها ،وبمطاردة رجال العلم والأدب وطردهم �إلى الدول المجاورة ك�إيران والعراق «فقد كانت �أعظم حادثة� ،أنه �أتلف معظم كتب جبل عامل فقد نقلت �أحمال كثيرة �إلى عكا على ظهور الجمال وغيرها ،ومعظمها كان من كتب �آل الآمين �شقرا، و كتب �آل �سليمان من مزرعة م�شرف و�آل خاتون في جويا(((. ومن ث ّم ف� ّإن خطاب العنف جاء في درجة الفتة ،من حيث الم�ستويات التي كان ي�سعى �إلى �إلغائها ،من حيث �إدراك الجزار على � ّأن العلم بناء اجتماعي ثقافي ّ متولد من العنا�صر الفردية داخل هذا الجبل وغيره ،ومن�ش�أ الجماعة العامة ومح�صل الآداب وال�سلوك المتعارف عنه ،وبالتالي ف� ّإن هذا العلم له الدور الكبير في تعبئة معنويات الجماعة التي ال تنف�صل عراها �أبدا ،عن مرجعية علمائها وتراثها ،ومن ثم تعمدت �أيدي الجزار �إلى نهب المكتبات والمخطوطات النفي�سة التي قدرت بخم�سة �آلف مخطوطة ،و�أودعت في �أفران عكا ،وقد ف ّر من العلماء ،ال�شاعر �إبراهيم يحيى، و�أبو الح�سن حيدر الأمين وال�شيخ ح�سن �سلمان وال�شيخ محمد الحر(((. ((( م�سعود ظاهر:االنتفا�ضات اللبنانية �ضد النظام المقطاعجي ،دار الفارابي ،بيروت ،لبنان� ،ص.43 ((( محمد كوراني :الجذور التاريخية للمقاومة الإ�سالمية في جبل عامل ،دار الهادي ،بيروت ،لبنان� ،ص.93 ((( جهاد بنوت:حركات الن�ضال في جبل عامل ،تقديم وجيه كوثراني ،دار الميزان ،بيروت ،لبنان ،ط1،1993م� ،ص.121 125 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وقد كان الجتماع �شحور �سنة 1784م ،الدور الكبير في تنظيم �صفوف المقاومة و�إنقاذ ما تبقى من الجماعات من الدمار الذي �ألحق بهم وتقرر مكافحة الجزار �إلى ما النهاية ،كان على �إثر هذا القرار ،ظهور حركة مقاومة� ،سميت بالطياح ،والتي جعلت الجزار ي�ستخدم كل الو�سائل للق�ضاء عليها» ،وبد�أ الطياح بحركة مطابقة لحرب الع�صابات ،حيث بد�أت �أعمالها تت�سع مع انتماء ال�شعب �إليها �أمام فجور رجال الإقطاع من جهة ،وظلم الجزار من جهة ثانية ( )...وقد �ساعدت طبيعة البالد الجبلية على القيام بمثل هذه العمليات التي كانت تتطلب �أحيانا �أعماال ا�ست�شهادية»(((. ورغم ما ق ّدمته الطياح من ن�ضال ومقاومة ف�إنها تع ّر�ضت لت�شويه �إما متع ّمد �أو غير متعمد� ،أو للإلتبا�س في تزامنها مع حركات �أخرى قد مار�ست العنف مع الأهالي لأجل الم�صلحة الذاتية ،ال الم�صلحة الوطنية العامة ،وقد �أورد جابر �آل �صفا هذا الن�ص يو�ضح التو�صيف المتناق�ض للحركة بما يلي: «كان دور الع�صابات والفدائيين ما ي�سمى بعهد الطياح� ،أتع�س دور م ّر على جبل عامل وقع فيها بين ناريين :نار زبانية الجزار ،ونار رجال الثورة ،فالزبانية التي كان يقذفها الطاغية تعبث في البالد ف�ساد ،وت�ضيق الخناق على الأهليين والم�ساكين، والثوار ي�شنون الغارة لل�سلب والنهب ،وحرق القرى وتدمير البيوت متغلغلين في بطون الأودية وبين الأحرا�ش والغابات ومعت�صمين بر�ؤو�س الجبال»(((. و�إذا �س ّلمنا بالمنظور التاريخي في التناق�ض الذي كتب وو�صفت به حركة الطياح ،ف�إنّ هذه الكتابة تبقى مجرد ظاهرة من ظواهر �سيكولوجيا الر�ؤية الإختزالية والتنميطية، لفل�سفة المقاومة داخل لبنان ،وجبل عامل منبت هذه الحركة بالخ�صو�ص ،ن�ستقر�أ من خالل هذا التو�صيف �إعادة مراجعة في مفاهيم المكان والجماعة والزمان والحوادث ((( المرجع نف�سه� :ص .120 ((( جابر�آل �صفا :تاريخ جبل عامل� ،ص139 126 ������������������������������������������ والعوار�ض ،حتى ال تقع في �شرك مناق�ض ومعار�ض ،يجعل المقاومة بال �أ�سا�س تقعيدي فيما يخ�ص عالقاتها بالتحديات المعا�صرة ،الداخلية منها والخارجية التي يفر�ضها منطق القوة الحالي ،وم�شروع الكولونياليات البي�ضاء في المنطقة كتحدي �أكبر لها. من هذه ال�صورة في تو�صيف واقع تاريخ المنطقة ،يمكن الإهتمام بالعنا�صر التالية: �أنّ التاريخ اللبناني في ما�ضيه ال ينف�صل عن حا�ضره ،من حيث النظرة لتلكالإ�ستثناءات التي م ّيزت تواجد القوى في المنطقة من حيث ا�ستغالله وت�شتيته ،يطرح الت�سا�ؤل التالي: �إلى متى الي�ستدرك اللبنانيين هذه المحطات التاريخية؟ 127 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة قائمة المراجع: �إدوارد دوال كروا :الجزار قاهر نابليون ،دار الحداثة ،بيروت ،لبنان. بازيلي� :سوريا ولبنان وفل�سطين تحت الحكم التركي من الناحيتين ال�سيا�سيةوالتاريخية ،ترجمة ،ي�سر جابر ،مراجعة ،منذر جابر ،دار الحداثة بيروت ،لبنان، ط1988 ،1م. ت�شر�شل:جبل لبنان(ع�شر �سنوات �إقامة بين الموارنة والدروز) ،ترجمة فندي ال�شعار،دار الفارابي ،بيروت لبنان ،ط ،1998 ،1ج.3 جابر �آل �صفا :تاريخ جبل عامل ،دار النهار ،بيروت ،لبنان. جهاد بنوت :حركات الن�ضال في جبل عامل ،تقديم وجيه كوثراني ،دار الميزان،بيروت ،لبنان ،ط11993م. ح�سن الأمين :جبل عامل القلم وال�سيف ،دار الأمير ،بيروت ،لبنان ط2003 ،1م. محمد ح�سين ال�شيرازي :في فل�سفة التاريخ ،بيروت ،لبنان ،ط1424 ،1هـ2003/م. محمد تقي الفقيه :جبل عامل في التاريخ ،دار اال�ضواء ،ط1406 ،2هـ1986 ،م. محمد كوراني :الجذور التاريخية للمقاومة الإ�سالمية في جبل عامل ،دار الهادي،بيروت ،لبنان. م�سعود ظاهر :الإنتفا�ضات اللبنانية �ضد النظام المقاطعجي دار الفارابي ،بيروت،لبنان ،ط1988 ،1م. م�صطفى الكيالني :التاريخ والوجود في المتبقي والمندثر ،الدار العربية للعلومنا�شرون ،بيروت ،لبنان ،ط1431 ،1هـ2010/م. نوال فيا�ض� :صفحات من تاريخ جبل عامل في العهدين العثماني والفرن�سي ،دارالجديد ،بيروت ،لبنان ،ط1988 ،1م. 128 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج جبل عامل في مواجهة الجزار د .منذر محمود جابر ((( �أطل منت�صف القرن الثامن ع�شر ،على هيئة �سيا�سية جديدة لل�شيعة في جبل عامل. ففي العام 1744تم ّكن ه�ؤالء من ت�سجيل انت�صارهم الأول على �أمراء جبل لبنان ب�شخ�ص الأمير ملحم ال�شهابي((( .و�أتبعوه بانت�صار �آخر العام ،1749في معركة جباع ومرجعيون(((. وال يخفف من �أهمية هذين الحدثين ـ ـ الظاهرة ،في مجرى العالقة بين جبل لبنان وجبل عامل ،انتقام الأمير ملحم ،و�إحراقه بع�ض القرى العاملية وو�صوله حتى بالد ب�شارة(((. لقد �أحدث هذان الإنت�صاران ،تغييرا في «الهيئة التاريخية» لمنطقة جبل عامل ،التي كانت عبارة عن نهر هزائم و�آالم ،ينبع من كربالء ،وي�صب في موقعة �أن�صار الثانية العام .1743وكانت اكتماال لن�شوء وجه المنطقة العاملية ال�سيا�سي الجديد ،تحت قيادة ((( باحث وم�ؤرخ. ((( راجع :حيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،ج ،1المطبعة الكاثوليكية ،بيروت� ،1933 ،ص34؛ وكذلك: العرفان ،م � ، 28ص .346 ((( للح�صول على تفا�صيل وافية راجع :حيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،ج ،1م�صدر مذكور� ،ص41؛ وكذلك :العرفان ،م � ، 28ص 348؛ وكذلك :علي ،الزين :للبحث عن تاريخنا في لبنان ،بيروت� ،1973 ،ص 440ـ .441 ((( راجع :حيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،ج ،1م�صدر مذكور� ،ص.43 129 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �شيخ الم�شايخ العامليين نا�صيف الن�صار الوائلي العام .1749وهذا الواقع الجديد يجد مقوماته في اهتزاز التوازن القائم �آنذاك :فقد عرف النزاع اليزبكي ـ الجنبالطي بداية اهتياجه في جبل لبنان ،مع قرب نهاية الأمير ملحم دون عقب من ذريته يخلفه .والأمير بدوره ،ولتخلفه عن دفع الميري ،كان على خالف مع با�شا دم�شق .وظاهر العمر الزيداني، حاكم �صفد وعكا ،على حدوح جبل عامل الجنوبية ،كان على خالف مع �أبنائه من جهة، ومع با�شا دم�شق ،من جهة ثانية .وفي مثل هذا االهتزاز ال�سيا�سي ،تبدو لجبل عامل �أهمية خا�صة ووزن �سيا�سي �أكبر .فهو �أكثر المناطق ا�ستقرارا ،بعد تما�سكه الآنف تحت قيادة نا�صيف الن�صار .فها هو نا�صيف الن�صار� ،شيخ م�شايخ جبل عامل« ،والذي كان يتعاطى التجارة والحرب والذي كان مخيفا كتاجر وكان مخيفا كجندي»((( ،يعقد مع فريق من فرقاء النزاع الثنائي اليزبكي ـ الجنبالطي في جبل لبنان ،هو ال�شيخ على جنبالط «جمعيات» ثالثا ،بين 1765و .((( 1767كذلك توج الح�ضور العاملي الجديد العام ،1767 بمعاهدة «دفاعية هجومية» ،كما عرفها نقوال ال�صباغ ،مع ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا و�صفد .وقد تكون هذه المعاهدة ،هي الأولى في �صيغتها بين حكام بالد ال�شام(((. التحالف مع ظاهر العمر الزيداني� ،أنزل ال�شيعة ،ولأول مرة ،كطرف فاعل في لعبة المنطقة .ومن موقع التحدى مع ال�سلطة العثمانية ،بوقوفهم �إلى جانب حليف ظاهر العمر ،علي بك الكبير ،حاكم م�صر ،في محاولته االبتعاد عن ال�سلطة المركزية في ا�سطنبول .وقد خا�ض العامليون ،منفردين� ،أو بم�ساهمة متكافئة مع ظاهر ،معارك خم�سة كبيرة :معارك نابل�س ودم�شق والحولة وكفررمان وحارة �صيدا .وكانت �ضد �أمير جبل لبنان يو�سف ال�شهابي ،منفردا� ،أو متحالفا مع عثمان با�شا والي دم�شق� ،أو ابنه دروي�ش با�شا والي �صيدا .وقد انت�صروا فيها جميعا ،واحتلوا �صيدا مع ظاهر العمر، ((( �إدوار ،ال كروا :تاريخ �أحمد با�شا الجزار ،تعريب جورج م�سرة� ،ساوباولو� ،1924 ،ص .47 ((( راجع الركيني :العرفان ،م � ،27ص .736 ،628 ((( راجع :ميخائيل نقوال ،ال�صباغ :تاريخ ظاهر العمر الزيداني ،حري�صا ،دون تاريخ� ،ص .39 130 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج ودخلوا دم�شق مع �أبي الذهب قائد حملة علي بك الكبير �إلى �سوريا(((. االنت�صارات التي �أحرزها التحالف ال�صفدي العاملي ،بقيت في حدود االنت�صارات الع�سكرية ،دون �أن تتحداها �إلى المجال ال�سيا�سي .محاولة علي بك الكبير حاكم م�صر، كانت من الممكن في حال نجاحها� ،أن ت�شكل �إطارا �سيا�سيا لتلك االنت�صارات. المواجهة الماب�شرة مع الدولة العثمانية ،والم�ؤجلة �سابقا� ،أ�صبحت واقعة بعد انتهاء الحرب مع الرو�سيا العام .1772التحالف ال�صفدي العاملي ال�شهابي ،بعد ان�ضمام الأمير يو�سف �إليه ،كان مدركا تمام الإدراك لهذه الحقيقة .و�أكثر ،كان واعيا لعجزه عن الثبات في المواجهة العتيدة .من هنا فقد �سعت �أطرافه �إلى طلب العفو ،عما �أبدوه من ع�صيان تجاه ال�سلطة المركزية في ا�سطنبول .وقد كان لهم ذلك(((. ولكن هذا العفو لم يكن «�سلطانيا» ،و�إنما كان مناورة لي�س غير .ففي الوقت الذي �أ�صدرت فيه الدولة فرمانها بالعفو عن «ظاهر ورفاقه وتوابعه» ،وفي الوقت الذي �أر�سلت فيه مندوبها �إلى �صيدا لطلب الأموال الأميرية عن ال�سنوات الخم�س الما�ضية، ح�سبما ن�ص فرمان العفو((( ،كانت ت�أذن لمحمد بك �أبو الذهب ،حاكم م�صر الجديد، بعد علي بك الكبير ،بال�صدام والمواجهة. �سار �أبو الذهب من م�صر �إلى غزة ،وحا�صر يافا .فطلب ظاهر العمر العون من حلفائه ال�سابقين .ف�سار نا�صيف بقوات المتاولة مع ظاهر العمر ،في 30محرم 1189هـ/ 1775م� ،إلى مرج بن عامر للقاء �أبي الذهب((( .لكن �أنباء �سقوط يافا بيد �أبي الذهب، وتخاذل �أوالد ظاهر العمر عن ن�صرة �أبيهم� ،أرغم ظاهرا ونا�صيفا على التراجع �إلى عكا� .سقوط يافا ،كان فاتحة �سقوط مراكز ظاهر ونا�صيف ،واحدا بعد الآخر .فقد ((( للح�صول على تفا�صيل وافية عن هذه المعارك ،راجع :ميخائيل ،بريك :تاريخ ال�شام ،حري�صا� ،1930 ،ص 94ـ 96؛ وحيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،م�صدر مذكور� ،ص 85؛ و�إدوار ،الكروا :تاريخ �أحمد با�شا الجزار ،مرجع مذكور� ،ص 29؛ و ميخائيل نقوال ،ال�صباغ :تاريخ ظاهر العمر الزيداني ،م�صدر مذكور� ،ص 99ـ :102والركيني :جبل عامل في قرن ،العرفان ،م � ،28ص 54ـ 55؛ وعي�سى ا�سكندر ،المعلوف :دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف ،بعبدا� ،1907 ،ص .307 ((( �صدر العفو العام 1188هـ1774 /م ،ب�صيغة العفو عن ظاهر العمر « ورفاقه وتوابعه وتواحقه وع�شايره ف�صاروا م�شمولين بالعفو ال�سلطاني» .راجع :وحيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين� ،ص .107 ((( راجع الركيني :العرفان ،م � ،28ص .255 ((( راجع :الركيني :العرفان ،م� ، 28ص .255 131 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة احتل �أبو الذهب عكا ،ثم «�أر�سل قوة �إلى �صفد فهدمها وخربها و�ضربت �صور ورحلت �أهلها وعزلت �صيدا وبيروت ووجلت منه �أهل طرابل�س وهو في عكا»(((. النهاية ال�سيا�سية للتحالف ،تحددت بعد �سقوط كل المراكز الأ�سا�سية .النهاية الدراماتيكية ل�شخ�صبة ظاهر العمر ،ت�أجلت مع موت محمد �أبي الذهب المفاجيء، وت�ضع�ضع قواته .ولكن الم�س�ألة كانت م�س�ألة وقت لي�س غير .وها هو ظاهر المحا�صر، هذه المرة من قبطان البحر التركي ،ومعه �أحمد با�شا الجزار ،يقتل على يد �أحد جنوده، �أثناء محاولته الفرار �إلى قلعة هونين في جبل عامل((( .بعد الق�ضاء على ال�شيخ ظاهر العمر ،حق لل�شيخ نا�صيف الن�صار� ،أن يقول ماقاله الثور الأ�سود� :أال �أني �أكلت يوم �أكل الثور الأبي�ض .ذلك لأن نهاية ظاهر العمر ،تقود ،بالقطع� ،إلى نهاية نا�صيف الن�صار. بخا�صة و�أن الأمور في عكا �آلت من بعد ظاهر العمر� ،إلى �شخ�صية عدائية خ�صيمة ،هي �شخ�صية �أحمد با�شا الجزار ،الذي ارتبط ا�سمه ب�أحلك تاريخ �سوريا. من العام ،1975تاريخ الق�ضاء على ظاهر العمر ،حتى العام ،1780تاريخ الق�ضاء على نا�صيف الن�صار ،خم�س �سنوات .مرحلة طويلة بالمقيا�س ال�سيا�سي � .سيما و�أن الم�شرف على �ساعة التوقيت ال�سيا�سي هو �أحمد با�شا الجزار. ابتداءا من العام ،1780كان جبل عامل قد وقع كليا في �سياج الجزار .فهو محاط خارجيا� ،شماال و�شماال �شرقيا ،بالأمير يو�سف والأمير �إ�سماعيل ال�شهابي ،وهما كما نعلم مرتهنان لدى الجزار .ومحاط جنوبا بالجزار نف�سه� .أما داخليا ،فقد كان جبل عامل قد فقد �أغلب رجاالته الذين خبروا المرحلة ،ولم يبق منهم الكثير �إلى جانب نا�صيف الن�صار((( .والخالفات بين �آل ال�صغير �أنف�سهم� ،أخذت تتجدد بين قبالن الن�صار ((( راجع :الركيني :العرفان ،م� ، 28ص .255 ((( للح�صول على تفا�صيل وافية ،راجع :ميخائيل نقوال ،ال�صباغ :تاريخ ظاهر العمر الزيداني ،م�صدر مذكور� ،ص .148 ((( عبا�س المحمد حاكم �صور وعلي العبا�س المنكري ،من قواد معركة حارة �صيدا قتال العام .1773علي الفار�س ال�صعبي حاكم مقاطعة ال�شقيف ،والقائد في معركة كفررمان ،قتل العام .1775محمود الن�صار وقا�سم المراد� ،ساعدا نا�صيف في مجمل معاركه ،قتال العام .1779راجع الركيني :العرفان ،م � ،28ص .454 ،256 ،158 132 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج ونا�صيف الن�صار ،ظنا من قبالن �أن الزعامة �ست�ؤول �إليه بعد ذهاب نا�صيف((( .وهكذا �أخذ يتقرب بالأموال من الجزار .ف�أخذ «ي�ؤدي �إليه الميري �أربع مرات في ال�سنة ر�أ�سا وفي �أوقاتها كما يدفع ابن المدن ال�شريف �أجرة بيته با�ستحقاق»(((. وفي العام ،1780بد�أت مناو�شات ب�سيطة على الحدود بين الطرفين ،خ�سر الجزار في �إحداها 6قتلى((( .ت�صعد الموقف .وفي يوم الإثنين الواقع فيه � 5شوال 1195هـ/ 1780م «كان ال�صدام الحا�سم في يارون((( .وكانت النتيجة مقتل نا�صيفى وقد حزنت عليه المتاولة»((( .و«دخل الجزار �إلى جبل عامل وخربت البالد»(((. يغني ا�سم �أحمد با�شا الجزار ،عن الحديث في �سيا�سته داخل جبل عامل ،بعد �إ�سقاطه �شيخ م�شايخ هذه البالد ،نا�صيف الن�صار ،في موقعة يارون العام .1780 نكتفي ،بعينة عن �أحوال جبل عامل مع الجزار ،بما ي�سوقه عي�سى ا�سكندر المعلوف ،عن �أن المر�أة بيعت بـ «ع�شرة م�صاري»((( .وبما ي�سوقه الركيني من �أن جماجم القتلى بقيت مدة طويلة ملقاة على �شواطئ �صيدا و�صور(((. ولكن الجانب الآخر في هذه المرحلة من حكم الجزار ،يتمثل ،في جبل عامل، بظاهرة الطياحة العاملية .وهي حركة ،و�إن كانت تندرج في م�سرى حركات الع�صيان ال�سائدة �ضد الجزار ،او خلغائه ،في ذلك الوقت ،في جبل لبنان (،1790 ،1789 ،1780 ((( راجع� :سليمان ،ظاهر :العرفان ،م � ،6ص .453 ((( �إدوار ،ال كروا :تاريخ �أحمد با�شا الجزار�،ص .48 ((( راجع� :سليمان ،ظاهر :العرفان ،م � ،6ص .453 ((( يختلف الم�ؤرخون العامليون في روايتهم للأ�سباب المبا�شرة وللتفا�صيب الجزئية للمعركة .راجع :محمد جابر� ،آل �صفا، تاريخ جبل عامل� ،ص 137؛ وكذلك �شبيب با�شا الأ�سعد�،ص 27؛ وكذلك� :سليمان ،ظاهر :العرفان ،م � ،6ص .454 453 والتزال �إلى الآن في بلدة يارون ،حيث جرت المعركة ،بالطة تعرف ببالطة نا�صيف. ((( الركيني :العرفان ،م � ،28ص .832 ((( علي ،ال�سبيتي :العرفان ،م � ،5ص.22 ((( عي�سى ،ا�سكندر المعلوف :دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف ،بعبدا ،المطبعة العثمانية1907 ،ـ � ،1908ص.94 ((( راجع :الركيني ،جبل عامل في قرن ،العرفان ،م� ،37.ص378؛ راجع كذلك: .PERRIER, Ferdinand: La Syrie sous le gouvernement de MEHEMET ALI, Paris, 1842, p.71 133 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ،)1797وفي دم�شق ( ((()1789وفي جبل العرب (� ، ((()1804إال �أن خ�صو�صيتها، تكمن في كون هذه المنطقة (جبل عامل) ،كانت تخ�ضع مبا�شرة لحكم الجزار وجنوده، المتواجدين دائم ًا على الأر�ض العاملية .وتكمن ثاني ًا ،في ا�ستمراريتها من 1780حتى �سنة .1808وتكمن ثالثا ً ،في خ�صو�صيتها كظاهرة ع�صابات م�سلحة ،تقوم طوي ًال وللمرة الأولى ،في منطقة من �سوريا الجنوبية الغربية. ومما ال �شك فيه� ،أن مرحلة حلف نا�صيف الن�صار ( )1780 - 1749وظاهر العمر الزيداني ،وبما حفلت فيه من انت�صارات ،في معارك دارت مع الجوار ال�شمالي (�أمراء جبل لبنان) ،وفي الجوار ال�شرقي (با�شوات �آل العظم في دم�شق) ،وفي الجوار الجنوبي (المملوك محمد �أبو الذهب) ،كانت في �أ�سا�س بع�ض من �سلوك العامليين وع�صيانهم حكم الجزار المبا�شر� ،إذ �أن تلك االنت�صارات ،كانت في �أ�سا�س تركيز الوعي ال�سيا�سي الطائفي لدى جمهور العامليين .فقد اكت�سبوا عبرها «عامليتهم» و«متواليتهم» ،بما تعنيه هاتان ال�صفتان من جماعة وازنة في مجرى الأحداث ،وفي «�أبواب» ال�سيا�سة ما بين جماعات هذه المنطقة .وبما تعنيه من ثقل اقت�صادي ،بد�أ يطل على جبل عامل، من مداخيل مرف�أ �صور ،ومن مداخيل التجارة التي راح يتعاطاها حكام جبل عامل وم�شايخه ،وعلى ر�أ�سهم نا�صيف الن�صار نف�سه .والذي يقول فيه �إدوار لكروا «�أنه كان يتعاطى التجارة والحرب ،وكان مخيفاً كتاجر ومخيفاً كجندي»(((. ومن طرف �آخر ،كان تذمر �سكان جبل لبنان ،وتململهم من زيادة ال�ضرائب التي فر�ضها الجزار العام ((( ،1783باب الع�صيان الذي دخل منه الم�شايخ العامليون من �آل ال�صغير ،والذين كانوا قد لج�أوا �إلى بعلبك .فقد ا�ستجاب ه�ؤالء الت�صاالت الأمير يو�سف ال�شهابي بهم ،وعرو�ضه �إمدادهم بال�سالح من قبله ،رهان ًا منه على موقف ((( ((( ((( ((( راجع :فالديمير،لوت�سكي :تاريخ الأقطار العربية الحديث ،دار التقدم ،مو�سكو�،1971 ،ص40ـ .41 راجع :عبد اهلل ،حنا :الق�ضية الزراعية والحركات الفالحية في �سوريا ولبنان ،دار الفارابي ،بيروت� ،1973 ،ص.162 �إدوار الكروا ،تاريخ �أحمد با�شا الجزار� ،ساو باولو� ،1924 ،ص . 47 راجع حيدر� ،أحمد �شهاب :نزهة الزمان ،مطبعة مغبغب ،م�صر� ،1900 ،ص.137 134 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج عاملي مقاوم للجزار ،يخفف عن الأمير وط�أة طلباته ال�ضرائبية المتدافعة((( .وقد جاء الم�شايخ العامليون ،واتخذوا قاعدة لهم بلدة م�شغرة ،على حدود الطرف الجنوبي ال�شرقي من بالد الأمير يو�سف ال�شهابي ،وحدود الطرف الغربي لوالية دم�شق ،الع�صية على �أحمد با�شا الجزار حتى تاريخه. المقاومة: كان الفعل الأول الذي �أقدم عليه الجزار ،بعد انت�صاره على العامليين في موقعة يارون ،جلب عنا�صر من �أكراد و�أرنا�ؤوط و�إ�سكانهم في جبل عامل .وكانت هذه الخطوة، مقدح الموقف العاملي الم�سلح ،والذي لم تنفع في رده ،كما ينقل ميخائيل م�شاقة «�إدارة �إبراهيم م�شاقة الح�سنة»((( ،وهو كما نعلم حاكم تبنين المعين من قبل الجزار نف�سه. فلج�أ العامليون �إلى «ت�أليف الع�صابات تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار في جبل عامل ،وتعيث فيهم قت ً ال بق�صد �إيجاد حالة من البلبلة والفو�ضى لكي ال يدعوا الجزار ي�ستقر في بلدهم»(((. كان االجتماع العاملي الأول في بلدة �شحور،تعاقد العامليون على �أثره ،بقيادة حمزة بن نا�صيف الن�صار ،بعد �أن اجتمعوا «من كل فج وعميق وذكروا ما �أ�صابهم من عظيم ال�ضيق وقالوا اليوم �أخذ الثار وك�شف العار» العمل الع�سكري الكبير الأول ،كان الهجوم على بلدة تبنين ،مركز مت�سلم الجزار، �إبراهيم م�شاقة «فاحتلوا (الطياح) القلعة وقتلوا المت�سلم ،وقتلوا معه مقدار مئتي نفر وقتل منهم �أحد م�شايخهم و�أنا�س قاليل»(((. ردة فعل الجزار كانت على عنف و�سرعة� ،أو ح�سب تعبير ميخائيل م�شاقة «قام وقعد» ،و�س ّير �إلى جبل عامل ،وتحديد ًا �إلى بلدة �شحور ،مركز المقاومة �آنذاك .وبعد ((( راجع :طنو�س ال�شدياق� ،أخبار الأعيان في جبل لبنان ،ج ،2من�شورات الجامعة اللبنانية ،1969 ،بيروت� ،ص .64 ((( ميخائيل ،م�شاقة :م�شهد العيان بحوادث �سوريا ولبنان� ،ص .39وابراهيم م�شاقة هذا حاكم تبنين من قبل الجزار .وكان على معرفة جيدة ب�أحوال جبل عامل .فقد كان كاتبا لنا�صيف الن�صار في �صور .وكانت بين الطرفين عالقات تجارية زاهرة. ((( ميخائيل ،م�شافة :م�صدر مذكور� ،ص40ـ .41 ((( راجع :حنانيا ،المنير :تاريخ الجزار ،بيروت� ،1954 ،ص.108 135 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ت�صد عنيف من قبل المتاولة ،ا�ستظهرت حملة الجزار على مقاوميها ،وانجلت المعركة عن 300قتيل من ال�شيعة ،من بينهم ال�شيخ حمزة بن نا�صيف الن�صار ،وعدد وافر من الأ�سرى «وقد �سيق الأ�سرى �إلى عكا وتم �إعدامهم على الخازوق»(((. حملة الجزار هذه� ،صيرت جميع النا�س في جبل عامل طياح ًا .فقد �شردتهم في «البراري والأدغال والجبال والأقفار ،وكل �أمرئ في عقله محتار ،و�صار النا�س يهربون ،وفي كل واد يهيمون»((( .ولكن الحا�سم في هذه المرحلة ،كان احتالل الجزار لدم�شق .فقد عنى هذا الفعل ،من طرف �أول� ،إقفال المعابر �إلى «بر ال�شام» ،في وجه م�شايخ �آل ال�صغير .وقد تح�صنوا ،كما �سبق و�أ�شرنا ،في بلدة م�شغرة .كما عنى من طرف �آخر ،ر�ضوخ الأمير يو�سف ال�شهابي لطلب الجزار بت�سليمه «�أبناء علي ال�صغير المقيمين فيها (م�شغرة) ،وهو ما �أقدم عليه الأمير يو�سف((( ،في موازاة تنكيله بالع�صيان �ضده في داخل �إمارته ،والذي انتهى لدى الأمير يو�سف ،بقطعه ل�سان �أخ له ،واقتالع عين �أخ �آخر». مرحلة الع�صيان العاملي الجديدة ،كانت «اللجوء �إلى الجبال» ،ح�سب التعبير الجزائري ال�شهير عن الع�صيان ،مما �أجبر الجزار ،في البداية ،لأن «يرتب رجا ًال دائمين للتفتي�ش عن الطياح العامليين» .ولكن ه�ؤالء ،كثير ًا ما ا�ستفردوا بع�ض �أولئك المفت�شين« ،وظفروا بهم و�أعدموهم الحياة»((( .وينقل �إبراهيم العورة ،عن ازدياد حجم ونفوذ الطياح في الجبال «فدخلوا البالد و�صاروا يطلبون من البالد ميري وذخائر». لم يعد يكفي المفت�شون من قبل والي عكا لتدبر �أمر العامليين ،فا�ضطر الجزار ،لأن يعين ((( راجع :حنانيا ،المنير :مرجع مذكور�،ص395؛ ال�سبيتي :العرفان ،مجلد� ،5ص22ـ23؛ وكذلك :طنو�س ال�شدياق� :أخبار الأعيان في جبل لبنان ،ج� ،2ص64؛ وينفرد ميخائيل م�شاقة عن هذه المراجع ،في�ؤكد �أن ابراهيم م�شاقة لم يقتل ،و�إنما هرب �إلى عكا، وطلب �إعفاءه من الوظيفة .راجع :ميخائيل ،م�شاقة :م�شهد العيان في حوادث �سوريا ولبنان� ،ص40ـ.41 ((( راجع :العرفان ،مجلد � ،29ص .75 ((( راجع :حيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،ج ،1من�شورات الجامعة اللبنانية ،بيروت� ،1969 ،ص 141؛ وكذلك طنو�س ،ال�شدياق :م�صدر مذكور ،ج� ،2ص .348 ((( ميخائيل ،م�شاقة :منتخبات الجواب على اقتراح الأحباب ،المطبعة الكاثوليكية ،بيروت� ،1955 ،ص .10وفي ال�صفحات 11ـ ،12و�صف عن تفنن الجزار في مظالمه. 136 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج ع�ساكر كبيرة ،كان ي�سميها «ال�سرولي» ،وير�سلهم �إلى «بالد المتاولة ب�شكل دائم»(((. لقد ا�ستفادت حركة الع�صيان العاملية من ال�صعوبات التي كان يعانيها �أحمد با�شا الجزار في النواحي الأخرى من با�شويته :ثورات البدو في فل�سطين ،و�صراعه مع والي دم�شق .ولكن الفائدة الكبرى جاءت من ناحية جبل لبنان ،يوم تمرد الجبل �سنة 1798 «وقد تمكن الثوار من اال�ستيالء على بيروت و�صيدا و�صور ومن االقتراب من عكا»(((. كذلك ا�ستفادت حركة الع�صيان العاملية ،من و�صول «�أبو نابرتو» (بونابرت) ح�سب تعبير ال�شيخ محمد مهدي مغنية ،حيث �شكل و�صوله مرحلة انفراج في جبل عامل ،عاد على �أثرها م�شايخه من �آل علي ال�صغير ،الالجئون دائم ًا ،من م�شغرة و�أطرافها� ،إلى داخل جبلهم .وكانوا بذلك من �أوائل م�شايخ المنطقة ،الذين و�ضعوا �أنف�سهم بت�صرف الفرن�سيين. ثم �أنهم قابلوا الحق ًا «�أبو نابرتو» ،و�أعطاهم حكم بالدهم ،و�ساروا من عند �أمير الجيو�ش الفرن�سية ،وقدموا له الذخائر من البالد وت�سلموا القالع التي كانت لأبائهم(((. ولكن م�ستجدات جديدة ،تعود وت�أخذ من حركة الع�صيان العاملية قوة دفعها الم�ستجدة .فمع رحيل بونابرت عن �أ�سوار عكا ،ومع �إم�ساك الأمير ب�شير ال�شهابي الكبير ،الحكم بقوة في جبل لبنان ،وتهدئة الأو�ضاع داخل الإمارة اللبنانية ،تتراجع حركة الطياحة العاملية� ،إلى مخابئها المحلية في الجبال العاملية ،من دون �أن يتمكن الجزار منها والق�ضاء عليها .فقد ا�ستمر الع�صيان ،كما يرى �إبراهيم العورة« ،كل مدة حكومة الجزار» .وكذلك ينقل الركيني في مخطوطته ،عن حوادث قتل ،وعن حمالت قام بها الجزار في الأعوام 1201هـ1786 /م و 1250هـ1790 /م ،و 1208هـ1793 /م، و 1214هـ 1799 /م. الدفع الأ�سا�سي الجديد لحركة الع�صيان العاملية ،جاء مع موت الجزار في ني�سان/ �أبريل العام ،1804حيث �سادت الفو�ضى العامة ،خ�صو�ص ًا �أن نزعات دموية راحت تحكم ((( ابراهيم ،العورة :تاريخ والية �سليمان با�شا العادل ،م�صدر مذكور ،ن�شره ق�سطنطين البا�شا� ،صيدا ـ ـ لبنان� ،1936 ،ص ..301 ((( راجع :لوت�سكي ،تا�ؤيخ الأقطار العربية الحديث ،دار التقدم ،مو�سكو� ،1971 ،ص .40 ((( راجع :حيدر �أحمد� ،شهاب :لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين ،ج � ،1ص 261ـ .262وفي كتابه الآخر نزهة الزمان ،ج � ،2ص ،887يقول �أن تاريخ ح�ضورهم لى عند بونابرت كان في � 14آذار .1798 137 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ما بين خلفائه ،مما مكن المتاولة من البقاء على «هياجهم في بالد ب�شارة وتملك �صور بنوع من ال�سلطة» ح�سب تعبير ميخائيل الدم�شقي في ت�أريخه «لحوادث ال�شام». في نهاية حكم الجزار� ،أي مع موته بالطبع ،كانت حركة الع�صيان العاملية ،قد تجاوزت منطق ن�شوئها ،حركة ع�صيان في وجه الجزار ،لتدور في مرحلة ما بعده ،على م�ضامين وموازين جديدة �أفرزتها �أحداث الـ � 24سنة الما�ضية تحت حكم والي عكا. قيادات جديدة: بعد مقتل ال�شيخ حمزة بن نا�صيف الن�صار ،تراجع جميع الم�شايخ العامليين، ولم يعد يذكر ،حتى باال�سم ،عن �أي دور لهم في حركة مقاومة الجزار .وهذا موقف طبيعي لفئة اعتمدت �أ�سا�س ًا في �سيطرتها الداخلية ،على تفاعالت الأحداث الخارجية والمحيطة .وهكذا �صار خروج ه�ؤالء الم�شايخ من ال�صراع� ،سحق ًا على يد الجزار �أم هروب ًا ،مدخ ًال لت�أخذ العائالت الو�سطى في ال�سلم االجتماعي ،دور المحدد في موقع القيادة الأول .فهذا هو «ال�شيخ علي الزين مدير للمقاومة في �شحور ،وهذا هو �سليمان البزي ،يقتل على يد الجزار في عكا ،مع �أكابر من بالد ب�شارة العام (((.1793 كذلك هذا هو علي الدروي�ش ،زعيم الأ�سرة ال�صعبية ،ي�شنق في عكا بعد �شنق الأمير يو�سف فيها((( .كذلك يبرز ا�سم ح�سن �شيت ،مفاو�ضاً با�سم الثوار في مراحل الحقة. وهذه كلها،عائالت جديدة تبرز في �أدوار لها على الم�سرح ال�سيا�سي العاملي ،وت�أخذ من ح�صة قيادة �آل ال�صغير ،حتى �أفرغتها بالكامل من ميدان �سلطتها« ،ف�آل �أمر حريمهم (�آل ال�صغير) وبقية عيالهم و�أوالدهم �إلى �أن داروا في البالد ي�شحذون ويطلبون من النا�س» ،كما ينقل الركيني عن �أحوالهم(((. مجيء �سليمان با�شا والي ًا على عكا ،وعمله على �إيقاف حركة الع�صيان ،فتح �أبواب ((( راجع :الركيني :العرفان ،م � ،5ص.23 ((( راجع :الركيني :العرفان ،م � ،29ص 687؛ وحيدر �أحمد� ،شهاب :نزهة الزمان� ،ص .826 ((( راجع الركيني :العرفان ،م � ،28ص .952 138 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج العودة �أمام �آل ال�صغير من �أماكن لجوئهم البعيدة .والمراجع العاملية وغير العاملية، ال تنقل عن �صدام بين الطياح وم�شايخ �آل ال�صغير((( .ولكن �صك االتفاق النهائي بين �سليمان با�شا و�آل ال�صغير ،يدل على رف�ض طياح بالد ب�شارة وبالد ال�شقيف� ،إرجاع �آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل منكر �إلى �إقطاعاتهم ال�سابقة .ففي الزيارة التي قام بها ه�ؤالء الم�شايخ �إلى عكا ،بقيادة فار�س النا�صيف ،لتهنئة �سليمان با�شا «طلبوا منه �إرجاع �أمالكهم التي نهبها الجزار منهم .ف�أجابهم �أن هذا غير ممكن .غير �أني �س�أكتب للدولة ب�ش�أنكم و�أ�ست�شيرها ب�أمركم لعلها تع ّو�ض عليكم بدل �أمالككم». والت�سا�ؤل الذي يطرح نف�سه هنا ،هو الآتي :هل يقي �إرجاع الم�شايخ �إلى «�أمالكهم» و�إقطاعاتهم ال�سابقة� ،سليمان با�شا من فو�ضى الطياح� .سيما ،و�أن �سليمان با�شا نف�سه، كان قد الحظ � ،أن «�شررهم و�ضررهم وخطرهم ال يقع على بالد ب�شارة بل ي�شمل �أي�ضاً بالد �صفد»((( ؟ .وفي المقابل ،كان الوالي قد الحظ �أي�ضا�« ،أن الم�شايخ لي�س لهم حيلة �أو مهنة يعتا�شون منها وال لهم ملك يقوم بمعا�شهم يكتفون به وال هم مثل بقية النا�س ،كما ولي�س لهم �صنائع ي�شتغلون بها وال تعودوا على المتاجرة وال عندهم مال يوظفونه في تجارة ما وال �أحد يركن لهم وي�سلمهم ماله وال يمكن �أن يت�سولوا»((( .كما يكتب �إبراهيم العورة في �صورة �أحوالهم .ولم يكن هذا االختالل في موازين القوى بين الطرفين ،لي�شكل دافعا ،يحث �سليمان با�شا على التدخل القوي والحا�سم ،ل�صالح م�شايخ �أل علي ال�صغير. لج�أ م�شايخ �آل ال�صغير ،والحال هذه� ،إلى �صداقاتهم العتيقة ،ومنها ما يجمعهم مع ((( ينفرد محمد جابر بالخبر الآتي� :أن �سليمان با�شا بعد �أن ر�أى الخراب في البالد ا�ستدعى على الفار�س‘ عميد �آل �صعب، ف�أقامه حاكما عاما في قلعة تبنين ،ولم يكن يج�سر �أحد على قبول ذلك المن�صب ،بعد ذبح الحاكم ال�سابق .ولم يقبل على الفار�س ذلك المن�صب� ،إال بعد اتفاق مع زعماء الثوار ،على �أن ي�سعى ب�إجالء جي�ش الأتراك والأرنا�ؤوط عن البالد ،و�إرجاع الحكم �إلى �أهلها .وهذا الخبر م�شكوك ب�صحته لتناق�ضه ،مع معطيات غير تاريخية .لي�س �أقلها �أن على الفار�س ال�صعبي كان قد مات العام .1775تاريج جبل عامل� ،ص .104 ((( �إبراهيم ،العورة :تاريخ والية �سليمان با�شا العادل ،م�صدر مذكور� ،ص .37 ((( �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص .37 139 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �آل جنبالط ،حلفاء الأمير ب�شير ال�شهابي ،والأكثر قربا منه ،في منت�صف عهد �إمارته الأول .فو�سطوا لدى الأمير ،ال�شيخ ب�شير ،كبير م�شايخ �آل جنبالط((( .فكان االلتقاء بين م�صالح الأطراف الثالثة :الب�شيريين وم�شايخ �آل ال�صغير .الب�شير الجنبالطي ،لت�أكيد م�صالحه في �إقليم التفاح ،الإقليم ال�شمالي من جبل عامل .والب�شير ال�شهابي ،لت�أكيد تو�سيع �سلطتة وحدود �إمارته .وال �سيما ،و�أنه كان قد حاز العام ،1798وبعد وقوف الدولة العثمانية ،ب�شخ�ص ال�صدر الأعظم يو�سف با�شا �ضيا� ،إلى جانب الأمير ب�شير في �صراعه مع الجزار ،و�إالقرار به على «والية جبل لبنان ووادي التيم وبالد بعلبك وبالد البقاع وبالد المتاولة واعداً �إياه ب�أن يبقى عليها والياً دائماً ب�أمر الدولة و�أن ال يكون للوزراء عليه ت�سلط ،و�أن �إيراد �أموالها يكون من يده �إلى خزينة الدولة كما كان في عهد الأمراء المعنيين»((( .كما جاء في مرويات طنو�س ال�شدياق وحيدر �شهاب و�إبراهيم العورة. ولكن هذه الحيازة وال�سلطة للأمير ب�شير ،بقيتا ا�سميتين طوال عهد الجزار با�شا. وهكذا ،فلم يكد �آل ال�صغير يطالبونه بالتو�سط «لأنهم ال يركنون لأحد �سواه»(((، حتى وجدها الأمير ب�شير «فر�صة من توفيقات الباري تعالى» ،ف�أر�سل جرج�س باز �إلى عكا لمقابلة �سليمان با�شا و�أ�صحبه بعر�ض حال «�أنه متوجه من طرفنا عبدكم ال�شيخ جرج�س باز يعر�ض لمراحمكم ما يقت�ضي ،فنتو�سل لعواطف دولتكم انعطاف الخاطر ل�سماح وقبول ما يعر�ض»(((. ما هو عر�ض الأمير ب�شير؟ لنتابع مع العورة�« :أن يعطى لهم (�آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل منكر) الأمان التام و�أن ترجع �إليهم �أمالكهم وحكومة البالد ،كما كانت �أو ًال� ،أي ((( راجع� :إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص.142 ((( راجع :طنو�س ،ال�شدياق� :أ خبار الأعيان في جبل لبنان ،ج � ،1ص 370؛ وحيدر �أحمد� ،شهاب :تاريخ الأمراء ال�شهابيين،ج � ،1ص.195 ((( �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص .40 ((( �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص .40 140 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج �أن يت�صرفوا بها كما ي�شا�ؤون ويدفعوا عنها ما ًال مقطوعاً فقط .و�أن ال تقبل عليهم �شكاية عما م�ضى وال في الم�ستقبل و�أن يكونوا �أحراراً في بالدهم و�أعمالهم من دون ت�سلط عليهم من طرف واحد .(((»... ولكن ح�ضور الطياح في جبل عامل ،وقوتهم في الميدان الع�سكري ،كان عائقا �أمام مبادرة الأمير ال�شهابي ،لأن تجاوزهم لم يكن من ال�سهولة بمكان .بخا�صة ،و�أن �سليمان با�شا ،كان على طموح في تحقيق اال�ستقرار في تركة الجزار الم�ضطربة. فوالي عكا الجديد ،لم يكن �إذ ًا ،في وارد متابعة المواجهة الم�سلحة مع طياح جبل عامل ،ومحاولة اللجوء �إلى الح�سم الع�سكري ال�سريع .وقد تكررت ،مع تردد والي عكا، مراجعات الأمير ب�شير ال�شهابي والتما�ساته ،ب�ش�أن م�شايخ �آل ال�صغير .وال �سيما ،و�أن الأمير ال�شهابي كان يعاني من �أحداث خطيرة داخل �إمارته (عامية انطليا�س)� .أخيرا، وبعد «مفاو�ضات طويلة» بين الخوري �سابا مندوب الأمير ب�شير ،و�سليمان با�شا «قدم �سليمان با�شا عر�ضاً ال يمكن �أن يتم �سواه بوجه من الوجوه ،وهو �أن يعطى للم�شايخ محالت من �إقليم ال�شومر لأجل معي�ش كل منهم قدر لزوم معي�شه ب�شرط �أن يقيموا فيها ويديروها بالفالحة والزراعة وي�أكلوها معافاة بدون �أن يدفعوا عنها لطرف الميري �شيئاً .وتكون لهم ولذريتهم من بعدهم مفروزة القلم ،ممنوعة القدم من دون معار�ض وال منازع ،و�أن يتر�أ�س عليهم ب�صفة �شيخ م�شايخ ال�شيخ فار�س النا�صيف (ابن نا�صيف الن�صار) ،ليتعاطى �أمورهم م�صالحهم وف�صل الدعاوى في ما بينهم. �أما �إذا بدا من �أحدهم �أو جرى بينهم مادة ج�سيمة فتعر�ض له وهو يتو�سط ف�صلها مع الحكم بها ،و�إذا �أحد بدا منه نقي�صة ووجب عليه الق�صا�ص الحكمي فيطلب منه �أي من ال�شيخ المذكور و�إذا فر هارباً فيطلب جلبه منه وال يقبل له عذر .وال يكون لل�شيخ فار�س وال لغيره منهم �أدنى مداخلة في بالد ب�شارة �أي مقاطعات جبل هونين ((( �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص .41 141 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة وجبل تبنين و�ساحل معركة و�ساحل قانا ومرجعيون ومقاطعة ال�شقيف وبع�ض قرايا �إقليم ال�شومر ومقاطعة �إقليم التفاح وال يتداخلون بهذه المقاطعات وال بحكومة وال بفالحة وال بزراعة وال ب�أخذ وال عطاء بوجه من الوجوه .والذي يتداخل منهم ب�أحد القرايا فال ت�سمع له دعوى و�ست�سمع عليه الدعوى»(((. ب�إزاء �شروط �سليمان با�شا هذه ،كان ال بد للم�شايخ العامليين «ونظراً للحال التي هم فيها» ،من الميل �إلى قبولها .و�أجابوا الأمير ب�شير بالمديح والثناء ،م�ؤكدين �أنهم ي�أتمرون «بكل ما يريده وير�سمه» .وبرغم من �أنها تجردهم من كل �سيطرة على بالد ب�شارة وبالد ال�شقيف و�إقليم التفاح ،فقد نزلوا �إلى عكا ،بكفالة الأمير ب�شير ،الذي �أر�سل معهم جرج�س باز ،فا�ستقبلهم �سليمان با�شا بكل ب�شا�شة وترحاب ،و�أو�ضح لهم «رغبته بعمار البالد وراحة العباد وقطع دابر الف�ساد والمف�سدين ،و�أو�ضح لهم �شفقته عليهم لما نالهم بالأيام ال�سالفة ،ورغباته القلبية لراحتهم بما �أنهم من رعاياه .وتو�ضحت ال�شروطات المقت�ضى القيام بها من الطرفين ،وزيد عليها �شرط �آخر وهو حيث �أنهم مزمعون �أن ينالوا راحتهم التامة ويح�صلوا على معي�شتهم فهم ملزومون �أي�ضاً بكل وقت متى لزم الأمر �إلى طلبهم برجال الع�شائر لمحاربة �أحد المحالت ،يجب عليهم �أن يح�ضروا بدون تردد وال عامة وال طلب علف نظير باقي الع�ساكر ،وذلك نظير ال�شروط الملتزم بها �أمير جبل لبنان .فالكل �أبدوا الدعاء لح�ضرة ال�سلطان قابلين كل ال�شروط المدرجة فيه وكرماً من �سعادته بدون ا�ستحقاق لها» .وبعد ذلك ا�ستح�ضر �سليمان با�شا ال�شيخ ح�سن �شيت (�أحد زعماء الطياح) «و�أمره �أن يتوجه لعند ال�شيخ فار�س النا�صيف لالتفاق على توزيع قرى �إقليم ال�شومر» .وبعد المذاكرة تم الر�أي �أن يقدموا االلتما�س للعتبة العلية لي�ؤكد تقرير هذا الترتيب مثبتاً له ،وبعد ((( �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص .44 142 رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج مدة جاء جواب من جانب الدولة بقبول الترتيب المذكور وا�ستح�سانه»(((. وبعد اال�ستح�صال على هذا التثبيت ،توجه الجميع �إلى الحاج ح�سن �شيت والم�شايخ فرحين م�سرورين حا�صلين على غاياتهم مطمئنين على دمهم ومالهم وعيالهم ،وبخروجهم من عكا �أر�سل قدامهم المب�شرون ل�سائر البالد ،ففرح الجميع بذلك فرح ًا عظيم ًا .وحا ًال ح�ضر ال�ستقبالهم وعملت الأفراح في منازلهم وا�ستولوا على الإقليم (ال�شومر) .وكل منهم �أي الم�شايخ ا�ستقام في كل معي�شة �سالم ًا �آمن ًا� .أما �أهالي البالد فقد فرحوا بدورهم فرح ًا عظيم ًا لخال�صهم من تلك الباليا التي كانت م�صادفتهم منهم(((. لقد ارت ّدت حركة الطياحة العاملية� ،إلى مواقف داخلية تنال من �سلطة م�شايخ �آل ال�صغير .بخا�صة ،بعد �أن ر�أت هذه الجماعة العاملية وجودها مهدد ًا ،جراء تواجد «الأغراب» الذين ا�ستقدمهم الجزار من �أكراد و�أرنا�ؤوط ،وبعد �أن طعن انت�صار الجزار ،1780بالعاملية التي برزت زاهية زمن نا�صيف الن�صار .وم�ستويات المواجهة في المواقف هذه ،كانت تت�سنن با�ستمرار ،مع اال�ستنزاف ال�ضرائبي من قبل الجزار با�شا ،وال �سيما ،و�أن المرحلة الممتدة ما بين 1790و ،1830عرفت انخفا�ض ًا م�ستمر ًا في قيمة النقد ،حيث انخف�ض �سعر قطع القر�ش في المرحلة المذكورة ،بن�سبة خم�سة ((( يف�صل ال�شيخ �سليمان ظاهر ،ما �أجمله �إبراهيم العورة ،فيورد وثيقة ا�ستح�صل عليها ،وهذا ن�صها: بيان بالمحالت التي �أنعمنا بها على ولدنا ال�شيخ فار�س النا�صيف وباقي حمولة �آل ال�صغير وعلى م�شايخ حمولة ال�صعبية ب�أجمعهم وعلى م�شايخ حمولة المناكرة ب�أجمعهم ،مع ح�سين ابن جواد المن�صور لأجل معا�شهم :الم�صرية ،مطحنة المغيرية ،الوا�سطة، الو�سامية التحتا ،الخرائب ،جمجيم ،ارزية ،مغراقة القا�سمية� ،سينية ،دير تقال ،القاقعية ،المروانية ،الزرارية ،عدلون ،الو�سامية الفوقا ،البي�سارية ،خربة الدوير ،عين �أبو عبد اهلل� ،شتوية العربان ،البابلية ،الداوودية ،براك الدوير� ،أعداد ماعز العربية ،القرية، الحارثية ،مزرعة النبي �ساري ،زيتون المروانية ،تفاحتا ،الغ�سانية ،مغارة محيدلة� ،سمينة العربان ،ال�سك�سكية ،الياهودية الجديدة، زيتون الزرارية ،اللوبية ،الكوثرية ،كفربدة ،زيتون القاقعية ،زيتون الم�شعراني ،زيتون البابلية .العرفان ،م � ،37ص 379ـ ـ .380 ويورد ال�شيخ �سليمان ظاهر كذلك �صفحة ،377من المرجع نف�سه� ،صكا �آخر با�سم محمد النا�صيف المعار�ض لل�شيخ فار�س .وهذا ن�صه من بعد المقدمة� :سمحنا للمذكور في قرية الطيبة يت�صرف بمو�سمها هذا العام ،وفي العام القابل يم�شيها من كي�سه وي�ستغلها من غير ميري فال تقار�شوه بالقيمة المذكورة ،وقد �أمرنا للمذكور ب�إنعام في كل �شهر 500غر�ش .وكذلك �أمرنا له بع�شرة غرار حنطة وع�شر غراير �شعير ،وكذلك �سمحنا �إلى �أخيه ال�شيخ ن�صار النا�صيف و�إلى �أ�سعد الخليل و�إلى هادي المقبل في قرية طيرفلي�سيه مطلقا يت�صرفوا بها بهذا العام ويم�شوها على كي�سهم في المقبل و�أمرنا للمنكورين ب�أنعام �شهرية 90غر�ش في ال�شهر وحين طلوع الخير تنقطع ال�شهرية المذكورة». ((( الحديث عن « �شروط ال�صلح» م�أخوذ من �إبراهيم ،العورة :م�صدر مذكور� ،ص 44ــ .48الفقرات المو�ضوعة بين مزدوجين م�أخوذة بن�صها الحرفي. 143 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �أ�ضعاف ،وهي الن�سبة نف�سها التي لحقت بارتفاع ال�ضرائب .ولكن االتجاهين ،كما يرى �شيفالييه ،لم يكن ليعو�ض �أحدهما الآخر. هذه العنا�صر جميعها ،يجمعها قا�سم م�شترك �أ�سا�سي،هو الطابع «الخارجي للم�صدر» .وهذا الهجوم الخارجي ،كان يتكفل بردة ،في الظاهر ،طوال مراحل العالقة ال�سابقة المعنية وال�شهابية مع جبل عامل ،م�شايخ المنطقة وعلى ر�أ�سهم �آل ال�صغير. وب�إزاء هذا الحدث الخارجي ،و�صول الجزار �إلى �سدة البا�شوية في عكا ،لم تكن المجموعتان ،الم�شايخ والفالحون ،تمتلكان ردات فعل متوازية واحدة لكل الم�شاكل الناجمة عنه .فبينما «انتظم» الم�شايخ في قوافل باتجاه بعلبك والعراق« ،انتظم» الفالحون في طياحة م�سلحة ،ولمدة طويلة (� 24سنة) ،لأن لي�س هناك خيار �آخر .وقد كانت الأحداث ال�سيا�سية والع�سكرية ال�سابقة ،في مرحلة نا�صيف الن�صار« ،خميرة» للعامليين في طياحتهم هذه ،والتي تحررت مع هروب الم�شايخ ،من كل تبعية داخلية اجتماعي ًا و�سيا�سي ًا واقت�صادي ًا .وهذا ال�شكل من المبادرة ،لي�س جديد ًا على المنطقة عموما ،فقد برز في جبل لبنان بقيادة �أبو �سمرا غانم مع ت�صفية �إبراهيم با�شا .كما برز تكرار ًا في حركات الأعوام 1841و 1845و 1850و ،1851و�إن كانت الأمور ،ال تتعدى بدايتها في كثير من الأحيان .كما برز ذلك وا�ضح ًا ،في �أوا�سط ت�شرين العام ،1841جواب ًا على تخاذل المقاطعجية الموارنة في ك�سروان ،وعجزهم عن نجدة موارنة ال�شوف وم�سيحيي زحلة .ولكن عفوية البداية لحركة الطياحة العاملية ،ومع ديمومتها مدة طويلة ،ومع ت�صدي العائالت الو�سطى للقيادة ،تحولت في ما بعد� ،إلى �شيء من التنظيم ،وهوالذي تجلى �أخير ًا في كون الحاج ح�سن �شيت المفاو�ض الأول با�سم الطياح. 144 �������������������������������������������������������������������� النهضة العلمية الثانية في جبل عامل بعد نهاية حكم أحمد باشا الجزار الشيخ حسن بغدادي مقدمة: لع ّل النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل التي قامت بعد حكم ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزار ال تق ّل �أهمية عن النه�ضة العلمية الأولى التي تحققت على يد ال�شهيد الأول ال�شيخ محمد بن مكي الجزيني �أوا�سط القرن الثامن هـ ،والبحث حول النه�ضة العلمية الثانية هي التي دعتني �إلى �إقامة م�ؤتمر حول المجرم �أحمد با�شا الجزار الوالي العثماني في عكا، والذي هلك �سنة 1219هـ ،بعد �أن د ّمر العباد والبالد و�أهلك العلماء قت ًال وتعذيب ًا ،هذا ناهيك عن حرقه لآالف المكتبات العلمية والمخطوطات وتهجيره للعلماء عن جبل عامل. ال�شيء الآخر ،عندما نتحدث عن جبل عامل في معر�ض حديثنا عن النه�ضة العلمية ،فهي بالت�أكيد �شاملة لكثير من العلماء الذين هم من خارج دائرته الجغرافية، ونحن نق�صد بجبل عامل دائم ًا (الحا�ضرة العلمية) مثل النجف الأ�شرف� ،أو الحلة، وقم المقد�سة ،ولم ت ُعد هناك ثمرة علمية للبحث عن حدوده الجغرافية ف�إنّ �أ�صحاب 145 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة التراجم والم�ؤرخين تحدثوا كثير ًا حول هذا المو�ضوع ،وبات الحديث عنه مجرد تكرار، وما يه ّمنا نحن في الكالم عن علماء ال�شيعة في لبنان هو �أنهم انتموا �إلى جبل عامل كحا�ضرة علمية ،وهذا ما ن�سبوه �إلى �أنف�سهم �سواء كانوا من كرك نوح �أو بعلبك� ،أو الهرمل ،وبتقديري لع ّل من�ش�أ الإلتبا�س عند من ذهب �إلى التو�سعة في الدائرة الجغرافية لجبل عامل لي�شمل مناطق بعيدة عنه ،كان ناظر ًا لما �أطلقوه على �أنف�سهم من لقب (العاملي). محور بحثي في هذا الم�ؤتمر ال�سابع (النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل بعد النكبة) ،وحتى نتع ّرف على النه�ضة العلمية التي انطلقت بعد هالك ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزار �سنة 1219هـ ،ال ُب ّد و�أن نط ّل �سريع ًا على النه�ضة العلمية التي ت� ّأ�س�ست في جبل عامل على يد ال�شهيد الأول كي نربط بين هاتين النه�ضتين ،حيث ا�ستمرت النه�ضة الأولى من �أوا�سط القرن الثامن هـ� ,إلى �أواخر القرن الثاني ع�شر. المنطقة في عهد ال�شهيد الأول كانت محكومة ل�سلطة المماليك وكانت هناك عالقة طيبة لل�شهيد الأول مع هذه ال�سلطة عبر واليهم في دم�شق ،ولي�س الآن مجال البحث في كيفية �إقامة هذه العالقة وكيف دفع ال�شهيد الأول الثمن ج ّراء التب ّدل في حكم المماليك ..هذا المو�ضوع ي�أتي في مكان �آخر ،لكن ما يه ّمني الآن ،هو �أنّ ال�شهيد ا�ستفاد من هذا المناخ لأجل ت�أ�سي�س م�شروع يقوم على �أ�سا�س حفظ جبل عامل وجعله كيان ًا لتظهر �آثاره الحق ًا ،وهذا ما كان ليتحقق �إ ّال ب�إقامة حا�ضرة علمية على ربوعه وخ�صو�ص ًا �أنه كان يرزخ تحت الإحتالل ال�صليبي حوالي (قرنين من الزمن) ،وما كان لي�صمد هذا الجبل �أمام العوا�صف المختلفة التي م ّرت على المنطقة ولم يكن ليتح ّول �إلى قاعدة كبرى في �سماء العالم الإ�سالمي لوال هذا الح�ضور العلمي الذي و ّلد الثقافة والفكر والجهاد للمحافظة على الهوية ،فقد تح ّول هذا الجبل �إلى مركز كبير �ساهم بن�شر فكر وفقه �أهل البيت ،Rولوال هذه النه�ضة العلمية لما تمك ّنا نحن اليوم من القيام بهذا الدور المذهل ،من هزيمة العدو الإ�سرائيلي ومواجهة الإحتالل الأمريكي 146 �������������������������������������������������������������������� للمنطقة ومن و�ضع حد للخطر التكفيري. هذه النه�ضة العلمية ما كانت لتب�صر النور لو بقي ال�شهيد الأول في قريته (جزين) يدر�س على �أبيه ووالد زوجته ال�سيد علي ال�صائغ ،فنحن ال ننكر وجود علماء في جبل عامل قبل ع�صر ال�شهيد الأول((( .ولكنهم لم يرتقوا �إلى �إطالق حا�ضرة علمية تجعلها ت�ستغني عن الذهاب �إلى حوزات �أخرى كالح ّلة مث ًال ،من هنا نجد ال�شهيد كان يتطلع بنور الب�صر والب�صيرة �إلى م�ستقبل زاهر لهذا الجبل ليكون منارة في �سماء العالم الإ�سالمي ،وهذا الذي جعل ال�شهيد ُيغادر بلدته (جزين) �إلى مدينة الح ّلة بالعراق حيث مدر�سة العالمة الحلي ،والتي لها الف�ضل الأول على النه�ضة العلمية والفكر الوحدوي في م�شروع التقريب على جبل عامل والمنطقة فالعالمة الح ّلي توفي �سنة 726هـ ،ولكن مدر�سته ا�ستمرت بنهجها العلمي والفكري والوحدوي بتالميذه و�أبرزهم نجله (فخر المحققين). بقي ال�شهيد الأول في الحلة �إثنتي ع�شرة �سنة در�س فيها على فخر المحققين وعدد �آخر((( ،وخرج من الحلة وهو يحمل �شهادة من �أ�ستاذه يعتز بها عندما قال�« :إنني مما ا�ستفاد مني»(((. ا�ستفدت منه �أكثر ّ والذي ي�ؤكد هذا الن�ضوج الفكري عند ال�شهيد الأول �أ ّنه لم يكتف بما حاز عليه في مدر�سة (الحلة) ،و�إنما ق ّرر المزيد من القراءة على علماء المذاهب الإ�سالمية المنت�شرين في عوا�صم العالم العربي ،وفي نف�س الوقت كي ت�شكل هذه العالقة فر�صة لن�شر الفقه الجعفري ولإقامة م�شروع التقريب بين المذاهب الإ�سالمية ،القائم على (الفقه المقارن) ولكن لي�س من بوابة كتابة الفقه ،كما فعل ال�شيخ الطو�سي في ((( كان في جبل عامل علماء قبل النه�ضة العلمية التي �أطلقها ال�شهيد الأول ،فوالده ال�شيخ مكي وجده ال�شيخ محمد بن حامد كانا من العلماء وامتدحهما الحر العاملي في �أمل الآمل وع ّبر عنهما بالثقاة .و كان �أقدم من وجد في جبل عامل ال�شيخ بن طومان. ((( ) و�صل ال�شهيد الأول �إلى مدينة الح ّلة بالعراق وكما هو المعروف �إبن (�ست ع�شرة �سنة) وكان الم� ّؤ�س�س للحوزة العلمية الع ّالمة الح ّلي قد توفي �سنة 727هـ قبل �أن يولد ال�شهيد الأول والتي ا�ستمرت بتالميذه وفي مقدمتهم (فخر المحققين) الذي تخ ّرج ال�شهيد الأول عليه. ((( نقل هذه ال�شهادة كل من ترجم لل�شهيد الأول ومنها �أعيان ال�شيعة ج� 14ص . 371 147 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة (الخالف) و�إنما من خالل الدر�س والمباحثة و�إقامة المجال�س العلمية كما �صنع في عوا�صم العالم العربي وبالأخ�ص في (دم�شق) ،وهذا ما قاله في �إجازته البن الخازن الحائري�« :إني قر�أت على �أربعين �شيخاً من علماء �أهل ال�سنة»(((. هذا الإنجاز ظهرت �آثاره في (جزين)((( بعدما �ش ّيد حوزة علم ّية خ ّرجت الع�شرات من المجتهدين ،والتي ع ّبر عن هذا الإنجاز الحر العاملي في �أمل الآمل�« :أنه �صلى على �إحدى الجنائز في �إحدى القرى في جبل عامل في عهد ال�شهيد الأول �سبعون مجتهداً». هذه النه�ضة العلمية التي ا�ستمرت زهاء �أربعة قرون لم تكن بمن�أى عن الم�ضايقات ن�ص �صريح لحفيد ال�شيخ ح�سن والبغي من الوالة والتابعين للحكم العثماني ،وهناك ّ �صاحب المعالم ال�شيخ علي في كتابه (الدر المنثور)((( يقول فيهّ �« :إن �أهل البغي في جباع حرقوا لي ولأبي ال�شيخ محمد ولجدي ال�شيخ ح�سن ولأبيه ال�شهيد الثاني ما يزيد على الألف كتاب ومخطوطة من �أنف�س المخطوطات». وا�ستمرت هذه النه�ضة العلمية من خالل ذرية ال�شهيد الأول والذين ُعرفوا ب�آل �شم�س الدين الحق ًا ،وا�ستمروا بطلب العلم �إلى يومنا هذا وانت�شروا في القرى والمناطق، م�ضاف ًا لطالبه ،والذين ارتقوا الحق ًا �إلى ت�أ�سي�س مدار�س علمية كان لها ح�ضورها وفعاليتها ،وكرك نوح في القرنين التا�سع والعا�شر هـ كانت من �أهم المدار�س ولكنها لم ُيكتب لها البقاء ب�سبب رحيل �أ�ساتذتها �إلى �إيران في العهد ال�صفوي ،وكذلك نه�ضت مدر�سة (مي�س) على يد المحقق ال�شيخ علي المي�سي وكان من تالميذها ال�شيخ زين الدين الجباعي (ال�شهيد الثاني) وال�سيد عز الدين ح�سين المو�سوي جد ال�سيد محمد �صاحب المدارك ،وجاءت مدر�سة ال�شهيد الثاني في �أوا�سط القرن العا�شر هـ ،لتُثبت ((( دم�شق كانت تُعتبر مركز ًا كبير ًا على ال�صعيد العلمي ،وخ�صو�ص ًا انها تُ�ش ّكل ح�ضور ًا لوالي ال�سلطة الحاكمة والتي �أراد ال�شهيد �أن ي�ستفيد من هذه العالقة� .سنة 784هـ والمثبتّة في بحار الأنوار . 39/25 ((( �أورد هذا الن�ص الحر العاملي في كتاب �أمل الآمل ج.1 ((( الدر المنثور ج � 2ص . 338 148 �������������������������������������������������������������������� تلك النه�ضة والتي �إ�ستمر معها الح�ضور العلمي �إلى �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ ،عندما توفي العالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب مدر�سة (�شقراء) والتي كانت من المدار�س الأ�سا�س ّية في تلك المرحلة وكانت ت�ضم على رواية الم�ؤرخ ال�شيخ علي ال�سبيتي �أكثر من ثالثمائة طالب((( ومن بينهم �إبن �أخيه ال�سيد جواد الح�سيني �صاحب مفتاح الكرامة في الفقه ،حيث ذهب �إلى النجف الأ�شرف وبقي هناك على �أثر قيام حكم الجزار ،وكان له دور �أ�سا�سي في النجف �سواء من الناحية العلمية مع المولى الوحيد البهبهاني وال�سيد مهدي بحر العلوم وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء� ،أو من ناحية حفظ النجف من الهجوم الوهابي عليها(((. و�أ�ستطيع القول �أنه بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني 1194هـ ،وقتل الن�صار في معركته مع الجزار في (يارون) 1195هـ ،وعدوان الأمير ال�شيخ نا�صيف ّ جي�ش الجزّار على قرية (�شحور) 1198هـ ،وقتل العالمة ال�سيد �أبو البركات هبة اهلل نجل ال�سيد �صالح المو�سوي((( ثم �سجن ال�سيد �صالح في (عكا) وهروب علماء جبل عامل �إلى خارج البالد� ،إنتهى جبل عامل كحا�ضرة علمية. الدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء جبل عامل: وقبل الحديث عن المدار�س التي �شكلت بمجموعها النه�ضة العلمية الثانية ،ال ُب ّد من �إطاللة �سريعة على الدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء هذا الجبل قبل النكبة و�أثنائها ((( ) 8ال�سبيتي – في كتابه الجوهر المجرد. ((( �أعيان ال�شيعة ج � 6ص 404ان ال�سيد جواد الح�سيني كان من العلماء الحا�ضرين بقوة للدفاع عن النجف الأ�شرف في وجه الذب عن النجف الأ�شرف حيث ع ّبر عن النجف (ببي�ضة الإ�سالم). العدوان الوهّ ابي ،و�ص ًنف ر�سالة فقهية في وجوب ّ ((( بغية الراغبين ج� 1ص 129ال�سيد �صالح المو�سوي نجل ال�سيد محمد الذي قدم من قرية (جباع) �إلى بلدة �شحور و�سكن فيها ،ويعود ن�سبه �إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي �أخي ال�سيد محمد (�صاحب المدارك) ،عندما وقعت نكبة �شحور اعتقل الجزار ال�سيد �صالح و�سجنه في (عكا) مع عدة �أ�شخا�ص وو�ضعوهم في (طامورة) تحت الأر�ض بات ال يم ّيز فيها (الليل من النهار) حتى �ضاق �صدره فقال للذين معه�« :أنا �س�أدعوا اهلل تعالى بدعاء الطائر الرومي و�أنتم �أ ّمنوا» ،وما �أن �أكمل دعاءه حتى فتح اهلل تعالى لهم باب ال�سجن وهربواّ ،ثم غادر �إلى العراق ولم يرجع �إلى جبل عامل وبقي ن�سله موزع ًا بين �إيران والعراق حيث �أ�صبحوا علماء �أعالم و�صاروا ينت�سبون �إلى �آل ال�صدر ن�سبة �إلى ولده ال�سيد �صدر الدين ،و�أ ّما �أخوه ال�سيد محمد بقي في �شحور فكان �آل �شرف الدين منه. 149 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة كي نتعرف على حجم الأ�ضرار التي لحقت بهذه المنطقة ،وعلى �أهمية الدور الذي قام به علما�ؤنا بعد نكبة جبل عامل. فجبل عامل لم يكن محكوم ًا مبا�شرة من قبل العثمانيين و�إنما كان يحكمه �أمراء ُي�س ّمونهم (الم�شايخ) ع ّينهم العثمانيون وكانت مهمتهم جبي ال�ضرائب وجلب ال�شباب مق�سم ًا �إلى ثالث مقاطعات ،كما جاء في كالم للإلتحاق بالجندية ،وكان جبل عامل ّ المرحوم ال�سيد ح�سن الأمين في الندوة التي �أقامتها جمعية الإمام ال�صادق Q في 1995/12/10م حول ال�شاعر ال�شيخ �إبراهيم يحيى وم ّما قاله« :كان جبل عامل في ع�صر ال�شيخ �إبراهيم يحيى واحداً من المقاطعات التابعة للحكومة العثمان ّية في بالد ال�شام التي ال تخ�ضع لحكم عثماني مبا�شر بل كان الوالة يلزمون �إدارات المقاطعات الجبل ّية �إلى زعيم ع�صبية محل ّية ،وكان جبل عامل يتبع والية �صيدا ويتولى �إدارة مقاطعاته مجموعة من الم�شايخ يقيم كل منهم في �إحدى تلك المقاطعات مع �أتباعه المزارعين الذين يتعهدون �أر�ض المقاطعة لح�سابه». وينتمي ه�ؤالء الم�شايخ �إلى ثالث �أ�سر �إقطاع ّية لها ال�سيادة الأولى في البالد وهم: بنو �صعب في ال�شقيف وبنو منكر في ال�شومر والتفاح و�آل ال�صغير في بالد ب�شارة. والرئا�سة العامة في هذا المجموع هي لآل علي ال�صغير .وكان كل �شيخ بمقدوره عند الحاجة �أن يج ّند ما ي�ستطيع تجنيده حتى �إذا اجتمعوا مع ًا �ش ّكلوا ق ّوة قتالية قوامها �ستة �آالف مقاتل ،معظمهم من الفر�سان ا�شتهروا في �سوريا كلها ب�شجاعتهم النادرة التي �شهد لهم بها معا�صروهم من الفرن�س ّيين ،وقد �أ�شار �إلى ذلك الدبلوما�سي الفرن�سي مما جعلهم ينت�صرون على بارادي�س بقوله�« :شاهدناهم يقاتلون بترتيب ونظام ّ �أعدائهم الذين يفوقونهم عدداً». و�شهد جبل عامل في الن�صف الأول من القرن الثامن ع�شر �إزدهار ًا �إقت�صاد ّي ًا بارز ًا التجار الأوروبيين بالإ�ضافة �إلى م�صر. خ�صو�ص ًا نتيجة ن�شاط ّ التجار الفرن�س ّيون يتّ�صلون مبا�شرة بم�شايخ القرى و�صاروا يدفعون له�ؤالء كما �أخذ ّ 150 �������������������������������������������������������������������� ثمن قطنهم �سلف ًا .ف�أ ّدت هذه العالقة �إلى ازدياد الم�ساحة المزروعة قطن ًا وا�شتهرت بلدة �أن�صار بجودة �إنتاجها من هذا المح�صول. وبازدياد مداخيل م�شايخ جبل عامل نمت قوتهم الع�سكر ّية وازداد نفوذهم ال�سيا�سي، الن�صار الذي اتخذ من قلعة (تبنين) مق ّر ًا له .وا�ستطاع ّ وتزعم �شيخ الم�شايخ نا�صيف ّ مع باقي الم�شايخ ترميم القالع العامل ّية وتزويدها بالأ�سلحة والذخائر .وتم ّنعوا عن دفع ال�ضرائب لوالي �صيدا ك ّلما حاول �أن يجبي منهم �أكثر من تلك المق ّررة عليهم. ال�شيخ نا�صيف الن�صار كان ُيطلق عليه �أمير الأمراء و�شيخ م�شايخ جبل عامل ،وكان رج ًال عاق ًال حكيم ًا حليم ًا �شجاع ًا وكان يمتلك من الحلم مع خ�صومه و�أعدائه ما جعله في م�صاف الرجال القادة((( وتاريخه في جبل عامل ُم�ش ّرف وعليه �إجماع الم�ؤرخين، ((( فعا�ش قائد ًا �شهم ًا وارتحل بط ًال �شهيد ًا على يد الجزار في معركة يارون 1195هـ وبقتله �إنزاحت عقبة كبيرة من �أمام هيمنة الجزار على جبل عامل ،لي�س المجال البحث ال�شهم فال�سيد عبد الح�سين الن�صار �أو عن مرحلته ،و�صف ال�شيخ نا�صيف بالرجل ّ ((( فك ّل من كتب عن الأمير ال�شيخ نا�صيف ّ �شرف الدين في بغية الراغبين ج� 1ص 131قال« :وكان نا�صيف �صادق الب�أ�س ،جميع القلبُ ،م�س ّعر الحرب ،وخ ّوا�ض غمرات». كان عنوان تلك المرحلة الإ�ستثنائية التي م ّر بها جبل عامل ،طبع ًا من دون ان نن�سى �أن جبل عامل بك ّل ح�ضوره العلمي والفكري والجهادي ،وخ�صو�ص ًا تلك المرحلة كان يعي�ش الإزدهار العلمي والإقت�صادي والجهادي ،وهذا ببركة الحا�ضرة العلمية التي � ّأ�س�سها علماء هذا الجبل م�ضاف ًا لقيادة بع�ض الأمراء كال�شيخ نا�صيف ،ففي �سنة 1185هـ بعدما ا�ستطاع ال�شيخ نا�صيف وبالإتفاق مع ال�شيخ ظاهر العمر في فل�سطين و�أبو الذهب من م�صر� ،أن ي�سقطوا الوالي العثماني في �سوريا (عثمان با�شا) وبالفعل لوال خيانة �أبو الذهب وعودة قواته �إلى (م�صر) لكانت المنطقة قد ا�ستعادت حريتها بالكامل عن ال�سلطة العثمانية، م ّما ا�ضطر ال�شيخ نا�صيف الن�صار وظاهر العمر �إلى الإن�سحاب والعودة �إلى جبل عامل وفل�سطين .وبعودة الوالي العثماني �إلى (دم�شق) مجدد ًا ق ّرر الإنتقام من ال�شيخ نا�صيف ومن �أهالي جبل عامل بالتحديد ،ولكن من دون �أن يمتلك جر�أة المواجهة وجه ًا لوجه ،فلم ي�أت عن طريق (�صيدا) لذا جاء عن طريق (بحيرة الحولة) جهة فل�سطين ال ُمط ّلة على جبل عامل وذلك بع�شرة �آالف مقاتل بكامل عدتهم ،وعلى (قاعدة ما ُغزي قوم في عقر دارهم �إ ّال ذل ّوا) ق ّرر ال�شيخ نا�صيف �أن ينتخب عدة مئات من بوا�سل جي�شه ليواجه بهم الوالي العثماني بغارة �سريعة تق�صم ظهره وتترك جي�شه ال يلوي على �أحد ،وقبل �أن ي�صل �إلى حدود المواجهة م ّر على بلدة (بليدة) الم ّمر الإجباري لتلك المنطقة ،فزار المقام المن�سوب �إلى (يو�شع بن نون) وبعد �أن �ص ّلى وزار وم�سح عمامته بجدران المقام ال�شريف ،نذر �أنه �إذا ن�صره اهلل تعالى على عد ّوه ف�سوف ُيجدّد بناء (المقام ال�شريف) ،وبالفعل تمكن عدة مئات من بوا�سل جبل عامل �أن يق�ضوا على �أكثر الجي�ش العثماني المج ّهز ب�أحدث المعدات، الن�صار و�سوف وهرب الباقي وخ ّلفوا جثث القتلى وال�سالح وكل �أعتدتهم .هذا نموذج على طريقة ت�ص ّرف ال�شيخ نا�صيف ّ نبحث في مكان م�ستقل حول هذه ال�شخ�صية الإ�ستثنائية و�سنحيي ذكراه بما يليق ب�ش�أنه �إن�شاء اهلل تعالى. ((( وكما جاء في بغية الراغبين ففي � 5شوال 1195زحفت على جبل عامل جيو�ش الجزّار ،فنهد �إليهم �أمير عاملة ال�شيخ نا�صيف الن�صار ،ف�إن الجزّار الذي كان قادم ًا �إلى جبل عامل ، ...وكان يتظاهر �أنه قا�صد ًا (ع ّكا) ولي�س جبل عامل ولكن على ما يبدوا ّ ف�إن ال�شيخ نا�صيف فهم �أنه قا�صد ًا جبل عامل ،ولم ينتظر حتى ي�ستدعي بقية الأمراء والجند ،فق ّرر المواجهة بمن ح�ضر من ع�سكره المتواجد معه وهم حوالي �سبعمائة فار�س وفقد الجزار في هذه المعركة ثلث جي�شه. 151 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة بالتف�صيل عن هذا الأمير ال�شجاع� ،إ ّنما ق�صدت الإ�شارة فقط �إلى عالقته الوطيدة بعلماء الدين ،و�إ ّنهم لم يكن لديهم غ�ضب م�سبق �أو عداء تجاه ه�ؤالء الأمراء ،بل كانت تجمع فيما بينهم �أكثر الأحيان المودة والعمل على م�صلحة هذا الجبل ،ولر ّبما اختلفوا لكن �ضمن نقاط محددة مرتبطة بم�صلحة النا�س �أو مخالفة موقف �شرعي ،وهذه ميزة ُت�سجل لعلمائنا الأجالء. الن�صار وعلى �سبيل المثال كانت هناك عالقة وطيدة تربط ما بين الأمير نا�صيف ّ والعالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب مدر�سة (�شقراء) ال�شهيرة (((،وكيف كان يحر�ص على الح�ضور الأ�سبوعي لي�صلي الجمعة خلف ال�سيد ،حتى �أنّ الم�سجد لم يعد يتّ�سع للم�صلين من القرية والقرى المجاورة ،مما ا�ضطر ال�سيد �أبو الح�سن لتو�سعة الم�سجد الذي هو (الهوية) له�ؤالء النا�س التي تمثل حب الوطن والدفاع عنه �إلى حدود الإ�ست�شهاد وهذا ما كان ليكون لوال الم�ساجد ،ولما تمكن �أمراء جبل عامل من تجنيد الآالف من ال�شباب البوا�سل الحا�ضرين للإ�ست�شهاد للدفاع عن جبل عامل. وقد �أ ّرخ ال�شاعر الكبير ال�شيخ �إبراهيم يحيى تلميذ ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى لهذا الم�سجد((( ب�أبيات من ال�شعر: ي����ا ع�����ص��ب��ة ال����دي����ن �أال ف���ان���ظ���روا م����ا �����ش����اده م����ول����ى ال����م����وال����ي ل��ك��م �أب���������و الأم�������ي�������ن ال�����ع�����ل�����وي ال������ذي ���ص�� ّي��ر ف���ي ك�����س��ب ال��� ُع���ل���ى ك�سبكم �أ���ض��ح��ى خ��ط��ي��ب ال���دي���ن ف���ي ج��ام��ع ق�������د ج�����م�����ع اهلل ب�������ه ����ش���م���ل���ك���م ي����ق����ول����ون ف�����ي ت����اري����خ����ه�« :أم�������������راً ي����ا �أي����ه����ا ال���ن���ا����س ات����ق����وا رب���ك���م» ((( ينقل ال�سيد الأمين في �أعيان ال�شيعة ج � 15ص� 66أنّ «هناك عالقة وطيدة كانت تربط بين الأمير ال�شيخ نا�صيف وبين ال�سيد أهم مدر�سة دينية في تلك المرحلة ،فعندما توفي حزن عليه كثير ًا» .من خالل هذه �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب � ّ العالقة نفهم طبيعة ال�شيخ نا�صيف الن�صار ونظرته �إلى علماء الدين ،ونفهم �أي�ض ًا عالقة علماء الدين بالأمراء و�أنها لم تكن محكومة بتوتر م�سبق ،وعندما كانت ت�ضطرب �إ ّما نتيجة �إختالف بالر�ؤى في بع�ض الأحيان �أو لأجل مخالفة حكم �شرعي. ((( ال�شيخ �إبراهيم يحيى من بلدة (الطيبة) من قرى جبل عامل ،وكان �شاعر ًا كبير ًا ومن تالميذ مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني ،ومن الذين هربوا �إلى خارج جبل عامل بعد وقوع النكبة والقى من الم�صاعب كثير ًا في الطريق وتوفي في دم�شق �سنة 1212هـ قبل هالك الجزار ودفن في باب ال�صغير .و�أ ّرخ عدة �أبيات بتاريخ بناء الم�سجد الذي �ش ّيده ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �سنة 1182هـ �أعيان ال�شيعة ج � 15ص .65 152 �������������������������������������������������������������������� وع ّبر ال�سيد الأمين في الأعيان((( عن ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني فقال« :كان ال فقيهاً محدثاً رئي�ساً جلي ً عالماً فا�ض ً ال مطاعاً عالي ال�ش�أن �إنتهت �إليه الريا�سة العامة في البالد العاملية ديناً ودنيا ،فبنى المدار�س والم�ساجد ون�شر العلم وتوافد عليه الطالب وكان يقيم �صالة الجمعة». وعندما توفي ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى في /16محرم 1194/هـ الموافق 1780هـ ق ّرر ال�شيخ نا�صيف �أن يبني على مقامه (قبة) تليق ب�ش�أنه ومقامه ال�شريف وكان قد حزن عليه حزن ًا �شديد ًا ومع الأ�سف وقبل �أن تكتمل بناء القبة قتل ال�شيخ نا�صيف 1195 هـ و �أمر الجزار بنقل الأحجار الثمينة �إلى (عكا)(((. بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني قام نجله ال�سيد محمد الأمين مقامه وتق ّلد من�صب (الإفتاء) لبالد ب�شاره((( وهذا الت�ص ّدي هو م�س�ؤولية دينية و�سيا�سية وخ�صو�ص ًا في العهد العثماني ،وهو من�صب خطير حيث ُي�شكل في ذلك الزمن �سلطة دينية فحكمه نافذ عند الوالة العثمانيين ،ولطالما �أ�ساء بع�ض المفتين والق�ضاة لوحدة الم�سلمين ونالوا من علماء الدين ومن النا�س كيد ًا وح�سد ًا ،وعملوا على تعكير الأجواء بين ال�سلطة العثمانية �أو المماليك وبين الم�سلمين ال�شيعة ،لهذا كان ت�صدي بع�ض علماء ال�شيعة لهذا المن�صب عندما ُتتاح الفر�صة هو من �صلب العمل الديني وال�سيا�سي الهادف بعيد ًا عن الأطماع والم�صالح ال�شخ�صية ،فال�شيخ ح�سن الحانيني الذي توفي 1035هـ كان مت�صدي ًا للإفتاء((( ولم يمنعه زهده وعبادته وطول �سجوده الذي ُعرف به، بل كان ت�صديه لهذا المن�صب للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع الأذى عن الم�سلمين هي من �صلب العبادة والزهد. ((( في �أعيان ال�شيعة ج � 15ص . 64 ((( �أعيان ال�شيعة ج � 15ص . 64 ((( �أعيان ال�شيعة ج � 13ص 256وتوفي في (�شقراء) �سنة 1224هـ. ((( كما نقل ال�سيد الأمين في �أعيان ال�شيعة ج � 8ص � 245أنه كان زاهد ًا وي�ضرب ب�سجوده المثل. 153 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة كذلك ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني تقلد من�صب الإفتاء((( في جبل عامل ومع ذلك مات م�سموم ًا عن �سن � 45سنة ب�سبب حكم �شرعي لم ُيهادن فيه الباطل ،فه�ؤالء لم يتق ّلدوا من�صب الإفتاء لأجل ُمرتّب �شهري �أو لم�صالح �شخ�صية كما هو اليوم في زماننا، فال�سيد محمد الأمين لم يتقلد هذا المن�صب للراحة والأمان والقرب من ال�سلطان، فقد تعر�ض لأ�صعب �إختبار ومهمة ال يقوم بها طالب دنيا وعافية ،فبعدما خربت البالد جراء حكم الجزار و�سيا�سته المدمرة لجبل عامل ،على �أيدي جنوده وقيام ما �أطلق عليه حركة (الط ّياح)((( فكانوا يقومون بهجمات على الجنود ومواقعهم لي ًال ويختب�ؤون بالنهار بالمغاير ،ف�صارت الحياة في جبل عامل ال تطاق ،فجاء من يقترح على الجزار �إقامة هدنة مع زعماء ه�ؤالء ع َّل البالد تهد�أ ويعود الإن�سجام بين النا�س وال�سلطة كما كانت قبل حكم الجزار ،ووقع الإختيار على المفتي ال�سيد محمد الأمين((( فقبل الجزار العر�ض ب�شرط �أن يترك ولده ال�صغير ال�سيد علي في (عكا) ك�أمانة كيما ُيكمل مهمته، قبل ال�سيد محمد الأمين بهذا الطلب لما فيه من م�صلحة ُعليا للبالد مع ما في هذه المهمة من مخاطر على نف�سه وعلى �إبنه الذي و�ضعه بين مخالب الجزار ،هذا الموقف �سجل لل�سيد محمد الأمين ،ف�صحيح �أنه ف�شل في مهمته والجزار لم يلتزم ببنود ُي ّ المعاهدة والأ�سو�أ �أنه قام ب�سجن ال�سيد محمد الأمين في (عكا) ،لكن على قاعدة «رب �ضارة نافعة» فقد ن�ش�أت عالقة وطيدة بين نجله ال�سيد علي وعبد اهلل با�شا الذي �أ�صبح والي ًا في عهد ال�سيد علي الذي تقلد من�صب الإفتاء بعد عودته من النجف الأ�شرف، و�سوف نتناول هذه الحادثة بعد قليل في معر�ض الحديث عن مدر�سة �شقراء والح�ضور ال�سيا�سي والإجتماعي لل�سيد علي محمد الأمين كما فعل والده والدور الذي قام به قبل حكم الجزّار وبعده ،ولي�س بعيد ًا عن دور ال�سيد محمد الأمين فعلماء �شحور والأمير ((( �أعيان ال�شيعة ج � 12ص 179ويمتدحه ال�سيد الأمين كثير ًا. ((( (الط ّياح) عبارة عن ع�صابات كانت ت�أخذ ال�ضريبة من النا�س. ((( �أعيان ال�شيعة ج � 13ص .256 154 �������������������������������������������������������������������� ال�شيخ حمزة بن محمد الن�صار من �آل علي ال�صغير((( لما ر�أوا ما يقوم به الجزار في د�س ال�سم للجزار جبل عامل ق ّرروا المواجهة ،وهناك رواية تقول� :أ ّنهم �ص ّمموا على ّ المند�سين ،لكن الم�ؤ ّكد �أنهم وحا�شيته عبر (الط ّباخ) ولكن ك�شف الأمر �أحد المنافقين ّ هجموا على القلعة حيث مركز (الم�ستلم) فقتلوه ،وو�صل الخبر الى الجزار فج ّهز جي�ش ًا لمهاجمة (�شحور) فوقعت معركة كبيرة �إ�ستب�سل فيها �أهالي البلدة ،ولكن كانت الغلبة لجي�ش الجزار لكثرتهم ،فقتلوا �أكثر من مئتي رجل ثم ا�ستباحوا البلدة و�ألقوا القب�ض على الأمير حمزه بن محمد الن�صار و�أعدموه ،وهرب ال�شيخ علي الزين من البالد �إلى (الهند) ،وبعد فترة تم ّكن عيون (الجزار) من قتل ال�سيد �أبو البركات هبة اهلل واعتقال والده ال�سيد �صالح المو�سوي الذي يعود ن�سبه �إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي �أخ ال�سيد محمد �صاحب المدارك(((. هذه ع ّينات من مواقف لعلماء جبل عامل عن الدور ال�سيا�سي والإجتماعي والجهادي في كل المراحل المختلفة ،و�سوف نتحدث بالتف�صيل عن جميع ه�ؤالء العلماء في معر�ض حديثنا عن ه�ؤالء ال�سادة وحتى العلماء الذين لم يتم ّكنوا من القيام بمهامهم في جبل عامل ،نجدهم قد غادروا هذه البالد وقاموا بما هو مطلوب منهم في �أماكن �أخرى ،فال�شيخ علي الزين بعد نكبة (�شحور) 1198هـ توجه �إلى (الهند) و�صار �أحد الوزراء في الحكومة((( .و�أن ي�صل �إلى هذا المركز �شخ�ص ال يعرف اللغة وبعيد عن بالده هذا ُيد ّلل على قدرته على المبادرة وقوة ه ّمته وح�ضوره ،وهنا نرى ال�سيد جواد الح�سيني (�شقراء) بعد موت عمه ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى وقيام حكم الجزّار ينتقل �إلى كربالء والنجف الأ�شرف و ُي�صبح من الطبقة التي اكتمل الفقه في عهدههم وهم المولى الوحيد البهبهاني وال�سيد مهدي بحر العلوم وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء، ((( ) كما ينقل ال�سيد �شرف الدين في بغية الراغبين ج .1 ((( ال�سيد علي نور الدين المو�سوي هو الجد الأعلي لآل �شرف الدين و�آل ال�صدر و�آل نور الدين و�آل �أبو الح�سن �إلخ. ((( بغية الراغبين ج � 1ص 131 155 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ثم يقوم بدور �إجتماعي وجهادي وخ�صو�ص ًا فيما يخ�ص مواجهة الوهابية عندما ق َّررت الهجوم على النجف الأ�شرف ،فكان يحر�س مع ال�شباب المقاتلين �سور النجف الأ�شرف الذب عن النجف الأ�شرف لأنها ت�شكل بي�ضة حتى �أنه �صنف ر�سالة �سماها« :وجوب ّ الإ�سالم»(((. �أو ال�شيخ �إبراهيم يحيى جد ال�شيخ عبد الح�سين �صادق الكبير المق ّد�س وال�شاعر الكبير والم� ّؤ�س�س �أول ح�سينية في جبل عامل وذلك في مدينة (النبطية) ،كان من بلدة (الطيبة) من جبل عامل وكان �شاعر ًا كبير ًا وهو من تالمذة مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى في (�شقراء) وينقل �أ�صحاب التراجم عن المعاناة التي عا�شها جراء حكم الجزار وله ق�صائد ت�ؤ ّرخ لتلك المرحلة وفيها مواقف �سيا�سية فهو لم يهد�أ �أو ي�ستكين بل كانت له مواقف وكان يتنقل بين دم�شق وبعلبك وزار العراق و�إيران ،توفي في دم�شق كما يقول ال�سيد الأمين في الأعيان انه مات ودفن في دم�شق في باب ال�صغير وزار قبره وله ق�صيدة يتم ّنى العودة �إلى جبل عامل وي�صف فيها تلك المرحلة التي ق�ضاها في جبل عامل .وال�سيد �صالح بن ال�سيد محمد �إبراهيم �شرف الدين المو�سوي الذي يعود ن�سبه �إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي والد ال�سيد محمد �صاحب (المدارك) وكيف هرب من �سجن(عكا) �إلى العراق ون�سله من �أهل العلم كان لهم دور علمي و�سيا�سي وجهادي وعرفوا ب�آل ال�صدر. في العراق و�إيران والزالت �آثارهم �إلى يومنا هذا ُ �أكتفي بهذا القدر من النماذج ع ّما كان عليه علما�ؤنا في جبل عامل على �أمل �أن نتحدث بالتف�صيل عن جميع ه�ؤالء ال�ساده في مو�سوعتنا �إن�شاء اهلل تعالى ،وبهذا نكون ق ّدمنا �صورة مخت�صرة عن الدور الذي قام به علما�ؤنا قبل النكبة و�أثناءها. العودة العلمية مجدد ًا �إلى جبل عامل بعد الذي ذكرنا من النه�ضة العلمية الأولى والدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء جبل عامل ،جاء الحديث عن عودة الحياة العلمية ((( �أعيان ال�شيعة ج � 6ص 404 156 �������������������������������������������������������������������� �إلى هذا الجبل حيث الجهود الجبارة التي ُبذلت والتي � ّأ�س�ست لعودة النه�ضة الثانية في مختلف المجاالت العلمية واللغوية والأدبية وال�شعر ،والتي ال زلنا ننعم بها �إلى يومنا وحتى ُنعطي لك ّل ذي حق حقه ويبقى (ال�سابقون ال�سابقون �أولئك المقربون) ف�إنّ النه�ضة العلمية الثانية م ّرت بعدة محطات: المحطة الأولى :كوثرية ال�سياد -طيردبا � -شقراء فقد نه�ضت عدة مدار�س متقاربة �إلى بع�ضها في الثلث الأول من القرن الثالث ع�شر هـ، وا�ستكمل الح�ضور العلمي بتالميذ ه�ؤالء الأ�ساتذة الذين �أكملوا هذا الدور. بعد هالك الجزار �سنة 1219هـ �إ�ستراحت البالد والعباد منه ،لكنها لم تكن لتطمئن ل�سالمة نهج وفكر الوالي الجديد (�سليمان با�شا) ،فقد ذاقت الويالت من الطاغية الجزار ما يقرب من ثالثين �سنة ،لهذا كان ال ُب ّد للوالي الجديد �أن يعمل على تطمين �أهالي جبل عامل ،و�أن يفتح �صفحة جديدة من العالقة بين الوالي العثماني و�أهالي جبل عامل ،ومع ذلك لم ت�ستجب النا�س لدعوته ورغبته حيث كانت تحتمل �أنها مكيدة جديدة للإيقاع بهم ،لهذا ا�ضطر للتو�سط عند الأمير ب�شير ال�شهابي((( ليقوم بدور الو�سيط مع الأمراء والعلماء ،والخطوة الثانية هي الإف�ساح في المجال لعودة المدار�س �إلى جبل عامل ،بل �أكثر من ذلك الم�ساهمة في عودتها .ففي عهد �أحمد با�شا الجزار ،كان العالمة ال�شيخ ح�سن القبي�سي يدر�س في النجف الأ�شرف على �أ�ساطينها منهم ال�سيد مهدي بحر العلوم وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء ،وجري ًا على العادة كان ال ُب ّد من العودة �إلى البالد وعدم البقاء في العراق �إلى �آخر العمر ،لكن ربما وجدنا �إعترا�ض ًا من علماء النجف على عودة بع�ض العلماء �أو مغادرتهم النجف لأجل التح�صيل والو�صول �إلى �سدّة الرئا�سة الدينية كما ((( كما ينقل محمد جابر �آل �صفا من تاريخ جبل عامل �ص ،241ب�أنّ الأمير ب�شير ال�شهابي الثاني حاكم جبل لبنان �إ�ستنجد به الوالي �سليمان با�شا لإقامة و�ساطة بينه وبين الثوار وزعماء الع�شائر في بالد ب�شارة ،بعد �أن رد زعماء الثورة موفوده (باكير �آغا) راف�ضين دعوته ومطالبه بالطاعة و�إلقاء ال�سالح و�إيقاف الغارات ،وذلك لعدم وثوقهم بوعود الأتراك ب�سبب غدرهم ونكثهم للوعود. 157 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة حدث مع ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) والعالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة بينما نجد هنا بع�ض الأ�ساطين ُي�ساهم في عودة ال�شيخ ح�سن القبي�سي �إلى جبل عامل لأجل �إعادة الحياة العلمية التي انتهت بالكامل في تلك المرحلة وهذه لفتة كريمة ولها ما بعدها عند ه�ؤالء الأعالم ،وهي �أن جبل عامل من وجهة نظرهم له قيمة علمية وح�ضور �إ�ستراتيجي على �صعيد المنطقة ،وخ�صو�ص ًا �أنّ الحوزة العلمية في النجف تعرف تمام ًا قيمة علماء هذا الجبل من ال�شهيد الأول �أو المحقق الكركي والمحقق ال�شيخ علي المي�سي، وال�شهيد الثاني وع�شرات العلماء الأعالم الذين �ش ّع نورهم في �سماء العالم الإ�سالمي وكان لح�ضورهم العلمي وال�سيا�سي والإجتماعي والجهادي �أثر مدوي في �سماء المنطقة، لهذا كان الحر�ص منهم على وجوب عودة ال�شيخ القبي�سي((( .والأمر الآخر� ،أنّ طلب عودة ال�شيخ القبي�سي ي� ّؤ�شر �إلى مكانته العلمية وقدرته على تجاوز ال�صعاب و�أنه ي�صلح �أن يكون في مرحلة الت�أ�سي�س ،و�إ ّال ف� ّأي عالم ي�ستطيع �أن ُيدر�س في �أي حوزة عندما تكون جاهزة. مدر�سة كوثرية ال�سياد :لم تكن ميزة خا�صة لكوثرية ال�سياد ،فهي قرية كبقية القرى في جبل عامل� ،إنما القيمة في وجود المدر�سة فيها تعود لإمامها الذي ل ّبى دعوة �أهاليها ليكون �شيخ ًا عندهم ،وجري ًا على عادة العلماء ف�إنهم في الغالب يقومون بثالث خطوات: الأولى :التبليغ الديني ،من تعليم النا�س الأحكام التي هي محل ابتالئهم ،وهناك وجوب مبادرة المكلف �إلى معرفة �أحكام مح ّل الإبتالء ،م�ضاف ًا �إلى �إحياء ((( ((( فال�شيخ عبد اهلل نعمة كان يدر�س عند ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) وذات يوم طلب �أهالي (ر�شت) من ال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء �أن ير�سل �إليهم عالم ًا يبقى عندهم ويع ّلمهم �أحكام دينهم ،فاختار لهم العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة ،وق ّرر ال�شيخ نعمة المغادرة ،وجاء ليودّع �أ�ستاذه ال�شيخ النجفي فر�آه خارج ًا من حرم �أمير الم�ؤمنين ،Qوهنا انزعج الأ�ستاذ من هذا الخبر و�أخذ بيده و�أدخله �إلى �إحدى الغرف في ال�صحن ال�شريف والتي فيها قبر العالمة ال�سيد جواد الح�سيني �صاحاب (مفتاح الكرامة) وقال له �إن �صاحب هذا القبر (وكان �أ�ستاذ ًا لل�شيخ محمد ح�سن) كان قد نهاني عن ال�سفر �إلى (�أ�صفهان لأكون �إمام ًا لهم) وقال �إني �أرى فيه �أنك (�صاحب المنبر الأعظم) في الحوزة العلمية ،بمعنى �أنك المرجع و�أنك علي (ال�سفر) ،و�أنا اليوم ل�ست متندم ًا بل الأ�ستاذ الأول ،وعندما ر�آني م�ص ّر ًا على الذهاب ذهب �إلى والدتي و�أمرها �أن تُح ّرم َّ �أحتفظ بالجميل لهذا الأ�ستاذ و�أذكره بالخير دائم ًا ،و�أنا اليوم �أقول لك كما قال لي الأ�ستاذ :ف�إني �أرى فيك مالمح الرئا�سة الدينية ،و�أنهاك عن ال�سفر .لكن على ما يظهر فانّ الظروف لل�شيخ عبد اهلل نعمة كانت تقت�ضي ال�سفر وعاد بعد اثنتي ع�شر �سنة ،ولكنه كما يقول :تندّمت كثير ًا. ((( كما جاء في �أعيان ال�شيعة ج � 8ص 334 158 �������������������������������������������������������������������� المنا�سبات الدينية ،وال�صالة جماعة �إلخ.. الثانية� :إ�صالح ذات البين وح ّل الخ�صومات ،في هذه النقطة كان النا�س يقبلون مرجعية العلماء في ح ّل م�شاكلهم ،وبتقديري ف�إنّ م�س�ألة �إ�صالح ذات البين كان جميع علماء الدين يقومون بها� ،أ ّما ح ّل الخ�صومات والت�صدي للق�ضاء بمعنى �إبرام الحكم فهذا لم يكن من مهام جميع العلماء ،لأنه يحتاج �إلى ثالثة �شروط، الأول� :أن يكون هذا العالم مدرك ًا لكليات هذه الأحكام وحا�ضرة عنده ،والثاني: �أن يجيد تطبيقها ،والثالث� :أن تقبل النا�س حكمه ،لهذا الذين ت�ص ّدوا للق�ضاء وح ّل الخ�صومات كان لهم ح�ضورهم العلمي المم ّيز والإجتماعي الكبير ،على عك�س الموظفين اليوم في �سلك الق�ضاء حيث البع�ض ال علم له وال دين و ُيع ّين تبع ًا للم�صالح الخا�صة والتق�سيم المناطقي. ((( الثالثة :الت�صنيف والتدري�س وت�شييد المدار�س ح�سب الحاجة وال�ضرورة ال�شيخ ح�سن القبي�سي ،لع ّله العالم الوحيد الذي عاد �إلى جبل عامل وهو يحمل م�شروع �إعادة النه�ضة العلمية �إليه مجدد ًا كما حدث مع القائد الفذ ال�شهيد الأول م� ّؤ�س�س النه�ضة العلمية في جبل عامل ،وبطبيعة الحال ال ُيقا�س ال�شيخ القبي�سي وال غيره بال�شهيد الأول و�إنما من باب تقريب ال�صورة على �أهمية الدور الذي قام به المق ّد�س ال�شيخ ح�سن القبي�سي. بنا ًء على ما تقدم ،ال ُب ّد من �أن ي�شرع ال�شيخ ح�سن القبي�سي في كوثرية ال�سياد بم�شروعه الذي خطط له من النجف الأ�شرف وخ�صو�ص ًا �أنّ الفر�صة باتت �سانحة، وهذا الوالي (�سليمان با�شا) حا�ضر للم�ساهمة في بناء هذه المدر�سة(((. ((( وهذه طريقة كانت وال زالت متبعه عند علماء ال�شيعة في لبنان ،فعندما ُينهون تح�صيلهم العلمي �سواء في جبل عامل �أو حوزة النجف الأ�شرف �أو غيرها كالح ّلة كما فعل ال�شهيد الأول ،يعودون �إلى �أوطانهم ال ينقطعون عن التدري�س والت�صنيف. ((( والية �سليمان با�شا كانت محطة �إنتقالية في جبل عامل ،فبعد الخراب الذي لحق بجبل عام وهروب العلماء الذين نجوا من القتل وال�سجن والتعذيب ،كان ال ُب ّد لهذا الوالي الجديد وبما تُملي عليه م�صلحته �أن ُيعيد الهدوء والأمان ،وخ�صو�ص ًا مع علماء الدين الذين ينظر �إليهم المجمع �أنهم عنوان وجوده و�إ�ستمراره. 159 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة المدر�سة الدينية الأولى في النه�ضة العلمية الثانية ُ�ش ّيدت على م�ساحة حوالي 2900م وكانت ت�ضم ع�شرين غرفة ،ع�شر غرف للدر�س وع�شر غرف لمنام الطالب، وعل ّية خا�صة بال�شيخ القبي�سي وكان تحت يد ال�شيخ القبي�سي (مرج من توت) ي�ستخرج منه الحرير كم�صارفات على هذه المدر�سة(((� .إنت�سب �إليها العديد من الطالب منهم ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني ،وال�شيخ عبد اهلل نعمة. المدر�سة الثانية :التي �ساهمت في �إعادة الحياة العلمية مدر�سة ال�شيخ مهدي مغنية في طيردبا وكان من جملة طالبها ال�شيخ محمد الع�سيلي((( و�أوالد ال�شيخ �أحمد �شومان ،وابن ع ّمها ال�شيخ محمد علي �شومان ،وال�شيخ �سلمان بن علي قعيق ،ال�شيخ ح�سن بن �إبراهيم البالغي ،ال�شيخ جواد وال�شيخ خليل �آل �شكر البعلبكيان من قرية (تمنين التحتا) ،ال�شيخ جعفر بن علي بن محمد بن علي بن ح�سين بن محمود بن محمد �آل مغنية العاملي ،ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ مهدي مغنية ،ال�سيد ح�سن بن ال�سيد علي �آل �إبراهيم العاملي الكوثراني وال�سيد محيي الدين ف�ضل اهلل الح�سني ،حيث ن�ش�أت عالقة وطيدة مع �أ�ستاذه ال�شيخ مهدي وتزوج كريمته ،وال�شيخ مهدي مغنية الذي يذكره نجله ال�شيخ محمد في(جواهر الحكم) �أنه در�س في النجف الأ�شرف على ال�شيخ محمد ح�سن �إبن ال�شيخ باقر (�صاحب الجواهر). المدر�سة الثالثة :هي بالأ�صل مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني في قريته (�شقراء) والتي انتهت 1194هـ بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى وقيام حكم الجزار، �إال �أنّ حفيده ال�سيد علي نجل ال�سيد محمد الأمين بن ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى بعدما ((( ال ّ �شك �أنّ للوالي (�سليمان با�شا) دور في المدر�سة التي � ّأ�س�سها ال�شيخ القبي�سي ،وكما ينقل الم�ؤ ّرخ محمد جابر �صفا في تاريخ جبل عامل ،ف�إنّ �سليمان كان كوبي الأ�صل م�سيحي ُخطف �صغير ًا وبيع فوقع في ملك الجزّار وارتفعت منزلته عنده فخلفه في الوالية وكان متم�سك ًا بال�شريعة الإ�سالمية ُيعامل �أبناء الطوائف بالم�ساواة. ((( ال�شيخ محمد الع�سيلي كان من العلماء الزهّ اد المعروفين ،ولد في قرية ال�صرفند من جبل عامل 1305هـ كما جاء في خط يده ،وطفولته كانت في قرية (�أن�صار) ثم در�س في (طير دبا) على العالمة الفقيه ال�شيخ ح�سين مغنية ،وعاد من النجف الأ�شرف يحمل �شهادات بالإجتهاد ،ف�سكن في بلدة (ال�شهابية) وتوفي �سنة 1967م و�أنجب علماء ف�ضالء ال�شيخ ح�سن وال�شيخ علي وال�شيخ �أحمد الذي هو �إمام (بلدة ال�شهابية) حالي ًا. 160 �������������������������������������������������������������������� در�س في النجف الأ�شرف على �أ�ساطينها ومنهم �شيخ الطائفة ال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء ،عاد من النجف الأ�شرف عالم ًا مجتهد ًا ف�أعاد فتح مدر�سة جده وانت�سب �إليها الطالب منهم ال�شيخ محمد ال�سبيتي والد ال�شيخ علي وال�شيخ ح�سن ،وال�شيخ علي �شم�س الدين ،وال�شيخ علي مروة ،وال�شيخ علي زيدان ،وال�شيخ �صادق �إبن ال�شيخ يحيى ،وال�شيخ �سلمان قعيق ،وال�شيخ ن�صر اهلل بن �إبراهيم بن يحيى العاملي الطيبي ،وال�سيد ها�شم عبا�س بن ال�سيد محمد بن عبا�س �صاحب نزهة الجلي�س المو�سوي العاملي ،وال�شيخ محمد بن ال�شيخ �سليمان جواد بن ال�شيخ ح�سن �آل �سليمان ،وال�شيخ علي زين بن نا�صر العاملي المعركي ،وال�سيد جواد بن ال�سيد علي بن ال�سيد محمد الأمين الح�سيني العاملي ال�شقرائي عم ال�سيد مح�سن الأمين ،وكان لل�سيد علي محمد الأمين ح�ضور علمي و�سيا�سي في جبل عامل ،حيث �أ�صبح مفتي ًا في عهد الوالي (عبد اهلل با�شا)((( وتوفي م�سموم ًا نتيجة الح�سد �سنة 1249هـ ((( ،وعليه فتكون حياته العلمية في جبل عامل قبل ال�سيد علي �إبراهيم الذي عاد من النجف الأ�شرف �سنة 1248هـ وتوفي م�سموم ًا 1260هـ بعد �أحد ع�شرة �سنة من رحيل ال�سيد علي الأمين ،وكذلك ال�شيخ عبد اهلل نعمة الذي عاد من النجف الأ�شرف وتوفي في (جباع) 1303هـ و�أقام له العالمة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة مجل�س فاتحة والذي توفي بعده ب�سنة واحدة. �إذ ًا ،ن�ستطيع القول �أنّ ه�ؤالء الثالثة ال�شيخ ح�سن القبي�سي وال�شيخ مهدي مغنية وال�سيد علي محمد الأمين الح�سيني هم �أ�سا�س النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل. ((( قلنا في �أحداث جبل عامل �أنه جاء من يقترح على ال�سفّاح �أحمد با�شا �أن يعمل على التهدئة و�إعادة الحياة �إلى جبل عامل ،ووقع الإتفاق على �أن يكون المفتي ال�سيد محمد الأمين هو الو�سيط لكن ب�شرط �أن ي�ضع ولده رهينة عند الجزّار في (عكا) ،وهناك ن�ش�أت عالقة بين ال�سيد علي وبين(عبد اهلل با�شا)الذي �أ�صبح والي ًا بعد �سليمان با�شا على جبل عامل ،وهذه العالقة �سببها �أن والدة عبد اهلل �أحبت ال�سيد علي على محبة ولدها و�أ�صبح ال�سيد علي ك�أنه �أحد �أفراد العائلة ،وكان ُيد ّر�س بع�ض المقدمات وا�ستتب الأمر لعبد اهلل با�شا ،تع ّمقت هذه المودة ،م ّما جعله(مفتي ًا)على بالد ب�شاره لعبد اهلل ،وعندما عاد ال�سيد من النجف ّ وكانت لهذه العالقة �أثر ًا طيب ًا على جبل عامل ،والذي جعل ال�سيد علي يت�صدّى لإ�صدار الفتاوى �أنه ذات يوم و�صل �إليه خب ٌر مفاده �أنّ �أحد زمالئه في الدر�س الذي هو من دون ال�سيد علي في الف�ضل بدرجات قد ت�صدى للإفتاء بعد وفاة الأ�ستاذ ال�شيخ علي �أن �أت�صدّى ،فعندما كنت في النجف كنت �أف�ضل منه بكثير». جعفر (كا�شف الغطاء) وعندما علم ذلك قال« :هنا يجب َّ ((( �أعيان ال�شيعة ج � 4ص .421 161 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة المحطة الثانية من النه�ضة العلمية :كانت على يد العالمتان ال�سيد علي �إبراهيم وال�شيخ عبد اهلل نعمة. ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني ،عاد من النجف الأ�شرف �سنة 1248هـ� ،إ�ستق ّرفي بداية الأمر في كوثرية ال�سياد التي هي بلدته و�أ�صبح هو الأ�ستاذ في المدر�سة التي در�س فيها على ال�شيخ ح�سن القبي�سي ّ وتوطدت العالقة حيث �صاهره على كريمته بعدما توفيت زوجته والدة ال�سيد ح�سن �إبراهيم على طريق الحج ،و�أنجب من القبي�س ّية ال�سيد محمد �إبراهيم الذي لعب دور ًا مركزي ًا في �إعادة النه�ضة العلمية واللغوية والأدبية �إلى جبل عامل وخ�صو�ص ًا في مدر�ستي (حناويه والنبطية) حيث �سنتحدث عنهما في ر�سخت ما � ّأ�س�سته المدار�س ال�سابقة بعودة ال�سيد المحطة الرابعة من النه�ضة والتي ّ علي �إبراهيم من العراق �إلى الكوثرية حيث �أ�صبحت �أكثر ح�ضور ًا ولمعان ًا وتخ ّرج عليه ((( العديد من الف�ضالء ،فكان يمتلك الأهلية لهذا المقام والذي ع ّبر عنه ال�سيد الأمين �أنه من م�شاهير علماء جبل عامل ،ومن جملة من در�س عليه ال�شيخ ح�سين زغيب اليونيني المعروف (ب�شم�س العراقين)((( مدة �إثنتي ع�شرة �سنة حتى �أ�صبح من الف�ضالء و�ص ّنف في الكوثرية (كتاب ًا في �أ�صول الفقه)((( ،كما در�س عليه ال�شيخ جواد بن �شكر التمنيني البعلبكي ،وال�سيد ح�سن بن ال�سيد علي �آل �إبراهيم ،وال�شيخ خليل ع�سيران ال�صيداوي، وال�شيخ محمد علي عز الدين ،وال�شيخ علي وال�شيخ ح�سن �أوالد ال�شيخ محمد �سبيتي، وال�شيخ ح�سين بن محمد بن ح�سين بن محمد بن �أحمد ح�سين الالكودي الج�شعمي البعلبكي اليونيني. مدر�سة (جباع)� ،ش ّيدها العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة بعدما عاد مجتهد ًا ُم�س ّلمالإجتهاد من النجف الأ�شرف والذي حاز على �شهادة الأ�ستاذ الكبير ال�شيخ محمد ((( �أعيان ال�شيعة ج � 12ص � 179أنه من م�شاهير علماء جبل عامل. ((( �أعيان ال�شيعة ج � 9ص .390 ((( �أعيان ال�شيعة ج � 9ص .390 162 �������������������������������������������������������������������� ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر)((( ،ودر�س عليه العديد من الأفا�ضل منهم ال�شيخ مهدي �شم�س الدين الذي كان �أ�ستاذ ًا في حوزته ويعبر عنه الآغا بزرك الطهراني في الطبقات((( �أنه من �أهم الأ�ساتذة في جبل عامل ،حيث در�س عليه العالمة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة (القوانين في الأ�صول)((( ،كما در�س عليه في مدر�سة (جباع) ال�سيد ح�سن يو�سف مكي �صاحب (مدر�سة النبطية) ،وكان ال�شيخ مهدي �شم�س الدين من ذرية ال�شهيد الأول فدر�س على ال�شيخ عبد اهلل نعمة الفقه والأ�صول ،وبتقديري ف�إنّ من يدر�س على ال�شيخ عبد اهلل نعمة ويتف ّرغ للدر�س ف�إنّ ذلك ُيغنيه عن الذهاب �إلى النجف الأ�شرف((( .وم ّمن در�س في مدر�سة (جباع) :ال�شيخ محمد علي عز الدين ،ال�شيخ علي وال�شيخ ح�سن ال�سبيتي ،ال�شيخ علي الحر ،ال�شيخ عبد ال�سالم الحر ،ال�شيخ ح�سن بن �سعيد الحر ،ال�شيخ محمد ح�سين المحمد الجبعي المعروف بالحر ،ال�شيخ محمد �سليمان الزين و�أخوه ال�شيخ �أبو خليل الزين ،ال�سيد مهدي وال�سيد عبد اهلل وال�سيد محمود الأمين (�أعمام ال�سيد مح�سن الأمين) ،ال�شيخ محمد ح�سين فلحة المي�سي (ج ّد ال�سيد مح�سن الأمين لأ ّمه) ،ال�شيخ مو�سى �شرارة ،ال�شيخ ح�سن نعمة ،ال�شيخ قا�سم محمد قدوح ،ال�شيخ قا�سم محمد �صفا ،ال�سيد قا�سم وال�سيد جواد �أحمد فح�ص ،ال�شيخ ح�سين الكركي العاملي الجبعي ،ال�سيد �أمين بن ال�سيد علي بن ال�سيد محمد الأمين، ال�سيد محمد بن ال�سيد ح�سن بن ال�سيد ها�شم بن عبا�س �صاحب نزهة الجلي�س المو�سوي العاملي ،ال�شيخ جعفر بن علي بن محمد بن علي بن ح�سين بن محمود بن محمد �آل مغنية العاملي ،ال�شيخ �أحمد رعد العاملي ،ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ علي بن الحج ح�سين ((( ذات يوم و�صل خبر �إلى العالمة الكبير ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) �أنّ نا�صر الدين (ال�شاه القاجري) يقول� :أنّ ال�شيخ محمد ح�سن النجفي لديه (م�صبغة) يطمغ بها �شهادات بالإجتهاد و ُيعطيها �إلى طالبه وير�سلهم �إلى �إيران كي يح�صلوا على ح�صانة العالم المجتهد ،وهنا بعدما ارتقى ال�شيخ النجفي المنبر لإلقاء الدر�س على الطالب ،نقل �إليهم أعط �شهادة بالإجتهاد �إال لأربعة» ،منهم العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة العاملي. الخبر وقال« :اهلل يعلم �أنه طوال حياتي لم � ِ ((( بالفعل فكان �أ�ستاذ ًا في مدر�سة ال�شيخ عبد اهلل نعمة في جباع و�صاحب مدر�سة (مجدل �سلم) كما قال في الطبقات ج 12 �ص 529 ((( نقل هذا الكالم ال�سيد محمد ر�ضا ف�ضل اهلل الح�سني في كتابه عن ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة. ((( لأنّ علماء جبل عامل عندما كانوا يعودون �إلى لبنان كانوا يحملون �شهادات بالإجتهاد من كبار الفقهاء ،وعليه فهم م�ؤهّ لون لأن يكونوا من �أف�ضل الأ�ساتذة ،لهذا لو ا�ستطاعوا �أن يجتمعوا في مكان واحد ويتف ّرغوا للت�صنيف والتدري�س كما فعل غيرهم. 163 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة �آل مروة ،ال�سيد �أبو الح�سن بن ال�سيد محمد الأمين العاملي بن ال�سيد مح�سن الأمين. الخال�صة � ّأن مدر�سة ال�شيخ ح�سن القبي�سي بطالبها �ش ّكلت الأ�سا�س في النه�ضة العلمية الثانية لجبل عامل بالإ�ضافة الى مدر�سة ال�شيخ مهدي مغنية وال�سيد علي محمد الأمين في �شقراء. مدار�س النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل المحطة الأولى مدر�سة كوثرية ال�سياد ال�شيخ ح�سن القبي�سي مدر�سة طيردبا ال�شيخ مهدي مغنية مدر�سة �شقراء ال�سيد علي بن ال�سيد محمد الأمين الثاني الح�سيني المحطة الثانية مدر�سة الكوثرية والنميرية ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني مدر�سة جباع ال�شيخ عبد اهلل نعمة المحطة الثالثة مدر�سة حناويه ال�شيخ محمد علي عز الدين مدر�سة بنت جبيل ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة مدر�سة يونين (بعلبك) ال�شيخ ح�سين زغيب المحطة الرابعة مدر�سة حناويه الثانية ال�شيخ �إبراهيم عز الدين مدر�سة �أن�صار ال�شيخ �سلمان الع�سيلي مدر�سة النبطية ال�سيد ح�سن يو�سف مكي مدر�سة طورا ال�سيد يو�سف �شرف الدين 164 ال�سيد ح�سن �إبراهيم �������������������������������������������������������������������� مالحظة :هناك مدار�س �صغيرة ن�ش�أت على هام�ش هذه المدار�س: ففي المحطة الثانية :كانت مدر�سة مجدل �سلم لل�شيخ مهدي �شم�س الدين. وفي المحطة الثالثة :مدر�سة �شحور لل�سيد يو�سف �شرف الدين. وفي المحطة الرابعة :مدر�سة طيردبا لل�شيخ محمد مغنية بن ال�شيخ مهدي برعاية ال�شيخ �سلمان الع�سيلي. وهناك مدر�سة جويا ال�شيخ محمد علي خاتون وغيرها. المحطة الثالثة لهذه النه�ضة :كانت على �أيدي طالب هذه المدار�س الذين در�سوا على ه�ؤالء الأ�ساتذه وبع�ضهم ذهب �إلى النجف وا�ستكمل تح�صيله العلمي كال�شيخ محمد علي عز الدين وال�شيخ ح�سن ال�سبيتي وال�سيد ح�سن يو�سف مكي ،وال�شيخ مو�سى �أمين �شراره وال�سيد يو�سف �شرف الدين ومنهم من بقي في جبل عامل ولم يغادر كال�شيخ مهدي �شم�س الدين وال�شيخ علي ال�سبيتي ،و�آخرين �ساروا على ذات النهج من بعدهم كال�شيخ جعفر مغنية وولده ال�شيخ مو�سى وال�شيخ �أ�سد اهلل �صفا وال�شيخ �سليمان ظاهر وال�شيخ �أحمد ر�ضا �إلخ ،وبتقديري الفريقان خير ًا �صنعوا ،فكما ك ّنا بحاجة �إلى من يذهب �إلى النجف الأ�شرف ال�ستكمال التح�صيل العلمي على �أ�ساطين حوزتها ،كذلك خير ًا �صنع الفريق الآخر من عدم ذهابه �إلى النجف والبقاء في جبل عامل ،وكان من ال�ضروري �أن يبقى لي�شحذ الهمم للإلتحاق بطلب العلم ،كما كان لهم الدور الكبير في النه�ضة الأدبية واللغوية كما وكان لهم الدور ال�سيا�سي والجهادي في جبل عامل. مدر�سة (حناويه): هي المدر�سة الأولى في المحطة الثالثة من النه�ضة ،كما كانت مدر�سة الكوثرية المدر�سة الأولى في المحطة الأولىّ � ،أ�س�سها العالمة ال�شيخ محمد علي عز الدين بعدما 165 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة عاد من النجف الأ�شرف((( .فبطبيعة الحال عاد �إلى بلدته كفرا و� ّأ�س�س في البداية مدر�سته الدينية فيها وا�ستفاد من وجود ال�شيخ علي ال�سبيتي �صاحب التجربة العملية ومن مكتبته الكبيرة المعروفة((( .بعد مدة طلبه �أهالي (حناويه) ليكون �إمام ًا لهم ،وهناك �ش ّيد مدر�سة ا�شتهرت في جبل عامل وانت�سب �إليها العديد من الطالب كال�شيخ جعفر مغنية وولده ال�شيخ مو�سى وال�سيد نجيب الدين ف�ضل اهلل ،وال�شيخ �إبراهيم عز الدين (حفيد ال�شيخ محمد علي) وابن عمه ال�شيخ كاظم عز الدين ،وال�سيد �أبو الح�سن بن ال�سيد محمد الأمين الح�سيني ،وال�شيخ �أحمد بن ال�شيخ عبد المطلب �آل مروة ،وال�سيد �أمين بن ال�سيد علي �أحمد الح�سيني ،وال�شيخ علي بن ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ مهدي بن ال�شيخ محمد مغنية، وال�شيخ محمد �أمين مروة بن محمد العاملي ،وال�سيد محمد بن ها�شم بن عبا�س �صاحب نزهة الجلي�س ،وال�سيد محمد بن ال�سيد ح�سين بن ال�سيد �أحمد الح�سيني ،وال�شيخ محمد ح�سين مروة المعروف بالحافظ بن ال�شيخ محمد ح�سن ،وال�سيد محمد بن ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني العاملي ،وال�شيخ جواد �سبيتي ،وال�شيخ علي عز الدين ،وال�سيد محمد محمود وبن عمهما ال�سيد علي مهدي �أمين الح�سيني ،وال�شيخ ح�سن عز الدين بن �أحمد عز الدين من كفرا ،وال�شيخ ح�سين مغنية ،وال�شيخ محمد ح�سين وال�شيخ عبد المطلب �آل مروة ،وال�شيخ محمد زغيب من بعلبك ،وال�شيخ علي مروة من (عيتيت). وكان ال�شيخ محمد علي عز الدين يجمع �إلى التبليغ الديني التدري�س والت�صنيف، حتى �أنه كانت له طريقة خا�صة ،فلم يكن التبليغ لي�أخذ ك ّل وقته و�إنما كان يجل�س مع النا�س يح ّدثهم بما يلزم ويجيب على �أ�سئلتهم ،ثم يبادر �إلى الكتابة والت�صنيف ،وحتى عندما يذهب �إلى قرية �أخرى كان ي�صطحب معه (كي�سه) الذي فيه �أوراقه وكتبه(((. ((( فال�شيخ محمد علي عز الدين لم يكتف بما حاز عليه في جبل عامل من الدرا�سة على ال�سيد علي �إبراهيم وال�شيخ عبد اهلل نعمة ،ب�سبب موت الأول وعدم التفرغ الكامل للدر�س على ال�شيخ نعمة. ((( فال�شيخ علي ال�سبيتي الذي در�س مع ال�شيخ محمد علي عز الدين و�أخوه ال�شيخ ح�سن في جبل عامل ،لم ُيغادر النجف الأ�شرف و�ساهم ب�شكل ف ّعال في دعوة النا�س للنه�ضة العلمية والأدبية وكان يمتلك مكتبة كبيرة في بلدته (كفرا) ،وعندما عاد ال�شيخ محمد علي عز الدين �إلى (كفرا) من النجف ،بطبيعة الحال كانت الأر�ضية التي ج ّهزها ال�شيخ علي ال�سبيتي جاهزة للإ�ستفادة من ال�شيخ عز الدين. ((( وهذا ما نقله ال�شيخ مو�سى عز الدين في التذكرة ،وال�سيد الأمين في الأعيان. 166 �������������������������������������������������������������������� مدر�سة يونين (البقاعية): � ّأ�س�سها العالمة ال�شيخ ح�سين زغيب (اليونيني) (المعروف ب�شم�س العراقين)، فبعد �أن در�س ال�شيخ زغيب في جبل عامل على العالمة ال�سيد علي �إبراهيم مدة (اثنتي ع�شرة �سنة و�أ�صبح من الف�ضالء خ�صو�ص ًا بعد �أن ا�ستطاع �أن ي�ص ّنف في (الكوثرية) كتاب ًا (بالأ�صول) ،عاد �إلى بلدته يونين ليقوم بواجبه الديني ولكن طموحه العلمي لم ي�سمح له بالبقاء ،فق�صد النجف الأ�شرف طلب ًا لمزيد من العلم ولمجاورة الإمام علي ،Qوكان �أ�ستاذه ال�شيخ مرت�ضى الأن�صاري الذي ُيعتبر �أ�ستاذ ًا للفقهاء في تلك المرحلة .وبعدما عاد من النجف عالم ًا مجتهد ًا كان ال ُب ّد من ت�شييد مدر�س ٍة علمية تكون عنوان عودة الحياة العلمية �إلى البقاع بعد فترة انقطاع العلماء عنها ب�سبب النزاع العثماني ال�صفوي في المنطقة م ّما جعل الق�سم الأكبر من علماء كرك نوح ُيغادرون �إلى �إيران ،ولع ّل قيمة مدر�سة ال�شيخ ح�سين زغيب في �أنها ا�ستطاعت �أن ت�ساهم في ت�شكيل نه�ضة علمية جديدة للمنطقة رغم عدم الإنقطاع الكلي لطالب العلوم الدينية ،وكان من جملة الطالب الوافدين �إلى مدر�سة ال�شيخ ح�سين زغيب الآتي :ال�سيد علي القا�ضي �آل عودة اللبناني ،ال�شيخ تقي �شم�س الدين الفوعي ،ال�شيخ �إبراهيم وال�شيخ محمد وال�شيخ حيدر محفوظ الهرمليون ،ال�شيخ خليل العميري و�أخوه ال�شيخ محمد وال�شيخ عبد اهلل و�أخوهم ال�شيخ جواد العميري النحليون ،ال�شيخ �صادق زغيب بن ال�شيخ ح�سين زغيب م� ّؤ�س�س المدر�سة وال�شيخ عبا�س بن ال�شيخ محمد �أمين زغيب. مدر�سة (بنت جبيل): في �سنة 1298هـ عاد من النجف الأ�شرف العالمة ال�شيخ مو�سى �أمين �شراره �إلى مدينة بنت جبيل ب�سبب مر�ض � ّألم به فخ ّيره الأطباء بين البقاء في النجف للعالج وبين الذهاب �إلى بنت جبيل فهناك الهواء نقي والمكان �أف�ضل ،فاختار المجيء �إلى بلده والقيام بم�س�ؤولياته. 167 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الخطوة الأ�سا�س ّية كانت ت�شييد مدر�سة علمية م�ضاف ًا �إلى �إ�صالحات كبيرة �أجراها يخ�ص الأدب وال�شعر في جبل عامل((( � ّأ�س�ست لنه�ضة �إ�صالحية �شاملة وبالخ�صو�ص ما ّ والمنبر الح�سيني والذي �سار على هذا الدرب العديد من علماء جبل عامل كال�سيد مح�سن الأمين وال�شيخ عبد الح�سين �صادق وال�سيد عبد الح�سين �شرف الدين .وكانت �أهم �إنجازاته هي المدر�سة العلمية والتي ا�ستمرت �ست �سنوات وانتهت ب�سبب رحيله إن�ضم �إلى تلك المدر�سة العديد من الطالب ومنهم كان في مدر�سة ال�شيخ 1304هـّ � . محمد علي عز الدين .وبتقديري هذا الإنتقال لم يكن ب�سبب زهد الطالب بمدر�سة حناويه ،و�إ ّنما هذه م�س�ألة طبيعية فلك ّل قادم بهجة ،وبالتالي فال�صيت العلمي لل�شيخ مو�سى �سبقه �إلى جبل عامل ،فهو كان �أ�ستاذ البحث الخارج في النجف الأ�شرف �إلى جنب در�س كبير فقهاء العرب ال�شيخ محمد طه نجف((( ،ومن جملة الطالب الذين انت�سبوا �إلى هذه المدر�سة ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل الح�سني ،وال�شيخ ح�سين مغنية ،ال�شيخ مو�سى مغنية ،ال�شيخ عبد الكريم الزين ،ال�شيخ محمد دبوق ،ال�سيد مح�سن الأمين، ال�شيخ عبد الح�سين �صادق ،ال�سيد حيدر مرت�ضى وال�سيد جواد مرت�ضى ،وال�سيد محمد ر�ضا ف�ضل اهلل (((،وبطبيعة الحال لم يكونوا ه�ؤالء الطالب بم�ستوى واحد ،فعلى �سبيل المثال :ال�سيد مح�سن الأمين در�س على ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل في مدر�سة ال�شيخ مو�سى �شرارة((( وهذه الطريقة كانت متبعة في المدار�س العلمية فالطالب فيها قد ي�صبح ((( ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة توفي وله من العمر �سبعة وثالثون �سنة وعندما �أ�صيب بمر�ض ع�ضال في النجف الأ�شرف خ ّيره الأطباء بين العالج في النجف وهذا يحتاج �إلى م�صارفات �أو الذهاب �إلى بنت جبيل ،وكي ال يم ّد يده �إلى �أحد ق ّرر العودة �إلى جبل عامل والإ�ستفادة من هواء مدينة بنت جبيل ،ولكنه توفي بعد �ست �سنوات من العودة ،وا�ستطاع خاللها �أن ي� ّؤ�س�س لنه�ضة علمية و�إ�صالحية الزالت �آثارها �إلى يومنا هذا. ((( �أن يكون �أ�ستاذ البحث الخارج �إلى جنب در�س بحث الخارج لل�شيخ محمد طه نجف هذا تقدم كبير ،ولهذا طلب منه ال�شيخ محمد طه نجف �أن يح�ضر مجل�س در�سه لعلمه ب�أهمية ح�ضوره مجل�س در�سه و�أ ّنه ي�ستطيع �أن ُيح ّرك �أجواء الدر�س والنقا�ش، وخير ًا �صنع ال�شيخ مو�سى ف�إنه ارتحل وبقي الأ�ستاذ الأ�سا�س هو ال�شيخ محمد طه و�أ�صبح من كبار فقهاء العرب وتخ ّرج عليه الع�شرات من العلماء وخ�صو�ص ًا من لبنان وحازوا منه على �شهادات بالإجتهاد. ((( هناك ت�سامح في م�س�ألة الإنتماء �إلى الأ�ستاذ الراعي لتلك المدر�سة الدينية ،ف�أنا كطالب عندما �أذهب �إلى حوزة النجف الأ�شرف لأدر�س المقدمات �أو ال�سطوح ،لي�س معنى ذلك �أنني �أدر�س على كبار الأ�ساطين في الحوزة ،و�إ ّنما �أدر�س على بع�ض طلبتها ،كذلك ق�سم من الطالب الذين انت�سبوا �إلى مدر�سة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة �أو �إلى مدر�سة حناويه ال�شيخ محمد علي عز الدين �أو مدر�سة جباع فهم لم يدر�سوا عليهم مبا�شرة و�إنما على بع�ض الطالب الذين �أنهوا تلك المرحلة. ((( فال�سيد نجيب ف�ضل اهلل الح�سني هو نجل العالمة ال�سيد محي الدين ف�ضل اهلل وكان قد �أنهى المقدمات على مدر�سة(حناويه) وغيرها ،لهذا عندما التحق بمدر�سة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة كان يد ّر�س (ال�سطوح). 168 �������������������������������������������������������������������� �أ�ستاذ ًا للطالب الذين هم دونه م�ستوى ،فالعادة جرت �إذا �أنهى الطالب مرحلة وانتقل �إلى الثانية في�صبح �أ�ستاذ ًا للمرحلة ال�سابقة ،ولع ّل هذه الطريقة ح�صرية في الحوزات العلمية فقط. المحطة الرابعة للنه�ضة العلمية: ن�ش�أت عدة مدار�س �أي�ض ًا ،لعبت دور ًا �أ�سا�سي ًا في تثبيت النه�ضة العلمية وكان لها دور محوري في النه�ضة الأدبية واللغوية ،و�إن �سبقها �إلى هذه النه�ضة و� ّأ�س�س لها ال�شيخ علي ال�سبيتي الذي در�س على ال�سيد علي �إبراهيم ولم يغادر �إلى النجف الأ�شرف وال�شيخ جعفر مغنية وولده ال�شيخ مو�سى اللذين تخ�ص�صا بالعلوم العربية وما ُيطلق عليه بعلم (المقدمات) ،وحتى ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة الذي ع ّبر عنه ال�سيد الأمين في الأعيان ب�أن �سوق العلم والأدب قام في جبل عامل في عهد ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة((( �إ ًال �أنّ وتخ�ص�ص هم طالب مدر�سة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي .و�س�أكتفي هنا بذكر الذي �ص ّنف ّ بع�ض المدار�س على �أمل �أن نتحدث بالتف�صيل عنها خالل الحديث عن �سيرة ه�ؤالء الأعالم كما �أ�شرت �سابق ًا(((. مدر�سة (طورا): التي � ّأ�س�سها العالمة ال�سيد يو�سف �شرف الدين والد العالمة ال�سيد عبد الح�سين �شرف الدين ،وذلك بعد وفاة ال�شيخ مو�سى �أمين �شراره في بنت جبيل حيث �أغلقت المدر�سة �أبوابها ب�سبب عدم متابعة العالمة ال�سيد مهدي الحكيم للتدري�س والتف ّرغ الكامل للتبليغ الديني((( ،فاقترح ال�شيخ محمد مغنية على ال�سيد يو�سف �شرف الدين �أن يعمدوا �إلى ت�شييد مدر�سة بديلة في و�سط البالد فوقع الإختيار على قرية (طورا) ((( �أعيان ال�شيعة ج� 15ص.52 ((( في المو�سوعة القادمة �إن �شاء اهلل. ((( بعد وفاة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة �سنة 1304هـ� ،أر�سل �أهالي (بنت جبيل) �إلى النجف الأ�شرف بطلب �أحد عالمين لي�أتي �إلى جبل عامل ويقوم مقام ال�شيخ مو�سى ،على �أن ي�أتي ال�سيد �إ�سماعيل ال�صدر �أو ال�سيد مهدي الحكيم ،لكن ال�سيد �إ�سماعيل رف�ض فقبل العر�ض ال�سيد مهدي الحكيم وكما ينقل ال�سيد الأمين �أنّ العالمة ال�سيد مهدي الحكيم لم يهتم نهائي ًا بمو�ضوع المدر�سة الدينية وتدري�س الطالب ورعايتهم ،وان�صرف بالكامل �إلى التبليغ الديني ،وتحدث عنه بكلمات قا�سية على طريقته. 169 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة فان�ضم �إليها العديد من الطالب منهم العالمة الفقيه ال�شيخ ح�سين علي مغنية على حد تعبير ال�سيد عبد الح�سين �شرف الدين((( ،وال�شيخ محمد بن ال�شيخ مهدي مغنية، المتوفي �سنة 1334هـ ،وال�سيد محمد ر�ضا ف�ضل اهلل الح�سني المتوفى في قانا �سنة 1336هـ ،وال�شيخ جواد بن ال�شيخ علي ال�سبيتي المتوفي في كفرا �سنة 1305هـ ،وال�شيخ طالب �سليمان البيا�ض المتوفي في المدينة المنورة �سنة 1326هـ ،وال�شيخ محمد بن الحاج ح�سين �شعيتاني المتوفي في �أن�صار �سنة 1316هـ ،و�أخوه ال�شيخ �أحمد المتوفي في الكاظمية �سنة 1312هـ ،وال�شيخ محمد بن ال�شيخ م�صطفى عا�صي المتوفي في �أن�صار 1236هـ ،وال�شيخ جواد ين ال�شيخ خليل الكوثراني المتوفي في ال�صرفند �سنة 1366هـ، و�أخوه ال�شيخ ح�سين المتوفي في تفاحتا �سنة 1374هـ ،وال�سيد �أمين ال�سيد علي �أحمد المتوفي في جناتا �سنة 1382هـ ،وال�شيخ علي الدهيني المتوفي في طورا وال�شيخ عبد الح�سين حدرج المتوفي في البازورية �سنة 1335هـ ،وال�سيد محمد بن ال�سيد �إ�سماعيل مرت�ضى المتوفي في دير قانون ر�أ�س العين وال�شيخ ح�سين بن ال�شيخ جواد مغنية المتوفي في طيردبا وغيرهم من طالب العلم� .إ�ستمرت هذه المدر�سة من �سنة 1305هـ� ،إلى �سنة 1308هـ ،حيث و�صل ه�ؤالء الطالب �إلى مرحلة ال�سطوح ،وعلى ما يظهر ف�إنّ م�سلك ّية ال�سيد يو�سف �شرف الدين كانت �أن يذهب الطالب �إلى النجف الأ�شرف ال�ستكمال تح�صيله العلمي على �أ�ساطين الحوزات العلمية في العراق �سواء في النجف �أو كربالء والكاظمية ،وهذا ظهر من نف�س �إ�صرار ال�سيد يو�سف على عدم المجيء �إلى لبنان والبقاء في النجف الأ�شرف لوال وفاة والده والإلحاح بالطلب �إلى ح�ضوره. وكان ال�سيد يو�سف �شرف الدين ،وقبل مدر�سة طورا عندما عاد من النجف الأ�شرف(((� ،إفتتح مدر�سة �إلى جنب بيته وان�ضم �إليها العديد من الطالب ،منهم ال�شيخ �أحمد عليان المتوفي في بلدة قالويه �سنة 1335هـ ،وال�شيخ ح�سين نور الدين المتوفي في ((( بغية الراغبين ج 1 ((( بغية الراغبين ج 1 170 �������������������������������������������������������������������� جويا �سنة 1369هـ ،وال�سيد �أمين علي �أحمد المتوفي في جناتا �سنة 1382هـ وغيرهم، وهذه الطريقة كانت متّبعة عند �أكثر علماء جبل عامل الذين كانوا يعملون على التدري�س والت�صنيف من دون �أن ي�صلوا �إلى ت�شييد مدار�س ب�شكل ر�سمي. مدر�سة (حناويه) الثانية: التي جاءت في �إطار تثبيت النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل ،فكانت عودة الحياة العلمية �إلى مدر�سة (حناويه) على يد العالمة ال�شيخ �إبراهيم عز الدين حفيد العالمة ال�شيخ محمد علي عز الدين ،فبعد وفاة جده �سنة 1301هـ ،كان ال ب ّد من الذهاب �إلى النجف الأ�شرف ال�ستكمال التح�صيل العلمي م�ضاف ًا للإ�ستفادة من مجاورة الإمام علي .Qكانت المغادرة لجبل عامل �سنة 1302هـ ،وبقي في النجف الأ�شرف مدة �ست �سنوات وكان قراره البقاء �أكثر لوال �أنه ُفر�ض عليه العودة ب�سبب وفاة والده ال�شيخ ح�سن. وبعودته عادت الحياة العلمية �إلى (حناوية) وبد�أ الطالب بالتوافد عليها ،وهنا ن�سجل مرحلتين م ّرت بها المدر�سة في عهد ال�شيخ ابراهيم ،الذي كان عالم ًا يمكن �أن ّ ُمر ّبي ًا عارف ًا بمختلف العلوم وعلى ح ّد تعبير ابن عمه وتلميذه ال�شيخ مو�سى عز الدين كان في العلوم العربية ال يجاريه �أحد. �أما طالب الطبقة الأولى ،فمنهم ال�شيخ م�صطفى خليل ،ال�شيخ علي حاج قا�سم ،ال�شيخ محمود عودة ،ال�شيخ محمود بح�سون ،ال�شيخ حبيب عز الدين بن ال�شيخ الكبير محمد علي ،ال�شيخ علي كاظم عز الدين ،ال�شيخ �أحمد ق�صير من دير قانون النهر ،وال�شيخ ح�سين جواد مغنية ،ال�شيخ حبيب مغنية بن المرحوم ال�شيخ محمد مغنية من طيردبا ،العالمة ال�سيد �أمين و�أخوه ال�سيد �إبراهيم وال�سيد معروف �أوالد المرحوم ال�سيد علي �أحمد من جناتا ،الأديب ال�شاعر ال�شيخ محمد �سعيد من �صور ،العالمة ال�شيخ عبد الح�سين حدرج من البازورية ،الأخوان ال�شيخ مهدي وال�شيخ محمد علي حدرج وكالهما من البازورية، العالمة ال�سيد عبد الح�سين زين ،ال�شيخ حمد ال�صليبي ،ال�سيد ابراهيم �آل �إبراهيم من 171 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الكوثرية ،ال�شيخ محمد عز الدين من العبا�سية وال�شيخ علي زغيب من بعلبك. و�أما طالب الطبقة الثانية فمنهم ال�شيخ مو�سى عز الدين ،ال�سيد محمد يحيى، ال�شيخ ح�سن �شم�س الدين ،ال�شيخ حبيب �آل �إبراهيم ،ال�شيخ محمد قا�سم عز الدين بن عم ال�شيخ مو�سى عز الدين ،ال�شيخ زين العابدين �شم�س الدين. مدر�سة (�أن�صار): التي نه�ضت خالل هذه المحطة العلمية الرابعة ،وقد ت� ّأ�س�ست في البداية على يد الزاهد ال�شيخ �سلمان الع�سيلي بعدما طلبه �أهالي �أن�صار ليقدم �إليهم من بلدة (ر�شاف) 1272هـ ،و�إن كان على ما يظهر ف�إنّ الح�ضور العلمي لمدر�سة �أن�صار الدينية كان �أكثر فعالية بعد رحيل ال�شيخ �سلمان الع�سيلي ومجيء �صهره العالمة ال�سيد ح�سن �إبراهيم مكانه ،وكان عالم ًا فا�ض ًال من تالميذ والده ال�سيد علي �إبراهيم في (الكوثرية). وبعد وفاة والد زوجته ال�شيخ �سلمان الع�سيلي دعاه �أهالي �أن�صار ليكون �إمام ًا لهم وفي نف�س الوقت ليحيي المدر�سة الدينية فيها ،وكانت هذه المدر�سة من �أهم المدار�س في تلك المرحلة حيث �ض ّمت ما يقرب �سبعين طالب ًا .ومن طالب هذه المدر�سة كما ينقل الم�ؤ ّرخ محمد جابر �آل �صفا :ال�سيد محمد �أخو ال�سيد ح�سن �إبراهيم ،وال�شيخ �أحمد عبد المطلب مروة وابن ال�شيخ الحافظ محمد ح�سين مروة ،وال�شيخ طالب �سليمان البيا�ضي ،وال�شيخ ح�سن ابن ال�شيخ محمد علي القبي�سي ،وال�شيخ خليل كوثراني بالإ�ضافة �إلى ولديه ال�سيد محمد �إبراهيم وال�سيد مهدي �إبراهيم وكذلك ولده الأديب الفا�ضل ال�سيد علي �إبراهيم ،واللغوي الأديب ال�شيخ �أحمد ر�ضا. مدر�سة (النبطية): � ّأ�س�سها و�ش ّيدها العالمة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي ،وتعتبر من مدار�س المحطة الرابعة في تثبيت النه�ضة العلمية التي انطلقت في جبل عامل بعد نهاية حكم الجزار .وال�سيد ح�سن هو من بلدة (حبو�ش) وكان عالم ًا فا�ض ًال له ح�ضوره وهيبته ،وعندما دعاه �أهالي النبطية ليكون �إمام ًا لهم ،ق ّرر �أن ُي�ش ّيد مدر�سة علمية كانت مميزة بح�ضورها اللغوي 172 �������������������������������������������������������������������� والأدبي والفكري من خالل طالبها الذين اتجهوا �إلى هذا المنحى كال�شيخ �سليمان ظاهر وال�شيخ �أحمد ر�ضا وغيرهما ،وبالفعل ف�إنّ النه�ضة الأدبية واللغوية في جبل عامل اكتملت في عهد مدر�سة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي ،والذي �ساهم في تفعيل هذه المدر�سة هو �أحد �أ�ساتذتها ال�سيد محمد �إبراهيم بن ال�سيد علي ابراهيم في كوثرية ال�سياد، و�ض ّمت تلك المدر�سة العديد من الطالب �إ�ضافة �إلى الذين ذكرناهم ال�شيخ �أ�سد اهلل �صفا ،والم�ؤرخ جابر �آل �صفا وغيرهم. في الختام: أهم المحطات لمدار�س النه�ضة �أردتُ في هذا البحث �أن �أط ّل بالإجمال على � ّ العلمية الثانية في جبل عامل ،على �أمل �أن يكون الحديث بالتف�صيل حول هذه المدار�س وال�شخ�صيات العلمية �ضمن مو�سوعتنا القادمة �إن �شاء اهلل تعالى ،وكالمنا اليوم هو مت ّمم للأبحاث التي ق ّدمها ال�سادة الف�ضالء عن مرحلة الجزار وما �أنتجت من تداعيات خطيرة على جبل عامل و� ً صوال �إلى نهاية حكم هذا الطاغية الوالي العثماني ال�سفاح �أحمد با�شا الجزّار وحتى تكتمل الفائدة ق ّدمنا بحثنا بعنوان «النه�ضة العلمية الثانية لجبل عامل بعد النكبة» ،وبهذا نكون قد ق ّدمنا ّ ملخ�ص ًا مفيد ًا للقراء الأعزاء عما تدمير كامل للمك ّونات الإجتماعية والدينية ح�صل في نهاية القرن الثاني ع�شرهـ من ٍ وال�سيا�سية والإقت�صادية لجبل عامل وكيف ا�ستعاد عافيته بعد �سنة 1219هـ عندما هلك هذا الطاغية. 173 ������ الفهرس المقدمة 3................................................................................................................................................................... الإفتتاحية :كلمة ال�شيخ ح�سن بغدادي5.................................................................................................... كلمة راعي الم�ؤتمر النائب الحاج محمد رعد 11.................................................................................. الجل�سة الأولى تر�أ�س الجل�سة الأولى ال�شيخ علي يا�سين 21............................................................................................ الظروف التي عا�شها جبل عامل �إبان محنة الجزار (د .محمد كوراني) 23........................... العوامل التي �أ ّدت الى �سقوط جبل عامل بيد الجزار (الأ�ستاذ علي الزين) 35................... جبل عامل في العهد العثماني مرحلة �أحمد با�شا الجزار نموذجاً (د.محمد نورالدين)57.......... الجل�سة الثانية تر�أ�س الجل�سة الثانية (ال�سيد ح�سين حجازي)71............................................................................... الخ�سائر التي ُمني بها جبل عامل جراّء حكم الجزار (�أ .د .م�صطفى بزي)73.................. في تو�صيف المه ّمة التاريخية للجزار في لبنان (د .جويدة غانم) 113.................................. جبل عامل في مواجهة الجزار (د .منذر محمود جابر) 129. ....................................................... النه�ض���ة العلمي���ة الثاني���ة ف���ي جب���ل عام���ل بعد نهاي���ة حكم �أحم���د با�ش���ا الجزار (ال�شيخ ح�سن بغدادي) 145. ............................................................................................................................ �صور الم�ؤتمر الجل�سة الأولى 177. ............................................................................................................................................. الجل�سة الثانية182. ............................................................................................................................................. على هام�ش الم�ؤتمر 188. ................................................................................................................................. 175 ������������ صور المؤتمر الجلسة األولى من اليمين الحاج محمد رعد ،ال�شيخ ح�سن بغدادي ،ال�سيد �أحمد �صفي الدين 177 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة من اليمين ال�شيخ عادل التركي ،ال�شيخ ح�سين دروي�ش ،ال�شيخ ح�سين بغدادي، ال�شيخ ح�سين قبي�سي وال�شيخ علي يا�سين من اليمين د .محمد كوراني ،الحاج علي الزين ،د .محمد نور الدين وال�شيخ علي يا�سين 178 ������������� من اليمين ممثل ال�سفير الإيراني ،ال�سيد �أحمد �صفي الدين ،الحاج علي طاهر يا�سين ، الحاج عبد الحميد الغازي 179 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة ال�شيخ علي يا�سين د .محمد كوراني 180 ������������� د .مححمد نور الدين �أ .علي الزين 181 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة الجلسة الثانية من اليمين د .جويدة غانم ،د .م�صطفى بزي ،د .منذر جابر وال�سيد ح�سين حجازي د .م�صطفى بزي 182 �������������� ال�شيخ ح�سن بغدادي د .جويدة غانم 183 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة د .منذر جابر ال�سيد ح�سين حجازي 184 �������������� من اليمين �أ .جمال �صفي الدين ،ال�شيخ علي خ�شاب من اليمين ال�شيخ ح�سن بغدادي ،النائب قا�سم ها�شم وال�شيخ �أحمد الزين 185 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة من اليمين ال�شيخ ح�سن بغدادي ،الحاج قا�سم قا�سم والحاج علي الزين 186 �������������� 187 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة على هامش المؤتمر 188 ����������������� 189 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة 190 ����������������� 191 جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة 192
© Copyright 2026