جمعية الإمام الصادق Q لإحياء ال

‫‬
‫جمعية الإم�����ام ال�����ص��ادق‬
‫لإح����ي����اء ال����ت����راث ال��ع��ل��م��ائ��ي‬
‫‪Q‬‬
‫ال � � � � � � � � �ك � � � � � � � � �ت � � � � � � � ��اب‪:‬‬
‫�إ� � � � � � � � � � � � � �ص� � � � � � � � � � � � ��دار‪:‬‬
‫ت� ��اري� ��خ الإ� � � �ص� � ��دار‪:‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫جمعية الإمام ال�صادق ‪ Q‬لإحياء التراث العلمائي‬
‫�إتحاد بلديات جبل عامل‬
‫‪2014‬م ‪ 1435 -‬هـ‬
‫‪2‬‬
‫ةمدقملا‬
‫المقدمة‬
‫�أردنا في هذا الم�ؤتمر ال�سابع الذي نظمته جمعية الإمام ال�صادق ‪ Q‬لإحياء‬
‫التراث العلمائي‪ ،‬وبالتعاون مع اتحاد بلديات جبل عامل‪� ،‬أن ن�س ّلط ال�ضوء على تلك‬
‫المحطة المظلمة في �سماء العالم الإ�سالمي‪ ،‬حيث قاد العثمانيون المنطقة لع ّدة قرون‪،‬‬
‫التع�صب المذهبي‪ ،‬وكانوا من الجهل والخ ّفة ما جعلهم غير‬
‫ق ّدموا خاللها �أب�شع �أنواع ّ‬
‫م�أ�سوف على نهايتهم وجالئهم عن المنطقة‪ .‬فقد مار�سوا ك ّل �أنواع الظلم‪ ،‬فلم يحفظوا‬
‫كرامة لأحد ولم يقيموا وزن ًا لعلم ومعرفة‪ ،‬وكان الجهالء من وعاظ ال�سالطين �أقرب‬
‫�إليهم من العلماء من �أ�صحاب العقول الن ّيرة والوزن الإجتماعي‪ ،‬هذا‪ ،‬ناهيك ع ّما حدث‬
‫في نهاية القرن الثاني ع�شر هـ عندما و ّلوا فيه زنيمهم ذلك الوح�ش الأجنبي اللقيط‬
‫والذي �أطلقوا عليه �إ�سم (�أحمد با�شا الجزار)‪.‬‬
‫نحن عندما ن�ستعيد هذه الذاكرة‪ ،‬لي�س المق�صود �أن نتذ ّكر تلك الآالم �أو نريد‬
‫الإنتقام من الورثة‪� ،‬أو �أن نتّهم �أحد ًا زور ًا وبهتان ًا‪� ،‬إ ّنما الهدف هو ا�ستعرا�ض التاريخ‬
‫بكل �صدق و�أمانة‪ ،‬والإ�ستفادة م ّما جرى كي ّ‬
‫نتوخى الدقة والحذر من الأدوات والجهات‬
‫الم�شابهة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ما يجري اليوم على �ساحتنا المحلية والإقليمية‪ ،‬وكما قيل‪(:‬ما‬
‫�أ�شبه اليوم بالبارحة)‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ال �أ ّدعي �أننا في هذا الم�ؤتمر �س ّلطنا ال�ضوء على كل الأحداث والتفا�صيل التي جرت‬
‫في �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ و�إلى نهاية حكم الجزار ‪ 1219‬هـ ‪� ،‬أو الحقبة التي‬
‫�سبقت قيام حكم الجزار والتي �أو�صلت هذا الطاغية �إلى ال�سلطة‪ ،‬وما زاد في حقدهم‬
‫الن�صار‪ ،‬ولوال خيانة‬
‫تلك الخ�سائر التي ُمنيوا بها على يد �أمير جبل عامل ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫�أبو الذهب من م�صر لكانت المنطقة نالت ا�ستقاللها التام عن العثمانيين في �سنة‬
‫‪1185‬هـ‪ ،‬عندما دخل حلف نا�صيف الن�صار والظاهر عمر مع �أبي الذهب �إلى �سوريا‬
‫وهروب الوالي العثماني (عثمان با�شا)‪ ،‬والذي �آلمهم �أكثر هو بط�ش ال�شيخ نا�صيف‬
‫بقوات هذا الوالي التي فاقت الع�شرة �آالف جندي المج ّهزين ب�أحدث الع ّدة‪ ،‬عندما‬
‫جا�ؤوا للإنتقام من �أهالي جبل عامل ونزلوا �إلى (بحيرة الحوال)‪ ،‬وتم ّكن الأمير نا�صيف‬
‫بع ّدة مئات من جنوده البوا�سل من قتل الكثير منهم وهروب الباقي من دون �أن ي�سقط‬
‫له �شهيد واحد‪.‬‬
‫هذه الأحداث وغيرها بات معها العثمانيون يزداد حقدهم على جبل عامل‪ ،‬و�أنه �صار‬
‫ي�ش ّكل خطر ًا ج ّدي ًا على نفوذهم‪ .‬وبطبيعة الحال‪ ،‬هذا الرف�ض في جبل عامل لوجودهم‬
‫ب�سبب �سيا�ستهم ال ّرعناء وجهل وحقد الوالة‪ ،‬ولو كانوا غير ذلك الختلف الأمر‪.‬‬
‫�شاكر ًا التحاد بلديات جبل عامل م�شاركتها معنا في نجاح هذا الم�ؤتمر‪ ،‬ولراعي‬
‫م�ؤتمرنا الأ�ستاذ الحاج محمد رعد رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة‪ ،‬وهو مو�صول ب�شخ�ص‬
‫رئي�س المجل�س التنفيذي في حزب اهلل �سماحة ال�سيد ها�شم �صفي الدين الم�س�ؤول‬
‫المبا�شر على ملفنا (�إحياء تراث علماء ال�شيعة)‪.‬‬
‫م�س�ؤول �إحياء تراث علماء ال�شيعة في حزب اهلل‬
‫ح�سن بغدادي‬
‫‪4‬‬
‫����������������������‬
‫االفتتاحية‬
‫كلمة الشيخ حسن بغدادي‬
‫(((‬
‫راعي م�ؤتمرنا رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة �سعادة النائب الحاج محمد رعد‬
‫�أيها الحفل الكريم‬
‫أخ�ص المراحل التي م ّر بها جبل عامل � اّإل و�أن يبحث‬
‫ال ي�سع �أي باحث في التاريخ وبال ّ‬
‫حول تلك المحطة المظلمة التي م ّر بها هذا الجبل‪ ،‬والذي لم يكن بمنئ عن المحطات‬
‫الكبرى التي م ّرت بها المنطقة‪ ،‬ف�إذا ما ق�سنا كل ما حدث من تداعيات نجد �أنّ المرحلة‬
‫((( ع�ضو المجل�س المركزي في حزب اهلل والم�شرف على �أعمال الم�ؤتمر‬
‫‪5‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫التي م ّر بها هذا الجبل في �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ‪ ،‬على يد العثمان ّيين عبر زنيمهم‬
‫ال�س ّفاح �أحمد با�شا الجزّار‪ ،‬هي ال تقا�س ب�أ ّية محطة ولم يم ّر على �أهالي جبل عامل‬
‫�شبيه ًا لها‪ .‬لقد ت�ص ّرف هذا الوح�ش المجرم و�أعوانه ال�شياطين بدعم من �أ�سياده الذين‬
‫�أوكلوا �إليه هذه المه ّمة‪ ،‬من �إذالل �أهالي جبل عامل و�إطالق يده في �إ�ستباحة ما ي�شاء‬
‫�ض ّد �شعبنا الطيب الم�ؤمن والوديع الذي لم يبق على موبقة � اّإل وارتكبها‪ ،‬فع ّذب العلماء‬
‫وزج بهم في ال�سجون‪ ،‬ومار�س بحقهم‬
‫والن�ساء والأطفال ولم يرحم كبير ًا �أو مري�ض ًا ّ‬
‫�أب�شع �أنواع الظلم والتنكيل‪ ،‬والذي الحظناه �أنه لم ي�ستعمل الر�صا�ص �أو ال�شنق في الذي‬
‫ي�صدر بحقه حكم الإعدام‪ ،‬و�إن ّما يلقى حتفه تحت التعذيب‪ ،‬لر�أينا �أن مرحلة حكم‬
‫الجزار هي من �أ�ش ّد المراحل ق�سوة على الإطالق‪.‬‬
‫وبينما كنت �أقر�أ في الأحداث التي م ّرت على �أهلنا في تلك المرحلة وما القوه من‬
‫�إذالل وقهر وتعذيب دمعت عيني وتمن ّيت لو �أ ّننا في ذلك الزمن ونمتلك هذه القوة‬
‫والحجم‪ ،‬حتّى ن�ؤ ّدبه ونجعله عبر ًة لمن اعتبر‪.‬‬
‫�صحيح �أن جبل عامل وقبل النكبة كان يمتلك من القدرة وال�شجاعة والإمكانيات‬
‫الإقت�صادية ما ي�ؤه ّله للدفاع عن نف�سه‪ ،‬وكانت المقاطعات الثالث في جبل عامل التي‬
‫يحكمها الأمراء‪ ،‬ب�إمكان كل �أمير �أن ي�ستنفر �ألفي مقاتل كح ّد �أدنى �إذ ُي�ش ّكل مجموع‬
‫ما ت�ستنفره المقاطعات الثالث �ستة �آالف مقاتل من خيرة الفر�سان ال�شجعان‪ ،‬الذي‬
‫يجعلهم في م�صاف الجيو�ش الأ�سا�سية وهذا ما نقله الدبلوما�سي الفرن�سي (بارادي�س)‬
‫بقوله‪� :‬شاهدناهم ُيقاتلون بترتيب ونظام مما جعلهم ينت�صرون على �أعدائهم الذين‬
‫يفوقونهم عدد ًا‪.‬‬
‫ومع كل هذه الق ّوة � اّإل �أنّ الظروف التي عا�شتها المنطقة جعلت العثمان ّيين يعملون على‬
‫الإنتقام من �أهالي جبل عامل‪ ،‬حيث باتوا يتم ّردون على الوالة العثمان ّيين وال يدفعون ال�ضرائب‬
‫الزائدةولي�سللوالةمهابةفيقلوبهم‪،‬ونتيجةال�شعوربالعزّةوالق ّوةجعلتالتفكيردائم ًايذهب‬
‫الن�صار �أن يتّفق‬
‫�إلى الإ�ستقالل والحرية التامة‪ ،‬وهذا الذي دعا �أمير جبل عامل ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫‪6‬‬
‫����������������������‬
‫مع الأمير ظاهر العمر في فل�سطين و�أبو الذهب من م�صر على تحرير �سوريا و�إخراجها عن‬
‫�سيطرة العثمان ّيين والتي �أ ّدى بالفعل �إلى هروب الوالي (عثمان با�شا)‪ ،‬ولوال خيانة �أبو الذهب‬
‫لكانتالمنطقةحازتعلىالإ�ستقاللالتامعنالعثمان ّيين‪،‬وعندمارجع�أبو الذهب بقواته �إلى‬
‫م�صر‪ ،‬ا�ضطر ال�شيخ نا�صيف والأمير ظاهر العمر �أن يعودا �إلى جبل عامل وفل�سطين‪ ،‬وبعد‬
‫رجوع الوالي العثماني �إلى دم�شق ق ّرر �أن ينتقم من �أهالي جبل عامل كونهم الأ�سا�س في معركة‬
‫دم�شق‪ ،‬ومع ذلك لم يجر�أ �أن ي� ِأت وجه ًا لوجه فجاء بقواته التي تجاوزت الع�شرة �آالف مقاتل‬
‫والمج ّهزة ب�أحدث الع ّدة‪ ،‬ونزلوا على (بحيرة الحولة) وعندما عرف ال�شيخ نا�صيف بالأمر‬
‫زحف �إليهم بعدة مئات من الفر�سان البوا�سل ف�سحق جي�شهم وقتل الكثير منهم وهرب البق ّية‬
‫يج ّرون �أذيال الخيبة والهزيمة‪ ،‬وهذا ما زاد من حقد العثمان ّيين �أكثر على �أهالي جبل عامل‪،‬‬
‫القوي لجبل عامل حتى كانت الإنتكا�سة التي‬
‫وهذا حدث �سنة ‪ 1185‬هـ‪ ،‬وا�ستم ّر هذا الح�ضور ّ‬
‫الن�صار في معركة (يارون) �سنة ‪ 1195‬هـ الموافق �سنة‬
‫لحقت به ج ّراء مقتل ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫‪ 1781‬م مع جي�ش الجزّار‪ ،‬ولوال �أن ز ّلت به قدم فر�سه لما تمكنوا من النيل منه مع �أن قواته لم‬
‫تتجاوز �سبعمائة مقاتل‪ ،‬وخ�سر الجزّار في تلك المعركة ما يقرب من ثلث جي�شه‪� ،‬إال �أنّ مقتل‬
‫القائد نا�صيف �أ�شاع الوهن وال�ضعف م ّما كان مدخلاّ لب�سط الجزّار �سيطرته على جبل عامل‬
‫أخ�ص بعد نكبة �شحور �سنة ‪ 1198‬هـ والتي كانت محاولة م�ستميتة لإعادة المجد والعزة‬
‫وبال ّ‬
‫مجدد ًا �إلى جبل عامل‪ ،‬لكن العوامل الخارجية والداخلية لم تكن لت�سمح بهذا الإنت�صار‪ ،‬وال‬
‫�أعرف �إذا كانت هذه الأعمال الذي ُتنبئ بال ّ‬
‫�شك عن عزّة وكرامة و�شجاعة �أ�صحابها في‬
‫تقديري ب�شكل دقيق � اّإل �أنّ هذا �شيء‪ ،‬والتقدير ال�صحيح �شيء �آخر‪ ،‬وهذا يحتاج �إلى نقا�ش‬
‫لي�س فيه � اّإل فائدة واحدة هي �أن ن�ستفيد نحن من طريقة التعاطي مع �أو�ضاع م�شابهة لها‪ ،‬لكن‬
‫�شرط �أن ال ي�ؤثر هذا النقا�ش على ال ُم�س ّلم بمظلومية �أهالي جبل عامل وعلى �إجرام العثمان ّيين‬
‫ومنمعهم‪.‬‬
‫المهم �أن المجرم �أحمد با�شا الجزّار ا�ستطاع �أن ُيد ّمر جبل عامل و�أن ُيعيده �إلى‬
‫ّ‬
‫وهجر النا�س وع ّذبهم‪.‬‬
‫فهجر العلماء و�أحرق �آالف المكتبات ّ‬
‫نقطة ال�صفر ّ‬
‫‪7‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�إن �شاء اهلل في بحثي في هذا الم�ؤتمر �سوف �أ�س ّلط ال�ضوء على النه�ضة العلمية‬
‫الثانية التي �إنطلقت بعد نهاية حكم الجزّار �سنة ‪ 1219‬هـ من كوثرية ال�س ّياد بعدما‬
‫كان جبل عامل محطة م�ضيئة في �سماء المنطقة‪ ،‬عندما ا�ستطاع ذلك القائد الف ّذ‬
‫ال�شيخ محمد بن مكي الجزيني المعروف (بال�شهيد الأول) في �أوا�سط القرن الثامن هـ‬
‫من �إيجاد هذه الحا�ضرة العلمية التي ا�ستم ّرت حتى نهاية القرن الثاني ع�شر هـ‪ ،‬حيث‬
‫كانت تلك المدر�سة الجامعة في بلدة �شقراء برئا�سة العالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى‬
‫الح�سيني الذي توفي �سنة ‪ 1194‬هـ الموافق ‪ 1780‬م‪.‬‬
‫�أيّها الأعزاء‬
‫�إنّ الإطاللة على تاريخ جبل عامل ومعرفة ما حدث مع �أهلنا في المراحل المختلفة‬
‫�سوف ن�ستخل�ص منه العبر والتجارب‪ ،‬فنبتعد عن نقاط الوهن‪ ،‬ونبقى يقظين لمواجهة‬
‫�أمثالها‪ ،‬وندر�س الحيث ّيات التي �أ ّدت �إلى تلك الأو�ضاع التي نحتاج معها �إلى فهم دقيق‬
‫للحيثيات التي نجهلها نتيجة ُبعد الم�سافة وعدم الإعتماد على د ّقة النقل التاريخي الذي‬
‫يروي الأحداث كما هي من دون فهم الحيثيات التي لها دخالة في �صناعة الحدث‪.‬‬
‫لهذا ومن باب الأمانة ال بد للباحث من �إيجاد العذر مهما �أمكن وعدم الحكم على‬
‫�أحداث هو بعيد كل ال ُبعد عنها‪ ،‬وخ�صو�ص ًا عندما تكون تلك الأحداث على خالف ال�سياق‬
‫العام والمعروف‪ .‬نعم ال ُب ّد من قراءة دقيقة لتلك المرحلة فالحوادث التاريخية تتك ّرر‬
‫دائم ًا‪ ،‬وان كانت بجهات و�أ�ساليب مختلفة‪ ،‬والذي جعلنا نف ّكر بما حدث في عهد ال�س ّفاح‬
‫�أحمد با�شا الجزّار هو ما تعي�شه منطقتنا من باك�ستان وافغان�ستان مرور ًا بم�صر واليمن‬
‫و� ً‬
‫صوال �إلى العراق و�سوريا ولبنان‪ ،‬حيث تت�شابه ظاهرة �أحمد با�شا الجزّار وتتقاطع مع‬
‫كثير من هذه الحوادث التي ح�صلت وقد تح�صل في منطقتنا‪� ،‬إذ ًا الهدف من البحث في‬
‫تلك الحقبة هو بال�ضبط لمعرفة ماذا حدث في نهاية القرن الثاني ع�شر هـ‪ ،‬وال�شيء الثاني‬
‫لمعرفة مكامن القدرة واله ّمة عند �أهلنا في �إ�ستعادة المبادرة و�إعادة الحياة العلمية‬
‫‪8‬‬
‫����������������������‬
‫والإجتماعية والإقت�صادية �إلى جبل عامل وعدم الإ�ست�سالم‪ ،‬هذا بالإ�ضافة لإ�ستخال�ص‬
‫دعم قوى الإ�ستكبار لقطعان‬
‫ال ِعبر لمواجهة �أو�ضاع م�شابهة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ما ن�شهده من ِ‬
‫المنهج التكفيري الخارجة عن الإن�سانية قبل الإ�سالم‪ ،‬قيقتلون النف�س التي ح ّرمها‬
‫اهلل ويهتكون الأعرا�ض وي�سلبون الأموال ويمزّقون وحدة الم�سلمين‪ ،‬ويعملون بالكامل‬
‫لم�صلحة العدو كي تتاح له فر�صة نهب الثروات والنيل من هذا الإ�سالم العزيز‪ ،‬لذا كان‬
‫من الواجب ان نت�ص ّدى لهذه الفئة الباغية والمف�سدة في الأر�ض‪ ،‬وعلى �أ�سيادهم �أن‬
‫يدركوا (�أنّ على الباغي تدور الدوائر) وانهم �سوف يدفعون �ضريبة دعمهم ل�شر خلق‬
‫اهلل كما ورد في الخبر ال�شريف (من �أعان ظالم ًا �إبتلي به)‬
‫في الختام‪:‬‬
‫�أ�س�أله تعالى �أن ي�أخذ ب�أيدينا �إلى ما فيه الخير وال�صالح و�أن ُيم ّكننا من رقابهم و�أن‬
‫يفتح ب�صيرتنا على قراءة دقيقة لتاريخنا الذي يحتاج �إلى الكثير من العناية والتوثيق‪،‬‬
‫وعلى قاعدة من ال ي�شكر المخلوق ال ي�شكر الخالق ال ب ّد من �شكر خا�ص لل�سادة الباحثين‬
‫على جهدهم في �سبيل نجاح هذا الم�ؤتمر‪.‬‬
‫كما ال ب ّد �أن �أ�شكر اتحاد بلديات جبل عامل ب�شخ�ص رئي�سها الأخ العزيز الحاج علي‬
‫الزين على تعاونه معنا في �إقامة هذا الم�ؤتمر‪ ،‬وهو مو�صول ب�شكر راعي الم�ؤتمر ال�صديق‬
‫الحاج محمد رعد‪ ،‬وال�شكر لل�سادة العلماء والإخوة في المنطقة الأولى ب�شخ�ص رئي�سها‬
‫العزيز ال�سيد �أحمد �صفي الدين على م�ساهمتهم في نجاح م�ؤتمرنا هذا‪ ،‬كما ال ب ّد �أن‬
‫�أ�شكر مم ّثل �سعادة �سفير الجمهورية الإ�سالمية الدكتور غ�ضنفر ركن �آبادي‪ ،‬وم�س�ؤول‬
‫حركة �أمل في اقليم جبل عامل الحاج محمد غزال‪ ،‬و�سعادة النائب قا�سم ها�شم وبلدية‬
‫مجدل �سلم ورئي�سها الأخ علي يا�سين الذي قدم الخطباء و�سماحة رئي�س مجل�س الأمناء‬
‫في تجمع علماء الم�سلمين ال�شيخ �أحمد الزين و�أمام البلدة �سماحة ال�شيخ علي يا�سين‬
‫والأخوة والأخوات جميع ًا‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫���������������������������������������‬
‫كلمة راعي المؤتمر النائب الحاج محمد رعد‬
‫(((‬
‫�إن العنوان الذي اختير لأعمال هذا الم�ؤتمر اليوم‪« :‬جبل عامل وعهد الج ّزار‬
‫بين النكبة والنه�ضة» دفعني للت�أمل وا�ستح�ضار العديد من المحطات التاريخية التي‬
‫وا�ضطهاد وا�ستبداد قابله �أهلنا‬
‫وقهر‬
‫ٍ‬
‫ظلم ٍ‬
‫عبرتها هذه المنطقة وما تخلل ذلك من ٍ‬
‫و�أجدادنا بال�صبر �أو ًال ثم باالنتفا�ضات والمواجهات والمقاومة انت�صار ًا للحق ودفع ًا‬
‫للعدوان وطلب ًا للحرية وتحقيق ًا للكرامة وذود ًا عن الوجود والهوية واالنتماء‪.‬‬
‫فعهد �أحمد با�شا الجزّار كان قد �سبقته عهود كثيرة �أذكر على �سبيل المثال ال‬
‫الح�صر‪ ،‬عهد ال�صليبيين ثم المماليك و� ً‬
‫صوال �إلى العثمانيين‪ ،‬ثم تال ذلك كله الإنتداب‬
‫((( رئي�س كتلة الوفاء للمقاومة‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الفرن�سي فاالحتالل ال�صهيوني والمظلة الدولية اال�ستكبارية التي ال تزال ترعاه وتحميه‪.‬‬
‫وفي كل هذه المحطات التاريخية كان جبل عامل محل ا�ستهداف مبا�شر وغير مبا�شر‬
‫�سواء على م�ستوى الوجود ال�سكاني فيه �أو على م�ستوى الهوية واالنتماء والموقع والدور‪.‬‬
‫وعلى الدوام كانت مظاهر اال�ستهداف ظلم ومحاوالت اخ�ضاع وفر�ض اجراءات‬
‫تعيق بناء الوحدة والقوة ف�ض ًال عن الجهود الماكرة لتذويب ال�شخ�صية الح�ضارية لأبناء‬
‫هذا الجبل العاملي الذين ينتمون �إلى مدر�سة ونهج �أهل بيت ر�سول اهلل محمد‪ P‬وما‬
‫يج�سدونه من �أ�صالة انتماء �إلى اال�سالم ومعيار �صحة التطبيق لقيم الدين الحنيف‬
‫ِّ‬
‫فهم دقيق تتفتح منها مفاهيم و�أفكار متجددة عبر اختالف‬
‫أ�صول‬
‫َ‬
‫و�أحكامه‪ ،‬و� ٍ‬
‫وقواعد ٍ‬
‫الظروف والأمكنة والأزمان‪ ،‬ويمكن من خاللها معالجة مختلف م�ستجدات الع�صر‬
‫والتفاعل معها اقرار ًا �أو انكار ًا‪ ،‬تطوير ًا �أو اهما ًال‪ ،‬تك ّيف ًا �أو مواجهة‪ ،‬بروح ال تنف�صم عن‬
‫الن�ص والجذور وب�أداء ال تتحكم فيه رياح الميول والأهواء وال يتكل�س �أو يتحجر لتعبره‬
‫الأحداث دون �أن ي�ؤثر فيها �أو ي�ضبط م�ساراتها و�إيقاعها‪.‬‬
‫ن�سجل �أن تنامي فاعلية ودور جبل عامل مر ّده �إلى هذا االنتماء الأ�صيل‬
‫وينبغي �أن ّ‬
‫والثابت لهذه الهوية اال�سالمية العريقة التي تمنح حامليها المخل�صين و�ضوح ر�ؤي ٍة وقوة‬
‫منطق وقدرة �صمود وحيوية هائلة على مواجهة الأعا�صير �أو احتوائها‪.‬‬
‫ٍ‬
‫�أردت من هذا المدخل �أن �أ�ؤكد على الخ�صائ�ص التي باال�ستناد �إليها ا�ستطاع‬
‫وي�ستطيع �أهلنا في جبل عامل �أن يح ّولوا كل ا�ستهداف �أو تهديد لوجودهم �أو دورهم‪،‬‬
‫�إلى فر�ص ٍة لإثبات الوجود وتعزيز الدور‪.‬‬
‫تف�سر الثبات والن�ضج والفاعلية المذهلة للعامليين عبر‬
‫وهذه الخ�صائ�ص هي التي ِّ‬
‫التاريخ وفي زمننا الحا�ضر والمقبل‪.‬‬
‫نقاط للإ�ضاءة عليها‪:‬‬
‫وي�سعدني �أن �أ�شير في هذا الم�ؤتمر �إلى جملة ٍ‬
‫�أو ًال‪� :‬إن ظلم ًا كبير ًا طاول تاريخ جبل عامل وهو الوجه الآخر للظلم الذي كابده‬
‫�أهله طوال العهود الما�ضية‪ ..‬ولع ّل �أب�شع الأمور �أن تغ ّيب �صفحات الع ّز والبطولة‬
‫‪12‬‬
‫���������������������������������������‬
‫و�شواهد العلم وم�آثر الأجيال ال�سابقة بهدف �أن تولد �أجيال بدون ذاكرة‪ ،‬فتترعرع‬
‫في �أح�ضان بيئة الأمر الواقع الوافد م�ستن�سخة ثقافته و�أعرافه و�أنماط �سلوكه‬
‫ومناهج حياته‪..‬‬
‫ولوال بع�ض رذاذ وب�ضع ر�شحات تن�سمها الأجداد والآباء عن تاريخنا العاملي‬
‫وحكاياه التي نقلها �إلينا وحققها ثلة من المخل�صين من علمائنا و�أعالمنا ورجاالت‬
‫الفكر والتاريخ منا‪ ،‬لما بقي للذاكرة ما ن�ستهدي به في حا�ضرنا‪..‬‬
‫كبير �إلى كل جهد معا�صر يهدف �إلى ت�أريخ وتقييم الوقائع‬
‫لذلك ننظر‬
‫بتقدير ٍ‬
‫ٍ‬
‫والأحداث والأدوار التي تزخر بها مرحلتنا الراهنة وحفظها والإكثار من تداولها‬
‫والإحاطة بها من مختلف الجوانب من �أجل �أن ت�صل �إلى �أجيالنا المقبلة عن طريقنا‪،‬‬
‫بدل �أن ت�صل �إليهم مز ّورة وم� ّشوهة عن طريق خ�صومنا و�أعدائنا‪.‬‬
‫أنمى �إنجاز ًا في هذا المجال‬
‫ومما ال �شك فيه �أن العمل الم�ؤ�س�ساتي هو �أكثر فاعلية و� ٍ‬
‫من العمل الفردي المطلوب �أي�ض ًا‪..‬‬
‫بنا ًء عليه‪ ،‬نث ّمن عالي ًا الدور الم�س�ؤول الذي تنه�ض به جمعية الإمام ال�صادق ‪Q‬‬
‫في هذا ال�سياق‪ ،‬وكل المراكز والهيئات المماثلة‪ ،‬ون�ؤ ّكد على دور الأ�ساتذة الجامعيين‬
‫في الإهتمام والح�ض والت�شجيع لطالبهم على �إعداد الر�سائل والأبحاث الجامعية التي‬
‫تتناول معالجة الق�ضايا والأحداث والأدوار الفاعلة في مرحلتنا الحا�ضرة والما�ضية‪،‬‬
‫كما ن�ؤ ّكد على وجوب التن�سيق وتوزيع الأدوار بين المهتمين لتزخيم النتاج المطلوب‬
‫وت�سويقه عبر مختلف و�سائل الإعالم المقروء والمرئي والم�سموع وعبر ت�سجيل الندوات‬
‫والم�ؤتمرات والمحا�ضرات وعبر طباعة الكتب وا�ستحداث مواقع �إلكترونية متخ�ص�صة‬
‫بهذا المجال‪.‬‬
‫ثانياً‪�:‬إن ما ارتكبه �أحمد با�شا الجزّار في �أواخر القرن الثامن ع�شر ميالدي‪ ،‬من‬
‫فظائع وجرائم وانتهاكات وت�صفيات وحمالت ت�شريد لي�س �إال نموذج ًا لما كابده‬
‫جبل عامل على �أيدي الظالمين والطامعين والم�ستبدين قبله‪ � ..‬اّإل �أن الم�ؤ ّكد �أن‬
‫‪13‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الجزّار تع ّمد م�صادرة جميع الكتب والم�ؤلفات والمخطوطات من المكتبات التي‬
‫كانت حافلة بمختلف �أنواع الكتب القيمة والثمينة‪ ،‬ونقلها على ظهور الجمال �إلى‬
‫عكا حيث و ّزع الكثير منها على الأفران لحرقها رغم �أن بع�ضها احتفظ به و�أهدى‬
‫بع�ض ًا �آخر منها �إلى عدد من الزعامات وال�سالطين �آنذاك‪ ،‬فيما �سرق العكاويون‬
‫بع�ض ًا �آخر وباعوه مجدد ًا لبع�ض العامليين‪ ،‬وتمكن بع�ض �آخر من العامليين �أن‬
‫يه ّربوا بع�ض الكتب �إلى العراق و�إيران والهند‪.‬‬
‫�إن هذه الحملة التي نفذها �أحمد با�شا الجزّار �ضيعت من تاريخنا م�آثر ثالثة قرون‬
‫للعامليين زاخرة بالعلوم والذاكرة والإبداعات‪.‬‬
‫ثالثاً‪�:‬إن النكبة التي ت�سبب بها الجزّار في جبل عامل‪� ،‬أ ّدت �إلى ت�ش ّرد عائالت‬
‫و�أبناء قرى وبلدات وعلماء �إلى بعلبك والبقاع و�إلى العراق و�إيران‪ ..‬وما �إن �أذنت‬
‫الأو�ضاع بالتغ ّير وخ�صو�ص ًا بعد هالك الجزّار في العام ‪ 1804‬م حتى عاد معظم‬
‫ه�ؤالء �إلى قراهم وبلداتهم لإعمارها من جديد ون�شط العلماء في �إن�شاء الحوزات‬
‫العلمية في مي�س الجبل وبنت جبيل وحناوية والنبطية وجزين وجباع والكوثرية‬
‫وغيرها‪ ،‬ثم تنا�سلت هذه الحوزات في قرى وبلدات �أخرى و�أحدثت نه�ضة فكرية‬
‫وثقافية ا�ستعاد العامليون فيها ح�ضورهم وظهر فيهم مقاومون �أبطال تمر�سوا‬
‫على حرب الع�صابات �ضد الوالة الم�ستبدين ومن بعد �ضد الإنتداب الفرن�سي‬
‫الذي ابتليت به البالد‪.‬‬
‫�إن هذا الأمر يدلل �أو ًال على مدى تعلق العامليين ب�أر�ضهم ووطنهم وعلى مدى توقهم‬
‫للعي�ش فيه والعودة �إليه بعد الت�ش ّرد‪..‬‬
‫ويد ّلل �أي�ض ًا على مواكبة العمل المقاوم للنهو�ض الثقافي وانت�شار الوعي بين العامليين‪.‬‬
‫وبنا ًء عليه ن�ؤ ّكد �أن حب العامليين لأر�ضهم هو �أ�ص ٌل يبنى عليه �سلوكهم الوطني‬
‫دائم ًا‪ ،‬و�أن وعيهم الديني والثقافي ي�شحذ روحهم الوطنية للت�صدي والمقاومة �ضد‬
‫الغزاة �أو الطامعين‪.‬‬
‫‪14‬‬
‫���������������������������������������‬
‫لمدقق �أن‬
‫لمن�صف �أن ي�شكك فيهما وال يمكن‬
‫وهاتان ميزتان ثابتتان ال يمكن‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫يتجاوزهما في تحليل �سيا�سات ومواقف وتحركات الجمهور في جبل عامل ف�ض ًال عن‬
‫قياداته‪.‬‬
‫رابعاً‪�:‬إن �أحداث ًا ح�صلت �ضد �أبناء جبل عامل تورط فيها �أمير جبل لبنان يو�سف‬
‫ال�شهابي لم�ساعدة والي دم�شق �آنذاك عثمان با�شا‪ ،‬كانت قد �سبقت ت�س ّلم �أحمد‬
‫با�شا الجزّار والية عكا‪ ،‬وهذه الأحداث ال �شك �أنها رغم انت�صار العامليين فيها‬
‫�إال �أنها ا�ستنزفت قدراتهم وبع�ض قياداتهم‪ ،‬الأمر الذي ا�ستفاد منه الجزّار‬
‫لتوقيت حملته وتح�شيد قواته �ضدهم وا�ستباحة قراهم وتدمير منازلهم وفي‬
‫هذا ندرك مدى الت�أثير ال�سلبي لل�شخ�صيات والقوى المحلية المتواطئة والتي‬
‫ي�ستخدمها الخ�صم القوي لت�سهيل مهمته والتمهيد لها با�ستنزاف قوى النهو�ض‬
‫وت�شتيت قدراتهم‪.‬‬
‫�أيها الأعزاء‪،‬‬
‫�إن الحا�ضر هو امتداد للما�ضي‪ ،‬وما نواجهه اليوم من تهديدات ينبغي �أن نح ّوله �إلى‬
‫فر�ص للإنت�صار والتق ّدم‪.‬‬
‫ٍ‬
‫�إذ ال مجال للتردد والتهاون في الت�ص ّدي للغزاة والمت�آمرين على بلدنا لبنان‬
‫وبالإ�ستناد �إلى الخ�صائ�ص العاملية تمك ّنا و�سنتمكن ب�إذن اهلل من مواجهة الإ�ستهدافات‬
‫الراهنة ومن يقف وراءها ومن ي�ستخدم فيها‪.‬‬
‫وفي الوقت الذي ت�ستنزف فيه قدرات �أمتنا العربية بنزاعات جانبية خارج دائرة المواجهة‬
‫للعد ّو الحقيقي للأ ّمة يبقى المقاومون من �أبناء جبل عامل ونظرائهم في كل لبنان‪ ،‬الدرع‬
‫الح�صين الذي يقي البلد والمنطقة من �شرور الإعتداءات والحروب الإ�سرائيلية‪ ،‬و�ستبقى‬
‫معادلة ال�شعب والمقاومة والجي�ش هي الأقدر على مواجهة كل التهديدات‪ ،‬خ�صو�ص ًا بعدما‬
‫�أثبتت هذه المعادلة جدواها في ال�صراع وحفظت لبنان ودحرت م�شروع الغزو ال�صهيوني‬
‫المدعوم من قوى الإ�ستكبار الغربي والنظام العربي المتواطئ‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�إن بلد ًا يمتلك مثل هذه المعادلة لمقاومة العد ّو‪ ،‬ال �شك �أن �أبناءه الوطنيين يزدرون‬
‫الم�شهد الر�سمي للنظام العربي الذي ظهر م�ؤخ ًرا في الدوحة حيث انعقد هناك م�ؤتمر‬
‫للذل والعار والب�ؤ�س والهزيمة وحيث ل ّوث الزيف والت�آمر ن�ضاالت �شعوب المنطقة‬
‫و�أحرارها‪.‬‬
‫�إن هذا الم�شهد يك�شف حجم الوهن الذي �أ�صاب �أنظمة الخنوع فيما �أ ّكد �ضرورة‬
‫حفظ المقاومة ل�صون الروح الوطنية و�إذكاء الأمل في نفو�س ال�شرفاء من العرب‬
‫والم�سلمين‪.‬‬
‫�إن ا�ستنزاف �سوريا ومحاولة �إ�سقاط موقعها‪� ،‬سيرتد �سلب ًا على كل بلدان التواطئ‬
‫في المنطقة‪.‬‬
‫و�إن اللبنانيين‪ ،‬خ�صو�ص ًا بعد م�ستجدات الو�ضع الحكومي‪ ،‬وغياب التوافق على‬
‫قانون الإنتخاب‪ ،‬مدعوون للترفع �إلى م�ستوى الم�س�ؤولية التاريخية الوطنية والقومية‬
‫ومواجهة هذه المرحلة بمزيد من الحر�ص على التفاهم والتما�سك وتجاوز ال�ش�أنيات‬
‫والطموحات والمكت�سبات الخا�صة والفئوية والت�شبث ب�أ�سباب االنت�صارات التي حققها‬
‫لبنان في ال�سنوات الأخيرة الما�ضية �ضد العدو ال�صهيوني و�أ�سياده‪..‬‬
‫مطلوب منها �أن تعيد تر�سيم‬
‫�إن �أية حكومة مقبلة �أ ّي ًا يكن رئي�سها المك ّلف ت�شكيلها‪،‬‬
‫ٌ‬
‫الثوابت الوطنية التالية‪:‬‬
‫ الحفاظ على معادلة القوة التي تقوم على ثالثية الجي�ش وال�شعب والمقاومة‪.‬‬‫ اعتماد قانون انتخاب ي�ؤمنّ تمثي ًال عاد ًال وي�ضمن منا�صفة فعلية بين الم�سلمين‬‫والم�سيحيين‪.‬‬
‫ تحقيق م�شاركة واقعية ت�سهم في تعزيز الإ�ستقرار الداخلي وت�سقط ادعاءات‬‫الإ�ستهداف عند البع�ض وتحفظ الأوزان الحقيقية للقوى الأخرى‪.‬‬
‫ الت�أكيد على �أن ا�سرائيل هي العد ّو الأ�سا�سي للبنان واللبنانيين‪ ،‬وترجمة ذلك‬‫عملي ًا وب�شكل ج ّدي ووا�ضح في ال�سيا�سات الداخلية والخارجية‪.‬‬
‫‪16‬‬
‫���������������������������������������‬
‫ حماية ال�سيادة والكرامة الوطنية ورف�ض الخ�ضوع لأي ابتزاز �إقليمي ودولي يم�س‬‫لبنان في �سيادته الوطنية وخياراته ال�سيا�سية وكرامة �أبنائه‪.‬‬
‫ختام ًا‪..‬‬
‫�أتوجه بال�شكر لكل الم�شاركين في هذا الم�ؤتمر ولكل الم�ساهمين في �إدارته وتنظيم‬
‫جل�ساته‪ ..‬وال�شكر مو�صول لجمعية الإمام ال�صادق ‪ Q‬ولرئي�سها الأخ العزيز‬
‫والمجاهد �سماحة ال�شيخ ح�سن بغدادي و�أملنا باهلل كبير �أن يكلل جهوده وجهودكم‬
‫جميع ًا بنجاح هذا الم�ؤتمر الذي كان هناك حر�ص �شديد على �إقامته في مجدل �سلم‬
‫عرين العلماء والمقاومة واهلل من وراء الق�صد‪.‬‬
‫وال�سالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته‬
‫‪17‬‬
‫الجلسة األولى‬
‫����������������‬
‫ترأس الجلسة األولى‬
‫الشيخ علي ياسين‬
‫(((‬
‫وم ّما قاله‪:‬‬
‫هذه النكبة التي ح ّلت بجبل عامل لم تكن الأولى وال الأخيرة‪ ،‬و�إن كانت بق ّية النكبات‬
‫التي �أ�صابته من المماليك وغيرهم ال تقا�س بما ح�صل في عهد ال�س ّفاح �أحمد با�شا‬
‫الجزّار �سنة ‪ 1219‬هـ‪ ،‬الذي د ّمر جبل عامل من خالل حرق المكتبات التي كانت ت�ضم‬
‫كل منها �آالف الكتب والمخطوطات الثمينة‪.‬‬
‫((( رئي�س اللقاء العلمائي في �صور‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫الظروف التي عاشها جبل عامل إبان محنة الجزار‬
‫د‪ .‬محمد كوراني‬
‫(((‬
‫ما �أن خ�ضعت البالد ال�شامية وم�صر لحكم ال�سلطان العثماني �سليم الأول �سنة‬
‫‪1517‬م حتى ي ّمم وجهه �شرق ًا برفقة علماء الأتراك ال�ستح�ضار الفتاوى بقتل ال�شاه‬
‫�إ�سماعيل ال�صفوي �شاه بالد �إيران �آنذاك‪ ،‬ولم يقل �إبن �إيا�س الدم�شقي‪ ،‬لماذا �أفتى‬
‫العلماء بقتل ذلك ال�شاه �شرعا‪ ،‬لكن �صاحب كتاب تاريخ جبل عامل‪ ،‬محمد جابر �آل‬
‫�صفا يقول‪ ،‬ونحن نقول‪« :‬لأنه على مذهب ال�شيعة الإمامية»‪ .‬وقد �أ�صابت �شروره مدينة‬
‫حلب‪ ،‬وكان معظم �أهلها من ال�شيعة الإمامية فقتل منهم مقتلة عظيمة‪ ...‬وامتد بغ ّيه‬
‫�إلى �شيعة �سوريا الجنوبية فا�شتد الإ�ضطهاد وال�ضغط عليهم‪ ،‬و�أ�ضرم الأتراك العداوة‬
‫بينهم وبين �أهل ال�سنة كما جرت عادتهم (ف ّرق ت�سد)‪ ..‬فا�ست�صدر الفتاوى من بع�ض‬
‫علماء دم�شق با�ستحالل قتالهم وهدر دمائهم‪ ،‬ومحو �آثارهم‪ ،‬وا�ستعباد ذراريهم‪ ،‬و�أن‬
‫ال ُتقبل لهم توبة �إلى �آخرما ورد من فتاوى ال�شيخ نوح الحنفي(((‪.‬‬
‫((( باحث وم�ؤ ّرخ‪.‬‬
‫((( تاريخ جبل عامل ـ محمد جابر �آل �صفا �ص‪ 77‬ـ دار النهار ـ ط‪ 2‬ـ بيروت ‪1983‬‬
‫‪23‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وقد �أجمع الم�ؤرخون �أنّ الإدارة التركية العثمانية طيلة �أربعمائة عام كانت �ش ّر �إدارة‬
‫منيت بها الأم�صارالتي دخلت تحت حكمهم‪� ...‬سادت الفو�ضى‪ ،‬واختل الأمن‪ ،‬وانت�شر‬
‫الف�ساد‪ ،‬وخربت القرى وهجرها ال�سكان‪ ،‬وتلفت النفو�س وبارت الزراعة وداهم البالد‬
‫وعم الب�ؤ�س وال�شقاء(((‪ .‬وكان من عظيم الرزايا و�أفظع النكبات على ال�سكان‪� ،‬أن‬
‫الفقر ّ‬
‫«معظم الوالة من ذوي الأخالق الفا�سدة ال ه ّم لهم �إالجمع الأموال‪ ،‬وم�صادرة �أغنياء‬
‫(((‬
‫ال�شعب‪ ،‬والت�ضييق عليهم حتى �أتى زمن وبع�ض النا�س يحمد اهلل على الفقر»‬
‫وكانت �سيا�ستهم في بالد العرب تدور على �إ�ضعاف قوى الأمة و�إذاللها‪ ،‬وتعرية مدنها‬
‫من ذخائرالعلم والب�ضاعة ومحو مجد العرب من �سجل التاريخ(((‪.‬‬
‫‪..‬وجبل عامل قطر من الأقطار التي خ�ضعت لظلم الدولة العثمانية كباقي بالد‬
‫ال�شام وم�صر‪ ،‬وما العامليين في عهودهم من البالء والمحن لم يكفهم جور الترك‬
‫وا�ضطهادهم‪ ،‬وانعكا�س الحروب الدامية بين الترك وال�صفويين على �أهالي جبل عامل‪،‬‬
‫ال ل�سبب �إنما لأنّ �سكان جبل عامل هم على نف�س المذهب الذي كانت تدين به الدولة‬
‫ال�صفوية في �إيران(الت�شيع)‪ ،‬فا�ستعانوا على العامليين ب�أهل المقاطعات المجاورة من‬
‫�أن�صارهم‪ .‬ف�أ�صبحت بالد عاملة عر�ضة لغارات اال�شمال والجنوب وال�شرق‪« ،‬فا�شتبكوا‬
‫معهم في حروب دامية رخ�صت فيها النفو�س وا�ستهينت الأرواح»(((‪.‬‬
‫‪..‬من �أجل ذلك ا�ستمات العامليون في الدفاع عن موطنهم‪ ،‬لحفظ كيانهم‪« .‬وقد‬
‫خلق منهم هذا الإرهاق ال�شديد‪� ...‬شعبا حربيا يهز�أ بالمنايا ويرى الموت حياة‬
‫خالدة تحت �شفار ال�سيوف‪ ...‬وكانوا ال ه ّم لهم �سوى �شحذ ال�سيوف وت�سديد المرمى‬
‫والكر على ظهور الخيول يعلمونها �أوالدهم منذ ال�صغر‪ .‬الي�أبهون بمال ُيجمع �أو‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.78‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.79‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.79‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.81‬‬
‫‪24‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫ق�صرٍ يبنى �أوغر�س يجنى‪ .‬ولم يكن فخرهم �إال بعد ٍو ُيغلب(((‪.‬‬
‫يبدو من خالل هذا ال�سياق وما �أورده الم�ؤرخون � ّأن حكام المناطق المجاورة‬
‫وب�أمر من الوالة العثمانيين لم يتركوا للعامليين بارقة هدوء وا�ستقرارمن �أجل‬
‫�إ�ضعافهم والق�ضاء عليهم و�إرغامهم على ترك مناطقهم كما جرى لمناطق كثيرة‬
‫في بالد ال�شام منذ بدايات العهد العثماني‪ .‬وت�أكيداً على ذلك ما قام به المعنيون �أيام‬
‫ومن�سق ٍة في غالب الأحيان بت�أييد �أو ت�أليب البا�شا‬
‫فخر الدين من غزواتٍ متتالي ٍة ّ‬
‫وان الذين �أظهروا عدا ًء وحقداً دفيناً على �أهل الجبل(جبل عامل)‪ ...‬حيث ا�ستهدف‬
‫فخرالدين هذا قرية الكوثرية في �إقليم ال�شومر»((( ويبدو �أنّ الأ�سرة ال�شهابية قد‬
‫تمتعت �أي�ض ًا بت�أييد متعاظم من البا�شاوات حيث تم ّكن �أمراء هذه الأ�سرة من الت�ص ّرف‬
‫بعد ب�شير الأول في كثير من الأحيان كما يحلو لهم‪ ...‬وفي مرحلة تالية �أي منذ ت�س ّلم‬
‫الأمير ملحم بن حيدر �شهاب تحول الإ�ضطهاد ليطال الأهالي العاديين �إ�ضافة �إلى‬
‫الم�شايخ((( فكانت �أولى المواجهات بينه وبين العامليين في قرية �أن�صار �سنة‪1731‬م ثم‬
‫هاجم جويا(((ثم هاجم �أن�صار ثانية �سنة ‪1734‬م وفي عام‪1743‬م هاجم الأمير ملحم‬
‫ال�شهابي �أن�صار �أي�ض ًا‪ ،‬وا�ستب�سل العامليون وان�سحب ملحم ال�شهابي دون الح�صول على‬
‫مكا�سب وفيما كان العامليون يلملمون جراح معركة �أن�صارالثالثة فاج�أهم جي�ش با�شا‬
‫ٍ‬
‫دم�شق بقيادة �سليمان با�شا وقد �أق�سم �أن ُيحرق بالد ب�شارة‪ ،‬وزحف بجي�شه ونزل في‬
‫مرج قد�س �أق�صى جنوب �شرق جبل عامل لكنه مر�ض هناك ع ّدة �أيام وتوفي بعدها‬
‫(((‬
‫وتراجع جي�شه ونجا جبل عامل من الحريق‪.‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪ 83‬ــ‪.84‬‬
‫((( جبل عامل تاريخ و احداث ـ رامز رزق ـ �ص‪ 238‬ـ دار الهادي ـ بيروت ــ‪.2005‬‬
‫((( م‪.‬ن‪� .‬ص‪ 245‬ـ ‪.246‬‬
‫((( تاريخ الأمير حيدر ال�شهابي المعروف بالغرر الح�سان ـ حيدر�أحمد �شهاب ـ ط‪ 2‬ـ دار الآثار ـ بيروت �سنة ‪1980‬‬
‫((( تكملة �أمل الآمل ـ ح�سن ال�صدر ـ �ص‪ 450‬ـ دار الأ�ضواء ـ بيروت ‪.1986‬‬
‫‪25‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫‪..‬وبعد مرور �سنة واحدة على معركة �أن�صارالثالثة بادر العامليون للهجوم متح ّدين‬
‫الوجود ال�شهابي في وادي التيم مقر ال�شهابيين الأ�صلي وجرت المعركة في �شمالي‬
‫مرجعيون وتم ّكن العامليون من تحقيق انت�صارهم الميداني الأول‪ ..‬وقد �أدى انت�صار‬
‫مرجعيون �إلى يقظة �شاملة في جبل عامل‪ ..‬وكانت القيادة التي فتحت هذا الفتح المبين‬
‫هي القيادة الف ّذة للقائد التاريخي نا�صيف الن�صار(((‪.‬‬
‫وعلى ما يبدو �أن �سيا�سة الأمراء ال�شهابيين كانت تخ�ضع لعوامل خارجية ومخططات‬
‫�أجنبية وطائفية لها �أهدافها ولها م�ؤثراتها في توجيه �سيا�سةالأمراء وفي �إ�شعال نار‬
‫الحروب الأهلية بين �أبناء الوطن الواحد(((‪ .‬وعلى المقلب الآخر ت�شابهت حركات القوى‬
‫ال�شعبية في المنطقة‪ ،‬وكانت واحدة لدى الجميع وهي �أن تتحالف وت�ستعد لمواجهة‬
‫الظروف والأخطارالمتوقعة وخ�صو�ص ًا بعداحتمال تالقي الم�صريين والفل�سطينيين‬
‫والمتاولة في جبهة واحدة(((‪.‬‬
‫ولقد �أورد المعلم ميخائيل نقوال ال�صباغ ماي�ؤكد ب�أ�س ال�شيعة وهيبتهم في �أعين‬
‫الجيران و�أهمية التحالف معهم‪ ،‬ومما قاله‪�« :‬إن ال�شيخ ظاهر العمر �إلتفت �إلى‬
‫المتاولة وهم قو ٌم من ذوي الب�أ�س والج�سارة والنجدة وكبيرهم ‪ -‬يوم ذاك ‪ -‬ال�شيخ‬
‫نا�صيف الن�صار‪ ...‬وبالدهم بالد ب�شارة بين جبل الدروز وبالد �صفد(((‪.‬ولما تطاول‬
‫بع�ض حكام الجوارعلى �أطراف جبل عامل قا�صدين �ض ّم بع�ض قراه �إلى �إقطاعهم‪،‬‬
‫ر ّد ال�شيخ نا�صيف جواباً يرف�ض فيه هذا التطاول مغلظا بالقول‪« :‬التظن �أننا نظير‬
‫�سوانا فواهلل � ّإن عندنا مقابل �سيفك �سيوفا �أح ّد منه وب�إزاء كيدك مكائد كثيرة‪،‬‬
‫فالأولى بك �أن تدعنا غافلين عنك باعتدائك على جيراننا والآن واهلل العظيم �إنك‬
‫تندم لأننا نحن طالما بغي علينا فانت�صفنا من الباغي‪ ،‬وعاهدنا فقمنا بعهدنا‬
‫((( جبل عامل تارخ‪...‬م‪�.‬س‪� .‬ص‪.248‬‬
‫((( للبحث عن تاريخنا ـ ال�شيخ علي الزين ـ �ص ‪ 486‬ـ ط‪ 1‬ـ ‪.1973‬‬
‫((( م‪.‬ن ـ �ص‪.491‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.493‬‬
‫‪26‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫وك ّنا من �أن�صار �أ�صحابك فدونك الأمرين‪� ،‬أنت ور�أيك ونحن نرى فيما يبدو منك‬
‫وال�سالم»(((‪.‬‬
‫‪..‬ولعل �إ�سم ال�شيخ نا�صيف الن�صار الذي يتكررمعنا في هذه الحقبة هو الإ�سم‬
‫البارز الذي �سبق حملة الجزار‪ ،‬حيث لم ي�سبق �أن م ّر في تاريخ جبل عامل �أيام الحقبة‬
‫العثمانية رج ٌل بتلك ال�صفات القيادية‪ .‬وهذا «بازيلي» القن�صل الرو�سي في �صيدا‬
‫ي�صف العامليين و�شيخهم نا�صيف الن�صار ب�شيء من الده�شة حيث يقول‪� :‬أنهم كانوا‬
‫بقواههم الجامحة يرف�ضون التعاي�ش مع البا�شاوات كما يرف�ضون ذلك مع �أمراء جبل‬
‫لبنان‪ ...‬والمتاولة ه�ؤالء يقودهم ال�شيخ القوي نا�صيف الن�صار الذي كان ي�ستطيع �أن‬
‫ُير�سل �إلى الميدان ع ّدة �آالف من الفر�سان الممتازين‪ ،‬وكان يملك �أرا�ضي غنية والعديد‬
‫من الح�صون(((‪ .‬هذه الق ّوة العاملية الهامة �أغرت ال�شيخ ظاهر العمر بالتقرب منهم‬
‫ولي�س بمعاداتهم‪ ،‬و�أقام ال�شيخ ظاهر حلف ًا مع ال�شيخ نا�صيف تعود فوائده على �سكان‬
‫المنطقتين المتجاورتين‪ ،‬الجليل وجبل عامل(((‪ .‬وبالمقابل كان ال�شيخ نا�صيف في ذلك‬
‫الوقت يحاول توحيد كلمة العامليين والفل�سطينيين والدروز والبعلبكيين‪ ،‬و�أن يك ّون من‬
‫الجميع وحدة وا�سعة الأطراف‪ ،‬و�أن يجعل من هذه الوحدة �سور ًا منيع ًا ال يجد الأتراك‬
‫فيه منفذ ًا يدخلون فيه لتفرقتهم ثم الإ�ستعانة ببع�ضهم على الآخر(((‪ .‬حاول ال�شيخ‬
‫نا�صيف تكوين وحدة وا�سعة النطاق وك�أنه وحده المعني بهذه المه ّمة دون من عداه من‬
‫الزعماء �آنذاك‪.‬‬
‫ربما �أ�ضمر الجزار ال�سوء والكراهية لل�شيخ نا�صيف والعامليين منذ �أعان نا�صيف‬
‫وحليفه ظاهر العمر الأمير يو�سف ال�شهابي على انتزاع بيروت من يد الجزار(((‪ ..‬و�أما‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.491‬‬
‫((( �سوريا وفل�سطين تحت الحكم العثماني ـ ق�سطنطين بازيلي ـ �ص‪ 52‬ـ دار التقدم ـ مو�سكو‪.1989‬‬
‫((( جبل عامل تاريخ‪...‬م‪�.‬س‪� .‬ص‪.256‬‬
‫((( جبل عامل في التاريخ ـ ال�شيخ محمد تقي الفقيه ـ �ص‪ 398‬ــ‪ 399‬ـ دار الأ�ضواء ـ ط‪ 2‬ـ بيروت‪.1986‬‬
‫((( العرفان ـ م‪ 27‬ـ �ص‪.194‬‬
‫‪27‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�صحة‬
‫�أحقاد الأتراك �ضد العامليين‪ ،‬فما م ّر في هذا البحث وزيادة على ذلك دليل على ّ‬
‫الخطط المو�ضوعة والمد ّبرة م�سبق ًا لإ�ضعاف و�إبادة ال�شيعة في جبل عامل وهذا ما‬
‫�سينذر بالعاقبة الوخيمة عند الفر�ض بذلك‪ .‬ولعل والي دم�شق العثماني‪ ،‬عثمان با�شا‬
‫تع�صب ًا و�إ�ساء ًة �ضد العامليين‪ ،‬وكان الم�شايخ العامليون متنبهين لكل‬
‫كان �أكثر الوالة ّ‬
‫ما ُيحاك �ضدهم من د�سائ�س وعلى ر�أ�سهم �شيخ م�شايخ الجبل العاملي ال�شيخ نا�صيف‬
‫الن�صار‪ ،‬وها هو ال�شيخ المذكور يع ّين الأمير يو�سف ال�شهابي في حربه �ضد عثمان با�شا‬
‫والي ال�شام في واقعة «المغ ْيثة» (البقاع) وكان البا�شا قد ج ّرد حملة م�ؤلفة من خم�سة‬
‫ع�شر �ألف مقاتل‪ ،‬ولما ّ‬
‫تدخل ال�شيخ نا�صيف �إلتج�أ عثمان با�شا �إلى الفرار والنجاة تاركا‬
‫مخ ّيمه وذخائره الحربية غنيمة باردة (((‪.‬‬
‫كان علي بك الكبير حاكم م�صر طموح ًا‪ ،‬وحاول توحيد م�صر وال�شام وتحالف مع‬
‫ال�شيخ ظاهر العمر حاكم فل�سطين‪ ،‬وبدوره تحالف ال�شيخ ظاهر العمر مع العامليين‪،‬‬
‫ولما توجه محمد �أبو ال ّذهب قائد الم�صريين و�صهر علي بك الكبير نحو ال�شام لطرد‬
‫الأتراك‪ ،‬ح�صل ما لم يكن بالح�سبان فقد انثنى �أبو ال ّذهب وعاد �أدراجه نحو م�صر بعد‬
‫وعد �س ّري تل ّقاه من با�شاوات الأتراك في ال�شام‪ ،‬لي�صبح �سيد م�صر بدل علي بك الكبير‪،‬‬
‫وهذا ماجعل عثمان با�شا والي ال�شام يغتنم الفر�صة للإنتقام من الذين �ساندوا �أبا‬
‫بجي�ش قوامه‬
‫ال ّذهب (ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار) «فتحرك البا�شا‬
‫ٍ‬
‫ع�شرة �آالف مقاتل نحو بحيرة الحولة وع�سكرعلى �ض ّفتها الغربية واثقاً ب�أن الن�صر‬
‫�سيكون حليفه‪...‬وما �أن خ ّيم الليل حتى هاجمه ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف‬
‫ال�صعبي وال�شيخ حمد العبا�س وال�شيخ حمزة الن�صار‬
‫الن�صار وال�شيخ علي الفار�س ّ‬
‫بثالثماية من الفر�سان الغير في ‪� 15‬آب ‪1771‬م‪ ،‬وانهار عثمان با�شا وانهزم ومات �أكثر‬
‫جنوده غرقاً في البحيرة وتركوا �أ�سلحتهم و�أمتعتهم و ُقتل منهم ثمانية �آالف ولم‬
‫((( م‪.‬ن‪� .‬ص ‪.194‬‬
‫‪28‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫ُيقتل من فر�سان العامليين �إ ّال ٌ‬
‫رجل واحد ا�سمه ال�شيخ جبر من قرية الحمادية (((‪.‬‬
‫وكان من نتائج هذه المعركة فرار والي �صيدا دروي�ش با�شا �إبن عثمان با�شا المهزوم‪.‬‬
‫اع ُتبرت هذه المعركة بحق �أق�صى ما و�صل �إليه العامليون في تاريخهم الحربي في‬
‫العهد العثماني‪ ،‬بحيث ا�ستطاعوا �أن يثبتوا القدرة على هزيمة من حولهم‪ ،‬ال بل‬
‫تغيير الواقع ال�سيا�سي الذي ر�سمته الدولة العثمانية(((‪.‬‬
‫م ّهدت معركة البحرة لمعركة ثانية هي معركة كفر رمان‪ .‬و�سببها �أن دروي�ش با�شا‬
‫والي �صيدا لج�أ �إلى �أمير ال�شوف يو�سف ال�شهابي بعد هزيمة �أبيه في معركة البحرة ليكون‬
‫و�سيلته المادية في الهجوم المبا�شر على العامليين‪ ...‬بعد �أن ق ّدم مغريات كثيرة للأمير‬
‫يو�سف بما في ذلك ال�سالح والعتاد‪ .‬و�سبب المعركة كما يرويها ال�شيخ الفقيه(جبل‬
‫عامل في التاريخ) ومحمد جابر �آل �صفا (تاريخ جبل عامل) وبقية الم�ؤرخين العامليين‪:‬‬
‫�أنّ مكاريين من كفررمان كانا يحمالن عنبا في قرية نيحا ال�شوفية فاعتدي عليهما‬
‫بال�ضرب و�سلبا ولم يلبثا �أن ماتا‪ ..‬وهذا مادفع ال�شيخ علي الفار�س حاكم منطقة‬
‫النبطية �أن يطلب من الأمير يو�سف ت�سليمه القتلة‪ .‬فكان رد الأمير يو�سف ت�سويف ًا‪ .‬وبعد‬
‫مدة ُوجد �أربعة رجال قتلى من �أبناء نيحا ال�شوف في المكان الذي ُقتل فيه المكاريان‪.‬‬
‫فاتهم الأمير يو�سف المتاولة بقتلهم و�سار �إلى جبل عامل بثالثين �ألفا (((‪ .‬وبد�أ ب�إحراق‬
‫القرى في �إقليم التفاح حتى و�صل �إلى م�شارف النبطية وكان ال�شيخ علي الفار�س قد‬
‫احت�شد من �أجل ال ّدفاع بعدد من الفر�سان ال يتجاوز الخم�سماية فار�س و�أتت النجدة‬
‫من قلعة تبنين بقيادة ال�شيخ نا�صيف الن�صار وكان ذلك يوم ‪ 21‬ت�شرين الأول ‪1771‬م‬
‫وما كاد العامليون ي�شتبكون معهم حتى وجدوا فيهم �ضعف ًا‪ ،‬وزاد الطين ب ّلة عندما اندفع‬
‫ال�شيخ نا�صيف الن�صار �إلى ميدان المعركة يقتل ويمزق ي�شتت وي�أ�سر الأمير يو�سف‬
‫((( جبل عامل في التاريخ ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪ 215‬ـ ‪.216‬‬
‫((( جبل عامل تاريخ‪...‬م‪�.‬س‪�.‬ص‪.262‬‬
‫((( جبل عامل في التاريخ ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪ 219‬ـ تاريخ جبل عامل ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.130‬‬
‫‪29‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫نف�سه ثم يعفو عنه و ُيهزم المهاجمون ويغنم العامليون �أ�سلح ًة وذخائروعتاد (((‪.‬‬
‫مجدها‬
‫تركت معركة كفر رمان في الوجدان العاملي �أثر ًا ب ّينا‪ ،‬وتحولت �إلى ملحمة ّ‬
‫ال�شعراء الزجليون بق�صائدهم‪� ...‬إن هذه المعركة اخت�صرت تاريخ جبل عامل الع�سكري‬
‫و�أظهرت قدرة ال�شعب العاملي ال�صغير والمحا�صر بالأعداء من كل �صوب‪ ،‬ه�ؤالء‬
‫الأعداء الذين كانوا ي�ستمدون ق ّوتهم من عداء الدولة العثمانية للعامليين‪.‬‬
‫كانت هزيمة الأمير يو�سف وجي�شه في كفر رمان �إ�ضعاف ًا لعثمان با�شا الذي ما لبث‬
‫�أن توفي و�أ�ضعف ولده دروي�ش با�شا والي �صيدا وهذا ما دفع الدولة العثمانية �أن تو ّلي‬
‫عثماني ًا �آخرهو عثمان با�شا الم�صري وكان يحمل تكليفا ب�إحالل ال�سالم في �سوريا مهما‬
‫كلف الأمر �سواء بال�سالح �أو بالمفاو�ضات (((‪.‬كان على با�شا دم�شق الجديد �أن ي�سترجع‬
‫مدينة �صيدا ويعيد �إليها واليها دروي�ش با�شا وبرز من�سق للإت�صاالت بين الأمير يو�سف‬
‫ال�شهابي وبا�شا دم�شق هو �أحمد با�شا الجزار الذي �سيبد�أ بالظهور على م�سرح الأحداث‬
‫في واليتي �صيدا ودم�شق حيث يتبع جبل عامل‪.‬‬
‫كان الأمير يو�سف اليزال يعي�ش تحت وط�أة الخ�سارة الع�سكرية الفادحة التي ح ّلت‬
‫في كفر رمان‪ .‬لكن �أحمد با�شا الجزار حاول �إقناعه بالدور الع�سكري الذي �سيناط به‬
‫وذلك ب�إغرائه بالم�شاركة في الحرب �ضد العامليين وال�صفديين ب�صفة حماية لم�ؤخرة‬
‫الجي�ش العثماني فاقتنع بذلك مكره ًا‪ .‬وفي نف�س الوقت كان الجزار ين�سق مع والي حلب‬
‫خليل با�شا وقد �أ�صبح الجزار هذا من�سق ًا للجي�ش العثماني الزّاحف على �صيدا‪ .‬وفي‬
‫نق�س الوقت كان جي�ش العامليين وال�صفديين بقيادة ال�شيخ ظاهرالعمر وال�شيخ نا�صيف‬
‫الن�صار‪ ,‬وفي �شهر حزيران ‪1772‬م بد�أ الجي�ش العثماني بالهجوم لكن مماليك علي‬
‫بك الكبير الذين كانوا عند ظاهر العمر في عكا وجي�ش ظاهر العمر وجي�ش العامليين‬
‫ا�ستب�سلوا وا�ستولوا على المدافع العثمانية ووجهوها باتجاه �أ�صحابها وتراجع الجي�ش‬
‫((( باخت�صار وت�ص ّرف عما ورد في تاريخي ال�شيخ الفقيه ومحمد جابر حول المعركة‪.‬‬
‫((( بازيلي ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.58‬‬
‫‪30‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫العثماني مهزوم ًا وانهزم معه جي�ش الأمير يو�سف وتراجعوا نحو �إقليم الخروب وراح‬
‫جي�ش الأمير يو�سف يفتك بحلفائه الهاربين من الجي�ش العثماني وي�سلبونهم �أمتعتهم‬
‫وع ّدتهم((( وت�صبح �صيدا ب�أيدي ال�شيخ ظاهر العمر والعامليين‪ .‬بعد هذه المعركة‬
‫تم ّكن الجزار من الإن�سحاب ومعه عدد من الجنود الخا�صين به وبع�ض �أعوانه‬
‫يح�صنها‬
‫وتوجهوا �إلى بيروت حيث تعهد لبا�شا دم�شق بحمايتها وبت�أييد من البا�شا راح ّ‬
‫لحمايتها(((‪...‬وبعد �أن بدت عالئم ال�صلح بين الدولة العثمانية والرو�س وان�سحاب‬
‫�أ�سطولهم من المتو�سط‪ ،‬وبعد انقالب �أبي الذهب مع الدولة على ظاهر وحلفائه‪ ،‬بعد‬
‫كل هذه المفاج�آت �شعر العامليون بعجزهم وعجز ظاهر عن مجابهة الأحداث التي‬
‫بد�أوا يترقبونها والتي كان ظاهر نف�سه ي�شعر بخطرها‪ ...‬وترك عكا و�سار �إلى قلعة‬
‫هونين ليجتمع مع م�شايخ العامليين وليتدبر معهم فيما يجب عمله ليدفعوا عن نفو�سهم‬
‫وعن البالد �شر �أبي الذهب بالمال والمهادنة �أو بالحرب والقتال (((‪ .‬ولكنه قتل غدر ًا‬
‫بالطريق بر�صا�ص بع�ض الخونة من �أتباع ال ّدنكزلي ((( وهو �أحد قادته و�شاءت الأقدار‬
‫الغا�شمة �أن تلقي زمام الإيالة �إلى �أحمد با�شا الجزارف ُع ّين والي ًا على �صيدا �سنة ‪1776‬م‬
‫وفي ‪1785‬م ُ�ض ّمت �إليه والية دم�شق‪ ...‬ا�ستفحل �أمر الجزار ودانت له فل�سطين و�ألقى‬
‫الخالف بين �أمراء جبل لبنان ف�أ�صبح بع�ضهم يناوئ الآخر‪ .‬كان تعيين الجزار والي ًا‬
‫على �صيدا يعني بالن�سبة للعامليين نقل م�شكلة الميري المت�أخرة �إلى البا�شا الجديد‬
‫وبالتالي يعني المواجهة المبا�شرة معه‪ ،‬لكن الجزار � ّأجل هذا الأمر �إلى حين انتهاء‬
‫م�شاكله الكثيرة المحيطة به‪ ،‬لبث الجزار في عكا وجعلها مركز ًا لواليته بعد تمكنه من‬
‫جمع الرجال والمال �شعر ب�أنه بلغ من القوة ما يكفي لمواجهة الأخطار المحدقة به‬
‫وكان هدفه الأول الق�ضاء على �أوالد ال�شيخ ظاهر العمر‪ ..‬فلج�أ �إلى المخادعة و�سمح‬
‫((( تاريخ جبل عامل ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.132‬‬
‫((( بازيلي ـ م‪�.‬س ـ �ص‪.62‬‬
‫((( للبحث عن تاريخنا ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.549‬‬
‫((( تاريخ جبل عامل ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.116‬‬
‫‪31‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫لهم بالدخول والخروج �إلى عكا �ساعة ي�شا�ؤون‪ ،‬ثم �أوقع ثالثة منهم‪ ..‬ولم ينج من فخ‬
‫الجزار �إال علي ظاهر العمر حيث ا�ستطاع الجزار �أخير ًا �أن ير�سل �إليه مجموعة من‬
‫رجاله تمكنوا من الغدر به والق�ضاء عليه في عملية �سريعة((( (ت�شبه العمليات الأمنية‬
‫الخاطفة وال�سريعة في �أيامنا )‪ .‬وقد �أمر ال�شيخ نا�صيف الن�صار بحمل جثمانه ودفنه‬
‫في بلدة عيناثا‪.‬‬
‫كان لمقتل ال�شيخ علي ظاهر العمر غدر ًا �أث ٌر �سيء على العالقة بين الجزار وبين‬
‫العامليين وكان قائد الأ�سطول العثماني في المتو�سط ح�سن با�شا قد اتفق مع الجزار‬
‫على القيام بحملة على جبل عامل لتح�صيل الأموال الأميرية المت�أخرة الم�ستحقة‬
‫أح�س م�شايخ جبل عامل بالخطر يتهددهم‪� ...‬أر�سلوا ال�شيخ قبالن‬
‫للدولة‪ .‬وعندما � ّ‬
‫الح�سن الوائلي ليفاو�ض البا�شا با�سمهم فقابل القبطان ح�سن با�شا في عكا واتفق معه‬
‫على �شرطين‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ �أن يقف زعماء جبل عامل على الحياد بين المتنازعين على النفوذ في المنطقة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ �أن يدفعوا الميري ب�صورة منتظمة وتق�سيط المت�أخر منها (((‪.‬‬
‫تمكن القائد الفذ ال�شيخ نا�صيف الن�صارمن �إنقاذ الأو�ضاع في جبل عامل �أطول مدة‬
‫ممكنة‪ ..‬لكن الجزار لم يكن يريد �أحرار ًا �أو �أبناء بالد في واليته ذوي �ش�أن‪ ،‬كان الجزار‬
‫في الأ�صل عبد ًا يحب العبيد وجزارا يع�شق �سفك الدماء‪ ،‬وكل من حوله من �أن�صاره هم‬
‫من ف�صيلته و�صنفه‪ ،‬لذلك لن ي�ستمر متعاي�ش ًا مع العامليين و�شيخهم نا�صيف الن�صار‪...‬‬
‫ولما حانت الفر�صة للجزار و�أيقن �أنه �أقنع الباب العالي ب�أهمية عمل ع�سكري �ضد جبل‬
‫عامل‪ ،‬فو�صله بعد حين فرمان من الآ�ستانة ي�أمره بال�سير على جبل عامل لت�أديبه(((‪.‬‬
‫أعداد كثيفة متظاهر ًا �أنه يريد اجتياز‬
‫وفي �سنة ‪ 1781‬تحرك جي�ش الجزار من عكا ب� ٍ‬
‫((( جبل عامل تاريخ‪...‬م‪�.‬س‪�.‬ص‪.284‬‬
‫((( جبل عامل في التاريخ ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.261‬‬
‫((( م‪.‬ن‪�.‬ص‪.264‬‬
‫‪32‬‬
‫��������������������������������������������‬
‫جبل عامل لجهة وادي التّيم ف�أدرك ال�شيخ نا�صيف ق�صده ف�أ�سرع ب�شرذمة من خيل ِه‬
‫التزيد عن �سبعماية فار�س كانت ترابط معه ب�شكل دائم في قلعة تبنين‪ ..‬وكان ال�شيخ‬
‫نا�صيف بط ًال مقدام ًا تع ّود خو�ض المعارك وممار�سة الحروب يهز�أ بالمنايا وال يبالي‬
‫بالموت‪ .‬فحملته الجر�أة على منازلة ذلك الجي�ش اللجب بخيله القليلة‪ ...‬وز ّلت قدم‬
‫جواده على بالطة يارون وعاجله بع�ض الجنود ب�إطالق الر�صا�ص فخر �شهيد ًا وت�شتت‬
‫جنوده‪ ..‬ثم اكت�سح جنود الجزار البالد و�أحرقت القرى ود ّمرت المنازل و�شحنت الكتب‬
‫والمخطوطات النادرة حيث �أحرقت في عكا‪ ..‬و�أ�سرف رجاله في ال�شعب ذبح ًا وتقتي ًال‬
‫وقب�ض على فريق من العلماء والوجهاء ف�أماتهم خنق ًا في �سجون عكا و�ش ّرد من بقي‬
‫منهم �إلى البالد المجاورة‪ ،‬وهاجر العلماء و�أهل الف�ضل للبالد الإ�سالمية النائية‬
‫كالهند و�إيران والعراق والأفغان وخدموا الإ�سالم(((‪ .‬وتمكن الجزارمن الإ�ستيالء‬
‫على قلعة ال�شقيف بالخديعة والمكر بعد �إعطاء الأمان ثم غدر بهم‪ ،‬وت�سلمت قواته‬
‫الع�سكرية طول البالد العاملية وعر�ضها وعاملوا النا�س بالق�سوة‪ ،‬وقد ع ّبر ال�سلطان‬
‫عن ارتياحه ور�ضاه لعملية الجزار في جبل عامل و�أر�سل له الهدايا(((‪ .‬يقول العالمة‬
‫ال�سبيتي في العقد المن�ضد‪..« :‬وكان بط�ش الجزار �شديداً بعد حملة بونابرت على‬
‫�أهالي جبل عامل وبالد �صفد وو ّلى رجال على المذهب اليزيدي ا�سمه ال�شيخ طه‬
‫الكردي و�أعوانه من الن�سطوريين فراح ي�ست�صفي �أموال النا�س وي�أخذهم بالعذاب‬
‫وي�ضرب بالجنازير ويحمي الط�شوات للرجال وي�ستعمل لهم المكاوي وي�سلط عليهم‬
‫الكالب في الحبو�س فينه�شونهم‪ ،‬والن�ساء ي�ضع في �سراويلهن ال�سنانير(القطط)‬
‫وي�ضغطها حتى تع�ض �أفخاذهن و�سوقهن‪ .‬وا�شتد البالء على النا�س ا�شتداداً عظيماً‬
‫وطال الأمر حتى هلك العالِم وخربت القرى وا�ست�صفيت الأموال و ُنهب جميع ما في‬
‫عاملة من كتب و�أثاث وعقار‪ .‬و�أعظم بالء كان بالء ال�شيخ علي خاتون الذي حب�س‬
‫((( تاريخ جبل عامل ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪ 137‬ـ ‪.138‬‬
‫((( جبل عامل في التاريخ ـ م‪�.‬س‪�.‬ص‪.265‬‬
‫‪33‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫مرتين ثم �أُعدم‪ ...‬وهكذا كان �أمره فى البالد كلها و�أعظم ماوقع منه البالء على‬
‫بالد عاملة‪ ،‬ماعليه �أهلها من التمذهب بمذهب ال�شيعة الإمامية‪ ..‬فبنى ما هدّم من‬
‫�أ�سوار عكا بعد حملة بونابرت برجال عاملة‪ .‬وكان ي�أخذ الرجل منهم بال�ضرب حتى‬
‫يموت وهو في ال�شغل وربما دفعوا الرجل بالتون وهدموا عليه الأ�سا�س(((‪ .‬ولم ينفرج‬
‫الو�ضع �إال بعد هالك الجزار �سنة ‪1804‬م وتركت تلك ال ّنكبة ب�صمة �سوداء قاتمة‬
‫�أرخت بظاللها على جبل عامل ولم يتعافى الو�ضع بعد هذه النكبات �إال بعد مرور‬
‫ال�صامد»‪.‬‬
‫ال�صبر ّ‬
‫�أكثر من ثالثة عقود من الزمن على �سكان هذا الجبل العاملي ّ‬
‫((( العالمة ال�شيخ علي ال�سبيتي ـ �آثاره ـ المجل�س الثقافي للبنان الجنوبي ـ �ص‪ 374‬ـ ‪ 375‬ـ دار الأقالم ـ بيروت ‪.2010‬‬
‫‪34‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫العوامل التي أ ّدت الى سقوط جبل عامل بيد الجزار‬
‫األستاذ علي الزين‬
‫(((‬
‫الأخوة في جمعية الإمام ال�صادق لإحياء التراث العلمائي‬
‫الأخوة الأفا�ضل الباحثون والعلماء المحترمون‬
‫الح�ضور الكريم‪ ،‬ال�سالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته‪،‬‬
‫بداي ًة �أ�شكر �سماحة ال�شيخ ح�سن بغدادي �أعزه اهلل على هذه الدعوة‪ ،‬وعلى كل‬
‫مبادراته وبرامجه الن�شيطة والممنهجة باتجاه �إحياء تراث وذاكرة جبل عامل الغنية‬
‫بالأحداث والدرو�س والعبر‪.‬‬
‫و�أحب لفت النظر بداي ًة‪� ،‬أن التنقيب في حفريات التراث والذاكرة الجماعية‬
‫التاريخية لي�س عم ًال ثقافي ًا و�أدبي ًا بحت ًا‪ ،‬بقدر ما هو تحليل �سيا�سي لتف�سير بع�ض الوقائع‬
‫الراهنة‪ ،‬و�صناعة ا�ست�شرافية للم�ستقبل‪ ،‬لأنّ الدار�س للوقائع التاريخية ي�شعر بقو ٍة �أنه‬
‫يعاي�ش �شريط الأحداث الحا�ضرة والراهنة‪ ،‬وي�ست�شرف �أثناء تنقيبه في �سيرة رجالها‪،‬‬
‫والقوى والدول الم�شاركة في معاركها و�أحداثها‪ ،‬عنا�صر تحليلية جدية لتف�سير الحا�ضر‬
‫((( رئي�س �إتحاد بلديات جبل عامل‪.‬‬
‫‪35‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وقراءة الم�ستقبل‪ ،‬فالتاريخ يعيد نف�سه‪ ،‬وهذه لي�ست عبارة �أدبية مجازية‪ ،‬بقدر ما قد‬
‫تك�شف عن قانون علمي مطرد‪ ،‬يمكن ب�شروط معينة القيا�س عليه ال�ستخال�ص نتائج‬
‫حقيقية وواقعية‪ .‬ولي�س حنين بع�ض الزعماء الأتراك اليوم �إلى دولة ال�سالجقة و�أيام‬
‫ال�سلطنة العثمانية عم ًال رومن�سي ًا خيالي ًا‪ ،‬بقدر ما هو تعبير عن �سلوك �سلطوي �أ�صيل‪،‬‬
‫وما �إ�ستعادة �سيرة ال�سلطان �سليم ومحمد الفاتح في الأفالم والم�سل�سالت التركية من‬
‫ورغبات تركية دفينة وباطنية‬
‫نزعات‬
‫قبيل ال�صناعة ال�سينمائية‪ ،‬بقدر ما هو تعبير عن‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫تعك�س ال�شخ�صية التركية الطامحة �إلى زعامة المنطقة (هذا الر�أي والإ�ستنتاج يوافق‬
‫عليه الدكتور محمد نور الدين المتخ�ص�ص بال�ش�ؤون التركية) وهذا يعني �إ�ستعادة الدول‬
‫لإنتاج طموحاتها ال�سيا�سية في �سلوكيات زعمائها ورموزها‪ ،‬الذي قد يمثل ذروة عقلها‬
‫الجمعي القومي‪ ،‬وهكذا ال يبقى من اختالف �سوى بالأ�سماء والألقاب بين «�سلجوق»‬
‫و«�أردوغان»‪.‬‬
‫�سنتحدث �أو ًال في المنهج الذي �سلكناه لبحث مو�ضوعنا «العوامل التي �أدت �إلى‬
‫�سقوط جبل عامل بيد الجزار (‪1776‬م ‪1804 -‬م)»‪.‬‬
‫لقراءة الوقائع التاريخية �أكثر من طريقة ومنهج‪ ،‬فهناك من يقر�أ الوقائع والجزئيات‬
‫التاريخية كما هي على نحو ال�سـرد والتف�صيل‪ ،‬ربط ًا بال�سنوات والقرون والعهود‪ ،‬وهذا‬
‫منهج الم�ؤرخين القدامى‪ ،‬و�أغلب المعا�صرين‪.‬‬
‫وهناك من يحاول ا�ستك�شاف العالقات ال�سببية التي تربط الوقائع ب�أ�صول حاكمة‬
‫لي�ستنتج منها معادالت �سيا�سية وثقافية واجتماعية توجه �سير هذه الوقائع وت�ضفي عليها‬
‫المعانى‪ ،‬وتعطيها القيمة الفعلية‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أنّ هناك فراغات ونواق�ص وتناق�ضات في‬
‫�سرد الوقائع‪ ،‬قد ال ي�سدها وال يردمها �إال �إعمال العقل في ربط الوقائع ب�شبكة الم�صالح‬
‫والقوى التي �أنتجتها‪ ،‬وهذا هو منهج علماء الإجتماع‪ ،‬وي�أتي على ر�أ�س ه�ؤالء العالمة �إبن‬
‫خلدون مبتكر وم� ّؤ�س�س علم العمران �أو علم الإجتماع بلغتنا المعا�صرة‪.‬‬
‫ونحن‪� ،‬سلكنا طريقة المنهج الو�صفي التحليلي‪ ،‬وهو منهج توفيقي يجمع بين‬
‫‪36‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫ح�سنات العملية ال�سردية التاريخية رغم تفكيكه للجزئيات والوقائع‪ ،‬وهو م�سلك ومنهج‬
‫الم�ؤرخين‪ ،‬وح�سنات الربط والبناء المنظومي للجزئيات والوقائع‪ ،‬وهو منهج علماء‬
‫الإجتماع‪� ،‬سعي ًا لتحقيق فائدة م�ضاعفة في تف�سير بع�ض �أو�ضاعنا الراهنة‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬
‫�أنّ الإتجاه ال�سائد لدى �أو�ساط الباحثين وعلماء الإجتماع اليوم‪ ،‬هو �أنه مهما كانت‬
‫الوقائع والمعطيات �صحيحة وموثوقة بحد ذاتها‪ ،‬لكنها تفقد قيمتها الفكرية وال�سيا�سية‬
‫�إذا ما ف�صلت عن المعاني والمباني والتف�سيرات التي يتم �إنتزاعها و�إلبا�سها و�إ�ضفائها‬
‫عليها من قبل قارئ الوقائع والباحث نف�سه‪ ،‬وهنا يمتزج الذاتي بالمو�ضوعي في عملية‬
‫�إنتاج خال�صات مفيدة للراهن‪ ،‬وا�ست�شرافية للم�ستقبل‪.‬‬
‫�أما في الم�صادر‪ ،‬ف�إ�ضافة �إلى الم�صادر التراثية التي وثقت تاريخ جبل عامل‪ ،‬من‬
‫محمد جابر �آل �صفا وال�شيخ علي الزين وغيرهما‪ ،‬حاولت �إغناء البحث عبر بع�ض‬
‫المعطيات الجديدة المحفوظة بالأر�شيف الفرن�سي‪ ،‬وبع�ض الدرا�سات الفل�سطينية‪،‬‬
‫والدرا�سات التاريخية اللبنانية غير ال�شيعية‪.‬‬
‫وبالعودة �إلى وقائع البحث‪ ،‬وبما �أننا حددنا مو�ضوعنا بـ «العوامل التي �أدت �إلى‬
‫�سقوط جبل عامل بيد الجزار» ف�سنكتفي بحدود الم�ساحة التاريخية والجغرافية المت�صلة‬
‫بمو�ضوعنا ب�صورة مبا�شرة‪� ،‬أو الوقائع التاريخية الخارجة عن حدود جغرافيا جبل عامل‪،‬‬
‫لكنها تركت ت�أثيرها عليه ب�صورة غير مبا�شرة‪ .‬ومن هنا �سن�ضيف لبحثنا العامل الإقليمي‬
‫(الدور الم�صري مع �أ�سرة علي با�شا) والدولي (كالحملة الفرن�سية على المنطقة العربية)‪.‬‬
‫وتاريخي ًا تمتد فترة بحثنا لقرن كامل هو القرن الثامن ع�شر ب�أكمله �أي منذ �سقوط‬
‫الإمارة المعنية‪ ،‬وتولي الإمارة ال�شهابية لحكم جبيل لبنان عام ‪1697‬م ولغاية هالك‬
‫�أحمد با�شا الجزار عام ‪.1804‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬تنق�سم العوامل الم�ؤثرة في �سقوط جبل عامل بيد الجزار �إلى ثالثة‬
‫عوامل‪ :‬محلية‪ ،‬و�إقليمية‪ ،‬ودولية‪.‬‬
‫‪37‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫في وقائع العامل المحلي العاملي‪:‬‬
‫�أو ًال‪� :‬سمي جبل عامل �آنذاك ببالد ب�شارة‪ ،‬ن�سبة �إلى الزعيم العاملي ح�سام الدين ب�شارة‬
‫على �أرجح الأقوال‪ ،‬كما درج �إ�سم بالد «المتاولة» ن�سبة �إلى تولي �أهل المنطقة وانت�سابهم‬
‫لأهل البيت ‪� ،R‬أو على قول البع�ض لإطالق �أهل جبل عامل �أنف�سهم جملة «مت‬
‫ولياً لعلي» واتخاذها ن�شيد ًا و�شعار ًا وراي ًة �سيا�سية و�إعالمية‪� ،‬أو لإطالق الدول الأيوبية‬
‫والمملوكية �إ�سم المتاولة على ال�شيعة من مفردة «الت�أويل» على بع�ض الأقوال‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬ينق�سم جبل عامل �إداري ًا �إلى ثمان نواح (جبل هونين ومركزه بنت جبيل‪،‬‬
‫جبل تبنين ومركزه تبنين‪� ،‬ساحل قانا ومركزه قانا‪� ،‬ساحل بلدة معركة ومركزها‬
‫مدينة �صور‪ ،‬ناحية ال�شقيف ومركزها النبطية‪ ،‬وناحية ال�شومر ومركزها �أن�صار‪،‬‬
‫وناحية التفاح ومركزها جبع‪ ،‬وناحية جزين ومركزها جزين) وكانت تتبع �إما‬
‫لإمارة جبل لبنان‪ ،‬بترخي�ص من الدولة العثمانية‪� ،‬أو كان يتبع ل�سنجق �أو �إيالة‬
‫(والية) القد�س �أو عكا �أو دم�شق‪ ،‬تبع ًا الختالف الت�شكيالت والترتيبات العثمانية‪.‬‬
‫ثالثاً‪� :‬إقطاعي ًا و�سيا�سي ًا و�إجتماعي ًا كانت ت�سيطر عدة عائالت و�أ�سر على جبل‬
‫عامل‪ ،‬وكانت تتقا�سم م�ساحات من الأرا�ضي‪ ،‬وت�ستثمرها في الزراعة‪ ،‬وتلتزم‬
‫بتقديم �ضرائبها للدولة العثمانية‪ ،‬مع تمتعها بنوع من الإ�ستقالل الذاتي‪ ،‬ومن‬
‫�أبرز هذه الأ�سر‪� :‬آل �صعب‪ ،‬و�آل ال�صغير‪ ،‬و�آل منكر‪.‬‬
‫في عام ‪1697‬م �سقطت الإمارة المعنية‪ ،‬وح ّلت الإمارة ال�شهابية‪ ،‬فقام الأمير‬
‫ب�شير �أول حاكم لجبل لبنان بعد �سقوط الإمارة المعنية بالعمل على �إخ�ضاع جبل عامل‬
‫ل�سلطته ونفوذه المبا�شر‪ ،‬فتوافق مع �إر�سالن با�شا والي �صيدا العثماني لمهاجمة جبل‬
‫عامل‪ ،‬وج ّهز جي�ش ًا من ‪� 8‬آالف مقاتل‪ ،‬هاجم فيه معاقل م�شرف بن علي ال�صغير �أحد‬
‫م�شايخ جبل عامل‪ ،‬تحت ذريعة خروجه عن والية الدولة العثمانية‪ ،‬ورف�ضه دفع «�ضرائب‬
‫الميري» وقتل بع�ض �أعوان �آل ال�صغير‪ ،‬ون�شبت معركة قرب مزرعة م�شرف (القرية ال‬
‫تزال موجودة الآن) قتل فيها عدد كبير من �أن�صاره‪ ،‬و�ألقي القب�ض على م�شرف وتم‬
‫‪38‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫�سوقه �إلى الوالي وو�ضع في ال�سجن‪.‬‬
‫بعدها �أطلقت يد الأمير ب�شير في جبل عامل‪ ،‬وبقي يهيمن عليه حتى وفاته‪.‬‬
‫في عام ‪1706‬م �إ�ستلم الأمير حيدر ال�شهابي الحكم بعده‪ ،‬فهاله �إطالق �سراح‬
‫م�شرف �آل ال�صغير من قبل الوالي العثماني �إر�سالن با�شا وذهب �إلى خلفه ب�شير با�شا‬
‫والتم�س لديه حكم جبل عامل مقابل مبلغ من المال‪ ،‬ف�أجازه على ذلك‪ ،‬وكان �أول عمل‬
‫قام به الأمير حيدر ال�شهابي �أي�ض ًا هو محاولة �إخ�ضاع جبل عامل‪ ،‬فزحف على النبطية‬
‫التي تجمع فيها �أن�صار �آل ال�صغير وحلفائهم من �آل منكر حكام �إقليم ال�شومر والتفاح‬
‫(((‬
‫و�آل �صعب حكام �إقليم ال�شقيف بجي�ش من ‪� 12‬ألف مقاتل على تقدير بع�ض الم�ؤرخين‬
‫ودارت معركة �إنت�صر فيها الأمير حيدر ال�شهابي ودانت له المنطقة لعدة عقود‪.‬‬
‫في عام ‪1732‬م تولى حكم الإمارة ال�شهابية الأمير ملحم‪ ،‬ولم يكن الحال مع الأمير‬
‫ملحم ب�أح�سن منه مع غيره‪ ،‬وكان �أول طلب رفعه �إلى �سليمان با�شا الوالي العثماني على‬
‫�صيدا ب�سط نفوذه على جبل عامل‪ ،‬فنزل الوالي عند طلبه‪ ،‬فجهز جي�ش ًا لمحاربة �آل‬
‫ال�صغير حكام المنطقة‪ ،‬وهزمهم في معركة دارت رحاها عند يارون‪ ،‬وف ّر �آل ال�صغير‬
‫�إلى القنيطرة (ال�شام)‪.‬‬
‫ويذكر (دي الن) القن�صل الفرن�سي في �صيدا هذه الواقعة بوثيقة م�ؤرخة في ‪� 20‬آب‬
‫من عام ‪1734‬م �أر�سلها �إلى الكونت «موريبا�س» وزير الدولة الفرن�سية‪ ،‬قائ ًال «�إن ال�صدر‬
‫الأعظم حانق ب�سبب رف�ض م�شايخ المتاولة دفع ال�ضرائب وبع�ض الأموال المترتبة‬
‫عليهم له ولحكامه‪ ،‬وقد كلف �سليمان با�شا والي �صيدا و�أمير الدروز (يق�صد الأمير‬
‫ملحم ال�شهابي) مهمة ح�صار قالعهم وت�صفيتهم جميعاً‪ ،‬وهكذا دخل الأمير عند‬
‫تلقيه هذا الأمر بالد المتاولة‪ ،‬بجي�ش مقادره خم�سة ع�شر �ألف مقاتل‪ ،‬حيث ن�شر‬
‫النار والدماء في كل مكان حل فيه»‪.‬‬
‫((( يو�سف �إبراهيم يزبك‪� ،‬أوراق لبنانية‪� ،1956 ،‬ص ‪.277‬‬
‫‪39‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫في عام ‪1743‬م خرج �آل منكر و�آل �صعب مجدد ًا على الوالي العثماني �سعد الدين‬
‫با�شا‪ ،‬والي �صيدا‪ ،‬ف�أر�سل الوالي الأمير ملحم لت�أديبهم‪ ،‬فدارت معركة في خراج بلدة‬
‫�أن�صار �إنتهت بتراجع العامليين ولجوئهم الى بلدة �أن�صار‪ ،‬ف�أقدم الأمير ملحم على‬
‫�إقتحامها و�إحراقها‪ ،‬ثم عاد �إلى دير القمر‪ ،‬بعد �أن قتل في المعارك �آالف الرجال‪،‬‬
‫و�أ�سر �أربعة من م�شايخ جبل عامل‪.‬‬
‫وفي عام ‪1950‬م ح�صلت معركة في جزين بين بع�ض العامليين و�أتباع ب�شير جنبالط‬
‫حليف ال�شهابيين‪ ،‬حيث جهز ه�ؤالء جي�ش ًا لمقاتلة العامليين في قرية جباع‪ ،‬وقتل في‬
‫المعركة مئات الأ�شخا�ص‪.‬‬
‫ومن عام ‪1754‬م لغاية العام ‪1763‬م تولى الإمارة ال�شهابية حاكمين على نحو‬
‫ال�شراكة في الحكم هما من�صور و�أحمد ال�شهابي‪ ،‬دون �أن تحدث �أي مواجهات مع‬
‫م�شايخ جبل عامل‪ ،‬و�ساد بع�ض الهدوء‪ ،‬وتولى من عام ‪1763‬م لغاية عام ‪1770‬م الأمير‬
‫من�صور منفرد ًا حكم الإمارة ال�شهابية‪.‬‬
‫و�سبب هذا الهدوء يعود �إلى ان�شغال ال�شهابيين ب�صراعاتهم الداخلية‪ ،‬وبالأحداث‬
‫الإقليمية‪ ،‬ولي�س رغب ًة بالإ�ستقالل ال�سيا�سي لجبل عامل‪.‬‬
‫العامل الإقليمي‪:‬‬
‫في عام ‪1706‬م خرج ب�أر�ض فل�سطين (عكا و�صفد خا�صة) زعيم طامح هو ال�شيخ‬
‫ظاهر بن عمر بن �أبي زيدان الملقب بـ «ظاهر العمر» فعمل على توطيد �أركان حكمه‪،‬‬
‫فا�ستلم من ب�شير با�شا والي �صيدا حكم عكا و�صفد‪ ،‬وتطلع بداية �إلى جبل عامل‪ ،‬فحاول‬
‫ب�أكثر من منا�سبة التحر�ش بالعامليين‪.‬‬
‫في عام ‪1750‬م دارت معركة في بلدة تربيخا بين جي�ش ظاهر العمر و�أن�صار �شيخ‬
‫م�شايخ جبل عامل نا�صيف الن�صار‪ ،‬هزم فيها ظاهر العمر‪ ،‬وا�ستمرت التحر�شات‬
‫‪40‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫والمناو�شات عقد ًا وب�ضع �سنوات‪.‬‬
‫في عام ‪1767‬م و ّقع ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار �إتفاق ًا وتحالف ًا تاله‬
‫ق�سم يمين على ال�سيف والم�صحف «�إن يكونا و�شعبهما مت�ضامنين مت�صافيين ما‬
‫دامت الأر�ض وال�سماء»‪.‬‬
‫ولم يكن هذا التحالف بمعزل عن ت�أثير الالعبين والفاعلين المحليين كال�شهابيين‬
‫وحلفائهم الجنبالطيين‪ ،‬فقد لعبوا دور ًا في الو�ساطة بين نا�صيف الن�صار وظاهر العمر‬
‫لأجل ا�ستتباب الأمن والإ�ستقرار في المنطقة‪ ،‬رغبة في ا�ستمرار الم�صالح الإقت�صادية‬
‫والمالية‪ ،‬و�إلى هذا ي�شير القن�صل الفرن�سي �آنذاك «كـليـرمبولت» في وثيقته م�ؤرخة في ‪23‬‬
‫ني�سان من عام ‪1767‬م �أر�سلها �إلى وزير الدولة الفرن�سي الدوق «برا�سالن» قائ ًال «ال�شيخ‬
‫نا�صيف الن�صار هو اليوم �شيخ م�شايخ المتاولة الذين يقيمون من �صيدا حتى �أر�ض‬
‫عكا‪ ،‬وهو يحمي ال�شيخ عثمان ظاهر العمر ‪� -‬إبن ظاهر العمر الذي لج�أ �إلى ال�شيخ‬
‫نا�صيف الن�صار هرباً من �أبيه ‪ -‬وبما � ّأن الحرب في هذه البالد تهد�أ ثم تتجدد كل ثالثة‬
‫�أ�شهر‪ ،‬ف�إنها تنتهي بخراب �أحوال الفالحين‪ ،‬وب�إعطاء المبرر لم�شايخهم لت�أجيل دفع‬
‫ال�ضرائب والأموال للوالي العثماني‪ ،‬وقد و�صل �إلى �صيدا الأمير �إ�سماعيل �أمير وادي‬
‫التيم‪ ،‬وثالثة من الم�شايخ الدروز هم ال�شيخ علي جنبالط وال�شيخ عبد ال�سالم العماد‬
‫وال�شيخ كليب النكدي‪ ،‬وه�ؤالء يعا�ضدون ال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ ،‬فعملوا على �إحالل‬
‫الوفاق بينه وبين ال�شيخ ظاهر العمر»‪ .‬هذا الوفاق ّتم برعاية وموافقة الأمير من�صور‬
‫ال�شهابي‪ ،‬الذي كان ميا ًال للهدوء والإ�ستقرار والمهادنة مع العامليين خالل فترة حكمه‪،‬‬
‫وهو كان «لين العريكة وال يخلو من الجبن» كما ت�صفه الروايات التاريخية‪..‬‬
‫وما �أن ّتم الوفاق بين ال�شيخ ظاهر العمر وال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ ،‬حتى انقلب �إلى‬
‫تحالف �سيا�سي‪ ،‬بمواجهة العثمانيين وال�شهابيين‪ ،‬خا�صة بعد وفاة الأمير من�صور‬
‫ال�شهابي الذي خلفه �إبن �أخيه الأمير يو�سف ال�شهابي‪.‬‬
‫�إ�ستفاد ظاهر العمر من عوامل وظروف محلية و�إقليمية تمثلت بتوثب علي با�شا الكبير‬
‫‪41‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫حاكم م�صر للتمدد في الأقاليم العربية خا�صة المحاذية لدولته الم�صرية‪ ،‬والخروج‬
‫عن �سيطرة وهيمنة ال�سلطنة العثمانية‪ ،‬وعاونه في هذا الطموح قائده الع�سكري محمد‬
‫بك �أبو الذهب‪.‬‬
‫وكان لدى العامليين بطبيعة الحال ميل وتوق قوي للخروج من الهيمنة العثمانية‬
‫وال�شهابية مع ًا‪ ،‬فعملوا على �إقامة تحالف �سيا�سي وع�سكري لإخراج العثمانيين وحلفائهم‬
‫من المنطقة‪.‬‬
‫هذا التحالف تحدث عنه «دراغون» النائب التجاري الفرن�سي ب�صيدا في �إحدى‬
‫الوثائق ب�أنه تحالف «كونفدرالي» بين م�صر وال�شيخ ظاهر العمر والمتاولة ‪ -‬ح�سب‬
‫الوثيقة ‪� -‬ضد ال�سلطان العثماني‪ ،‬وذلك في ر�سالة بعث بها �إلى الدوق «ديويغويون»‬
‫وزير الدولة الفرن�سية بتاريخ ‪� 2‬أيار من عام ‪1771‬م‪.‬‬
‫في عام ‪1771‬م �إنتفـ�ضت المناطق العاملية مجدد ًا �ضد الوالي دروي�ش با�شا‪ ،‬ورف�ضت دفع‬
‫الميري‪ ،‬وطردت عمال الوالي من جبل عامل‪ ،‬فجهز الأمير يو�سف جي�ش ًا لقتال العامليين‪ ،‬قدر‬
‫بع�شرين �ألف ًا‪ ،‬و�أر�سل �إلى خاله �إ�سماعيل حاكم بالد التيم لمالقاته‪ ،‬واقترب من جباع‪ ،‬لكن‬
‫العامليين من �آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل النمر لم ي�ستطيعوا ح�شد قوة ع�سكرية كافية لمواجهة‬
‫هذا الجي�ش الجرار‪ ،‬فقرروا الإن�سحاب التكتيكي من المعركة‪ ،‬وات�صلوا بحليفهم ظاهر العمر‬
‫لم�ساندتهم‪ ،‬خا�صة �أنهم �ساندوه عن قريب ‪� -‬أي في نف�س العام ‪1771‬م ‪ -‬في معركة بحيرة‬
‫الحولة �ضد قوات عثمان با�شا والي دم�شق عام‪1771‬م التي �إنتهت ب�سحق جي�ش الوالي العثماني‬
‫وانت�صارظاهرالعمروحلفائهالعامليين‪.‬‬
‫�إت�صل ظاهر العمر �أو ًال بالأمير �إ�سماعيل �أمير وادي التيم‪ ،‬طالب ًا و�ساطته وتدخله‬
‫لوقف القتال‪ ،‬فطلب الأمير �إ�سماعيل من �إبن �أخته الأمير يو�سف التوقف عن القتال‬
‫بانتظار قدومه‪ ،‬لكن الأخير لم يلبي طلبه‪ ،‬وا�ستمر بالزحف‪ ،‬م�ستغ ًال �إن�سحاب العامليين‬
‫خارج المنطقة‪ ،‬فدخل بلدة جباع وعرب�صاليم والنبطية وقرى �أقليم التفاح وعاث فيها‬
‫ف�ساد ًا وحرق ًا وتدمير ًا‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫عندها تج ّمع الآالف من �أن�صار ظاهر العمر و�آالف العامليين وهجموا على جي�ش‬
‫الأمير يو�سف على تخوم النبطية‪ ،‬ف�أوقعوا في جي�شه مجزرة كبيرة‪ ،‬قدر عدد القتلى‬
‫فيها من جي�ش الأمير يو�سف �ألف وخم�سمائة مقاتل‪ ،‬و�ساعد في ت�ضع�ضع جي�ش الأمير‬
‫يو�سف خروج الأمير علي جنبالط من المعركة‪ ،‬حيث كان ميا ًال لرغبة الأمير �إ�سماعيل‬
‫ب�ضرورة ال�صلح وقبول الو�ساطة‪ .‬ولم ينقذ الأمير يو�سف من الإبادة �إال و�صول الأمير‬
‫�إ�سماعيل بجي�شه‪ ،‬فف ّر الأمير يو�سف �إلى �إمارته‪ّ ،‬‬
‫وتوغلت قوات ظاهر العمر‪ ،‬فدخلت‬
‫�صيدا‪ ،‬وطردت الوالي العثماني منها‪ ،‬وعين ظاهر العمر عليها والي ًا من طرفه هو �أحمد‬
‫�أغا الدنكزلي‪ ،‬وغادر �إلى فل�سطين‪ ،‬و�سيطر ال�شيخ ظاهر العمر وحلفا�ؤه من العامليين‬
‫على والية �صيدا‪ ،‬وو�صل نفوذهم �إلى جبل لبنان‪.‬‬
‫بداية توثب الجزار على جبل عامل‪:‬‬
‫بعد هزيمة العثمانيين في واليات �صيدا وعكا‪ ،‬وانح�سار نفوذهم في دم�شق‪� ،‬إهتز‬
‫عر�ش ال�سلطنة العثمانية‪ ،‬ف�أر�سلت �إلى والي دم�شق عثمان با�شا بتجهيز جي�ش‪ ،‬بم�ساندة‬
‫خليل با�شا والي القد�س‪ ،‬الذي ا�صطحب معه في الحملة �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬وو�ضعوا‬
‫خطة ع�سكرية بالتن�سيق مع الأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬وتجمع لدى الطرفين �أكثر من‬
‫ع�شرين �ألف مقاتل‪� ،‬ضربوا ح�صار ًا حول �صيدا لمدة �أ�سبوع‪ ،‬وكاد �أحمد �أغا الدنكزلي‬
‫المعين من ال�شيخ ظاهر العمر ي�ست�سلم‪ ،‬لوال �أن �أنجده ال�شيخ ظاهر ب�سفن «م�سكوبية»‬
‫تحمل مدافع حربية ‪ -‬ح�سب و�صف الروايات ‪ -‬فقامت بدك الجي�ش المهاجم ل�صيدا‬
‫بالمدفعية‪ ،‬ما ا�ضطر الجي�ش للتراجع وفك الح�صار عن المدينة‪.‬‬
‫في عام ‪1772‬م حاول ال�شيخ ظاهر العمر وقف القتال فات�صل بالأمير يو�سف طالب ًا‬
‫منه الإن�سحاب �إلى ما بعد ج�سر الأولي �شمالي �صيدا‪ ،‬لكنه �أبى ذلك‪ ،‬فهجم عندها‬
‫ظاهر العمر وحلفائه من العامليين‪ ،‬و�سانده جي�ش من المقاتليين الم�صريين �أر�سلهم‬
‫علي با�شا حاكم م�صر �آنذاك‪ ،‬فالتقى الجي�شان في موقعة الغازية جنوب �شرق �صيدا‪،‬‬
‫‪43‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وانتهت المعركة بهزيمة جي�ش الأمير يو�سف وحليفه والي القد�س خليل با�شا‪ ،‬وطاردوهم‬
‫حتى و�صلوا �إلى حدود جغرافيا الإمارة ال�شهابية‪ .‬وف ّر خليل با�شا �إلى دم�شق بعد �أن‬
‫خ�سر خم�ساية رجل‪ ،‬وخ�سر ظاهر العمر �ألف رجل‪ ،‬لكنه ا�ستمر بالزحف‪ ،‬وو�صل �إلى‬
‫مدينة بيروت‪ ،‬فحا�صرها بال�سفن الم�سكوبية‪ ،‬ود ّمر بع�ض �أبراج المدينة‪ ،‬ودخل �أن�صاره‬
‫�إلى بيروت‪ ،‬ف�صالحه �أهلها‪ ،‬ودفعوا له الأموال‪ ،‬وقفل جي�شه عائد ًا �إلى عكا‪.‬‬
‫حتى عام ‪1774‬م �إ�ستمر التحالف بين ظاهر العمر والعامليين‪ ،‬لكن الخالف ن�شب‬
‫بين محمد بك �أبو الذهب الذي ح ّل مكان علي با�شا حاكم م�صر الذي توفي �آنذاك‪،‬‬
‫وبين ظاهر العمر حليف العامليين‪ ،‬و�ساعد هذا المتغير على تعديل خارطة القوى في‬
‫المنطقة‪ .‬وقد ج ّهز �أبو الذهب جي�ش ًا من �ستين �ألف رجل وهاجم �صفد وعكا في محاولة‬
‫لل�سيطرة على فل�سطين‪ ،‬وجبل عامل‪ ،‬و�سواحل لبنان‪ ،‬فان�سحب ال�شيخ ظاهر العمر من‬
‫المعركة‪ ،‬ودخل �أبو الذهب �إلى عكا و�صفد وقرى جبل عامل واحتل مدن �صور و�صيدا‪،‬‬
‫لكنه توفي بعد فترة وجيزة‪ ،‬فعاد ال�شيخ ظاهر العمر �إلى عكا‪.‬‬
‫في عام ‪1776‬م �أغتيل ظاهر العمر على يد �أحد رجال �أحمد �أغا الدنكزلي والي �صيدا‬
‫المعين من قبل العمر نف�سه‪ .‬وقد يكون لل�سلطنة العثمانية دور ًا في الإغتيال عن طريق �شراء‬
‫ذمة �أحد رجال ظاهر العمر‪ ،‬فا�ستغلوا هذا الإغتيال ل�صالحهم‪ ،‬وقام �أحمد با�شا الجزار‬
‫بالتنكيل ب�أن�صار العمر و�أوالده في فل�سطين‪ ،‬و�سيطروا على والية عكا و�صفد‪.‬‬
‫وبمقتل ظاهر العمر �إنتهى الحلف ال�سيا�سي والع�سكري الذي كان بينه وبين‬
‫العامليين‪ ،‬وا�ستعد ال�شيخ نا�صيف الن�صار والعامليون للمعركة المحتمة مع �أحمد با�شا‬
‫الجزار‪ ،‬وجهزوا �أنف�سهم للقتال‪.‬‬
‫عام ‪1781‬م �إلتقى الجزار وال�شيخ نا�صيف الن�صار عند موقعة يارون‪ ،‬لكن المعركة‬
‫لم تدوم طوي ًال ب�سبب اختالل موازين القوى بين الطريفن‪ ،‬و�سقوط ال�شيخ نا�صيف‬
‫الن�صار �صريع ًا من على فر�سه على بالطة يارون‪ ،‬التي ما تزال قائمة �إلى اليوم‪ ،‬وقتل‬
‫معه المئات من رجاله‪.‬‬
‫‪44‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫وبمقتل نا�صيف الن�صار �إ�ستتب الأمر للجزار‪ ،‬فدخل جبل عامل و�أحرق المكتبات‪،‬‬
‫و�أ�سر الم�شايخ والعلماء‪ ،‬وقتل المئات من الرجال والن�ساء‪ ،‬وا�ستمر بحكمه ما يقارب‬
‫الخم�سة وع�شرين عام ًا‪.‬‬
‫العامل الدولي‪:‬‬
‫في عام ‪1773‬م قتل علي بك الكبير حاكم م�صر‪ ،‬وقيل �أنّ مقتله حدث بفعل �إنقالب‬
‫دبره قائده الع�سكري محمد بك �أبو «الذهب»‪.‬‬
‫في عام ‪1774‬م وقعت رو�سيا وتركيا معاهدة �صلح عرفت با�سم معاهدة «كوت�شك‬
‫قينارجيه»‪ .‬وكانت رو�سيا قد بد�أت �أي�ض ًا ب�إر�سال بوارجها و�سفنها �إلى المتو�سط‪،‬‬
‫وبد�أت بن�سج العالقات مع بع�ض القوى اللبنانية‪ ،‬والعربية‪.‬‬
‫وفي هذه الفترة كانت فرن�سا تر�صد الأو�ضاع في م�صر وبالد ال�شام‪ ،‬وتدر�س موازين‬
‫القوى المحلية والإقليمية والدولية لل�سيطرة على هذه المنطقة الحيوية‪ ،‬وقطع الطريق‬
‫على بريطانيا ورو�سيا وتركيا‪.‬‬
‫وبد�أت فرن�سا �إبتداء ًا من الثمانينات بتوجيه �سفنها نحو المتو�سط‪ ،‬وب�إعداد العدة‬
‫للحملة على م�صر وفل�سطين وال�شام‪ ،‬وهذا العامل لعب دور ًا في ح�سابات الأتراك‪ ،‬وفي‬
‫ح�سابات �أحمد با�شا الجزار خا�صة‪ ،‬حيث �أعطيت الأولوية على ما عداها من الح�سابات‬
‫المحلية‪.‬‬
‫�أحمد با�شا الجزار في تقرير �سريع‪:‬‬
‫هو �أحمد با�شا البو�شناقي الملقب بـ«الجزار»‪ ،‬من �أ�سرة م�سيحية‪ ،‬تعود �أ�صولها �إلى‬
‫بالد البو�سنة والهر�سك‪ ،‬وتذكر الروايات �أن لأحمد با�شا �سوابق جرمية في فترة �شبابه‪،‬‬
‫حيث كان مطلوب ًا لل�سلطات البو�سنية �أنذاك بتهمة الإعتداء على زوجة �أخيه‪ ،‬فهرب‬
‫من قب�ضة ال�سلطات‪ ،‬والتج�أ �إلى تاجر رقيق يهودي‪ ،‬باعه للوالة العثمانيين‪� ،‬أما لقب‬
‫«الجزار» فحازه من قبل بدو الحجاز في �شبه الجزيرة العربية‪ ،‬الذين قمعهم ب�شدة‬
‫‪45‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫تقرب ًا من ال�سلطان علي با�شا الكبير حاكم م�صر �أنذاك‪ ،‬حيث كان يعمل بين يديه‪،‬‬
‫ويقال �أنه �أح�ضر معه من المعركة عدد ًا من رو�ؤ�س زعماء البدو‪.‬‬
‫والجزار من القادة الع�سكريين الذين �أم�ضوا خم�سين عام ًا في المعارك‪ ،‬وعرف‬
‫عنه القمع الوح�شي لكل معار�ضي ال�سلطنة العثمانية‪ ،‬في حين رفعته ال�سلطنة العثمانية‬
‫�إلى رتبة وزير نظير خدماته لها‪ ،‬خا�صة بعد ا�ستب�ساله في الدفاع عن عكا بوجه حملة‬
‫نابليون بونابرت‪ ،‬ولهذا �أعطيت له والية عكا و�صفد والجليل �أو ًال‪ ،‬ومن ثم �ضمت �إليه‬
‫الحق ًا والية �صيدا ووالية دم�شق‪ ،‬ما يعني حكمه لأهم واليات بالد ال�شام‪ ،‬خا�صة بعد‬
‫مقتل الزعيم ظاهر العمر عام ‪1776‬م وتنكيله ب�أوالده و�أن�صاره في فل�سطين‪.‬‬
‫ويعد الجزار من ال�شخ�صيات التي تركت ب�صماتها الإجرامية المريرة في تاريخ جبل‬
‫عامل وبالد ال�شام بالنظر �إلى وح�شية جرائمه التي فاقت كل جرائم الوالة العثمانيين‪،‬‬
‫يكتف بالتنكيل بخ�صوم الدولة العثمانية‪ ،‬بل انقلب على الأمير يو�سف ال�شهابي‬
‫فهو لم ِ‬
‫حليفه الوثيق‪ ،‬لأهداف �سلطانية ومالية‪ ،‬عندما �سلمه الأمير يو�سف والية مدينة بيروت‬
‫لحمايتها وبناء �أ�سوارها‪ ،‬وقد امتدت فترة حكمه لما يقرب من خم�سة وع�شرين عام ًا‬
‫(‪1776‬م ‪1804 -‬م) وهي فترة طويلة ومديدة قيا�س ًا على فترات حكم الوالة العثمانيين‪.‬‬
‫تزامن تو ّلي الجزار لحكم ال�شام وجبل عامل مع ثالثة �أو�ضاع م�ستجدة‪:‬‬
‫‪1‬ـ حدوث موجة وباء وجفاف �أ�صابت المنطقة‪ ،‬وا�ستمرت عدة �سنوات (‪1780‬م‪1787 -‬م)‬
‫قتل فيها ع�شرات الآلآف ح�سب ما ت�شير الوثائق الفرن�سية‪.‬‬
‫‪2‬ـ �سل�سلة من الفتن الداخلية التي �أ�صابت جبل لبنان‪ ،‬بفعل �صراعات �إقطاعية وطائفية بين‬
‫الأمير ب�شير الثاني حاكم الجبل وخ�صومه في الواليات والإقطاعيات المناوئة له‪.‬‬
‫‪3‬ـ الحملة الفرن�سية على فل�سطين نهاية القرن الثامن ع�شر على تخوم عام ‪1795‬م‪،‬‬
‫ما �أدى �إلى ا�ضطراب الأو�ضاع ال�سيا�سية والثقافية والإقت�صادية في مدن فل�سطين‬
‫�إبتداء ًا من واليات عكا و�صفد و� ً‬
‫صوال �إلى والية غزة‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫تداعيات حكم الجزار لجبل عامل‪:‬‬
‫�أدت الهزيمة الع�سكرية وال�سيا�سية التي ُمني بها ثوار و�أهل جبل عامل على يد الجزار‬
‫بعد مقتل �شيخ م�شايخهم نا�صيف الن�صار في بلدة يارون عام ‪1781‬م �إلى نكبة �سيا�سية‬
‫وثقافية وعلمية نجمت عن �إحراق مكتبات جبل عامل في �أفران عكا‪ ،‬التي بقيت ت�شتعل‬
‫نيرانها لأ�سبوع على ما يقول بع�ض الرواة والم�ؤرخين‪ ،‬و�سببت تدهور ًا في الإنتاج العلمي‬
‫والفكري‪.‬‬
‫لكن ثوار جبل عامل لم يهد�أوا بعد مقتل نا�صيف الن�صار‪ ،‬فنظموا خاليا ثورية‬
‫قتالية �إنتحارية بقيادة فار�س الن�صار‪ ،‬كانت تهاجم المراكز العثمانية‪ ،‬وعمال الإدارة‬
‫العثمانية‪ ،‬وكانت ت�سمى بـ «الطياح»‪ ،‬ولكن الجزار قمعها بوح�شية و�شدة‪ ،‬فهد�أت الجبهة‬
‫ريثما هلك الجزار عام ‪1804‬م‪ .‬وهكذا بقيت ال�شعلة والراية العاملية تعتمل وتثور رغم‬
‫الجراح وااللآم الكثيرة‪.‬‬
‫تدهور الحياة الثقافية والفكرية في جبل عامل خالل حكم الجزار‪:‬‬
‫ي�شير �إلى هذا الدكتور �أ�سامة �أبو نحل رئي�س ق�سم التاريخ في كلية الآداب والعلوم‬
‫الإن�سانية في جامعة الأزهر في غزة بفل�سطين‪ ،‬في بحثه تحت عنوان «الحياة الثقافية‬
‫في فل�سطين ولبنان في عهد �أحمد با�شا الجزار» وهو �صاحب �أطروحة دكتوراة بعنوان‬
‫«�أحمد با�شا الجزار‪� ،‬إدارته وعالقاته ال�سيا�سية والإقت�صادية بالقوى الإقليمية‬
‫والدولية»‪ .‬ويقول الدكتور �أبو نحل «في منطقة جبل عامل بالجنوب اللبناني كانت‬
‫ال�سيادة لل�شيعة ‪ -‬المتاولة ‪ -‬الم�سلمين الم�ضطهدين من جانب والة الدولة‬
‫العثمانية‪ ،‬ورغم هذا الإ�ضطهاد ف� ّإن منطقة جبل عامل �أخرجت عدداً وافراً من �أهل‬
‫العلم والف�ضل وذوي الثقافة العالية ال يتنا�سب مع �ضيق رقعتها وقلة �ساكنيها»‪.‬‬
‫وي�ضيف الدكتور �أبو نحل «ويبدو � ّأن الحياة العلمية والفكرية في جبل عامل واجهت‬
‫العديد من ال�صعوبات في عهد الجزار‪ ،‬خا�صة ال�سيا�سية منها‪ ،‬ب�سبب حروب الجزار‬
‫‪47‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫في تلك المنطقة‪ ،‬منذ �سنة ‪1781‬م ميالدية‪ ،‬التي �أدت �إلى هزيمة مدوية للمتاولة‬
‫الذين تزعمهم نا�صيف الن�صار‪ ،‬بعد مقتله في معركة يارون‪ ،‬وما تر ّتب على ذلك من‬
‫فقدان المتاولة ال�ستقاللهم ال�سيا�سي طيلة فترة حكم الجزار‪ ،‬بعدما تم ّكنت قواته‬
‫من الإ�ستيالء على عدد كبير من القالع الح�صينة مثل هونين وتبنين‪� ،‬إ�ضافة �إلى‬
‫مدينة �صور ال�ساحلية‪ .‬فانت�شرت الفو�ضى ون�شبت الثورة �ضد حكم الجزار في غير‬
‫مكان‪ ،‬ف�أغلقت المدار�س و�أقفلت معاهد العلم‪ ،‬وانقطعت �سل�سلة التدري�س بعد �أن‬
‫احتلت منزلة رفيعة ومرموقة و�أحرزت �شهرة وا�سعة‪ ،‬و�صلت �إلى موطن ال�شيعة في‬
‫الهند و�إيران ورو�سيا‪ ،‬وغيرها من البلدان التي تواجدوا فيها»‪.‬‬
‫وتاريخ جبل عامل‪ ،‬هو بال�ضرورة ت�أريخ العائالت الدينية‪ ،‬التي �أنجبت وخرجت‬
‫العلماء‪ ،‬وبنت المدرا�س العلمية‪ ،‬ومن نماذج نكبة الجزار على �إحدى المدار�س العاملية‪،‬‬
‫وربط ًا �إحدى العائالت الدينية‪ ،‬نكبة �آل الأمين الكرام‪ ،‬فقد خرب الجزار مدر�سة �شقراء‬
‫الدينية العلمية‪ ،‬التي كانت ت�ضم ‪ 400‬طالب وتلميذ‪ ،‬والتي �أ�س�سها العالمة ال�سيد �أبو‬
‫الح�سن مو�سى بن حيدر الح�سيني العاملي في القرن الثاني ع�شر هجري‪ .‬وت�سلمها من‬
‫بعده نجله ال�سيد محمد الأمين الملقب بالأول‪ ،‬وكان ي�ستلم من�صب �إفتاء «بالد ب�شارة»‬
‫من الوالي العثماني �أنذاك‪ ،‬لكن فترة حكم الجزار ق�ضت على هذه النه�ضة الثقافية‬
‫والعلمية‪ .‬فقد قتل الكثير من العلماء والطالب‪ ،‬وخربت المدر�سة والمكتبة‪ ،‬وتعطلت‬
‫درو�سها‪ ،‬ما ا�ضطر ال�سيد محمد الأمين �إلى ترك �شقراء والتوجه نحو بعلبك‪ ،‬بعد �أن‬
‫هجم الجي�ش العثماني على داره‪ ،‬وعقروا جماله‪ ،‬وقتلوا �أحد رجاله في الم�سجد‪ ،‬ومن ثم‬
‫تو�سط البع�ض لدى الجزار ال�ستعادة ال�سيد محمد الأمين‪ ،‬ف�أح�ضره �إلى مركز �إقامته‪،‬‬
‫ّ‬
‫وطلب �إليه تهدئة الأمراء في المناطق العاملية مقابل �إعطائهم الأمان‪ ،‬وا�ستبقى ولده‬
‫ال�سيد علي الأمين رهينة عنده‪ ،‬ثم حب�سه في �سجن عكا‪ ،‬و�سجنه الحق ًا ل�سنتين في‬
‫�سجن دم�شق‪.‬‬
‫ومن ثم ا�ستلم ال�سيد علي الأمين مدر�سة �شقراء ومن�صب الإفتاء بعد موت الجزار‬
‫‪48‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫عام ‪1804‬م‪ ،‬ف�أعاد �إليها ازدهارها ومكانتها‪ ،‬لكن الوالة العثمانين �إ�ستمروا بعد الجزار‬
‫على �سيرته و�س ّنته الإجرامية‪ ،‬فجاء عبد اهلل با�شا والي ًا على عكا وجبل عامل‪ ،‬وكان‬
‫يقيم المناظرات العلمية‪ ،‬حتى �إذا ما �شعر ب�ضعف حجج علمائه وم�شايخه �أمام العلماء‬
‫د�س لهم ال�سم‪ ،‬وهذا ما ح�صل مع ال�سيد علي الأمين و�ستة من �أ�صحابه عام‬
‫العامليين ّ‬
‫‪1834‬م‪ .‬وح�صل نف�س الأمر مع ال�سيد محمد الأمين الملقب بالثاني‪ ،‬فا�ستلم من�صب‬
‫الإفتاء و�إدارة الحوزة العلمية‪ ،‬وخالط العلماء والأمراء‪ ،‬فما كان من الوالي العثماني �إال‬
‫�أن نفاه �إلى طرابل�س ثالثة �سنوات‪ ،‬لأنه اتهم بالتوا�صل مع جهة عربية يقودها الزعيم‬
‫العربي عبد القادر الجزائري في دم�شق وبال�سعي لإقامة حكومة عربية مناه�ضة للدولة‬
‫العثمانية‪ ،‬وقد �شارك ال�سيد محمد الأمين الثاني في م�ؤتمر �س ّري عقد للنظر في‬
‫ا�ستقالل �سوريا عام ‪1878‬م‪ .‬وجاء من بعده ال�سيد محمد ح�سن مهدي الأمين‪ ،‬الذي‬
‫كان يتنقل بين �شقراء وحاري�ص وحوال وم�شغرة‪ ،‬ومن بعده جاء المرجع المجدد ال�سيد‬
‫مح�سن الأمين العاملي‪� ،‬صاحب الم�شاريع الإ�صالحية وم�ؤ�س�س حوزة دم�شق‪.‬‬
‫�إذ ًا‪ ،‬هذه نماذج عن الظروف والأحداث التي تركت تداعياتها على الحراك ال�سيا�سي‬
‫والثقافي في جبل عامل‪ ،‬والتي ا�ستمرت من �آواخر القرن الثامن ع�شر و� ً‬
‫صوال �إلى مطلع‬
‫القرن الع�شرين‪ ،‬لحظة �سقوط الخالفة العثمانية‪ ،‬وبد�أ الإنتداب الفرن�سي على لبنان‪.‬‬
‫وقد �أدت هذه العوامل مجتمعة �إلى هجرة ع�شرات العلماء والف�ضالء من جبل عامل‬
‫�إلى العراق و�إيران والهند هرب ًا من الظلم والقتل والإبادة‪ .‬وت�أثرت المدار�س الدينية في‬
‫جبل عامل‪ ،‬فانكم�شت الحركة الأدبية‪ ،‬وما بقي منها �إ�صطبغ بالطابع ال�سيا�سي لذاك‬
‫الع�صر‪.‬‬
‫فالباحث يجد جدلية وديناميكية بين الو�ضع ال�سيا�سي والإنتاج الثقافي‪ ،‬فالإ�ضطراب‬
‫وال�صراع ال�سيا�سي �سواء المحلي �أو الإقليمي والدولي لل�سيطرة على جبل عامل‪،‬‬
‫والحمالت العثمانية‪ ،‬والحق ًا الم�صرية مع محمد علي با�شا‪ ،‬و�أخير ًا الفرن�سية �أنتجت‬
‫م�شاريع �أدبية وفقهية وثقافية مت�شابهة مع لون وجن�س الحالة ال�سيا�سية �أنذاك‪ ،‬ولهذا‬
‫‪49‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫يمكن للمراقب �أن يجد ت�أثير ًا الأمر لهذا في اللون الأدبي الذي اتخذته دواوين وق�صائد‬
‫ال�شعر ال�صادرة ما بين �سقوط نا�صيف الن�صار وما بعده‪ ،‬فذهبت نحو الطابعين‬
‫ال�سيا�سي المقاوم والثوري‪ ،‬والفخر الذي يتغنى بالأمجاد ويثير كل عنا�صر الهوية‬
‫العاملية‪ .‬ومن نماذج هذه الجدلية الثقافية ال�سيا�سية‪� ،‬صوت ال�شيخ �إبراهيم بن يحيى‬
‫العاملي الذي �سكن دم�شق‪ ،‬و�ألقى ق�صائد تناولت الكوارث التي نزلت بجبل عامل زمن‬
‫الجزار‪ ،‬جاء في مطلعها‪:‬‬
‫م�����ن ل�����ي ب�������ر ّد م����وا�����س����م ال����ل����ذات وال���ع���ي�������ش ب���ي���ن ف���ت���ـ���ـ���ى وف���ت���ـ���ـ���ـ���اة‬
‫ورج���������وع �أي���������ام م�������ض���ي���ن ب���ع���ام ٍ���ل‬
‫ب��ي��ن ال���ج���ب���ال ال�����ش��م وال��ه�����ض��ب��ات‬
‫وقال في ق�صيدة �أخرى‪:‬‬
‫دي�����ار ���ش��ف��ى ق��ل��ب��ي ع��ل��ي��ل ن�سيمها‬
‫وم��ا ك��ان هجري ع��ام ً‬
‫�لا ع��ن قلي لها‬
‫وط���اب���ت ل��دي��ه��ا غ���دوت���ي و�أ���ص��ائ��ل��ي‬
‫ول���ك���ن ن��ب��ت ب���ي ف���ي رب�����اه م��ن��ازل��ي‬
‫وقال م�ؤرخ ًا لمقتل �إبن الن�صار‪:‬‬
‫ق����ت����ل اب�������ن ن���������ص����ار ف����ي����ا هلل م��ن‬
‫م���ول���ى ���ش��ه��ي��د ب����ال����دم����ا ِء م�����ض��رج‬
‫وت���داول���ت���ن���ا ب���ع���ده �أي��������ادي ال���ع���دى‬
‫م����ن ف����اج����ر �أو غ�������ادر �أو �أه������وج‬
‫ه���ي دول�����ة ع���م ال���ب�ل�اد ال��ظ��ل��م في‬
‫ت�����اري�����خ�����ه�����ا اهلل خ�����ي�����ر م����ف����رج‬
‫وكتب ال�شيخ �سليمان ال�ضاهر ق�صيدة قال فيها‪:‬‬
‫�آال ت�����رب�����ت م������ن ال�������ج�������زار ك��ف ب����ه����ا ل���ل���ف���خ���ر ك������م ظ����ه����ر �أج������ب‬
‫وك���م غ��ر���س��ت ب���أر���ض ال�����ش��ام غر�س ًا �أل�����������د ج������ن������اة خ������ط������ان وخ����ط����ب‬
‫وك�������م دك�������ت ب���ع���ام���ل���ة ح�������ص���ون��� ًا ل��ه��ا الأ������س�����وار ب��ي�����ض ظ��ب��ي وغ��ل��ب‬
‫كذلك تعمقت درا�سات الفقه ال�سيا�سي وطبعت �أي�ض ًا بلون المرحلة‪ ،‬ف�أخذت بعد ًا‬
‫محلي ًا هدفه الحفاظ على وجود الكيان ال�شيعي الذي تعر�ض للإ�صابة والتهديد بالإبادة‬
‫‪50‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫في ال�صميم‪ ،‬ولي�س لنزعة مذهبية لدى �أهل جبل عامل‪ ،‬بدليل �أنّ العلماء والوجهاء‬
‫ال�شيعة كانوا يدفعون دائم ًا ثمن ًا لتم�سكهم بالوحدة الإٍ�سالمية �أو ًال‪ ،‬وبالوحدة العربية‬
‫ثاني ًا‪ ،‬وبالوحدة الم�شرقية ثالث ًا‪ ،‬والقا�سم الم�شترك للتم�سك بمجموع هذه الهويات هو‬
‫تم�سكهم بهذه الأر�ض‬
‫الطبيعة الأهلية والإجتماعية والوطنية لأهل جبل عامل‪ ،‬لناحية ّ‬
‫وانتمائهم لثقافة وقيم �أهل المنطقة والأقليم‪ ،‬وعدم �إيمانهم ب�أي كيان ذاتي �إنف�صالي‪،‬‬
‫خالف ًا للكثير من للجماعات الدينية وال�سيا�سية اللبنانية‪.‬‬
‫وت�شير النظرة الفاح�صة للواقع الثقافي والتعليمي بعد محنة الجزار �إلى �سعي‬
‫المرجعيات الدينية والعلماء ال�ستعادة ت�أ�سي�س المدار�س الدينية العاملية‪ .‬فكانت‬
‫مدر�سة وحوزة الكوثرية العالية‪ ،‬وي�شهد هنا للعالمة ال�شيخ ح�سن قا�سم قبي�سي العاملي‬
‫الذي عاد من النجف عام ‪1798‬م بالدور الكبير في �إعادة النه�ضة العلمية لجبل عامل‬
‫بطلب من مرجعيات النجف الأ�شرف �أنذاك‪ ،‬ومنهم �آل الطبطبائي و�آل كا�شف الغطاء‪،‬‬
‫وفي هذا يقول الم�ؤرخ محمد جابر �آل �صفا في كتابه تاريخ جبل عامل (�ص‪�« )241‬أ�س�س‬
‫في الكوثرية العالمة ال�شيخ ح�سن قبي�سي ب�إيعاز من علماء ال�شيعة و�أ�ساطينها في‬
‫النجف‪� ،‬أول مدر�سة في العهد الثاني من حياة جبل عامل العلمية‪ ،‬تدر�س فيها العلوم‬
‫العربية والدينية و�آداب اللغة‪ ،‬وكان النا�س في ظم�أ الرت�شاف مناهل العلم بعد تلك‬
‫ال�صدمة التي دهمت البالد‪ ،‬فتهافت عليها الطالب من كل حدب و�صوب‪ ،‬وحفلت‬
‫بالم�شتغلين والمدر�سين‪ ،‬وكان في عداد تالمذته فريق �صالح �أ�صبحوا بعدها من‬
‫كبار المجتهدين ومراجع الفتاوى في جبل بني عاملة‪ ،‬وما جاورها من البلدان»‪.‬‬
‫ولعل بناء وازدهار هذه المدر�سة يعود ل�سبب يت�صل بقرب موت وهالك الطاغية‬
‫الجزار عام ‪1804‬م‪ ،‬ولعدالة الحاكم العثماني �سليمان با�شا �أنذاك‪ ،‬الذي �آثر �إعادة‬
‫الإ�ستقرار �إلى جبل عامل‪ ،‬ف�أوفد ر� ً‬
‫سوال من طرفه‪ ،‬و�أوعز �إلى الأمير ب�شير ال�شهابي‬
‫بالتو�سط للم�ساعدة في ن�شر الإ�ستقرار‪ ،‬ول ّبى طلب بناء المدر�سة الكوثرية على ما يقول‬
‫الم�ؤرخ �آل �صفا‪ .‬وي�ؤيد هذه الرواية كاتب «�أعيان ال�شيعة» العالمة ال�سيد مح�سن الأمين‬
‫‪51‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫العاملي‪ ،‬وال�شيخ علي الزين �صاحب كتاب «ف�صول من تاريخ ال�شعية من لبنان»‪.‬‬
‫وكانت المدر�سة م�ؤلفة من ‪ 2900‬متر مربع‪ ،‬وفيها ع�شرة �صفوف درا�سية‪ ،‬وع�شرة‬
‫غرف للنوم‪ ،‬وعلية خا�صة بالم� ّؤ�س�س ال�شيخ ح�سن قبي�سي‪ .‬وكانت تم ّول من ريع بيع‬
‫الحرير الذي ين�سجه دود القز‪ ،‬حيث كان تحت يد ال�شيخ ح�سن مرج لزراعة التوت‪،‬‬
‫وبقيت عامرة حتى �سنة ‪ 1967‬م‪.‬‬
‫وقد تخ ّرج الكثير من العلماء من هذه المدر�سة‪ ،‬نذكر منهم العالمة ال�شريف ال�سيد‬
‫�إبراهيم بن �أحمد �آل �إبراهيم الح�سيني‪ ،‬الذي �أ�سند �إليه من�صب الإفتاء على المذهب‬
‫الجعفري‪ ،‬وكان م ّمن تو ّلى التدري�س �أي�ض ًا في هذه المرحلة‪ ،‬والعالمة الأكبر ال�شيخ‬
‫عبد اهلل بن علي نعمة الجبعي الحبو�شي‪ ،‬م�ؤ�س�سة مدر�سة جباع‪ ،‬والعالمة ال�شيخ محمد‬
‫علي عز الدين م�ؤ�س�سة مدر�سة حناويه ال�شهيرة‪ ،‬التي زارها عدد من الرحالة الألمان‬
‫والفرن�سيين‪ ،‬وو�صفوها ب�أنها مدر�سة علمية عالية‪ ،‬والعالمة اللغوي الأديب ال�شاعر ال�شيخ‬
‫علي بن محمد ال�سبيتي‪ ،‬وال�شاعر البليغ ال�شيخ علي بن نا�صر بن زيدان‪ ،‬وال�شيخ �إبراهيم‬
‫�صادق‪ ،‬وحمد البك بن محمود الن�صار الوائلي الذي �أ�صبح بعدها زعيم جبل عامل و�شيخ‬
‫م�شايخ بالد ب�شارة‪ ،‬كما كانت تطلق عليه هذا الإ�سم المرا�سالت الحكومية العثمانية‪.‬‬
‫وبعد وفاة العالمة ال�شيخ ح�سن قبي�سي تابع �صهره العالمة ال�سيد علي �آل �إبراهيم‬
‫ال�سير على خطاه‪ ،‬ولكنه لم يع ّمر طوي ًال‪ ،‬وتوفي عام ‪1840‬م‪ ،‬وانتقلت بعدها الحوزة‬
‫العلمية على يد العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة الجبعي الحبو�شي‪� ،‬صاحب مدر�سة جباع‬
‫ال�شهيرة‪.‬‬
‫وفي عام ‪1880‬م � ّأ�س�س العالمة ال�شيخ مو�سى �شرارة مدر�سة دينية علمية في بنت‬
‫جبيل بعد عودته من النجف الأ�شرف في العراق‪.‬‬
‫وتخ ّرج من هذه المدر�سة ع�شرات العلماء من �أبناء بنت جبيل‪� ،‬أبرزهم علماء �آل ف�ضل‬
‫اهلل الكرام‪ ،‬الذين �أ�س�س بع�ضهم حوزات دينية بارزة في بلدة عيناثا الجنوبية ومنهم‬
‫ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل العاملي‪ ،‬الذي در�س على يد ال�شيخ مو�سى �شرارة‪ ،‬وهاجر �إلى‬
‫‪52‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫النجف الأ�شرف للدرا�سة‪ ،‬وعاد منها �سنة ‪1895‬م ليجدد مدر�سة عيناثا الدينية القديمة‪،‬‬
‫وهذه المدر�سة خ ّرجت ع�شرات العلماء والأدباء وال�شعراء‪ ،‬من �آل ف�ضل اهلل وبزي و�شرارة‬
‫وجعفر والأمين‪ ،‬وعلى ر�أ�سهم ال�سيد مح�سن الأمين العاملي المرجع الديني‪.‬‬
‫وفي عام ‪1890‬م وبعد رجوعه من العراق �أ�س�س العالمة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي‬
‫في النبطية المدر�سة الحميدية تيمن ًا بال�سلطان العثماني عبد الحميد‪ ،‬ولأنها كانت‬
‫تعفي طالبها من التجنيد الإجباري‪ ،‬و�أ�صبحت ت�سمى بعد �سقوط ال�سلطنة العثمانية‬
‫بالمدر�سة الدينية العاملية‪ ،‬وقد خرجت ع�شرات العلماء والأدباء‪ ،‬من �أبرزهم �أحمد‬
‫عارف الزين‪.‬‬
‫ومع نهاية القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬وبداية القرن الع�شرين‪ ،‬وبروز عالمات �إنحالل وارتخاء‬
‫قب�ضة ال�سلطنة العثمانية عن جبل عامل نتيجة �ضعفها و�شيخوختها وان�شغالها بالحروب‪،‬‬
‫وتع ّر�ضها للهزائم‪ ،‬توثب عدد من المثقفين والعلماء العامليين النا�شطين للإت�صال‬
‫بال�شخ�صيات والجهات العربية الطامحة للإ�ستقالل عن الدولة العثمانية‪ ،‬ف�ض ًال عن‬
‫الدور الفاعل للإنفتاح والتفاعل الثقافي بين المنتديات العاملية والمجاميع الثقافية‬
‫العربية‪ ،‬وم�ساهمة بع�ض ال�صحف الم�سيحية التي كانت في �أوج عطائها وازدهارها‪،‬‬
‫خا�صة بعد انت�شار المطابع ودور الن�شر اللبنانية‪� ،‬أ�سهمت جميعها في �إ�شاعة نه�ضة‬
‫ثقافية و�سيا�سية عاملية الفتة وم�ؤثرة‪ ،‬فبد�أت تظهر �شخ�صيات علمية عاملية مرموقة‪،‬‬
‫نذكر منها ال�شيخ �سليمان الظاهر‪ ،‬الذي انتخب ع�ضو ًا في المجمع العلمي الثقافي في‬
‫دم�شق‪ ،‬وال�شيخ �أحمد عارف الزين �صاحب مجلة «العرفان» الأدبية ال�شهيرة‪.‬‬
‫وبعد �سقوط الدولة العثمانية‪ ،‬دخل جبل عامل مرحلة ثقافية وعلمية جديدة‪ ،‬تمثلت‬
‫بانت�شار ع�شرات المدار�س والإر�ساليات الفرن�سية والأوروبية والأميركية في مدن وقرى‬
‫جبل لبنان و�صيدا و� ً‬
‫صوال �إلى جبل عامل‪ ،‬وخا�صة النبطية وجزين ومرجعيون‪ ،‬وكان‬
‫هذا العامل الم�ستجد حافز ًا لعلماء الدين العامليين للتم�سك بت�أ�سي�س وتفعيل المدار�س‬
‫الدينية لمواجهة الغزو الثقافي الغربي �أنذاك‪ .‬وهكذا �أ�س�س العالمة ال�سيد عبد‬
‫‪53‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الح�سين �شرف الدين الكلية الجعفرية في مدينة �صور �إثر عودته من النجف الأ�شرف‬
‫عام ‪1938‬م‪ .‬وال يمكن �إغفال دور العالمة �شرف الدين في الإنفتاح على الأزهر ال�شريف‬
‫والمرا�سالت العلمية التي د ّونت في كتاب المراجعات الذي �ساهم في ت�أ�سي�س مداميك‬
‫التقارب المذهبي ال�سني ‪ -‬ال�شيعي‪.‬‬
‫وبرز في هذه الفترة العالمة الكبير ال�شيخ محمد جواد مغنية‪ ،‬الذي �أغنى المكتبة‬
‫العاملية بتراثه الثقافي والأدبي ال�ضخم‪ ،‬والعالمة ال�سيد ها�شم معروف الح�سني‬
‫�صاحب الم�ؤلفات الكثيرة‪.‬‬
‫وفي عام ‪1960‬م برز دور الإمام المغيب ال�سيد مو�سى ال�صدر‪ ،‬الذي له الف�ضل‬
‫والدور الكبر في �إحداث �إحدى �أكبر النه�ضات الثقافية وال�سيا�سية العاملية التي ال تزال‬
‫بارزة �إلى اليوم‪.‬‬
‫وفي عام ‪1970‬م برز العالمة المجتهد �آية اهلل ال�سيد محمد ح�سين ف�ضل اهلل‪ ،‬ودوره‬
‫في بناء الم�ؤ�سات التربوية الإ�سالمية‪ ،‬و�إحداث نه�ضة ثقافية وعلمية كبرى‪ ،‬و�أي�ض ًا برز‬
‫دور المفكر ال�شيخ محمد مهدي �شم�س الدين‪ ،‬نائب رئي�س المجل�س الإ�سالمي ال�شيعي‬
‫الأعلى‪ .‬رحم اهلل علماءنا جميع ًا‪.‬‬
‫‪54‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫خالصة‪:‬‬
‫لو حذفنا بع�ض �أ�سماء وتواريخ الوقائع والحوادث التي �سردناها‪ ،‬وو�ضعنا مكانها‬
‫�أ�سماء وتواريخ وحوادث جديدة‪ ،‬مع اختالف ال�صورة الإخراجية طبع ًا‪ ،‬لما ا�شتبه الأمر‬
‫كثير ًا على القارئ‪ ،‬على نحو الق�صد الإجمالي ولي�س الق�صد التف�صيلي ‪ -‬كما يقال‬
‫في علم الأ�صول – لأنّ الم�شاريع وال�سيا�سات هي نف�سها‪ ،‬و�صراعات وطموحات القوى‬
‫المحلية والإقليمية والدولية هي نف�سها‪ ،‬تختلف فقط الأ�سماء والأدوات‪.‬‬
‫فما الفارق بين �أحمد با�شا الجزار �أنذاك وبين �أحمد داوود �أوغلو اليوم �سوى �أنّ‬
‫تركيا اليوم حاولت �أو ًال ا�ستعمال قوتها الناعمة التي اكت�سبتها من �إت�صالها بالح�ضارة‬
‫الغربية‪ ،‬ولما ف�شلت‪ ،‬عادت �سريع ًا �إلى جوهرها الأ�صلي‪ ،‬ولج�أت �إلى قوتها الخ�شنة‬
‫وال�صلبة في �سيا�سات الإنقالبات والتحالفات الظرفية‪ ،‬والإغتياالت‪ ،‬ودعم وتجنيد‬
‫المرتزقة من دول المغرب العربي‪ ،‬وبالمنا�سبة كان الجزار يج ّند �أنذاك المرتزقة من‬
‫دول المغرب العربي‪ ،‬واليوم تج ّند تركيا المرتزقة من دول المغرب العربي‪ ،‬ويا لل�صدفة‪،‬‬
‫ولي�س في طبائع الدول وال�شعوب �صدفة‪ ،‬وكل هذه الأ�ساليب الإحتيالية الملتوية في‬
‫�سبيل ال�سيطرة ال�سيا�سية والإقت�صادية على بالد ال�شام وم�صر والم�شرق العربي‪ ،‬تحت‬
‫�شعارات �سيا�سية دينية �إ�سالمية‪ ،‬ال تعرف من الإ�سالم �إال �إ�سمه ور�سمه‪ ،‬تك�شف عن‬
‫خ�صائ�ص ثابته في العقلية والنف�سية التركية‪ ،‬لي�س على نحو الإتهام العن�صري ال �سمح‬
‫اهلل‪ ،‬بل على نحو الك�شف الواقعي لخا�صية طبعية تتجلى في ال�سيا�سات التركية اليوم‪.‬‬
‫ولو نظرنا �إلى �أنماط عمل بع�ض القوى اللبنانية‪ ،‬وقار ّنا بينها وبين �سلوكيات‬
‫وت�صرفات حكام الإمارات المعنية وال�شهابية للهيمنة على جبل عامل �سيا�سي ًا‪ ،‬لما‬
‫وجدنا فارق ًا جوهري ًا �سوى اختالف الأ�سماء والألقاب‪.‬‬
‫وعلى المحور الفل�سطيني‪ ،‬تنطبق المقارنة والمقاي�سة على ت�صرفات ظاهر العمر‬
‫لناحية تذبذب ت�صرفاته وطموحاته وتحالفاته‪ ،‬و�سوء تقديره للمواقف الع�سكرية‬
‫وال�سيا�سية‪ ،‬وبين ت�صرفات بع�ض القوى الفل�سطينية اليوم‪.‬‬
‫وهذا ينطبق على فرن�سا‪ ،‬ور�صدها الدبلوما�سي والمخابراتي للمنطقة عبر قنا�صلها‬
‫‪55‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫و�سفرائها‪ ،‬وبحثها عن اللحظة المنا�سبة للإنق�ضا�ض الع�سكري وال�سيا�سي على �أخ�صامها‪،‬‬
‫وهي التي كانت تمثل القوة الدولية العظمى �أنذاك‪ ،‬و�سعيها لن�سج �شبكة عالقات �سيا�سية‬
‫مع مختلف القوى المحلية والإقليمية لتمرير م�شاريعها وم�صالحها ال�سيا�سية والإقت�صادية‪.‬‬
‫ويبقى جبل عامل‪ ،‬جبل العلماء‪ ،‬وجبل الثوار‪ ،‬جبل الرجال الأفذاذ‪ ،‬وجبل المدار�س‬
‫والحوزات الدينية‪ ،‬ورغم �ضيق م�ساحته الجغرافية‪ ،‬لم ُتفت من ع�ضده ال مجازر �أحمد‬
‫با�شا الجزار بالأم�س‪ ،‬وال المجازر ال�صهيونية اليوم‪ .‬كل ذلك بف�ضل همة �أبنائه ورجاالته‬
‫وطموحهم التي ال تعرف الحدود‪ ،‬ما جعل م�ساحته الثقافية والعلمية وال�سيا�سية تفوق‬
‫ع�شرات المرات م�ساحته الجغرافية‪ ،‬هذا الجبل الذي ترك ب�صماته لي�س في بالد ال�شام‬
‫فح�سب‪ ،‬بل في بالد العرب‪ ،‬وو�صل ت�أثير علمائه �إلى بالد العجم‪ ،‬و�إنجازات علماء جبل‬
‫عامل �شاهدة على ذلك‪ ،‬من ال�شهيدين الأول والثاني والعالمة الكركي وغيرهم من العلماء‪.‬‬
‫موحد بالإ�ستفادة من �أف�ضل‬
‫يبقى �أنّ هذا التراث بحاجة �إلى حفظه في �أر�شيف ّ‬
‫التقنيات الحديثة‪ ،‬وو�ضعه في متناول الجميع‪ ،‬خا�صة في ع�صر ال�شبكات المعلوماتية‬
‫والإعالمية‪ ،‬ليكون �شاهد ًا على دور جبل عامل في نه�ضة العرب والم�سلمين‪ ،‬وليكون‬
‫ثروة وحافز ًا لأبناء هذا الجبل‪ ،‬والعالم �أجمع‪ ،‬ليتعرفوا على الخدمات الكبرى التي‬
‫�أ�سداها علما�ؤهم للعرب والم�سلمين‪ ،‬ف�ض ًال عن الخدمات التي �أ�سداها مجاهدوهم‬
‫�أبناء المقاومة الإ�سالمية للبنان والعرب والعالم الإ�سالمي‪ ،‬والم�ساهمات العلمية‬
‫والتقنية للنوابغ العامليين في المهاجر والمغتربات‪� ،‬أمثال ح�سن كامل ال�صباح‪ ،‬ورمال‬
‫رمال‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬ولن نن�سى دور رجال الأعمال والتجار العامليين المنت�شرين في معظم‬
‫مدن العالم‪ ،‬ودورهم التفاعلي الداعم مادي ًا ومعنوي ًا لنه�ضة جبل عامل ولبنان‪ ،‬ونه�ضة‬
‫الأماكن التي حلوا فيها بطبيعة الحال‪.‬‬
‫وهكذا يقترن تاريخ هذا الجبل دائم ًا ب�أعلى درجات ال�شهادة والجهاد والعلم في‬
‫خط �سيــر قافلة الوجود المت�شرفة بحمل الراية والخالفة الربانية‪.‬‬
‫و�آخر دعوانا �أن الحمد هلل رب العالمين‬
‫‪56‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫جبل عامل في العهد العثماني‬
‫مرحلة أحمد باشا الجزار نموذج ًا‬
‫د‪.‬محمد نورالدين‬
‫(((‬
‫تجمعني بجبل عامل في عهد الجزار عنا�صر كثيرة منها �أن هذه العالقة في تلك‬
‫الحقبة كانت �أحد ف�صول �أطروحتى للدكتوراه في العام ‪ 1982‬حول االدارة العثمانية في‬
‫بالد ال�شام في الن�صف الثاني من القرن الثامن ع�شر‪ .‬ومن ذلك �أي�ضا‪� ،‬أنّ الحديث‬
‫عن جبل عامل في ظ ّل الجزار في نهاية القرن الثامن ع�شر ي�ستدرج‪ ،‬كوني متخ�ص�ص ًا‬
‫في ال�ش�أن التركي الحديث‪ ،‬الكالم عن جبل عامل في مطلع القرن الواحد والع�شرين‬
‫حيث الخطر ال يزال هو نف�سه ومن المكان نف�سه‪،‬حيث ي�ستمر التحالف اال�سرائيلي مع‬
‫الباب العالي الجديد في ا�سطنبول‪ ،‬لم تخفف منه «�إ�سالمية» زائفة و�شعارات فارغة‬
‫لحزب العدالة والتنمية الذي و�ضع ن�صب عينيه ا�ستعادة الهيمنة العثمانية ‪ -‬ال�سلجوقية‬
‫المذهبية على المنطقة ولم ينظر الى حدود تركيا مع محيطها �سوى �أنها «حدود‬
‫�أطل�سية»‪ .‬ومن تلك العنا�صر �أنني‪ ،‬كواحد من �أبناء جبل عامل‪ ،‬يثق ثقة مطلقة‪� ،‬أنّ‬
‫((( �أ�ستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية‪.‬‬
‫‪57‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ذلك الخيط من ال�شهادة الممتد من نا�صيف الن�صار في مواجهة الباب العالي و�صوال‬
‫�إلى مرحلة مقاومة العدو اال�سرائيلي وتحرير الأر�ض‪� ،‬سيبقى ال�شعلة التي ال تنطفىء‬
‫والقب�ضة التي تحمي تراب جبل عامل ونا�سه‪.‬‬
‫هنا ن�ص ا�ستذكاري لما بات معروف ًا لدى الجميع من تفا�صيل وخطوط �أ�سا�سية‬
‫لعالقة جبل عامل بالحكم العثماني وال �سيما في حقبة والي عكا و�صيدا �أحمد‬
‫با�شا الجزار‪ .‬و�إذا كانت معظم المعلومات عن تلك الفترة قد جاءتنا من كتابات‬
‫�أبناء جبل عامل ومن التقارير القن�صلية والمرا�سالت الديبلوما�سية الفرن�سية‬
‫التي ن�شرها ال�سفير ال�سابق المرحوم عادل ا�سماعيل ومن م�ؤرخين معا�صرين لها‬
‫في جبل لبنان‪ ،‬ف�إنّ الدعوة �أكثر من �ضرورية للعمل على �أر�شيف الفترة العثمانية‬
‫و�أر�شيفات دول �أخرى وللك�شف ع ّما يمكن �أن يكون ال يزال محفوظ ًا لدى البع�ض‬
‫من وثائق عن تلك الحقبة‪.‬‬
‫لم تت�أ�س�س الدولة العثمانية في العام ‪1299‬م على �أ�سا�س مذهبي حاد‪ .‬رغم �أن‬
‫قبيلة �آل عثمان كانوا محاطين بمجموعات يغلب عليها الطابع ال�صوفي وات�سم �سلوكهم‬
‫بالمرونة والت�سامح في بدايات الدولة وكان ت�أثير الطريقة البكا�شية بزعامة (حاجي‬
‫ولي بكتا�ش) الأبرز في هذا الخ�صو�ص‪ .‬غير �أنّ بروز الدولة ال�صفوية في نهاية القرن‬
‫الخام�س ع�شر‪ ،‬وبدء مرحلة من ال�شكوك ب�أنّ ال�صفويين يريدون �ضرب العثمانيين‪،‬‬
‫ودخول ال�شك لدى ه�ؤالء ب�أنّ القبائل التركمانية ذات االنتماء العلوي في الأنا�ضول‬
‫ت�ساعد ال�صفويين‪ ،‬كان محطة التحول الحا�سمة لتنتقل الدولة العثمانية من دولة مرنة‬
‫ديني ًا ومذهبي ًا �إلى دولة �شديدة التع�صب لتفتح بذلك مرحلة‪ ،‬امتدت حتى �سقوطها‪ ،‬من‬
‫العداء للمذهب ال�شيعي وكل المذاهب غير الحنفية ومنها المذهب الوهابي‪.‬‬
‫تزامن ال�صراع العثماني ‪ -‬ال�صفوي وال �سيما في موقعة ت�شالديران الحا�سمة ل�صالح‬
‫ال�سلطان �سليم الأول في العام ‪1514‬م مع بدء ا�ستعداد ال�سلطان �سليم الأول لغزو بالد‬
‫ال�شام و�شمال �أفريقيا الواقعتين في ق�سمهما الغالب تحت ال�سيطرة المملوكية‪.‬‬
‫‪58‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫وبعد ال�سيطرة العثمانية على المنطقتين و�إنهاء دولة المماليك‪ ،‬لم يغير العثمانيون‬
‫من �سلوكهم اتجاه المجموعات الدينية والمذهبية المخالفة لهم لذلك كانت العالقة‬
‫بين الدولة العثمانية وال�شيعة‪ ،‬مث ًال ـ ا�ستمرار ًا للعداء العثماني ـ ال�صفوي رغم �أنّ ه�ؤالء‬
‫اتفقوا على عدم االعتداء في العام ‪1639‬م في معاهدة ق�صر �شيرين‪.‬‬
‫لذلك نجد �أن ال�صبغة العامة للعالقة بين الدولة العثمانية وال�شيعة في الدولة‬
‫العثمانية وفي لبنان تحديد ًا وفي جبل عامل على وجه الأخ�ص كانت محكومة بالقمع‬
‫والتنكيل والتهجير وقتل العلماء والزعماء ال�سيا�سيين‪.‬‬
‫ومن �أ�شهر هذه الحاالت مقتل العالم ال�شيعي زين الدين بن نورالدين علي بن‬
‫�أحمد العاملي الجبعي المعروف بال�شهيد الثاني في العام ‪ 965‬هجرية بعد اعتقاله من‬
‫الم�سجد الحرام في مكة المكرمة‪ ،‬حيث ّتم قتله في ا�سطنبول‪.‬‬
‫ومع �أنّ ال�سيد مح�سن الأمين وال�شيخ محمد جواد مغنية يردان العداء العثماني لل�شيعة‬
‫المح�صلة في النهاية �أن ال�شيعة كانوا مق�صد ًا دائما‬
‫�إلى �أ�سباب �سيا�سية ال مذهبية لكن‬
‫ّ‬
‫لتنكيل الوالة والق�ضاة العثمانيين‪.‬‬
‫جبل عامل في حقبة الجزار‬
‫لم يكن لجبل عامل خ�صو�صية كيانية محددة منذ �أن دخله العثمانيون عام ‪1516‬م‪،‬‬
‫وا�ستمر في ما ي�شبه الحكم الذاتي ي�ؤدي ال�ضريبة للدولة العثمانية من دون هيمنة عليه‬
‫للمعنيين في جبل لبنان �إال نادرا‪� .‬أما ال�شهابيون فقد كثفوا حمالتهم على جبل عامل‬
‫لح�ساب والة دم�شق و�صيدا مذ جا�ؤوا �إلى ال�سلطة في جبل لبنان عام ‪1697‬م وتمكنوا‬
‫من احتالله في بع�ض الفترات �إلى �أن جاءت مرحلة الزعيم ال�شيخ نا�صيف الن�صار‬
‫والتي بد�أت في مطلع الأربعينيات من القرن الثامن ع�شر والتي تمثلت بانت�صار ال�شيخ‬
‫ن�صار على الأمير ملحم ال�شهابي عام ‪1744‬م ثم في معركتي جباع ومرجعيون عام‬
‫‪1749‬م‪ .‬وهذه الفترة هي نف�سها فترة ظهور زعامة ظاهر العمر الزيداني في �شمال‬
‫‪59‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫فل�سطين وفي �صفد تحديد ًا على الحدود الجنوبية لبالد ب�شارة‪ .‬فكان ان�سجام �سيا�سي‬
‫بين الطرفين في معاداة الدولة العثمانية ومحاولة العي�ش في ا�ستقاللية معينة‪ .‬وو�صل‬
‫الأمر الى عقد معاهدة تحالف بين ظاهر العمر ونا�صيف الن�صار في العام ‪1767‬م‪.‬‬
‫وا�ست�أنف ال�شيعة في جبل عامل مع ظاهر العمر تحالفهم بت�أييد حملة قائد م�صر‬
‫علي بك الكبير بزعامة محمد بك �أبي الذهب �إلى بالد ال�شام ومحاربتهما معه �ضد‬
‫القوات العثمانية عامي ‪1770‬م ‪1771-‬م متمثلة بعثمان با�شا والي دم�شق وابنه دروي�ش‬
‫با�شا والي �صيدا ومعهما الأمير يو�سف ال�شهابي وانتهت المعارك �إلى دخول �أبي الذهب‬
‫دم�شق محاط ًا بقوات ال�شيعة العامليين وظاهر العمر‪.‬‬
‫لكن مقتل ظاهر العمر في العام ‪1775‬م كان محطة تحول في عالقة جبل عامل‬
‫بالدولة‪� .‬إذ بعد مقتل العمر ع ّينت الدولة �أحمد با�شا الجزار والي ًا على �صيدا لتبد�أ‬
‫مرحلة مروعة من التاريخ العاملي‪.‬‬
‫كان نا�صيف الن�صار‪ ،‬من �آل ال�صغير‪ ،‬الأعلى رتبة في جبل عامل لذا ُلقب ب�شيخ‬
‫الم�شايخ ومقره تبنين‪.‬‬
‫وفور تعيينه اتخذ الجزار عكا بد ًال من �صيدا مقر ًا له نظرا لمناعتها وتح�ضير ًا‬
‫لمغامرات كان يفكر بها‪ .‬و�أول ما ا�ستذكره الجزار كان تحالف العامليين مع ظاهر‬
‫العمر فقرر �أن ُيخ�ضع المتاولة مهما كان الثمن‪ .‬لكن ان�شغاله بالتعامل �أو ًال مع التمرد‬
‫الدرزي � ّأجل التنفيذ �إلى مرحلة الحقة لم تطل كثير ًا �إذ قرر الجزار في العام ‪1781‬م‬
‫غزو جبل عامل بناء على �أوامر من ال�سلطان العثماني عبدالحميد الأول مبا�شرة وذلك‬
‫للأ�سباب التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬ت�أديبهم على دعم ظاهر العمر‪.‬‬
‫‪ -2‬معاقبتهم على غاراتهم المتكررة على جنود الدولة‪.‬‬
‫‪ -3‬تم ّنعهم عن دفع ال�ضرائب‪.‬‬
‫‪ -4‬التخل�ص من ب�ؤر انف�صالية خ�صو�صا بعدما ق�ضت الدولة على «دولة» ظاهر العمر‪.‬‬
‫‪60‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫‪ -5‬الإ�ستفادة من ثروات جبل عامل‪.‬‬
‫وعلى هذا ق ّرر الجزار �إر�سال قائده الع�سكري �سليم با�شا على ر�أ�س ‪� 3‬آالف مقاتل‬
‫ليق�ضوا على حكم نا�صيف الن�صار الذي على ما يبدو فوجىء بالهجوم العثماني فقرر‬
‫تح�ضير �ألف فار�س على عجل‪ .‬والتقى الفريقان في يارون في ‪� 23‬أيلول ‪1781‬م حيث‬
‫نجحت قوات الجزار في ك�سر �شوكة المقاومة البا�سلة لنا�صيف الن�صار وقد قتل الن�صار‬
‫والعديد من الم�شايخ وحوالي ‪ 300‬فار�س ًا في المعركة وا�ستولى في �إثرها الجزار على‬
‫معظم ح�صون جبل عامل مثل هونين وتبنين و�صور ومي�س وجباع و�شمع ف�ضال عن‬
‫�صور‪ .‬ولم ت�سقط قلعة ال�شقيف ب�سبب �صمود ال�شيخ حيدر الفار�س فيها وانتهت �إلى‬
‫اتفاق ب�ضمان �أرواح الفار�س ومن معه وتمكينهم في البالد ليعيدوا ت�أهيلها وزرعها لكي‬
‫ي�ستفيد منها والي �صيدا لي�س �إال‪.‬‬
‫وال �شك �أنّ معركة يارون كانت �ضربة قا�سية جدا للعامليين وكيانهم حيث ف ّر معظم‬
‫زعمائهم وعلماء الدين �إلى �أربع رياح الأر�ض مثل العراق والهند و�إيران و�أفغان�ستان‬
‫وحلب والأنا�ضول‪ ،‬كما �إلى مناطق لبنانية مثل عكار وبعلبك‪.‬‬
‫و�أظهر ال�سلطان العثماني �سرور ًا كبير ًا بنجاح حملة الجزار فكاف�أه بهدية من �سيف‬
‫وخلعة‪.‬‬
‫وا�ست�أنف الجزار حملته على المتاولة بعدما اكت�شف في �أيار ‪ 1782‬م�ؤامرة من‬
‫�شيخ مدينة �صور للإنق�ضا�ض على الدولة بالتعاون مع الفرن�سيين ف�أعمل الجزار قت ًال‬
‫وتهجير ًا بمن تب ّقى من متاولة في جبل عامل‪.‬‬
‫ولم ي�ستكن العامليون بعد هزيمة الن�صار فقادهم �إبنه ال�شيخ فار�س نا�صيف‬
‫الن�صار في فرق عرفت با�سم (الط ّياح) �أو (الطواح) تعتر�ض قوافل جنود الجزار‬
‫والدولة م�ستفيدين �أحيان ًا من الخالف بين الجزار و�أمراء جبل الدروز‪ ،‬ونجحوا �أحيانا‬
‫في هزيمة قوات الجزار ومنها طرد حامية الجزار من قلعة تبنين في حزيران ‪،1784‬‬
‫�إلى �أن توفي الجزار في العام ‪.1804‬‬
‫‪61‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وهنا يمكن التوقف عند الحملة الفرن�سية بقيادة نابليون بونابرت على م�صر‪ ،‬ومن‬
‫ثم بالد ال�شام حيث وقفت عكا بقيادة الجزار عائق ًا �أمام نجاح الحملة وبالتالي تراجعها‬
‫عن �أ�سوار عكا حيث عاد بونابرت �إلى م�صر ومنها غادر م�سرع ًا عائد ًا �إلى فرن�سا‪ .‬لكن‬
‫الملفت �أثناء ح�صار بونابرت لعكا �أنّ الأقليات الدينية الم�سيحية رحبت به �أي�ضا‪ .‬كان‬
‫المرحبين به للتخل�ص من ظلم الجزار‪ .‬يقول ال�شيخ علي ال�سبيتي في‬
‫العامليون من بين ّ‬
‫«جبل عامل في قرنين» �أنّ زعماء جبل عامل ح�ضروا �إلى عكا الذين �أعادهم بونابرت‬
‫الى حكم بالدهم ويقول �سبيتي �أنّ زعماء عاملة حملوا الى بونابرت «الحطب والدجاج‬
‫والبي�ض و�سائر الأمتعة للإفرنج»‪ .‬كما يذكر (�إدوار لو كروا) م�ؤرخ الجزار(عام‬
‫‪1888‬م) �أنّ �أحد قادة بونابرت «زحف الى �صور ببع�ض الجيو�ش وببع�ض �سكان بالد‬
‫ب�شارة الذين ع ّب�أهم»‪.‬‬
‫الن�صار‪ ،‬ف�إنّ‬
‫وفي عودة �إلى هجرة العامليين بعد موقعة يارون وم�صرع نا�صيف ّ‬
‫الجزار قب�ض على من لم ي�ستطع الفرار من العلماء والر�ؤ�ساء‪ ،‬وقتل جماعة‪ ،‬منهم‬
‫العالم ال�سيد هبة الدين المو�سى‪ ،‬وال�سيد محمد �آل �شكر‪ ،‬وال�شيخ محمد الع�سيلي‪.‬‬
‫ومنهم ال�شيخ علي خاتون الفقيه الطبيب‪ ،‬وقد جاء في �سيرته �أنه «كان عالماً فا�ض ً‬
‫ال‬
‫فقيهاً جلي ً‬
‫ال متبحراً في علم الطب القديم وهو من علماء ع�صر ال�شيخ نا�صيف‪،‬‬
‫قب�ض عليه �أحمد با�شا الجزار فيمن قب�ض عليهم من علماء ووجوه جبل عامل‬
‫وحب�سه في عكا وع ّذبه ثم قتله‪ ،‬وكان يحمي له ال�ساج حتى يحمر ثم ي�ضعه على‬
‫ر�أ�سه‪ .‬كما نقل من �أحوال �أحمد با�شا �أنه انتهب �أموال العامليين ومكتباتهم ومنها‬
‫مكتبة �آل خاتون وكانت ت�ضم خم�سة �آالف مجلد‪ .‬وبقيت �أفران عكا تعمل بنار الكتب‬
‫العاملية �أ�سبوعا كامال‪ .‬وفي عهد الجزار هاجر عدد كبير من علماء جبل عامل‬
‫م�ش ّردين في الأقطار ومن ه�ؤالء العالم ال�شاعر ال�شيخ �إبراهيم يحيى‪ ،‬وله ق�صيدة‬
‫ي� ّصور فيها �أو�ضاع ال�شيعة في ظل والية الجزار يقول فيها‪:‬‬
‫‪62‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫وع���اث���ت ي���د الأي�������ام ف��ي��ن��ا وم��ج��دن��ا‬
‫ول�������س���ت ت�����رى �إال ق���ت ً‬
‫���ي�ل�ا وه����ارب���� ًا‬
‫وك����م ع���ال���م ف���ي ع���ام���ل ط���وح���ت به‬
‫و�أ����ص���ب���ح ف���ي ق��ي��د ال����ه����وان م��ك��ب ً‬
‫�لا‬
‫وك���م ع��زي��ز ن��ال��ه ال�����ض��ي��م ف��اغ��ت��دى‬
‫وك���م ه��ائ��م ف���ي الأر������ض ت��ه��ف��و بلبه‬
‫ول���م���ا ر�أي������ت ال��ظ��ل��م ط����ال ظ�لام��ه‬
‫���رح���ل���ت ع����ن دار ال����ه����وان وق��ل��م��ا‬
‫ت ّ‬
‫ت���م���ل���ك���ه���ا وال����م����ل����ك هلل ف�����اج�����ر ٌ‬
‫ع���ت���ل زن���ي���م ي��ظ��ه��ر ال����دي����ن ك���اذب��� ًا‬
‫وب���ال���رغ���م م���ن���ي �أن �أق�������ول م��ه��دم‬
‫����س���ل���ي���ب��� ًا وم����ك����ب ً‬
‫����وال ي���غ���ل وي���زغ���م‬
‫ط���وائ���ح خ��ط��ب ج��رح��ه��ا ل��ي�����س ي�ل��أم‬
‫و�أع�����ظ�����م �����ش����يء ع����ال����م ال ي��ع��ظ��م‬
‫ف���ي ج���ي���ده ح��ب��ل م���ن ال�����ذل محكم‬
‫ق�����������وادم �أف�������ك�������ار ت�����غ�����ور وت���ت���ه���م‬
‫و�أنّ ����ص���ب���اح ال����ع����دل ال ي��ت��ب�����س��م‬
‫يطيب الثوى في ال��دار وال��ج��ار �أرق��م‬
‫������س�����واء ل����دي����ه م�����ا ي���ح���ل وي���ح���رم‬
‫وه��ي��ه��ات �أن يخفى على اهلل مجرم‬
‫وقد ق�صد ال�شيخ �إبراهيم دم�شق ف�سكن فيها‪ ،‬وفيها كتب ق�صيدة تناولت الكوارث‬
‫التي نزلت بجبل عامل زمن الجزار‪ ،‬جاء في مطلعها‪:‬‬
‫�����ذات وال���ع���ي�������ش ب���ي���ن ف���ت���ى وب���ي���ن ف��ت��ـ��ا ِة‬
‫م�����ن ل�����ي ب�������ر ِّد م����وا�����س����م ال�����ل ِ‬
‫ورج���������وع �أي���������ام م�������ض���ي���نَ ب���ع���ام ٍ���ل ب��ي��ن ال���ج���ب���ال ال ُ‬
‫��ات‬
‫�������ش ِّ���م وال��ه�����ض��ب ِ‬
‫وقال في ق�صيد ٍة �أخرى‪:‬‬
‫دي���ـ���ار ���ش��ف��ـ��ى ق��ل��ب��ـ��ي ع��ل��ي��ـ��ل ن�سيمها‬
‫وما كان هجري «عام ًال» عن قلي لها‬
‫وط���اب���ت ل��دي��ه��ا غ���دوت���ي و�أ���ص��ائ��ل��ي‬
‫ول���ك���ن ن��ب��ت ب���ي ف���ي ُرب������اه م��ن��ازل��ي‬
‫وكان ال�شيخ �إبراهيم يحيى العاملي قد �أ َّر َخ لمقتل ال�شيخ نا�صيف الن�صار بهذه‬
‫الأبيات‪:‬‬
‫ُق����� ِت َ‬
‫���رج‬
‫�����ل اب���ـ���ن ن�������ص���ار ف���ي���ا هلل م��ـ��ن م���ول���ى ���ش��ه��ي ٍ��د ب����ال����دم����ا ِء ُم�������ض ِ‬
‫أه������وج‬
‫وت���داول���ت���ن���ا ب��ع��ـ��ده �أي����ـ����دي ال��� ِع َ‬
‫���دى م����ن ف����اج ٍ‬
‫����ر �أو غ�������اد ٍر �أو � ِ‬
‫����رج‬
‫ه���ي دول����� ٌة ع َّ‬
‫����م ال���ب�ل�اد ال ُ��ظ��ل��م في ت���اري���خ���ه���ـ���ا اهلل خ����ي���� ُر ُم����ف����ـ ِ‬
‫‪63‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وممن غادر جبل عامل وكتب �شعر ًا في الحنين �إليها‪ ،‬ال�شيخ �سليمان ظاهر الذي‬
‫قال‪:‬‬
‫�أال ت���ـ���رب���ت م���ـ���ن ال����ج����ـ����زار ك��ف ب���ه���ا ل���ل���ف���خ���ـ ِ���ر ك���ـ���م ظ���ـ���ه���ر �أج�����ب‬
‫����ان وخ��ـ��ط��ب‬
‫��ش��ام غر�س ًا �أل�����ـ�����ذ ج����ن����ـ����ا ُه خ����ـ����ط ِ‬
‫وك��م ُغ ِ��ر���س��ت ب��� ِ‬
‫أر���ض ال��� ِ‬
‫وك���ـ���م ُدك����ـ����ت ب���ع���ـ���ام���ل��� ٍة ح�����ص��ون��ـ�� ًا ل��ه��ا الأ������س�����وار ب��ي�����ض ظ��ب��ي وغ��ل��ب‬
‫لكن الحياة العلمية والفكرية في جبل عامل واجهت العديد من ال�صعوبات في عهد‬
‫الجزار �إذ انت�شرت الفو�ضى بعد مقتل الن�صار في غير مكان‪ ،‬ف�أُغلقت المدار�س و�أُقفلت‬
‫معاهد العلم وانقطعت �سل�سلة التدري�س بعد �أن احتلت منزلة رفيعة ومرموقة و�أحرزت‬
‫�شهرة وا�سعة‪ ،‬و�صلت �إلى مواطن ال�شيعة في الهند و�إيران ورو�سيا وغيرها من البلدان‬
‫التي تواجدوا فيها‪.‬‬
‫وفي ر�سم الم�شهد العلمي والثقافي بعد نهاية الجزار‪ ،‬نجد محاولة جديدة لإعادة‬
‫الحياة العلمية �إلى جبل عامل فكانت مدر�سة الكوثرية �شمالي جبل عامل على مقرب ٍة من‬
‫النبطية‪ ،‬التي �أ�س�سها ال�شيخ ح�سن ُقبي�سي ب�إيعازٍ من مدينة النجف الأ�شرف ومن �أبرز‬
‫من تخ ّرج من هذه المدر�سة ال�سيد علي ابن ال�سيد �إبراهيم الح�سيني الذي تولى الإفتاء‬
‫في الق�سم ال�شمالي من جبل عامل في عهد والية �سليمان با�شا العادل وعبد اهلل با�شا‪،‬‬
‫اللذين توليا الحكم بعد الجزار مبا�شر ًة‪.‬‬
‫بعد الجزار‪ :‬هدنات وثورات‬
‫كوال على �صيدا وعكا ثم تم‬
‫بعد وفاة الجزار حكم لمدة ق�صيرة �إ�سماعيل با�شا ٍ‬
‫تعيين �سليمان با�شا الذي عرف بالعادل حاكم ًا على والية �صيدا وعكا عام ‪1805‬م‪.‬‬
‫وقد بادر �سليمان با�شا �إلى عقد �صلح مع زعماء جبل عامل الهاربين والذين كانوا‬
‫ال يزالون في الجبل وفي مقدمهم فار�س نا�صيف الن�صار و�آل ال�صغير و�آل �صعب و�آل‬
‫منكر‪.‬‬
‫‪64‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫وتتمثل �شروط ال�صلح فيما يلي‪:‬‬
‫�أو ًال‪ :‬العفو العام عن الثوار كافة‪.‬‬
‫ثانياً‪� :‬أن ي�شارك المتاولة الحق ًا في حروب الوزير متى لزم ذلك والح�ضور دون‬
‫تردد‪.‬‬
‫ثالثاً‪ُ :‬يعطى م�شايخ المتاولة �إقليم ال�شومر ملك ًا لهم ولذريتهم مق�سوم ًا بالت�ساوي‬
‫بد ًال عن �أمالكهم التي �ضبطتها الدولة‪ ،‬وي�ستثنى منها قرى ال�صرفند‪ ،‬و�أن�صار‪،‬‬
‫ومي�س‪ ،‬مفروزة القلم مرفوعة القدم (�أي معفاة من ال�ضرائب والأموال‬
‫الأميرية)‪ .‬و�أن يو ّقع الجميع في دفتر خا�ص بذلك للت�أكيد على �أن عملية التوزيع‬
‫قد تمت بر�ضاهم واتفاقهم حتى ال يحدث في الم�ستقبل �أي خالف‪.‬‬
‫رابعاً‪� :‬أال يكون لموظفي الدولة �أي تدخل في حكم البالد وال �سلطة على م�شايخها‪.‬‬
‫و�إنما يرجع الم�شايخ في �أمورهم وف�صل الخالف الذي يقع بينهم �إلى �شيخ‬
‫الم�شايخ فار�س النا�صيف‪ ،‬الذي يمثلهم �أمام الحكومة‪ ،‬وعليه تعود الم�س�ؤولية‪.‬‬
‫ومهما يكن الأمر‪ ،‬ف�إن ال�شيخ فار�س النا�صيف و�صل �إلى عكا مترئ�س ًا وفد الع�شائر‬
‫العاملية والقى من الوالي �سليمان با�شا كل �إكرام ورعاية وحفاوة بالغة‪ ،‬وتم توقيع‬
‫االتفاق في مجل�س حافل‪ ،‬ح�ضره قا�ضي عكا ومفتيها وراغب �أفندي وكبار رجال الحكم‬
‫في عكا وال�شيخ جرج�س باز وكي ًال عن الأمير ب�شير‪ .‬ولكي ُيظهر �سليمان با�شا ر�ضاه‬
‫عن ال�شيخ فار�س النا�صيف �أهداه خلعة فاخرة من فرو ال�سمور �إ�ضافة �إلى خم�سة �آالف‬
‫قر�ش وع�شرة غراير من الحنطة وع�شرين من ال�شعير‪.‬‬
‫ومن مفاعيل هذا ال�صلح‪ ،‬م�شاركة العامليين في حملة �سليمان با�شا لرد الوهابيين‬
‫عن دم�شق في العام ‪1810‬م وهو العام الذي ُع ّين فيه �سليمان با�شا والي ًا على دم�شق‬
‫وطرابل�س بعد ف�شل الوالي ال�سابق يو�سف با�شا في ر ّد غزوات الوهابيين وت�أمين قافلة‬
‫الحج‪.‬‬
‫‪65‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وبعد موت �سليمان با�شا عام ‪1819‬م ّتم تعيين عبد اهلل با�شا �أحد مماليك الجزار‬
‫والي ًا على عكا وكان قا�سي ًا جد ًا بحق المتاولة‪.‬‬
‫مع ذلك ا�ستمرت حياة العامليين معقولة حتى العام ‪ 1831‬عندما غزا �إبراهيم با�شا‬
‫و�ضم‬
‫بالد ال�شام‪ .‬ولم ي�ساعد العامليون �إبراهيم با�شا في ح�صار عكا فغ�ضب عليهم ّ‬
‫بالدهم �إلى جبل الدروز حيث ن ّكل بهم الأمير ب�شير ال�شهابي الكبير الذي كان يكنّ‬
‫الحقد لزعماء المتاولة في جبل عامل‪ .‬وقد انعك�س الموقف العاملي من الم�صريين‬
‫تنكيال لهم على امتداد الح�ضور الم�صري �أي حتى العام ‪ 1840‬وانت�شروا في العالم كما‬
‫كان الحال بعد موقعة يارون �أيام الجزار‪ .‬وربما يكون تغيير موقف العامليين من الدولة‬
‫العثمانية ودعمهم لها �ضد الم�صريين ناتج عن �سببين �أ�سا�سيين‪ :‬تنكيل ال�شهابيين‬
‫المتعاونين مع الم�صريين بهم‪ ،‬و�إلغاء الم�صريين لحكم العامليين على بالدهم لعدم‬
‫دعمهم ح�صار عكا‪ .‬وقد �شارك العامليون في الثورة الكبرى �ضد الم�صريين عام ‪1834‬‬
‫بقيادة ح�سين �شبيب ابن ال�شيخ فار�س النا�صيف و�أخيه محمد علي بك‪ .‬وفي العام‬
‫‪ 1840‬قاد �أحمد داغر ثورة ثانية �ضد الم�صريين في جبل عامل‪ .‬ومن بعدها كانت‬
‫�أكبر ثورة عاملية بقيادة حمد البك المحمد �ضد الم�صريين في العام نف�سه حيث عينه‬
‫القائد العام للجي�ش العثماني عزت با�شا حاكما على جبل عامل بلقب «�شيخ م�شايخ بالد‬
‫ب�شارة»‪ .‬بل بات حمد البك معتمد ًا من قبل العثمانيين لت�أديب المتمردين على الدولة‬
‫في �أكثر من مكان‪.‬‬
‫وبعد وفاة حمد البك عام ‪ ،1852‬ولم يكن له ولد‪ ،‬كانت ال�سلطة لعلي بك الأ�سعد‪،‬‬
‫ابن �أخيه‪ ،‬حتى العام ‪ ،1865‬وكان عهد �أمان وازدهار وا�ستقرار‪ .‬كما ا�ستمرت الدولة‬
‫في اال�ستعانة بالعامليين لإخماد انتفا�ضات في �أماكن �أخرى وقد اتبع العامليون القوة‬
‫�أحيانا و�أحيانا الرو ّية والمفاو�ضات لقمع هذه الإنتفا�ضات‪ .‬وكان عهد علي بك الأ�سعد‬
‫�أي�ضا عهد حماية الم�سيحيين الفارين من بط�ش الدروز بعد حوادث ‪ 1860‬في جبل لبنان‬
‫بل حاول محمد بك الأ�سعد‪� ،‬شقيق علي بك‪� ،‬أن يم ّد يد العون الع�سكري للم�سيحيين‬
‫‪66‬‬
‫�����������������������������������������������������������‬
‫ومنع الدروز من مهاجمتهم وال �سيما في جباع‪ .‬وبوفاة علي بك الأ�سعد و�أخيه محمد‬
‫بالكوليرا عام ‪� 1865‬إنتهى الحكم الوطني في جبل عامل وانتقلت �إدارة الجبل العاملي‬
‫�إلى الدولة العثمانية مبا�شرة بعد �ضم الجبل الى والية بيروت �إلى �أن انهارت الدولة في‬
‫نهاية الحرب العالمية الأولى عام ‪.1918‬‬
‫ويمكن ختاما ت�سجيل المالحظات التالية‪:‬‬
‫‪� -1‬إنّ تعاطي العثمانيين عموما مع العامليين كان �إلى ح ّد كبير على �أ�سا�س مذهبي‪.‬‬
‫‪ -2‬لكنه لم يكن الأ�سا�س الوحيد‪ ،‬فالبنية العثمانية �إقطاعية ولم تف ّرق �سيا�سة فر�ض‬
‫ال�ضرائب وال�صراع ال�سيا�سي بين الوالة بين مذهب و�آخر فطال البط�ش كل فئات‬
‫النا�س بمعزل عن دينهم ومذهبهم وعرقهم ومكان �إقامتهم‪.‬‬
‫‪ -3‬لقد عا�ش العامليون فترات طويلة في ظل ما ي�شبه الحكم الذاتي‪ ،‬ولم تخ�ضع بالد‬
‫عاملة للحكم المبا�شر للعثمانيين ووالتهم �أو لأمراء جبل الدروز �إال لفترات قليلة‬
‫وا�ستثنائية‪� ،‬سرعان ما كانت تليها عودة الحكم الوطني‪.‬‬
‫‪ -4‬ومع اعتداد العامليين بهويتهم فلم يكونوا في الوقت نف�سه غير واعين لحجمهم‬
‫الأقلوي و�سط الأكثرية ال�ساحقة من الأعداء‪ .‬لذا لم يكن عندهم من مانع لت�سويات‬
‫تر�ضي الدولة وتحمي الوجود المادي للعامليين من التنكيل والتهجير‪.‬‬
‫‪67‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫بعض مراجع النص‪:‬‬
‫‬‫‪-‬‬
‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬
‫‬‫‪-‬‬
‫الإدارة العثمانية في بالد ال�شام‪� ،‬أحمد با�شا الجزار نموذجا‪ ،‬محمد نورالدين ر�سالة‬
‫دكتوراه غير من�شورة‪.1982،‬‬
‫المرا�سالت الديبلوما�سية والقن�صلية لعادل ا�سماعيل المجلدان الأول والثاني‪.‬‬
‫تاريخ جبل عامل في قرنين‪ ،‬حيدر الركيني‪ ،‬حلقات في مجلة العرفان‪.‬‬
‫الكيان ال�سيا�سي لجبل عامل قبل ‪ ،1920‬منذر جابر‪،1979 ،‬محا�ضرة في المجل�س‬
‫الثقافي للبنان الجنوبي‪.‬‬
‫الم�س�ألتان القومية والدينية في �سيا�سة بونابرت في الم�شرق العربي‪ ،‬محمد نور‬
‫الدين‪ ،‬مجلة المنطلق‪ ،‬العدد ‪ 81/80‬تموز ‪� /‬آب ‪1991‬‬
‫الجزار ونابليون والم�س�ألة ال�شرقية‪ ،‬محمد نورالدين‪ ،‬مجلة الفكر العربي‪ ،‬العدد‬
‫‪� ،28‬صيف ‪� .1982‬صفحات مطوية من تاريخ جبل عامل الن�ضالي‪ :‬مقاومة �سيا�سة‬
‫الجزارالتدميرية‪ ،‬ح�سين �سلمان �سليمان‪،‬مجلة تاريخ العرب والعالم العدد ‪� ،55‬أيار‬
‫‪.1983‬‬
‫الحكم الإقطاعي لمتاولة جبل عامل في العهد العثماني‪1282 – 1219‬هـ‪-1804/‬‬
‫‪1865‬م‪� ،‬أ�سامة محمد �أبو النحل‪ ،‬درا�سة‪ ،‬جامعة الأزهر – غزة ‪.2001‬‬
‫الحياة الثقافية في فل�سطين ولبنان في عهد �أحمد با�شا الجزار‪� ،‬أ�سامة �أبو النحل‪،‬‬
‫درا�سة‪ ،‬جامعة الأزهر في غزة‪.2005 ،‬‬
‫‪68‬‬
‫الجلسة الثانية‬
‫�����������������‬
‫ترأس الجلسة الثانية‬
‫السيد حسين حجازي‬
‫(((‬
‫نحن في جبل عامل حيث ي�ش ِّكل كل يوم منه تاريخ ًا م�ستق ًال يحتاج �إلى جملة من‬
‫الكتّاب في مختلف الإخت�صا�صات في هذا التاريخ العريق الذي اقترن فيه القلم بالدم‪،‬‬
‫وجمي ٌل في تاريخ ال�شعوب �أن يقترن القلم بالدم والجهاد في �سبيل اهلل تعالى‪ ،‬ويا ح ّبذا لو‬
‫�أ َّننا ا�ستبقنا الظلم والتزوير والتحريف المتوقع ح�صوله في هذا الزمان وبد�أنا بالكتابة‬
‫عن �إنجازات حرب تموز حتى ال نقع في المحظور �أكثر من م َّرة على ٍّ‬
‫كل في التاريخ‬
‫و المخ�ص�ص عقده اليوم في هذا ال�ؤتمر عن مرحلة الجزَّار ن�ست�شرف روح (ال�شيخ‬
‫�إبراهيم �إبن ال�شيخ يحي �إبن ال�شيخ محمد بن �سليمان العاملي الطيبي)‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬
‫�����روح و ِم�����ص�� ُرن��ا‬
‫َي��� ِع��� ُّز ع��ل��ي��ن��ا �أن ن َ‬
‫و َع���ه ِ���د ب��ه��ا م�����ؤه����و َل���� ٌة و رب��ي�� ُع��ه��ا‬
‫���������ص����ا ِر ٌم‬
‫وك���������انَ ل���ه���ا م�����ن � ِآل ن َّ‬
‫((( �إمام بلدة قبريخا‪.‬‬
‫‪71‬‬
‫���رع ْ���ونَ َم��غ��ن�� ًا َي�����ص�� َت��ف��ي�� ِه و َم��غ�� َن ُ��م‬
‫ِل���ف َ‬
‫ع��ل��ى ُك ِّ‬
‫���ح��� َّر ُم‬
‫�����ل ُم����رت����ا ِد ال��� ِع���ن���ا ِد ُم َ‬
‫ث��ق��ي�� ٌل و���س��ه��م ٌ ال َي��ط��ي��� ُ��ش و َل��ه َ��ذم��وا‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ق�ضى في ِظ َ‬
‫فات ُم َط َهر ًا‬
‫�ل�ا ِل ال ُم َ‬
‫ره ِ‬
‫����ام فينا‬
‫و َل َ‬
‫�ست تَ��� َر و ع��ا َث ْ��ت َي��� ُد الأ َي ِ‬
‫���س���ت ت����رى �إ َّال ق��ت��ي ً‬
‫�لا و ه���ارب��� ًا‬
‫ول���� َ‬
‫�إلى �أن يقول في مكان �آخر‪:‬‬
‫�أُ َك��� ْف ِ���ك ُ‬
‫���ف دم���� َع ال��ع��ي ِ��ن و ه���و َغ��زي�� ُر‬
‫أرواح م��ن ن��ح ِ��و ع��ام ً��ل‬
‫و�أن��ت ِ‬
‫َ�����ش��قُ ال َ‬
‫‪72‬‬
‫و� ُّأي ���ش��ه��ي ٍ��د ال ُي َ‬
‫������د ُم‬
‫�����ط����� ِّه����� ُر ُه ال َ‬
‫غم مني �أن �أكونَ ُم َه َّد ُم‬
‫ف َمج ُدنا و بال َر ِ‬
‫َ���س��ل��ي��ب�� ًا و م���ك���ب ً‬
‫���وال ُي���� َغ���� ُل و ُي َ‬
‫���م‬
‫���رغ ُ‬
‫����م ن�����ا َر ال���ق���ل ِ���ب و ه���ي تَ���ف���و ُر‬
‫و �أك���� ِت ُ‬
‫����و ٌة و ُ�����س����رو ُر‬
‫وف���ي���ه���ا ِل���م���ث ِ���ل َ�����س����ل َ‬
‫������������������������������������������������‬
‫الخسائر التي ُمني بها جبل عامل‬
‫جراّء حكم الجزار‬
‫أ‪ .‬د‪ .‬مصطفى بزي‬
‫(((‬
‫مقدمة‬
‫كان النظام الم ّتبع في جبل عامل في ظل ال�سيطرة العثمانية نظام المقاطعجية‪� ,‬أي‬
‫الإلتزام‪ ,‬حيث كان المقاطعجيون يلتزمون البلديات والقرى من الوالة العثمانيين (في‬
‫دم�شق‪� ,‬أوعكا‪� ,‬أو�صيدا �أو غيرها)‪ ,‬مقابل مبالغ �سنوية‪ ،‬تزيد او تنق�ص وفق ًا للعالقة التي‬
‫كانت تربط المقاطعجي بالوالي‪ ,‬والإلتزام ي�ستمر �أو يتوقف‪� ,‬أو يتغير ثمنه تبع ًا لتلك العالقة‪.‬‬
‫المقاطعجيون بدورهم‪ ,‬كانوا يجمعون الأموال من الرعايا التابعين لهم‪ ,‬على �شكل‬
‫�ضرائب‪ ,‬وذلك عن طريق وكالء لهم‪ ,‬في البلدات والقرى‪ ,‬وعادة يكون ه�ؤالء الوكالء‬
‫من المقربين للمتنفذين‪� ,‬أومن �أقاربهم‪ ,‬وعادة هم من العائالت الرئي�سية المتنفذة‪.‬‬
‫ومن المعروف �أن «المبلغ المالي المتفق عليه‪ ,‬لم يكن يدفع كله مرة واحدة‪ ,‬فبع�ضه‬
‫((( �أ�ستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية كلية الآداب‪.‬‬
‫‪73‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫يدفع مقدماً‪ ,‬والبع�ض الأخر �آج ً‬
‫ال(((‪.‬‬
‫هذا وكانت الدولة العثمانية تطرح المقاطعات «الريفية للوالية‪ ,‬للمزايدة بين‬
‫الراغبين فيها من �أعيان البالد و�أغنيائها‪ ,‬مقابل مبالغ محدودة يدفعها الراغب‬
‫في الإلتزام‪ ،‬وفي مقابل ذلك‪ ،‬كان الملتزم ح ّر الت�صرف في �أن يجبي ما ي�شاء من‬
‫الأهالي‪ ,‬ب ً‬
‫دال من قيمة الإلتزام التي كان يدفعها كل عام»(((‪.‬‬
‫المقاطعجيون كان عليهم مقابل االلتزام‪ ,‬تلبية رغبات الوالة والحكام‪ ,‬في تقديم‬
‫الخدمات الع�سكرية‪ ,‬خا�صة حين ترى ال�سلطنة �أنّ الواجب ي�ستدعي النفير(�أي ح�شد‬
‫القوات الع�سكرية من الواليات للم�شاركة في الحروب والدفاع عن ال�سلطنة)‪.‬‬
‫جبل عامل كان ي�شكل ق�سم ًا من والية �صيدا‪ ,‬وامتدت حدوده من نهر الأولي �شما ًال‪,‬‬
‫حتى الر�أ�س الأبي�ض جنوب ًا‪ ،‬ومن البحر المتو�سط غرب ًا حتى بحيرة الحولة‪ ,‬بعر�ض‬
‫ثمانين كلم �شرق ًا‪ .‬وكان لموقع هذا الجبل‪ ,‬من الناحية الجغرافية‪ ,‬الأثر الهام في تطور‬
‫حياته ال�سيا�سية والإقت�صادية والإجتماعية‪ ,‬لقد كان يحتل نقطة مركزية‪ ،‬و�سط ًا‪ ,‬بين‬
‫�سوريا وفل�سطين وجبل الدروز‪ ,‬وتبع ًا لتطور الظروف الع�سكرية والأمنية وال�سيا�سية في‬
‫هذه االماكن‪ ،‬ف�إنّ جبل عامل كان حكم ًا يت�أثر �إلى حد كبير بتق ّلبات موازين القوى في‬
‫المحيط والجوار‪.‬‬
‫�إن ال�سلطة العثمانية في بع�ض المناطق‪ ،‬ومنها منطقة جبل عامل‪ ،‬لم تطبق ولم‬
‫تفر�ض الحكم المبا�شر‪ ,‬فيكفي �أن يكون الحاكم العثماني متواجد ًا في مركز الوالية‪،‬‬
‫�صيدا‪� ،‬أو عكا‪ ،‬ويرتبط به زعماء محليون متنفذون‪� ,‬أبناء عائالت كبيرة‪ ,‬قادرون على‬
‫تنفيذ الأوامر التي ت�صدر من ال�سلطان �أو الوالة �أو الحكام‪ ,‬لجمع ال�ضرائب �أو الخدمة‬
‫الع�سكرية �أو ال�سخرة‪ ,‬ويذكر بع�ض الم�ؤرخين في هذا الخ�صو�ص‪� ,‬أن «الحكم العثماني‬
‫في هكذا �أقاليم ك�أنه �إ�سمياً �أو �سطحياً‪ ،‬بمعنى �أنها (�أي ال�سلطة العثمانية) لم تكن‬
‫((( حول مو�ضوع الإلتزام �أنظر‪ :‬عبد العزيز �شناوي‪« :‬تاريخ �أوروبا في الع�صر الحديث» القاهرة‪� ,‬سنة ‪�( 1961‬ص ‪)535 - 534‬‬
‫((( علي الزين‪« :‬للبحث عن تاريخنا في لبنان» ط‪�( 1973 ،1‬ص‪)326‬‬
‫‪74‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫تر�سل �إلى �إقاليمها (البعيدة والجبلية والوعرة) حكاماً عثمانيين‪ ,‬و�إنما فقط تعترف‬
‫بوجود زعيم قبلي �أو ع�سكري‪� ,‬أو �إقطاعي يحكم با�سم ال�سلطان‪ ,‬ويدفع في كل �سنة‬
‫الميري والجزية المقررة عليها‪ ،‬ويحافظ على النظام بين ال�سكان»(((‪.‬‬
‫الم�شكلة بالن�سبة للوالة والحكام كانت تتمثل ب�أنه «�إذا بلغ �أحد الزعماء درجة من‬
‫القوة والنفوذ‪ ,‬ونزع �إلى الإ�ستقالل‪ ،‬و�شك ّل خطراً على جيرانه‪ ،‬كانت ال�سلطة المركزية‬
‫في اال�ستانة‪� ,‬أو في الواليات‪ ,‬تتذرع بال�صبر‪ ,‬وتنتظر الفر�صة المنا�سبة للإيقاع به‪،‬‬
‫وذلك القتناع �أولئك الم�س�ؤولين‪ ،‬ب�أن الق�ضاء على جميع المتمردين في وقت واحد‬
‫�أمر �صعب‪ ،‬وال نهاية له‪ ،‬ويتطلب �أ ً‬
‫مواال وفيرة وقوات غفيرة ‪ ...‬لذلك كانت ال�سلطات‬
‫العثمانية ت�شير على ه�ؤالء جيرانهم �أو �أقرباءهم �أو ابناءهم �أنف�سهم»(((‪.‬‬
‫ت�سدْ»‪ ،‬حيث كانت ت�ؤ ّلب‬
‫الواقع‪� ،‬أن الدولة العثمانية كانت تعتمد �سيا�سة «ف ّرق ُ‬
‫الزعماء المحليين على بع�ضهم البع�ض‪ ,‬فتكت�سب والء زعيم على ح�ساب زعيم �آخر‪،‬‬
‫وتترك ه�ؤالء يتخا�صمون ويتقاتلون نياب ًة عنها‪ ,‬في�ضعف الجانبان‪ ,‬ويكون ذلك في‬
‫م�صلحة ال�سلطة المركزية‪ ,‬ويعمل المتخا�صمون �إلى التق ّرب من الوالي لنيل ر�ضاه‪.‬‬
‫كذلك ف�إنّ الأمر نف�سه كان يح�صل في مو�ضوع الإلتزام‪ ,‬فطالما كان الملتزم م�ؤدي ًا‬
‫لل�شروط المطلوبة منه‪ ،‬من تقديم �أموال وهدايا و�أعطيات وخدمات وغير ذلك‪ ,‬ف�إنّ‬
‫الإلتزام يبقى قائم ًا‪ ,‬والعك�س �صحيح‪ .‬منطقة جبل عامل‪ ,‬كان يتولى �إدارتها مجموعة‬
‫من الم�شايخ‪ ،‬يقيم كل منهم في �إحدى المقاطعات مع �أتباعه المزارعين‪ ,‬الذين‬
‫يتعهدون �أر�ض المقاطعة لح�سابه(((‪ ،‬وه�ؤالء الم�شايخ(((‪ ،‬كانوا قادرين على تجنيد‬
‫((( نقوال زيادة‪�« :‬أبعاد التاريخ اللبناني الحديث» جامعة الدول العربية‪ ,‬ق�سم البحوث والدرا�سات التاريخية والجغرفية‪ ،‬القاهرة‪،‬‬
‫�سنة ‪�( 1972‬ص ‪.)34‬‬
‫((( فولني‪�« :‬سوريا ولبنان وفل�سطين في القرن الثامن ع�شر» ترجمة حبيب ال�سيوفي‪ ،‬جزءان‪ ،‬الجزء الأول‪ ،‬المجلة المخل�صية‪،‬‬
‫�صيدا‪�( 1949 - 1948 ،‬ص‪)67 – 66‬‬
‫((( دائرة الوثائق القومية في باري�س‪ ،‬مجموعة(‪ ،)A-E-B‬مجلد ‪ ،1019‬تقرير �صادر عن �صيدا‪ ،‬بتاريخ ‪.1712/9/2‬‬
‫((( حول العائالت المتنفذة في جبل عامل‪ ،‬راجع‪ :‬ميخائيل ال�صباغ‪« :‬تاريخ ال�شيخ ظاهر العمر حاكم عكا وبالد �صفد» حري�صا‪،‬‬
‫لبنان‪ ،‬ال تاريخ للن�شر(ورقة رقم ‪.)11‬‬
‫‪75‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�أعداد كبيرة من المقاتلين والفر�سان‪ ,‬الذين كانوا يدافعون عن منطقتهم‪ ،‬والوقوف في‬
‫وجه �أعدائهم‪ ،‬وتلبية رغبة الزعيم‪� ،‬إذا ما �أراد م�ساعدة �أحد الوالة �أو الأن�صار‪.‬‬
‫�إ�ستقالل عاملي ذاتي‬
‫«ق ّي�ض للعاملين نوع من الإ�ستقالل الذاتي‪ ,‬والت�ص ّرف الحر‪ ,‬فبعد �أن بنى‬
‫ق�سموا مقاطعاتهم بين زعمائهم �سنة‬
‫العامليون القالع‪ ,‬ور ّمموا الموجود منها‪ّ ،‬‬
‫‪1163‬هـ ‪� ,‬إلى ثمان‪ ,‬خم�س منها تحت �سلطة �آل علي ال�صغير وهي‪ :‬تبنين وهونين‬
‫و�ساحل معركة و�ساحل قانا ومرجعيون‪ ,‬ومقاطعة واحدة تحت �سلطة �آل �أبي �صعب‪,‬‬
‫وهي مقاطعة ال�شقيف‪ ,‬ومقاطعتان تحت �سلطة �آل منكر‪ ،‬وهي �إقليم ال�شومر وجباع‪،‬‬
‫وكان الحاكم ي�ؤدي عنها �ستين �ألف قر�شاً �سنوياً‪ ,‬مق�سطة على اثني ع�شر �شهراً‪،‬‬
‫وكانت تبنين لنا�صيف و�صور لعبا�س العلي‪ ,‬وهونين لقبالن»((( ‪.‬‬
‫ورغم وجود الأُ�سر العديدة المتناف�سة في جبل عامل‪ ,‬على زعامته‪ ،‬وال�سيطرة على‬
‫مقاطعاته‪� ،‬إال �أنه يمكن القول �أن «�آل علي ال�صغير ظلوا الأقوى نفوذاً في المنطقة‪,‬‬
‫حيث ح�صلوا من الوالة العثمانيين على معظم التزامات الإقطاعيات التي كانوا‬
‫يل ّزمونهم �إياها‪ ،‬وذلك لجباية الر�سوم وال�ضرائب المترتبة عليها»(((‪.‬‬
‫ويظهر �أنّ خالفات كانت موجودة بين زعماء عاملة في تلك الفترة‪ ,‬حيث �أنّ بع�ضهم‬
‫لم َ‬
‫ير�ض عن التق�سيم الذي حدث للمقاطعات‪ ،‬ويذكر ال�شيخ محمد تقي �آل فقيه‪ ,‬في‬
‫هذا ال�صدد‪� ,‬أنّ «�آل منكر و�آل ال�صعبي لم يعترفوا بحكومة �آل علي ال�صغير»(((‪.‬‬
‫الن�صار‬
‫بروز نجم نا�صيف ّ‬
‫ي�ؤكد الم�ؤرخ ال�شيخ علي الزين‪� ,‬أنه «لم يكن يوجد �شيخ م�شايخ في جبل عامل‬
‫((( ال�شيخ طنو�س ال�شدياق‪�« :‬أخبار الأعيان في جبل لبنان» الجزء الثاني �سنة ‪�( 1859‬ص‪)29‬‬
‫((( يا�سين �سويد‪« :‬جبل عامل في عهد االمارتين المعنية وال�شهابية ‪ »1842-1516‬درا�سة من�شورة في‪�« :‬صفحات من تاريخ جبل‬
‫عامل» المجل�س الثقافي للبنان الجنوبي‪ ،‬دار الفارابي‪ ،‬بيروت �سنة ‪�( 1979‬ص‪)57‬‬
‫((( محمد تقي �آل فقيه‪« :‬جبل عامل في التاريخ» المطبعة العلمية �سنة ‪�( 1946‬ص‪) 84‬‬
‫‪76‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫ن�صار مقدّم �آل ال�صغير في حوادث �سنة‬
‫ن�صار الن�صار‪ ،‬عم ال�شيخ قبالن‪ ,‬وكان ّ‬
‫قبل ّ‬
‫‪1144‬هـ‪ ،‬وان �إبنه نا�صيف كان �شيخ م�شايخ في حوادث كفر رمان والنبطية �سنة‪1185‬هـ‪,‬‬
‫وحوادث الغازية وحارة �صيدا �سنة ‪1186‬هـ‪ ،‬وما تالهما من الحوادث»(((‪.‬‬
‫وكان ال�شيخ نا�صيف الن�صار يحمل لقب �شيخ م�شايخ جبل عامل‪ ،‬ويذكر �أنه في عهده‪,‬‬
‫�أر�سل علي بك الكبير حاكم م�صر جي�ش ًا لفتح �سوريا بقيادة محمد بك �أبو الذهب‪,‬‬
‫و�أثناء مروره بفل�سطين‪� ،‬إن�ضم �إليه نا�صيف الن�صار وظاهر العمر في جبل عامل‪« .‬وزاد‬
‫جي�ش علي بك الكبير بجي�ش ظاهر العمر الم�ؤلف من ‪ 1500‬عربي من وطنه �صفد‪,‬‬
‫وخ ّيالة من المتاولة بقيادة نا�صيف‪ ,‬ومركزه ‪� -‬أي نا�صيف ‪ -‬على بعد ب�ضعة فرا�سخ‬
‫من �صور»(((‪.‬‬
‫هذا ويذكر �أنّ جي�ش �أبي الذهب دخل دم�شق منت�صر ًا‪ ,‬ثم ان�سحبوا منها لغير �سبب‬
‫ظاهر‪ ،‬وذهبوا �إلى م�صر‪ ،‬ولما علم بذلك ال�شيخ ظاهر العمر‪� ,‬إن�سحب �إلى ج�سر بنات‬
‫يعقوب مع المتاولة وال�صفديين‪ ،‬وفي مو�سوعة �أعيان ال�شيعة �أنّ «المتاولة في تلك‬
‫الفترة كانوا ينق�سمون �إلى ق�سمين‪ :‬الأول ي�سكن �شمال �سهل البقاع في �ضواحي‬
‫بعلبك‪ ,‬فيميلون تار ًة �إلى الأمير يو�سف ‪ -‬حاكم ال�شوف ‪ -‬وطوراً �إلى عثمان با�شا‬
‫والي دم�شق‪ ,‬من قبل الدولة العثمانية‪ ,‬والثاني �أكثر عدداً من الأول‪ ،‬و�أكثر �أهمية‪،‬‬
‫وي�سكن القمم من الجبال الواقعة �شرقي �صور‪ ,‬وي�سير مع ظاهر العمر‪ ,‬ومنذ زمن‬
‫بعيد‪ ,‬رف�ض المتاولة دفع الميرة وت�شاجروا هم وبا�شا �صيدا‪ ،‬مع �أنهم كانوا �ضمن‬
‫حكومته»(((‪.‬‬
‫وحول �أهمية نا�صيف الن�صار‪ ,‬يجمع معظم الم�ؤرخين �أنه «�إلى جانب ظاهر العمر‪,‬‬
‫كان يقيم �أمير جبل عامل نا�صيف الن�صار‪ ,‬وكان �أول الأمر في خ�صام مع ظاهر‪ ،‬ثم‬
‫((( علي الزين‪« :‬المرجع ال�سابق»( �ص‪) 470 - 469‬‬
‫((( محمد كرد علي‪« :‬خطط ال�شام» �ستة �أجزاء‪ ،‬ط‪ ،3‬مكتبة النوري‪ ،‬دم�شق �سنة ‪�( 1983‬ص‪) 300‬‬
‫((( نق ًال عن ح�سن الأمين‪« :‬جبل عامل ال�سيف والقلم» ط‪ ،1‬دار الأمير‪ ،‬بيروت �سنة ‪�( 2003‬ص ‪)146‬‬
‫‪77‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫تحالفاً على �أعدائهم الم�شتركين‪ ،‬ونا�صيف نف�سه يتمتع با�ستقالل في جبله‪ ،‬اليق ّل‬
‫عن مثيليه في القاهرة وعكا»(((‪� ،‬أي علي بك الكبير وظاهر العمر‪ .‬هذا ومن الوا�ضح‪،‬‬
‫من ت�سل�سل الأحداث‪� ،‬أن التفاهم بين ظاهر العمر وحليفه نا�صيف الن�صار كان وا�ضح ًا‪,‬‬
‫ويهدف �إلى توحيد قواهما‪ ,‬و «م�ساهمة جبل عامل في قيام الدولة الجديدة»(((‪.‬‬
‫�إنّ التحالف بين ظاهر العمر ونا�صيف الن�صار‪ ،‬كانت له محاذير لدى خ�صومهما‪,‬‬
‫لكن بالمقابل كانت له �آثار �إيجابية على المقاطعات العاملية‪ ,‬التي كانت تتطلع �أكثر‬
‫ف�أكثر �إلى نوع من الإ�ستقالل عن الدولة العثمانية‪ ,‬والتوقف عن دفع ال�ضرائب‪.‬‬
‫يتم فيها تحالف ال�شيخ نا�صيف الن�صار مع قوى �أخرى‬
‫ُيالحظ �أنها المرة الأولى التي ّ‬
‫غير عاملية‪ ،‬متجاوز ًا ال�سلطة العثمانية‪ ،‬وهي المرة الأولى �أي�ض ًا‪ ,‬التي يبدو فيها ال�شيخ‬
‫نا�صيف الن�صار عام ًال وهادف ًا بجدية في �سبيل الإ�ستقالل الفعلي عن الدولة‪ ،‬وهذا‬
‫الأمر كان دونه عقبات كبيرة جد ًا‪ ،‬فالتحالفات مبدئي ًا لم تكن ثابتة‪ ،‬لأنّ الم�صالح‬
‫الخا�صة كانت تفر�ض نف�سها وتغ ّير ال�سيا�سات‪ ،‬كما �أنّ «الدولة العثمانية لم تكن‬
‫ت�سمح ب�أية حركة ا�ستقاللية‪ ،‬ل ّأن التغا�ضي عن مثل هذا الأمر‪� ،‬أو الت�ساهل به‪ ،‬ف�إنه‬
‫ي�ؤدي �إلى �إت�ساع حركة الإ�ستقالل عن الدولة»(((‪.‬‬
‫المعركة �ضد عثمان با�شا ال�صادق (معركة الحولة)‬
‫�أوعزت الدولة العثمانية �إلى عثمان با�شا ال�صادق‪ ,‬والي دم�شق‪ ،‬و�إلى والي �صيدا‪,‬‬
‫بت�سيير حملة كبيرة م�ؤلفة من ثالثين �ألف مقاتل لمهاجمة منطقة جبل عامل‪ ،‬ومقاطعة‬
‫�صفد في فل�سطين‪ ،‬بهدف �إخ�ضاع هذه المنطقة لل�سلطة المركزية‪ ،‬والح�ؤول دون �أ ّية‬
‫محاولة للإ�ستقالل عنها‪.‬‬
‫((( نف�س المرجع (�ص ‪)149‬‬
‫((( نف�س المرجع‬
‫((( حول بروز نا�صيف راجع‪ :‬ح�سين �سليمان‪« :‬مجلة الباحث» ال�سنة الرابعة‪ ،‬عدد ‪�( 21-20‬ص‪)56‬‬
‫‪78‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫علم نا�صيف الن�صار ب�ش�أن الحملة‪ ,‬فا�ستع ّد لها‪ ،‬وا�ستنفر ع�ساكره وفر�سانه‪ ،‬ويقال‬
‫�أنه «ع�سكر قرب النبي يو�شع‪ ،‬ونذر نا�صيف هلل تبارك وتعالى �إذا انت�صر في المعركة‪،‬‬
‫�سوف يقوم بتجديد بناء مقام النبي يو�شع‪ ،‬ون�صره اهلل‪ ،‬و�أوفى نذره ببناء قمة‬
‫�شامخة‪� ،‬أ ّرخ لها ال�شيخ �إبراهيم العاملي بقوله‪:‬‬
‫م���ق���ام ���ش��ري��ف �أط���ل���ع ال���ي���وم �شم�سه خ��ل��ي��ف��ة ن�������ص���ار ال����م�����ؤي����د ب��ال��ن�����ص��ر‬
‫ف����ل���� ْذ ب����ح����م����اه ط����ال����ب����اً ل����ل����ذي ب��ن��ى من اهلل ط��ول العمر مع واف��ر الأج��ر‬
‫وق ْ‬
‫�����ل ع��ن��د �إه�������داء ال�������س�ل�ام م����ؤرخ���اً عليك �سالم اهلل ي��ا ث��اوي ال��ق��ب��ر»(‪.)1‬‬
‫نتج عن المعركة فرار عثمان با�شا‪« ،‬و ُقتل من رجاله خم�سمئة فار�س‪ ،‬ولم ين ُج �إال‬
‫من رمى نف�سه في البحيرة»(((‪ ،‬وبعد هذه المعركة �أ�صبحت ثقة العامليين ب�أنف�سهم‬
‫كبيرة‪ ،‬ويتناقل الم�ؤرخون مروية عن �أل�سنة ممن �شارك في المعركة قولهم‪« :‬لما بد�أ‬
‫نا�صيف بالزحف برجاله لي ً‬
‫ال بعد ال�صالة والدعاء‪� ،‬شاهدوا ظبياً يقفز �أمامهم بين‬
‫تلك الروابي‪ ،‬وخلفه رجل مع ّمم ين�شد �أبياتاً اولها‪:‬‬
‫����م ت���ف���ت���ي ب����ال����ح����ب ب�������س���ف���ك دم�����ي‪.‬‬
‫�أي���������ح��������� ُّل ل�����������س�����اك�����ن����� ِة ال����ع����ل ِ‬
‫و�سرى الخبر بين المهاجمين‪ّ ،‬‬
‫ون�شطهم ر�ؤ�سا�ؤهم‪� ،‬أن اهلل �سبحانه وتعالى قد‬
‫ا�ستجاب دعاءهم ببركة النبي يو�شع‪ ،‬و�أن روحه ال�شريفة تج�سدت هذا الغزال‪ ،‬و� ّأن‬
‫(((‬
‫الفوز بجانبهم‪ ,‬وكان ما �أملوا»‬
‫وبعد هذا الإنت�صار الذي حققه العامليون بقيادة نا�صيف الن�صار‪ ،‬والذي تمثل‬
‫بهزيمة البا�شا العثماني‪ ،‬والي �سوريا‪�« ،‬شوهد والي �صيدا دروي�ش با�شا (�أب عثمان‬
‫با�شا والي ال�شام نف�سه)‪ ،‬يف ّْر من المعركة خوفاً على نف�سه»(((‪.‬‬
‫((( محمد جابر �آل �صفا‪« :‬تاريخ جبل عامل» ط‪ ،4‬دار النهار للن�شر �سنة ‪�( 2004‬ص ‪)123‬‬
‫((( نف�س المرجع (�ص‪)124‬‬
‫((( نف�س المرجع (�ص ‪)124‬‬
‫((( الأمير حيدر ال�شهابي‪« :‬ال ٌغرر الح�سان في تواريخ والأزمان» ‪� 3‬أجزاء الجزء الأول‪ ،‬طبعة الجامعة اللبنانية‪ ،‬بيروت �سنة ‪1969‬‬
‫(�ص‪)89‬‬
‫‪79‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ومن الجدير بالذكر �أن عدد ًا من زعماء عاملة �شاركوا في هذه المعركة‪ ,‬وفي‬
‫مقدمتهم‪« :‬ال�شيخ حمزة المحمد‪ ,‬وال�شيخ حمد العبا�س‪ ،‬وال�شيخ علي الفار�س‬
‫ال�صعبي»(((‪.‬‬
‫ال �شك �أنّ الدور الذي لعبه �شيخ الم�شايخ نا�صيف الن�صار في تلك الفترة‪ ,‬جعله‬
‫ّ‬
‫محط �أنظار الجميع‪ ،‬ومو�ضع اهتمامهم‪ ،‬فالك ّل يطلب و ّده والتقرب منه‪ ،‬والتحالف معه‪،‬‬
‫فلقد قال عنه «�شيفالييه دي تولي�س» قن�صل فرن�سا في �صيدا �سنة ‪ 1772‬ب�أنه «ال�شيخ‬
‫الكبير الذي ا�شتهر في كل �سوريا ب�شجاعته»(((‪.‬‬
‫�إنّ هذا الأمر �سوف يكون في وقت الحق‪� ،‬أحد اال�سباب الرئي�سية التي جعلت �أحمد‬
‫با�شا الجزار‪ ،‬ي�ضع ن�صب عينيه هدف ًا �أ�سا�سي ًا‪� ،‬أال وهو مهاجمة جبل عامل‪ ،‬و�ضرب‬
‫قيادته‪ ،‬و�إنهاء دورها‪ ،‬والق�ضاء على تطلع العامليين وزعمائهم في تلك الفترة باتجاه‬
‫�أي نوع من الإ�ستقالل الذاتي‪.‬‬
‫العامليون في مواجهة والي �صيدا والأمير يو�سف ال�شهابي ‪1185‬هـ ‪1771‬م (‪ 12‬رجب)‬
‫يبدو �أنّ المتاولة نبذوا طاعة دروي�ش با�شا والي �صيدا‪ ،‬وتقووا على حدود �إمارة‬
‫الأمير يو�سف‪ ،‬ويقول طنو�س ال�شدياق �أنهم «جعلوا يخرقون في قرى مرج عيون‬
‫والحوالتين‪ ،‬و�أظهروا ال�شحناء للأمير ب�سب توليه مكان عمه الأمير من�صور‪،‬‬
‫(وكانت الدولة العثمانية قد غ�ضبت على الأمير من�صور �أخ الأمير ملحم وع ّم الأمير‬
‫يو�سف‪ ,‬لترحيبه باحتالل دم�شق من قبل الحلفاء الثالثة‪ ,‬محمد ابو الذهب وال�شيخ‬
‫ظاهر العمر‪ ,‬وال�شيخ نا�صيف الن�صار) لأنهم كانوا يميلون �إليه‪ ،‬وكان �أكثرهم هياجاً‬
‫ال�صغيرية وال�صعبة‪ ,‬فبلغ الأمير خبرهم‪ ،‬فدخله الغيظ منهم لتحر�شهم بالديار‬
‫المذكورة‪ ،‬فجمع الأمير الجموع في لبنان‪ ،‬وكتب �إلى خاله (�أمير حا�صبيا) �أن يجمع‬
‫((( ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» (�ص ‪)195‬‬
‫(((‬
‫‪ADEL Ismail: «Document diplomatiques et consulaires»T2 (p:210): 210‬‬
‫‪80‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫رجاله ويالقيه بهم �إلى جبل عامل لقتال ال�شيعة»‪.‬‬
‫وي�ضيف ال�شدياق قائ ًال حول المعركة‪ ,‬التي �سار اليها الأمير من دير القمر بجحفل‬
‫زهاء ع�شرين �ألف ًا‪ ,‬فر�سان ًا وم�شاة‪� ,‬أن هذا الأخير قام بع�سكره قا�صد ًا قرية جباع‬
‫الحالوة‪ ،‬ف�أحرق جميع قرى �إقليم التفاح‪� ،‬إلى �أن بلغ جباع‪ ،‬فهرب منها بنو منكر‪،‬‬
‫وتع�صبوا لل�صغيرية وال�صعبية‪ ،‬فخافوا جميع ًا وا�ستدعوا اليهم ال�شيخ ظاهر‬
‫�أ�صحابه ّ‬
‫العمر الزيداني �صاحب عكا‪ ،‬وكان عمل الأمير يو�سف مكيدة مع ال�شيخ عبد ال�سالم‬
‫العماد (�أ�شار ال�شيخ عبد ال�سالم العماد على الأمير ب�أذى بني منكر المتاولة‪� ،‬أ�صحاب‬
‫ال�شيخ علي جنبالط‪ ،‬وبعث هذا الأخير �إلى �أحزابه �س ّر ًا‪� ،‬أنه متى �صارت الم�صارف‪،‬‬
‫ينف�ضوا بال قتال ففعلوا)‪ ,‬ثم �إن الأمير‪ ،‬بعد �أن نهب جباع وقطع �أ�شجارها و�أحرقها‪,‬‬
‫وهدم �أماكنها‪ ,‬وبات فيها ليلتين ‪ ...‬ثم �أدرك قرية كفرمان ‪� 29‬آب �سنة ‪، 1771‬‬
‫ف�أحرقها‪ ,‬وبقي �سائر ًا حتى �أدرك �أطالل قرية النبطية‪ ,‬وهناك �إلتقت قوادم جي�شه‬
‫بعيون المتاولة وطالئعهم‪ ،‬فلما ر�أت المتاولة ذلك‪ ,‬وت�أكدوا عدم �إجابته لل�صلح‪ ،‬عزموا‬
‫على القتال‪ ،‬فتجمعوا نحو �أربعة �أالف‪ ،‬وان�ضم اليهم ال�شيخ ظاهر‪ ،‬حنق ًا على الأمير‬
‫يو�سف‪ ،‬ولما التقى الجي�شان‪ ,‬وت�صادمت الفر�سان‪ ،‬انف�ضت الرجال الجنبالطية‪ ،‬وو ّلوا‬
‫الأدبار‪ ,‬ح�سب �إرادة زعيمهم ال�شيخ علي‪ ,‬ولما انف�صلوا عن الع�سكر تقلقلت ال�صفوف‪,‬‬
‫وخافوا‪ ,‬فجمعت عليهم المتاولة والزيادنة فانك�سروا‪ ,‬وقتل منهم نحو �ألف وخم�سمئة‬
‫رجل(((‪.‬‬
‫هذا ويذكر بع�ض الم�ؤرخين �أن ال�شيعة «هجموا بال�سالح الأبي�ض‪ ،‬فانهزم الجي�ش‬
‫كله انهزاماً تاماً‪ ،‬ي�صعدون في جبل العرقوب‪ ،‬وروابي �سجد المطلة على �سهل‬
‫الميذنة وعقبة جرجوع‪ ,‬وحراب ال�شيعة تعمل في اقفيتهم وتذبحهم ذبح النعاج‪،‬‬
‫ومات �أكثرهم خوفاً وتعباً»(((‪.‬‬
‫((( ال�شيخ طنو�س ال�شدياق‪«:‬المرجع ال�سابق» الجزء الأول (�ص‪ )152‬والجزء الثاني (�ص ‪)43 -42‬‬
‫((( ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» (�ص ‪ )274‬وما بعد‬
‫‪81‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�أما الم�ؤرخ العاملي ال�شيخ علي ر�ضا‪ ،‬فيقول بدوره حول هذه المعركة الفا�صلة‬
‫�أنّ «ال�شيخ نا�صيف الن�صار تعقب بنف�سه الأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬ف�أدركه في عقبة‬
‫جرجوع‪ ،‬و�أنزله عن �ضهر بغلته �إلى الأر�ض و�ألب�سه الفرو مقلوباً‪ ،‬وقال له‪« :‬عفوت‬
‫(((‬
‫ن�صار»‬
‫عنك ر�أفة ب�شبابك‪ ،‬واحتراماً لأ�سرتك و�أنا ابن ّ‬
‫وهناك من الم�ؤرخين‪ ،‬من يرفعون عدد قتلى ع�سكر الأمير يو�سف بثالثة �أالف(((‪.‬‬
‫«يبدو � ّأن �أموراً عديدة‪ ،‬ونتائج‪ ،‬كثيرة‪� ،‬أ�سفرت عنها هذه المعركة‪ ،‬وقيل فيها الكثير‪،‬‬
‫ويقول البع�ض‪� ،‬أن نجدة ظاهر العمر‪ ،‬بقيادة ولديه ال�شيخ علي وال�شيخ عثمان‬
‫و�صلت بعد �أن و�ضعت الحرب �أوزارها‪ ،‬وقيل �أنها تباط�أت ق�صداً‪ ،‬ولما انجلت المعركة‬
‫عن انت�صار ال�شيعيين‪ ،‬قال علي لعثمان‪� :‬سو ّد اهلل وجهك‪ ،‬ك�سب �أوالد �أم علي (�أي‬
‫(((‬
‫ال�شيعة) الحرب‪ ،‬وك�سبنا العار»‬
‫بالمقابل ف�إنّ بع�ض الم�صادر الأجنبية((( �أكدت �أن علي ظاهر العمر كان يقاتل مع‬
‫العامليين وبع�ضهم الأخر((( لم ي�شر �إلى مقاتلة الزيادنة مع العامليين في هذه المعركة‪.‬‬
‫المهم �أنّ يو�سف ال�شهابي هزم في هذه المعركة �ش ّر هزيمة(((‪ ،‬وكان لها الوقع‬
‫القوي‪ ،‬وال�صدى المهم‪ ،‬كما كانت لها تداعيات خالل الفترة التالية‪ .‬ويذكر الأمير‬
‫�ضجت الأر�ض‬
‫حيدر ال�شهابي �أنه «لما رجع الأمير يو�سف‪ ،‬ومن �سلك معه �إلى البالد ّ‬
‫بالبكاء‪ ،‬وت�سرلبت الن�ساء بال�سواد»(((‪� .‬أنّ ما يلفت النظر خالل هذه المعركة هو‬
‫الن�سحاب الجنبالطيين من المعركة‪ ،‬وعدم م�ؤازتهم للأمير يو�سف في وجه المتاولة‪،‬‬
‫((( راجع‪ :‬الأمير حيدر ال�شهابي‪« :‬المرجع ال�سابق الجزء الأول (�ص ‪)291‬‬
‫((( راجع‪ :‬محمد جابر �آل �صفا‪ « :‬المرجع ال�سابق (�ص ‪ )136-135‬و�سليمان ظاهر‪� »:‬أ�سماء وقرى جبل عامل» مجلة العرفان‪،‬‬
‫م‪�( 8‬ص ‪ )133‬وح�سين �سليمان‪ »:‬المقاومة العاملية ل�سيا�سة القمع العثماني ‪ »1825- 1750‬مجلة تاريخ العرب والعالم‪ ،‬عدد‬
‫‪� ،55‬أيار �سنة ‪1982‬‬
‫((( ح�سن الأمين‪ »:‬المرجع ال�سابق» �ص ‪ 279‬راجع �أي�ض ًا‪ :‬طنو�س ال�شدياق‪ »:‬المرجع ال�سابق» (�ص ‪)30‬‬
‫((( فولني‪�« :‬سوريا ولبنان وفل�سطين» ترجمة حبيب ال�سيوف‪ ،‬جزءان‪ ،‬الجزء الأول‪� ،‬صيدا‪� 1949 -1948 ،‬ص‪77‬‬
‫((( راجع‪� :‬أر�شيف دار الوثائق الفرن�سية‪« ...‬المرجع ال�سابق» �سجل ‪ 1037‬تاريخ ‪1771-10/30‬‬
‫((( حول هزيمة يو�سف ال�شهابي راجع‪ :‬حيدر الركيني‪« :‬جبل عامل في قرن» العرفان‪ ،‬م‪� 38‬ص‪ 55‬ومحمد تقي �آل فقيه‪« :‬المرجع‬
‫ال�سابق» �ص ‪� 109‬ص‪( 105‬يقول �أن المعركة هي من الأيام الم�شهورة التي يتحدث عنها التاريخ)‪.‬‬
‫((( الأمير حيدر ال�شهابي‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪810-809‬‬
‫‪82‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫ويعزو البع�ض ذلك «�إلى تحالفات �سرية �سابقة ح�صلت بين ال�شيخ نا�صيف الن�صار‬
‫وال�شيخ علي جنبالط»(((‪.‬‬
‫مهم ومتميز في هذه الواقعة التي ح�صلت‪ ،‬والتي يقول عنها‬
‫لل�شيخ علي الزين ر�أي ّ‬
‫�أنها «لم تكن في الحقيقة معركة م�ستقلة بين المتاولة والدروز‪ ,‬كما هو م�شهور‬
‫بين النا�س‪ ,‬و�إنما كانت بينهم وبين الدولة العثمانية �أو ًال‪ ،‬ثم بينهم وبين اللبنانيين‬
‫جميعاً‪ ،‬من دروز ون�صارى ثانياً‪� ،‬إذ لم يكن اللبنانيون فيها �سوى (مخلب قط)‬
‫تابعين لأوامر الدولة وب�شواتها‪ ،‬وان هذه الواقعة لم تكن �سوى ت�صفية ح�ساب مع‬
‫المتاولة‪« ،‬الذين اعتبروا ال�سبب في تلك الأحوال» و�أنهم «ال�سبب في ذلك الت�شوي�ش‪،‬‬
‫وفي الهزائم التي لحقت بالدولة في معارك داريا ودم�شق‪.(((»...‬‬
‫قبيل بروز �أحمد با�شا الج ّزار‬
‫واقعة �صيدا‬
‫ح�صلت هذه الواقعة في التا�سع من ربيع الأول �سنة ‪1186‬هـ‪ ,‬العا�شر من حزيران‬
‫‪� ،1772‬أي بعد عام واحد من المعركة التي ح�صلت في النبطية وجوارها‪ ،‬فقد حارب‬
‫المتاولة بقيادة ال�شيخ نا�صيف الن�صار مع ظاهر العمر‪ ،‬وذلك في معارك �صيدا والحارة‬
‫والغازية‪� ،‬ضد الأمير يو�سف‪ ،‬و�ضد اللبنانيين جميع ًا‪ ،‬دروز ًا ون�صارى‪ ،‬وفي مقدمتهم‬
‫ع�سكر الدول(((‪.‬‬
‫وقد ّتم خالل هذه الواقعة‪� ،‬إحتالل �صيدا‪ ،‬وكان لذلك تداعيات �أهمها �أنّ «عملية‬
‫احتالل �صيدا من قبل ال�شيخ نا�صيف ال ّن�صار وال�شيخ ظاهر العمر‪ ,‬كان بنظر‬
‫الدولة العلية تجاوزاً للخطوط الحمر‪ ،‬وتطاو ًال على هيبة الدولة»(((‪ ،‬ويقول بع�ض‬
‫((( طنو�س ال�شدياق‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪154‬‬
‫((( علي الزين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪519‬و �ص‪ 521‬وال�شدياق «نف�س المرجع» ج ‪� 12‬ص‪42‬‬
‫((( علي الزين‪« :‬نف�س المرجع» �ص ‪547‬‬
‫((( الركيني‪« :‬مجلة العرفان» مجلد ‪� 28‬سنة ‪� 1939‬ص‪952‬‬
‫‪83‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الم�ؤرخين‪� ،‬أن الدولة العثمانية‪ ،‬لأنها «كانت من�شغلة بحربها �ضد رو�سيا القي�صرية‪،‬‬
‫ف�أنها �أوعزت للأمير يو�سف ال�شهابي القيام بهذه المهمة‪ ،‬و�أغدقت عليه الهدايا مع‬
‫بع�ض الأموال»(((‪.‬‬
‫المهم �أن «ع�سكر الدروز انك�سر في هذه المعركة»(((‪ ،‬مع العلم �أن «عدد �أفراد الأمير‬
‫يو�سف مع والي ال�شام كان ثالثمئة الف مقاتل‪ ،‬في مواجهة جي�ش المتاولة المدعوم‬
‫بع�شرة �آالف مقاتل من قوات ظاهر العمر(((‪.‬‬
‫�صحت �أعداد المقاتلين في هذه المعركة‪ ،‬ف�إنها ّ‬
‫تدل �أو ًال على قدرة الدولة في‬
‫�إذا ّ‬
‫تلك الفترة‪ ,‬على �إ�شراك مئات الألوف من الجنود فيها‪ ،‬كما تبرز ثانيا‪� ,‬أنّ المتاولة كانوا‬
‫قادرين‪ ,‬مع م�ساعدة ع�شرة �آالف جندي من ظاهرالعمر‪ ،‬على هزيمة جي�ش ج ّرار‪ ،‬وهذه‬
‫مفارقة جديرة بالمالحظة والإهتمام‪ ،‬لكن ما تجدر مالحظته �أي�ض ًا من خالل ما ذكره‬
‫�إدوارد الكروا‪ ،‬هو وجود �أحمد با�شا الجزار في المعركة حيث يقول‪ :‬ف ّر من المعركة �أحمد‬
‫با�شا الجزار(والي عكا فيما بعد) ف�أعجب به الأمير يو�سف‪ ،‬فع ّينه م�ست�شار ًا له في دير‬
‫القمر» ويتابع الكروا قائ ًال‪�« :‬أ ّن الأمير يو�سف كان بطبيعته كالنباتات المتعر�شة‪ ،‬ال‬
‫و�صي»(((‪ ،‬وفي نف�س العام‪� ,‬أي �سنة ‪ 1186‬هـ في �شهر مح ّرم‪ ،‬ي�شير الركيني‬
‫يعي�ش دون ّ‬
‫الن�صار وال�شيخ ظاهر العمر �ضد النابل�سي‪.‬‬
‫�إلى وقعة �إ�شترك فيها نا�صيف ّ‬
‫وفي �سنة‪1187‬هـ‪ ،‬يوم الخام�س والع�شرين من جماد الآخر‪ ،‬ركب ال�شيخ ظاهر العمر‬
‫وال�شيخ نا�صيف الن�صار �إلى �أر�ض �صيدا‪ ،‬وفي يوم ثاني رجب توجهت الع�ساكر على‬
‫مرجعيون‪ ,‬قا�صدين البقاع �إلى ع�سكر دولة ال�شام‪ ,‬فلما �أقبلت ع�ساكر المتاولة على‬
‫الدولة‪ ,‬و�أخذوا خبر نقمته‪ ...‬هربت ع�ساكر الدولة في الليل‪ ....‬وفات علي ال�ضاهر على‬
‫((( محمد تقي �آل فقيه‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪229- 228‬‬
‫((( حول هذه المعركة راجع‪ :‬يا�سين �سويد‪« :‬التاريخ الع�سكري للمقاطعات اللبنانية في عهد الإمارتين» جزءان‪ ،‬الجزء الثاني‪،‬‬
‫ط‪ ،1‬الم�ؤ�س�سة العربية للدرا�سات والن�شر‪ ،‬بيروت �سنة ‪� 1985‬ص‪111‬‬
‫((( محمد تقي �آل فقيه‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪229‬‬
‫((( �إدوارد الكروا‪�« :‬أحمد با�شا الجزار و�أعماله في �سوريا ولبنان وفل�سطين» تعريب جورج م�س ّرة‪� ،‬سان باولو‪ ،‬البرازيل‪� ،‬سنة‬
‫‪� 1934‬ص‪75-74‬‬
‫‪84‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫قرايا ال�شام ونهبها‪ ....‬وكانت هذه الواقعة �ضد عثمان با�شا وجنده(((‪ ،‬ويبدو �أنه بعد‬
‫هذه المعركة �صفت الأمور بين الأمير يو�سف والمتاولة‪( ,‬بعد الخالف الذي ح�صل بين‬
‫الأمير يو�سف وعثمان با�شا)‪ ،‬ويقول بع�ض الم�ؤرخين‪� ,‬أنّ نا�صيف الن�صار «انثنى راجعاً‬
‫و�ص َفتْ له الأيام‪ ،‬و�صار بينه وبين‬
‫�إلى بالده‪ ،‬ورجع الأمير يو�سف �إلى دير القمر‪َ ,‬‬
‫ال�شيخ نا�صيف وبنى متوال محبة عظيمة‪ ،‬وزالت من بينهم جميع الأحقاد القديمة‪,‬‬
‫و�أخذوا بع�ضهم على بع�ض العهود والمواثيق»(((‪.‬‬
‫هذا ولم يتوقف العامليون بعد هذا التاريخ عن م�ساعدة ظاهر العمر �ضد‬
‫�أعدائهما‪ ,‬وخا�صة �سنة ‪1188‬هـ ‪ ،‬وفي �سنة ‪ 1189‬طلب ظاهر العمر من م�شايخ جبل‬
‫عامل موافاته �إلى عكا لمالقاة محمد بك �أبي الذهب‪� ،‬إال � ّأن المتاولة‪ ،‬كما يبدو لم‬
‫ي�ستر�سلوا في الوقوف �ضد الدولة و�أن�صارها من الحكام‪ ,‬ك�أبي الذهب‪ ،‬على �سبيل‬
‫المثال‪ ،‬ولم ي�سلم نا�صيف والم�شايخ �إال بعد موت �أبي الذهب ‪.(((»...‬‬
‫هذا الأمر جعل بع�ض الم�ؤرخين ينتقدون موقف المتاولة‪ ,‬حيث ي�أخذ ال�شيخ علي‬
‫الزين على ه�ؤالء انقيادهم التام لحليفهم ال�شيخ ظاهر العمر‪ ,‬وهو يعتبر �أنّ هذا الأخير‬
‫«ا�ستغ ّل ثمرة هذا التحالف �إلى حد بعيد في كل الميادين التي خا�ضها لتحقيق‬
‫�أحالمه الكبار»(((‪ ،‬ويبدو �أنّ ذلك �صحيح‪ ,‬لأنّ ظاهر العمر كان �صاحب م�شروع وا�ضح‪،‬‬
‫فقد كان يريد الإ�ستقالل عن الدولة‪ ،‬وربما يكون قد ا�ستعمل المتاولة ك�أداة جيدة‬
‫لتحقيق هذه الرغبة‪ ،‬وهذا الحلم لديه كان وا�ضح ًا‪� ،‬أما المتاولة‪ ،‬ف�إنّ الم�س�ألة لديهم‬
‫كانت تختلف‪ ،‬ف�أنهم مع محاوالتهم الجادة لحكم منطقتهم ب�أنف�سهم‪ ,‬ف�أنهم لم يكونوا‬
‫يجدون �ضير ًا في البقاء على �صالت معينة مع الحكومة‪� ،‬إنما ال�شرط احترام حقوقهم‪,‬‬
‫((( علي الزين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪547- 546‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص‪ 559‬نق ًال عن العرفان م ‪� 28‬ص‪ ،159‬وتاريخ الأمير حيدر ال�شهابي ‪� ،‬ص‪ ،103‬والجزء الثاني �ص‪819‬‬
‫((( راجع حول هذا المو�ضوع‪ :‬الفقيه‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪ 138-137‬وعلي الزين‪« :‬نف�س المرجع» �ص ‪594‬‬
‫((( ق�سطنطين خمار‪« :‬مجلة العربي» العدد ‪ ،281‬ني�سان �سنة ‪� 1982‬ص‪ .166‬وحول �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬ووالدته راجع‪ :‬فيليب‬
‫حتي‪« :‬تاريخ لبنان‪ ،‬منذ اقدم الع�صور التارخية �إلى ع�صرنا الحا�ضر» ط ‪ ،2‬دار الثقافة‪ ،‬بيروت‪� ،‬آذار �سنة ‪� 1972‬ص‪-478‬‬
‫‪479‬‬
‫‪85‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وعدم التطاول على منطقتهم‪ ،‬مع التزامهم بدفع مايترتب عليهم من �أموال وغير ذلك‬
‫للحكومة‪.‬‬
‫بروز �أحمد با�شا الجزار ‪1804-1776‬م‪1219-1190/‬هـ‬
‫من هو �أحمد ب�شا الجزار؟‬
‫تم�ض الفترات التي تحدثنا عنها والتي كابدت فيها جبال عاملة كثير ًا من‬
‫لم ِ‬
‫الويالت واال�ضطرابات‪ ،‬والم�شاكل حتى قدم �أحمد با�شا الجزار والي ًا على �صيدا‪,‬‬
‫وا�ضطربت الأو�ضاع بقدومه‪ ،‬وتوجه بع�سكره بداية نحو بيروت‪ ,‬فا�ستولى عليها‪ ,‬ورفع يد‬
‫الأمير يو�سف عنها‪ ،‬و�ضبط ما فيها من الإمالك للأمراء ال�شهابيين‪ ,‬وكتب �إلى الأمير‬
‫يو�سف يطلب منه الأموال ال�سلطانية عن ال�سنوات الثالث الما�ضية‪� ,‬أي تلك ال�سابقة‬
‫على �سنة‪ .1776‬فمن هو هذا الحاكم الجديد‪ ,‬الذي التاع منه جبل عامل‪ ,‬وذاقت من‬
‫ممار�ساته وظلمه وجوره المنطقة ال�شيء الكثير‪.‬‬
‫كان مولده في «�أوائل القرن الرابع من القرن الثامن ع�شر م‪ ،‬في �إحدى قرى‬
‫البو�سنة‪ ...‬ويروى انه ارتكب جرماً �أخالقياً‪( ...‬قيل �أنه اغت�صب زوجة �أخية)‪،‬‬
‫ا�ضطره �إلى الفرار من وجه ذويه‪ ،‬حتى عا�صمة ال�سلطنة العثمانية (الأ�ستانة) وجاء‬
‫�إلى م�صر �أيام المماليك‪ ،‬و�أ�سلم على يد �أحد التجار‪ ،‬وت�سمى ب «�أحمد»(((‪ .‬خالل‬
‫الفترة الالحقة‪« ،‬دخل الجزار في خدمة علي بك الكبير حاكم م�صر‪ ،‬فنال رتبة‬
‫البكوية‪ ,‬ثم �أطلق عليه لقب الجزار‪ ,‬و�أ�صبح الجالد المف�ضل لدى �سيده ممتهن‬
‫قطع الر�ؤو�س‪ ،‬وكان هذا اللقب الجديد مدعاة فخر واعتزاز له‪ ,‬وبات ي�شعر بن�شوة‬
‫هائلة كلما ر�أى ر�ؤو�س قتاله تتدحرج‪ ,‬ودماءهم تهرق‪ ,‬و�أ�صبح ا�سمه عند النا�س‬
‫مرادفاً للرعب‪ ،‬والزمه هذا اللقب طوال حياته» (من الوا�ضح �أنّ تربيته و�سيرة حياته‬
‫((( نف�س المرجع‪ .‬راجع‪ :‬ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪235‬‬
‫‪86‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫في البو�سنة كان لها ت�أثير كبير في �سلوكياته‪ ,‬وظلمه و�إجرامه‪ ،‬حيث لم يعرف عنه‪،‬‬
‫في �أي وقت مع الأوقات �أنه كان رحيم ًا مع �أحد‪� ،‬أو �أنه كان يعود �إلى �ضميره‪ ،‬و�ضرب به‬
‫المثل حتى قيل «�أظلم من الجزار»)‪.‬‬
‫�إنّ البالد ال�سورية «كانت ت�شهد في القرن الثامن ع�شر �أحداثاً مروعة‪ ،‬وتنتابها‬
‫�ضروب من المظالم و�صنوف من الم�آ�سي‪ ،‬نتيجة �إ�ستقالل بع�ض الوالة والحكام‬
‫الإقطاعيين بالمقاطعات التي دانت ل�سلطانهم‪ ،‬فعا�شوا بها ع ّتواً وبرعاياهم‬
‫طغياناً‪ ...‬وه�ؤالء الوالة الذين كانت �أولى واجباتهم فر�ض القانون وتطبيق النظام‪,‬‬
‫كانت كثرتهم من العجز الحربي وال�سيا�سي بمكان‪ ,‬وكثيراُ ما كانت الدولة العثمانية‬
‫تغ ّيرهم با�ستمرار‪ ,‬وكان ه ّمهم الكبير و�شاغلهم الأوحد �أن يجمعوا �أكبر مقدار من‬
‫المال ما ي�ستطيعون» ومن ناحية ثانية «�شهدت البالد في هذا القرن �إنهياراً في‬
‫الأحوال الأمنية والإقت�صادية‪ ,‬وانحطاطاً في حياة ال�سكان‪ ,‬كما كان من نتائج هذه‬
‫الأو�ضاع ال�سائدة ازدياد تدريجي في �أهمية ال�شيوخ المحليين‪.(((»...‬‬
‫�إنّ الدولة العثمانية‪ ,‬وفي ظل الإ�ضطرابات التي كانت ت�سود معظم مقاطعاتها‪ ،‬وفي‬
‫الوقت الذي حاول فيه �أكثر من حاكم و�شيخ وزعيم الإ�ستقالل الذاتي بمقاطعة‪ ،‬وجدت‬
‫في الجزار خير م�ساعد لها لتنفيذ مخططاتها �ضد ه�ؤالء‪ ،‬وكانت ال�سلطنة «بحاجة �إليه‬
‫لتنفيذ خططها باعادة �صيدا �إلى الحكم المركزي الفعلي‪ ،‬بعد �أن قويت �شوكة ظاهر‬
‫العمر حاكم عكا‪ ،‬لدرجة � ّأن نفوذه و�سلطانه كانا هما ال�سائدين على هذه الإيالة‬
‫ومعظم فل�سطين‪ ،‬فوجدت في الجزار رج ً‬
‫حد من‬
‫ال ذا ب�أ�س‪ ،‬يمكنها الإعتماد عليه لل ّ‬
‫�سيطرة ظاهر»(((‪.‬‬
‫المعروف �أنّ ظاهر العمر‪ ،‬وعندما �ضاق خطر الدولة به وبعكا‪ ،‬دارت الدائرة عليه‪،‬‬
‫ويقول الم�ؤرخ ميخائيل ال�صباغ‪�« :‬إتفق ال�شيخ ظاهر وذووه على �أن يرحل من عكا مع‬
‫((( نف�س المرجع‪ ،‬والأمين‪ « :‬نف�س المرجع» �ص‪240‬‬
‫((( نق ًال عن علي الزين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪ ،571‬والفقيه‪ :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪141‬‬
‫‪87‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫عياله �إلى قلعة هونين‪ ,‬عند ال�شيخ قبالن‪� ،‬شيخ المتاولة‪ ،‬كما فعل ذلك قب ً‬
‫ال‪ ،‬حينما‬
‫ح�ضر محمد بك �أبو الذهب مع ع ّز م�صر‪ ،‬وعندما �أ�سرع النا�س بالخروج من عكا‬
‫خوفاً على نفو�سهم‪ ،‬كذلك تج ّهز ظاهر وخرج بعياله قا�صدا هونين‪ ،‬ولكن ُقتل غدراً‬
‫وتم ذلك على يد �أحد رجاله‪� ،‬سنة‪ 1189‬هـ ‪ ،‬ويقال �أنّ ر�أ�سه ُحمل على‬
‫في الطريق»(((‪ّ ،‬‬
‫�أعمدة البواخر �إلى �إ�سالمبول‪ ،‬كما يذكر الركيني(((‪ ،‬وعندما علم �أوالد ظاهر بمقتل‬
‫الن�صار‪ ،‬وفي نف�س العام‬
‫والدهم ف ّروا �إلى جبل عامل‪ ،‬ملتجئين �إلى ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫«توفي ال�شيخ علي الفار�س ابن �أحمد الفار�س �صاحب ال�شقيف‪ ،‬وهو بطل معركة‬
‫كفررمان والدوالب و�صيدا(((‪.‬‬
‫بعد مقتل ظاهر‪ ،‬تولى �أحمد با�شا الجزار �أمر �أبنائه‪ ،‬وا�ستطاع �أن يق�ضي عليهم‪،‬‬
‫وبذلك «دانت له قطاعات �صفد وطبريا‪ ،‬وع ّينته الدولة العثمانية في الن�صف الثاني‬
‫من ت�شرين الأول �سنة ‪ 1775‬والياً على �صيدا‪ ،‬ومنحته رتبة البا�شوية‪ ،‬ثم ا�ستولى‬
‫على �أمالك ال�شهابيين في البقاع‪ ,‬وفي �شباط �سنة‪ 1776‬منح رتبة(وزير)‪ ،‬ثم منح‬
‫لقب (المالكان)‪� ،‬أي حق الحكم مدى الحياة»(((‪.‬‬
‫ي�أخذ بع�ض الم�ؤرخين على المتاولة في تلك الفترة ان�صياعهم للجزار‪ ،‬الذي �أ�سند‬
‫�إليه الحكم في والية �صيدا وعكا‪ ،‬و�أنهم �ساروا مع ع�سكره يطاردون ال�شيخ علي ابن‬
‫حليفهم ال�سابق ظاهر‪ ،‬وال�شواهد على ذلك كثيرة‪ ،‬ظاهر العمر‪ ،‬و�أورد بع�ضها الركيني‬
‫ّ‬
‫«المطلع على‬
‫نف�سه‪ ،‬وير ّد ال�شيخ علي الزين على ذلك بر ّد ب�سيط‪ ،‬ي�ؤكد من خالله �أن‬
‫مجريات الأمور خالل الحكم الأقطاعي‪( ،‬يف�ضل تعبير المقاطعجي) يرى �أن من‬
‫كان يتولى حكم �أي مقاطعة من المقاطعات‪ ،‬كبيرة كانت �أو �صغيرة عليه �أن يلبي �إرادة‬
‫((( الفقيه‪ :‬نف�س المرجع �ص ‪ .141‬وح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪206‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص ‪142‬‬
‫((( راجع‪ :‬ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪240‬‬
‫((( الزين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪553‬‬
‫‪88‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫البا�شا الحاكم حين ينتدب لحرب من ي�شاء من الحكام �أو الجماعات �أو الدول»(((‪.‬‬
‫ان ما ورد من �أخبار في ر�سائل الأب العام افتيمو�س ز ّكار‪ ،‬ال يعبر عن حقيقة الأمر‪،‬‬
‫فيما يتعلق بموقف المتاولة من الجزار‪ ،‬وي�ؤكد ال�شيخ علي الزين في هذا المجال �أن‬
‫«المتاولة لم يتراموا في �أح�ضان الجزار لأول وهلة‪ ،‬وال تهافتوا �أمام قوى الدولة‬
‫و�سطوتها‪ ،‬لأول بادرة كما ك ّنا نتوهم‪ ،‬و�إنما وقفوا منه ومن ع�ساكره موقف الحياد‬
‫والحذر‪� ,‬إلى �أن جرت الأمور بمجراها الطبيعي»(((‪.‬‬
‫�سيا�سة الجزار تجاه جبل عامل‬
‫ت�سد‪ ,‬حيث كان يعمد �إلى �إثارة‬
‫�إ�ستخدم الجزار مع زعماء جبل عامل �سيا�سة ف ّرق ْ‬
‫الزعماء العامليين على بع�ضهم البع�ض‪ ،‬تمهيد ًا لإ�ضعافهم‪ ،‬وقد ّتم الإنق�ضا�ض عليهم‬
‫الواحد تلو الأخر‪ ،‬وهي نف�س ال�سيا�سة التي اتبعها مع حكام المقاطعات‪ ،‬وهناك عوامل‬
‫الن�صار‪ ,‬بداية‪ ,‬و�أهمها‪:‬‬
‫عديدة جعلت الجزار يمالئ ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫ الغزوات المتكررة التي تعر�ض لها العامليين‪ ,‬والتي جعلت العامليين يهتمون بتح�صين‬‫قالعهم وح�صونهم‪ ،‬للوقوف في وجه الغزاة‪ ،‬هكذا كان و�ضع قالع‪ :‬ال�شقيف‪,‬‬
‫هونين‪ ،‬مي�س‪ ,‬تبنين‪ ,‬مارون (في ديركيفا)‪ ،‬ودوبيه‪ .‬هذه القالع كانت ت�ستدعي‬
‫قوات ع�سكرية كبيرة الحتاللها‪ ،‬وهذا لم يكن متوفر ًا للجزار في بداية عهده‪.‬‬
‫الن�صار في جبل عامل‪ ,‬والذي كان‬
‫ طبيعة نظام الحكم الذي �أقامه ال�شيخ نا�صيف ّ‬‫يعتمد عل �شكل من �أ�شكال الالمركزية ال�سيا�سية‪ ,‬خالف ًا لما كان عليه الأمر في‬
‫جبل لبنان‪( ،‬ففي هذا الأخير كانت دير القمر ت�شكل العا�صمة المركزية‪ ،‬حتى �إذا‬
‫�سقطت هذه العا�صمة‪� ،‬سيطر هذا الفاتح على كل جبل لبنان‪� ،‬أما في جبل عامل‪،‬‬
‫ف�إن ال�سلطة ال�سيا�سية كانت موزعة عل عدد من المراكز‪� ،‬أبرزها‪ :‬تبنين‪ ،‬جبع‪،‬‬
‫هونين‪ ،‬ال�شقيف و�سواها‪ ،‬وكان هذا التوزيع يعيق عملية اجتياح الجبل)‪.‬‬
‫((( علي الزين‪« :‬ف�صول من تاريخ ال�شيعة في لبنان» ط‪ ،1‬دار الكلمة للن�شر �سنة ‪� 1979‬ص‪40‬‬
‫((( راجع‪ :‬ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪207-206‬‬
‫‪89‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ ال�سبب الأبرز‪� ،‬أن مبادرة الثورة على الدولة العثمانية كانت من قبل ظاهر العمر وعلي‬‫بك الكبير‪ ،‬و�أن نا�صيف ًا ر�أى فيها فر�صة منا�سبة ف�شارك فيها‪.‬‬
‫ ركيزة نا�صيف الن�صار في جبل عامل‪ ،‬ومكانة و�ضعه الع�سكري وال�سيا�سي‪ ،‬وهذا‬‫جعله ي�صمد فترة ق�صيرة بالقيا�س الزمني‪ ،‬وطويلة بالقيا�س ال�سيا�سي �أمام خطة‬
‫الجزار‪ ،‬ولم يكن مثل الأمير يو�سف ال�شهابي و�أوالد ظاهر العمر‪ ،‬ولي�س �أدل على‬
‫قوة نا�صيف‪ ،‬من محاولة بع�ض الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬وم�شايخ ال�شوف‪ ،‬اللجوء �إليه‬
‫خالل نزاعهم مع الأمير يو�سف ال�شهابي �سنة ‪ ,1776‬ب�سب �أموال الميري المطلوبة‬
‫منهم(((‪.‬‬
‫من خالل ما تق ّدم‪ ،‬ف�إنّ قناعة را�سخة كانت موجودة لدى الجزار‪ ،‬كما لدى ال�شيخ‬
‫نا�صيف الن�صار‪ ،‬ب�شكل خا�ص‪ ،‬بالإبقاء على العالقات الود ّية‪« ،‬وبدا من الجزار ما بدا‬
‫في زيارته لمدينة �صور ومبيته عند ال�شيخ حمد العبا�س‪ ،‬ثم نزول ال�شيخ نا�صيف‬
‫الن�صار بعد ذلك لمواجهته‪ ،‬كما يت�ضح من قول الركيني‪ ،‬الذي ورد كما يلي‪« :‬وفي‬
‫�سنة‪1190‬هـ ‪ ،‬في يوم ال�سبت الثاني والع�شرين من ربيع الأول‪ ،‬ركبت خيل نا�صيف‬
‫وخيل القواطعة مع �أحمد با�شا الجزار على علي الظاهر»(((‪.‬‬
‫نالحظ هنا‪� ،‬أن و�ضع المتاولة كان م�ستقر ًا في تلك الفترة‪ ،‬خا�صة و�أن الجزار كان‬
‫حري�ص ًا على توثيق ال�صلة بهم ا�ضطراري ًا‪ ،‬كما هو وا�ضح‪ ,‬وكدليل على ثبات و�ضع‬
‫المتاولة ‪ ،‬ف�إنه في نف�س العام �سنة ‪1190‬هـ ‪ ،‬عندما �ساءت العالقات بين الأمير يو�سف‬
‫ال�شهابي والجنبالطية‪« ،‬ف ّر الم�شايخ الجانبوالدية �إلى جبل عامل‪ ,‬ونزلوا على ال�شيخ‬
‫حيدر ال�صعبي المتوالي‪ ،‬فنه�ض الأمير يو�سف بالع�سكر �إلى ال�شوف‪ ،‬وخي ّم في‬
‫الجديدة‪ ،‬ف�ضبط �أمالكهم‪ ،‬وهدم م�ساكنهم»(((‪.‬‬
‫هناك اختالف بين الم�ؤرخين حول تاريخ مقتل علي ظاهر العمر‪ ،‬فال�شيخ علي الزين‬
‫((( الزين‪« :‬ف�صول‪ « ...‬المرجع ال�سابق �ص ‪41-40‬‬
‫((( ال�شدياق‪« :‬المرجع ال�سابق» الجزء الأول‪� ،‬ص‪153‬‬
‫((( الزين‪ « :‬للبحث» المرجع ال�سابق �ص ‪555-554‬‬
‫‪90‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫ينقل عن الركيني‪� ،‬أنّ «مقتل علي الظاهر كان �سنة‪1190‬هـ ‪ ،‬وقد ا�ضطر المتاولة‬
‫�أن يم�شوا مع الجزار �ضد علي الظاهر خوفاً من البط�ش بهم‪ ،‬مع �أنهم لم يكونوا‬
‫مقتنعين بذلك‪ ،‬وعندما قتل علي الظاهر غدراً �أم�سى محمد با�شا والي‪ ،‬حاكم قرية‬
‫«دي�شوم»‪� ،‬أتوا بجثته �إلى قرية عيناتا ودفنوه هناك»(((‪.‬‬
‫�أما ال�شيخ محمد تقي �آل فقيه‪ ،‬ف�إنه بدوره يعتبر � ّأن مقتل علي ظاهر العمركان‬
‫�سنة‪ 1191‬هـ ‪ ،‬ويقول �أنه قتل في ذلك العام في قرية «دي�شوم»‪ ،‬بعد �أن نقل نا�صيف‬
‫جثته �إليها‪ ،‬هربت فر�سه �إلى �صلحا»(((‪.‬‬
‫التحالف المفرو�ض‬
‫لي�س � ّ‬
‫أدل على القوة التي كان يتمتع بها المتاولة العامليون‪ ،‬من التحركات التي كان‬
‫يقوم بها نا�صيف الن�صار وجماعته ب�شكل ا�ستباقي‪� ،‬ضد من يه ّدد منطقة نفوذه‪ ،‬ومن‬
‫هذه التحركات‪ ،‬وكلها في ظل حكم الجزار في المنطقة‪:‬‬
‫ �إغارات العامليين على البدو في المناطق المجاوره‪ ،‬كما حدث في ربيع الثاني �سنة‬‫‪1191‬هـ (‪1777‬م)‪ ،‬عندما هاجم حيدر فار�س مرجعيون‪ ،‬فغنم عدد ًا من الأبقار‪،‬‬
‫و�أ�سر خم�سة ع�شر رج ًال‪.‬‬
‫ في جمادي الأولى �سنة ‪1193‬هـ (‪1779‬م) �إ�ستولى نا�صيف على موا�شي من الزرك�شية‬‫والتركمان ‪1193 -‬هـ ‪� ،‬إ�شترك م�شايخ المتاولة في جبل عامل‪ ،‬في واقعة الجوالن‪،‬‬
‫�ضد حلفاء والي ال�شام محمد با�شا المعظم‪ ،‬من القبائل العربية النازلة هناك‪.‬‬
‫ويختلف الم�ؤرخون في تف�سير �سبب م�شاركة الم�شايخ العامليين في هذه الأحداث‪،‬‬
‫فمن خالل ما يرويه ال�سبيتي حول هذه الحادثة‪ ،‬وما يذكره الركيني في مذكراته‪،‬‬
‫وال�شيخ محمد تقي �آل فقيه في م�ؤلفه «جبل عامل في التاريخ» يتب ّين �أنّ عرب‬
‫ال�صقر وعرب ال�سردين �أو ال�سردية‪ ،‬وعرب بني �صخر‪ ،‬ا�ستن�صروا بال�شيخ نا�صيف‬
‫((( الفقيه‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪144‬‬
‫((( العرفان م ‪� 28‬ص‪ 54‬والفقيه‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪148-146‬‬
‫‪91‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الن�صار على خ�صومهم بني ح�س المر�ؤو�سين لآل المزيد‪ ،‬الذين كانوا قد ا�ستن�صروا‬
‫بالحكومة‪ ،‬و�أن ال�شيخ نا�صيف �أر�سل اليهم �أخاه «�أبو حمد الن�صار» وابن �أخيه «قا�سم‬
‫المراد الن�صار» ‪�( ،‬صاحب قلعة دوبية) مع عدد من الفر�سان‪ ،‬و�أن هذين ال�شيخين‬
‫قد ا�ست�شهدا في المعركة التي دارت مع العرب‪ ،‬و�أنه عندما انتهى الجنرال نا�صيف‬
‫هب للأخذ بالث�أر(((‪.‬‬
‫ّ‬
‫يف�سر الأمر تف�سير ًا �أقرب الى الواقع والمنطق‪ ،‬وي�ؤكد‬
‫�إال �أنّ ال�شيخ علي الزين ّ‬
‫�أن «�إر�سال ال�شيخ نا�صيف لأخيه وابن �أخيه بمائة فار�س من المتاولة للإ�شتراك‬
‫مع حلفاء �أحمد با�شا الجزار في واقعة الجوالن ‪� -‬ضد ع�ساكر محمد با�شا العظم‬
‫وحلفائه القبائل العربية ‪ -‬لم يكن بادرة عفوية من نا�صيف‪ ،‬و�إنما كان بوحي من‬
‫الجزار‪ ،‬وامتثا ًال لإرادته كما � ّأن ا�شتراك م�شايخ المتاولة في هذه الأحداث‪� ،‬إنما كان‬
‫«تقديراً منهم لميول �أحمد با�شا الجزار والي عكا‪� ،‬أو عم ً‬
‫ال بو�صيته و�إ�شارته»(((‪.‬‬
‫ح�سن الأمين بدوره يتحدث عن هذه الواقعة والتي انجلت على مقتل �أبي حمد‬
‫الن�صار‪ ،‬ومقتل مئة فار�س من قوات العامليين‪ ،‬و�أنه عندما و�صل الخبر لنا�صيف‪،‬‬
‫زحف للث�أر من �آل مزيد‪ ،‬فهربوا تاركين �أوالدهم ون�ساءهم في م�ضاربهم‪ ،‬فما كان‬
‫من نا�صيف �إال �أن حملته ال�شهامة‪ ،‬و�أمر قومه بالإعتزال عن تح ّلل تلك الربوع‪.(((...‬‬
‫في جماد الأولى �سنة ‪1194‬هـ (‪1780‬م)‪ ،‬غزا حيدر الفار�س عرب الع ّزية‪ .‬وفي ‪29‬‬
‫رم�ضان �سنة ‪1195‬هـ (‪1780‬م) غزا نا�صيف قريتين في الحولة ونهب طر�شها»(((‪.‬‬
‫وا�ستمرت العالقات ط ّيبة بين العامليين والجزار‪ ،‬ولي�س � ّ‬
‫أدل على ذلك من م�شاركة‬
‫الن�صار لأحمد با�شا الجزار في معارك «علمان‬
‫العامليين‪ ،‬بقيادة ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫وعانوت»‪ ،‬لإعادة الأمير يو�سف �إلى حكم بالده بعد الثورة عليه �سنة‪1195‬هـ ‪ .‬وفي واقعة‬
‫((( علي الزين‪« :‬ف�صول‪ »...‬المرجع ال�سابق» �ص ‪ 42‬و�ص‪44‬‬
‫((( ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪210‬‬
‫((( نف�س المرجع‬
‫((( علي الزين‪« :‬ف�صول» �ص ‪ 45‬و�ص ‪47‬‬
‫‪92‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫«ال�ضهر الأحمر»‪ ،‬التي �ساعد فيها المتاولة‪ ،‬بنا ًء لطلب من الجزار �أمير را�شيا‪ ،‬محمد‬
‫�شهاب‪� ،‬ضد ع�ساكر محمد با�شا العظم‪ ،‬ع�ساكر حليف الأمير �سيد �أحمد �شهاب‪� ،‬أمير‬
‫وادي التيم الفوقا والتحتا‪ ،‬مع البقاع الغربي‪ ،‬وفي واقعة «قب اليا�س» التي ا�شترك فيها‬
‫ع�ساكر والي ال�شام‪ ،‬وع�ساكر �سيد �أحمد(((‪.‬‬
‫ماذا كانت نتيجة كل ذلك؟‬
‫�إنّ �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬كان ي� ّؤخر حتى تلك الفترة �صدامه مع نا�صيف الن�صار‪،‬‬
‫ما دام هذا الأخير ال ي�شكل خطر ًا داهم ًا على الجزار و�سلطته‪ ،‬وما دام الأخير �أي�ض ًا‬
‫مقتنع ًا �أنّ نا�صيف الن�صار هو رقم �صعب‪ ،‬ال يمكن محوه و�إنهاء دوره ب�سهولة‪ ،‬وذلك‬
‫ب�سب القوة الذاتية التي امتلكها‪ .‬ي�ضاف �إلى هذه القوة‪� ،‬أنّ الأطراف العامليين‪ ،‬كانوا‬
‫ي�شكلون وحدة متما�سكه ال يمكن اختراقها �سريع ًا‪ ،‬وهذه الأطراف كان لديها ت�صور‬
‫موحد تقريب ًا‪� ،‬أنّ العالقة مع الجزار لن ت�ستمر على نف�س المنوال‪ ،‬و�أن �سيا�سة هذا‬
‫ّ‬
‫الحاكم تق�ضي بالق�ضاء تدريجي ًا على �أعدائه‪ ،‬وا�ستخدام بع�ض الم�شايخ �ضد بع�ضهم‬
‫الأخر‪ ،‬تبع ًا لم�صلحته هو بالدرجة الأولى‪ .‬و�أن معظم الم�ؤرخين ي�ؤكدون على حكمة‬
‫ال�شيخ نا�صيف(((‪ ،‬التي كان لها الأثر الكبير في تما�سك العامليين‪ ,‬وفي �إبقاء الجبل‬
‫العاملي بمن�أى عن �أطماع الجزار �أطول مدة ممكنة‪.‬‬
‫�شكوك بنوايا الجزار‬
‫هكذا نالحظ �أن الجزار كان م�ضطر ًا للتحالف مع العامليين‪ ،‬وك�أنه ينتظر الفر�صة‬
‫ال�سانحة للإنق�ضا�ض على ه�ؤالء‪ ,‬ومن الوا�ضح‪� ،‬أنه عندما ح�سم الأمور مع �أكثر خ�صومه‬
‫و�أعدائه‪ ،‬ف�إن مالمحه كانت تفيد وتدل ب�أنه �سوف يتابع تنفيذ خطته الأ�سا�سية‪ ،‬التي‬
‫تق�ضي بالق�ضاء على كل مراكز النفوذ والقوى في المنطقة‪ ،‬والذين كان ي�سكت عن‬
‫((( نف�س المرجع‬
‫((( ح�سن الأمين‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص ‪212‬‬
‫‪93‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫تحركاتهم‪ ،‬ويقبلهم على ال�ساحة ال�سيا�سية والع�سكرية‪ ،‬و�إنما على م�ض�ض‪.‬‬
‫لقد بد�أ الجزار بالتوجه نحو نا�صيف الن�صار‪« ،‬الذي �شعر بقوة الجزار المتزايدة‪،‬‬
‫ور�أى من الحكمة‪� ،‬أن يتقدم من طور المودة �إلى مرحلة التحالف‪ ،‬ع ّله يحول بين‬
‫جبل عامل وبين �شرب الك�أ�س المرة‪ ،‬لذلك ف�إنه �ساهم بالفعل في محاربة علي ظاهر‬
‫�إلى جانب الجزار»(((‪.‬‬
‫بد�أت ال�شكوك تزداد لدى نا�صيف الن�صار من نوايا الجزار‪ ،‬خا�صة عندما ر�آه‬
‫يحاول ت�أديب الأمير يو�سف‪ ،‬فازدادت �شكوكه حول نواياه التو�سعية‪ ,‬لذلك �أخذ يع ّد‬
‫العدة لمحاربته‪� ،‬إن هو حاول الإعتداء على العامليين‪ .‬ويقول ح�سن الأمين نق ًال عن �أحد‬
‫الم�ؤرخين العامليين‪� ،‬إن «ال�شيخ نا�صيف ذهب مع عدد من مرافقيه لزيارة الجزار‪،‬‬
‫فقال ال�شيخ نا�صيف له�ؤالء‪�« :‬إذا �سمعتم الجزار يقول لي‪� :‬أنت �شعرة من �شاربي‬
‫فثقوا به واركنوا اليه‪ ،‬و�إن قال‪� :‬أنت ك�شعرة من لحيتي فيكون ق�صده الغدر» خالل‬
‫الإجتماع‪ ،‬قال الجزار الجملة الثانية‪ ،‬عندها انتهز الوفد فر�صة ان�شغال الجزار لمدة‬
‫وجيزة‪ ،‬وركبوا وعادوا �إلى بالدهم طالبين النجاة»(((‪.‬‬
‫لقد ظهر �أنّ توتر ًا ما قد بد�أ يلوح في الأفق بين العامليين والجزار‪ ،‬خا�صة عندما‬
‫«طلب هذا الأخير من م�شايخ العامليين موافاته �إلى عكا فرف�ضوا ذلك‪( ،‬خوفاً من‬
‫�أن يح�صل معهم مثل ما ح�صل مع �أبناء ظاهر العمر �إذ غدر بهم)‪ ،‬ولم ي�ش ّذ عن‬
‫الإجتماع العملي �إال ال�شيخ قبالن‪ ،‬الذي كان يتطوع للتو�سط بين المختلفين»(((‪.‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص ‪213‬‬
‫((( نف�س المرجع ‪213‬‬
‫((( راجع نف�س المرجع �ص‪214‬‬
‫‪94‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫مرحلة مهادنة جديدة‬
‫بين الجزار والعامليين‬
‫الأجواء كانت م�شحونة بين الطرفين‪ ،‬والمواجهة كانت حتمية‪ ،‬لكن توقيتها كان‬
‫مرههون ًا بما يح�صل خارج المنطقة العاملية‪ ،‬وكيفية تعامل الجزار معها‪ ،‬وا�ضطراره‬
‫مجدد ًا لل�سكوت عن خ�صومه القريبين‪ ،‬و�أكثر من ذلك الإ�ستعانة بهم �ضد �أعدائه‬
‫الآخرين‪ ،‬وهذا ما ح�صل بالفعل‪ ،‬فقد ن�ش�أت ظروف �ساعدت على ت�أجيل المواجهة‬
‫المحتومة‪ ،‬و�أهم هذة الظروف‪:‬‬
‫ معارك الجزار �ضد محمد با�شا العظم‪ ،‬والذي كان ي�سيطر على وادي التيم‪ ,‬ويالحظ‬‫�أن نا�صيف الن�صار ذهب مع رجاله �إلى عكا‪ ،‬ليزحف مع الجزار لقتال محمد با�شا‬
‫العظم‪.‬‬
‫ تهديد موقع الأمير يو�سف ال�شهابي في ال�شوف‪ ،‬وكان حليف ًا للجزار‪ ،‬ولم يتردد‬‫نا�صيف في تقديم يد الم�ساعدة للأمير‪.‬‬
‫ �سنة‪1195‬هـ (‪1780‬م)‪ ،‬كان محمد الحرفو�ش (بعلبك) عند ال�شيخ نا�صيف الن�صار‬‫في النبطية‪ ،‬ثم توجها مع ًا �إلى بعلبك‪ .‬وفي ‪20‬محرم و�صل محمد حرفو�ش �إلى دير‬
‫القمر‪ ,‬ومنها خرج يو�سف ال�شهابي �إلى �صيدا‪ ،‬ثم �إلى �صور حيث التقى بنا�صيف‬
‫وكليب �أبي نكد في ‪28‬محرم‪ ،‬ومنها توجه يو�سف �إلى عكا عند الجزار‪.‬‬
‫�أخير ًا‪ ،‬حاول نا�صيف الن�صار‪( ،‬نتيجة ثقته بعالقته مع الجزار لأنه ل ّبى له كل‬
‫الطلبات في النجدة والم�ساعدة) التو�سط بين الجنبالطيين والجزار‪ ،‬لكنه لم يوفق‪،‬‬
‫وكانت هذه �إ�شارة من الجزار �أنّ دور نا�صيف قد انتهى‪ ،‬و�أن مرحلة التنا�صر قد انتهت‪،‬‬
‫وبد�أت مرحلة التناحر(((‪.‬‬
‫((( عن لقاء الأمير وال�شيخ نا�صيف �سنة ‪ 1194‬هـ راجع‪ :‬الزين‪ « :‬ف�صول‪� »...‬ص ‪ .48‬والفقيه‪ « :‬المرجع ال�سابق « �ص ‪150‬‬
‫‪95‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫المواجهة بين الجزار والعامليين ومعركة يارون‬
‫�سبق المواجهة الحتمية بين الطرفين حادثة جعلت الجزار يحقد على نا�صيف‬
‫الن�صار وجماعته‪ ،‬وي�ؤكد ال�شيخ علي الزين‪� ،‬أنه لم ير فيما يرويه الم�ؤرخون ما يدعو‬
‫�إلى �شك الجزار بم�شايخ المتاولة‪� ،‬أو يوجب �سخطه وثورته عليهم‪� ،‬سوى مايحدثنا به‬
‫الأمير حيدر �أحمد �شهاب من �أن «الأمير يو�سف �شهاب‪ ،‬لما قتل �أخاه الأمير �أفندي‪،‬‬
‫وخاف من نقمة الأهالي عليه ف ّر �إلى عكا‪ ,‬وعند و�صوله �إلى بالد المتاولة �إلتقاه‬
‫ال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ ،‬ونهاه عن النزول �إلى عكا وقال له �أنه ي�سلمه بالد المتاولة‪،‬‬
‫ويكون هو تحت يده‪ ،‬فما قبل الأمير يو�سف‪ ،‬وظل �سائراً في طريقه»(((‪.‬‬
‫هذا ويمكن �أن يكون هذا القول و�صل �إلى م�سامع الجزار بطريق من طرق الو�شاية‬
‫والد�س‪.‬‬
‫ّ‬
‫المهم‪� ،‬أنّ عالقات الو ّد والإتفاق بين الطرفين انقلبت �إلى عداوة وحقد‪ ،‬حيث �أخذ‬
‫ّ‬
‫الجزار يعمل جاهد ًا لإخ�ضاع المتاولة‪ ،‬لأنه �أ�صبح يرى فيهم العد ّو اللدود له‪ ،‬وكانت‬
‫له معهم وقائع عديدة‪ ،‬وكان الجزار قد «�أر�سل جماعة من جنده �إلى جهات علما‬
‫للتحر�ش‪ ،‬فهاجم جند ال�شيخ نا�صيف‪ ،‬الذين ان�سحبوا �إلى قرية الزيب‪ ،‬حيث جرت‬
‫معركة لمدة �ساعتين‪ ،‬قتل على �أثرها �ستة من جنود الجزار‪ ،‬وبد�أ بعدها الجزار‬
‫ي�ضاعف ا�ستبداده‪ ،‬ويعزز جيو�شه في بالد ب�شارة»(((‪.‬‬
‫بالن�سبة للمعركة الحا�سمة‪ ،‬التي ح�صلت في يارون‪ ،‬ف�إنها كانت �سنة ‪1195‬هـ‬
‫(‪1781‬م)‪ ،‬وقد تع ّددت الآراء حولها كما يلي‪:‬‬
‫ كانت المعركة بين طرفين مهي�أين م�سبق ًا للقتال‪.‬‬‫ كانت بتواط�ؤ من قبالن على ابن عمه نا�صيف الن�صار‪.‬‬‫((( ح�سن الأمين ‪..‬المرجع ال�سابق �ص‪ 216‬نق ًال عن مخطوطة الظاهر‪.‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص‪216‬‬
‫‪96‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫ الجزار تظاهر ب�أنه يزحف �إلى وادي التيم‪ ،‬في حين كان يق�صد مباغتة جبل عامل‪.‬‬‫ الجزار كان يق�صد حا�صبيا فع ًال‪ ،‬ولي�س جبل عامل‪.‬‬‫لقد تحدث عن الحادثة �أكثر الم�ؤرخين‪ ،‬كمحمد جابر �آل �صفا‪ ،‬وال�شيخ �سليمان‬
‫ظاهر الذي روى الحادثة معتمد ًا على الأمير حيدر ال�شهابي و�شبيب با�شا الأ�سعد‬
‫وال�شيخ محمد تقي �آل فقيه‪ ،‬ومن خالل جميع الروايات العاملية‪ ،‬نالحظ �أن هناك اتفاق ًا‬
‫على �أن الجزار جهز حملة قوية تقدر بحوالي ثالثة �آالف مقاتل‪ ،‬وجعلها بقيادة معاونه‬
‫«�سليم»‪ ,‬نظر ًا لأن البا�شا ال يع ّر�ض حياته في مغامرة خطرة‪ ،‬غير م�أمونة العواقب‪،‬‬
‫الن�صار خرج على ر�أ�س �ألف فار�س‪ ،‬و�أن الإقتتال جرى في ‪� 5‬شوال‬
‫و�أن ال�شيخ نا�ضيف ّ‬
‫�سنة ‪1195‬هـ (الإثنين‪� 23‬أيلول �سنة‪ ,)1781‬وانتهت المعركة با�ست�شهاد �شيخ الم�شايخ‬
‫نا�صيف الن�صار وما بين ‪ 300‬و‪ 400‬من فر�سانه‪ ،‬ومقتل عدد من الم�شايخ العامليين‪،‬‬
‫من بينهم �أخوه الفار�س �أحمد‪ ،‬وعدد من القادة‪ ،‬في حين خ�سر �سليم با�شا ثلث قواته»‪.‬‬
‫وهناك عدد من الم�ؤرخين ي�ؤكدون تواط�ؤ ال�شيخ قبالن الح�سن‪ ،‬حاكم قلعة هونين‬
‫مع الجزار على نا�صيف‪ ،‬ظن ًا منه �أن البالد �ست�ؤول �إليه بعد ذهابه‪ ,‬كما �أنّ موقف حيدر‬
‫الفار�س حاكم ال�شقيف لم يكن مع نا�صيف‪.‬‬
‫وبعد انتهاء معركة يارون‪ ،‬دارت الدائرة على قبالن الح�سن‪ ،‬فف ّر �إلى دم�شق بعد‬
‫�أن �سقطت قلعة هونين بيد الجزار‪ ،‬وحيدر الفار�سي حو�صر في قلعة ال�شقيف من قبل‬
‫الجزار‪ ،‬الذي وا�صل زحفه في جبل عامل(((‪.‬‬
‫من خالل جميع الروايات العاملية نالحظ حر�ص ًا على جعل ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف‬
‫مميز ًا‪ ،‬بل و�أ�سطوري ًا‪ ,‬مما ّ‬
‫يدل على مدى تع ّلق العامليين ب�شخ�صية ال�شيخ نا�صيف‬
‫القائد‪ ،‬كما يبدو لنا ال�شيخ نا�صيف خريج ًا (لمدر�سة كربالء) بما فيها من معاني‬
‫القيادة والإخال�ص والإيمان القائد �إلى الإ�ست�شهاد‪ .‬وقد �أ ّرخ المرحوم ال�شيخ �إبراهيم‬
‫يحيى العاملي تاريخ ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف بهذه الأبيات‪:‬‬
‫((( حول اتهام ال�شيخ قبالن بالغدر بال�شيخ نا�صيف راجع‪:‬علي الزين «ف�صول» �ص‪ ،50‬و الفقيه «المرجع ال�سابق» �ص ‪157‬‬
‫‪97‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ق����ت����ل اب�������ن ن���������ص����ار ف����ي����ا ل�����ه م��ن‬
‫م���ول���ى ���ش��ه��ي��د ب����ال����دم����اء م�����ض�� ّرج‬
‫وت���داول���ت���ن���ا ب���ع���ده �أي��������دي ال���ع���دى‬
‫����ر �أوغ�����������ادر �أو �أه������وج‬
‫م����ن ف����اج ٍ‬
‫����م ال���ب�ل�اد ال��ظ��ل��م في‬
‫ه���ي دول�����ة ع ّ‬
‫ت���اري���خ���ه���ا اهلل خ���ي���ر م�����ف����� ّرج‬
‫(‪)1‬‬
‫يرجح رواية ال�شيخ علي ال�سبيتي‬
‫لل�شيخ علي الزين ر�أي مغاير في وقعة يارون‪ ,‬حيث ّ‬
‫في �أ�سباب حدوث المعركة في يارون‪ ,‬والتي مفادها �أنه «في �سنة خم�سة وت�سعين و�ألف‪،‬‬
‫�أر�سل الجزار ع�سكراً �إلى حا�صبيا‪ ،‬فجاء �إلى يارون‪ ،‬فظن �أهل بالد ب�شارة �أن الع�سكر‬
‫يريدهم‪ ,‬فح�ضر نا�صيف‪ ،‬و�صارت وقعة يارون‪ ،‬وخربت البالد‪ ،‬وقبل �أن يع�سكر‬
‫الجزار‪ ،‬ح�ضر للبالد بوا�سطة �صاحب قلعة هونين‪ ،‬و�صار قتل نا�صيف بوا�سطته‪،‬‬
‫وظن �أن البالد ت�صفى له‪ ,‬فلم يبقِ على �أحد منهم»(((‪ ,‬كما �أن ال�شيخ علي ي�شكك في‬
‫حدوث عدة وقائع بين الجزار والمتاولة قبل معركة يارون‪.‬‬
‫�أعمال �أحمد با�شا في جبل عامل‬
‫بعد ا�ست�شهاد نا�صيف‬
‫بمقتل ال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ ،‬و�أخيه‪ ،‬وعدد كبير من رجاله و�أن�صاره‪ ,‬خ�ضع جبل‬
‫عامل خ�ضوع ًا مبا�شر ًا لحكم الجزار طيلة ربع قرن‪.‬‬
‫لقد عاثت قوات الجزار ف�ساد ًا وتخريب ًا في المنطقة العاملية كلها‪ ،‬وكانت نتائج‬
‫الحملة كارثية على الب�شر والحجر والثقافة‪ ،‬و�أهم تلك النتائج‪:‬‬
‫ �إحراق القرى والبلدات العاملية وتدمير المنازل‪.‬‬‫ �شحن ما في مكتبات جبل عامل من الم�ؤلفات والمخطوطات النادرة‪ ,‬حيث يقال‬‫�أنها بقيت تحترق في �أفران عكا لمدة �أ�سبوع‪ ,‬وقدرت المخطوطات بخم�سة �آالف‬
‫((( ح�سن الأمين «المرجع ال�سابق» �ص‪ ،220‬و محمد جابر �آل �صفا‪« :‬المرجع ال�سابق» �ص‪138‬‬
‫‪98‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫مخطوطة‪( .‬ويقول بع�ض كبار ال�سن في المنطقة على �أل�سنة �آبائهم و�أجدادهم �أن بع�ض‬
‫المهتمين بالتراث العاملي ذهبوا �إلى عكا‪ ،‬حيث ا�شتروا من �أهلها بع�ض ما �سلم من‬
‫الكتب ولم يحرق)‪.‬‬
‫كما �أنه «قب�ض على فريق من الوجهاء ف�أماتهم خنقاً في �سجون عكا‪ّ ،‬‬
‫و�شرد من‬
‫بقي منهم �إلى البالد المجاورة‪ ،‬وكان هناك حملة �إرهابية هدفها‪ :‬ال�سرقة والنهب‬
‫�أمام خوف العامليين وفرار �أغلبهم‪ ،‬وفي كل مرة يدفع ال�شعب الثمن‪ ،‬فقد ُ�سرقت‬
‫الم�ؤن و�أحرقت القرى ودمرت المنازل‪ ،‬وبد�أ رجال الحملة مجزرة ب�شرية مفجعة‬
‫عندما �أ�سرفوا في الجبل قتال وذبحاً»(((‪.‬‬
‫ لقد قتل الجزار الرجال «و�سلب الأموال و�سبى الن�ساء‪ ,‬حتى كانت المر�أة تباع‬‫بثلث قر�ش‪ ،‬وبعد ذلك �أخ�ضع مدينة �صور‪ ،‬كما هاجم جنده بيروت‪ ،‬فهرب معظم‬
‫�سكانها‪ ،‬و�أحرقوا وقتلوا وباعوا الأ�سرى‪ ،‬و�أر�سلوا �إليه منهم الكثير‪ ،‬فقطع ر�ؤو�س‬
‫البع�ض‪ ،‬و�أجل�س �آخرين على الخازوق»(((‪ ،‬و�إ�ضافة �إلى ذلك «ف ّر من بقي من الحكام‬
‫و�أبناء الع�شائر �إلى جبال حلب والأنا�ضول‪ ،‬وق�صد بع�ضهم عكار‪ ،‬ف�أنزلهم حاكمها‬
‫علي بك الأ�سعد المرعبي في دار رحبه‪ ،‬لم تزل للآن تعرف بدار الع�شائر»‪.‬‬
‫كما �أنّ معظم الم�ؤرخين ال يزالون يتحدثون عن م�آ�سي الجزار على جبل عامل‬
‫فيقولون‪« :‬ق�ضى الجزار على الإ�ستقالل الذاتي لجبل عامل‪ ،‬الذي كان ينعم به في‬
‫ظل م�شايخه‪ ،‬كما تابع الجزار انتقامه من العامليين بجي�ش م�ؤلف من الأكراد‬
‫والأتراك‪ ،‬و�أعمل ال�سيف بهم‪ ،‬وا�ستباح �أعرا�ضهم ونهب �أموالهم‪ ،‬ناهيك عن هتك‬
‫الأعرا�ض واغت�صاب العذارى‪ ،‬وت�صف العرفان ما حدث بالأمور التالية‪� :‬صار الأمير‬
‫ا�سماعيل يع ّد الن�ساء وي�أخذ عليهن خفراً‪ ،‬كما �أخذ العداد والخراج‪ ،‬وهدمت الدولة‬
‫القالع‪ ،‬و�أخذوا الأوالد والن�ساء‪ .‬كما ورد في دواني القطوف مايلي‪« :‬وكانوا يبيعون‬
‫((( نف�س المرجع �ص ‪240‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص‪ 221‬نق ًالعن ميخائيل م�شاقة و عن العرفان دون ذكر رقم المجلد‪..‬‬
‫‪99‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫المر�أة بع�شرة م�صاري» وفي م�شهد العيان ورد‪ :‬كان الرجال ي�ساقون �إلى عكا‪ ،‬ينتظرهم‬
‫الموت على الخازوق»‪ .‬وكذلك «هرب الم�شايخ �إلى بعلبك‪ ،‬وال�شيخ قبالن و�أخوته �إلى‬
‫ال�شام عند واليها محمد با�شا العظم»‪.‬‬
‫كما ورد في العرفان مايلي‪« :‬جعلت الدولة ت�أخذ من الرعية الأموال والخيل‬
‫وال�سالح‪ ،‬وكانت هذه ال�سنة �سنة خوف وجزع وذعر �شديد»(((‪.‬‬
‫ت�شريد العلماء العامليين‬
‫يذكر بع�ض الم�ؤرخين �أنّ علماء جبل عامل «تقدموا ب�شكوى �إلى حكومة الباب‬
‫العالي �ضدّه‪ ،‬فزاد انتقامه من المنطقة و�أهلها‪ ،‬فهاجر العلماء و�أهل الف�ضل �إلى‬
‫البالد الإ�سالمية البعيدة‪ ،‬كالهند والعراق و�إيران والأفغان‪ ،‬وخدموا فيها الإ�سالم‬
‫وال�شيعة الإمامية � ّأجل خدمة»(((‪.‬‬
‫ممن ا�ست�شهد من العلماء العامليين‪« :‬العالمة ال�سيد فخر الدين ف�ضل اهلل‪� ،‬أحد‬
‫معا�صري ال�شيخ نا�صيف‪ ،‬و�شاعره الخا�ص‪ ،‬وال�شيخ علي بن خاتون العاملي‪ ،‬وكان‬
‫فقيهاً‪ ،‬وبرع في الريا�ضيات والطب القديم‪� ،‬أ�سره �أحمد با�شا الجزار من جملة علماء‬
‫جبل عامل‪� ،‬سنة ‪1800‬م‪ ،‬ويقال �أن الجزار عفى عنه �أو ًال‪ ،‬ثم قتله �أحد جنوده في جويا‬
‫�أمام احفاده‪ ،‬ودفن هناك‪ ،‬وهاجر �آل خاتون �إلى جويا وا�ستقروا هناك»(((‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬ويذكر ال�شيخ الفقيه �أن «ال�شيخ �إبراهيم يحيى‪ ،‬قطن دم�شق ال�شام‪ ،‬وبقي بها‬
‫ال�شيخ علي خاتوني‪ ،‬الطبيب الفقيه‪ ،‬والعالم بعدة علوم‪ ،‬هاجر بطلبها �إلى �إيران‪،‬‬
‫وقد �صودرت �أمواله و�ضبطت �أمالكه‪ ،‬وحب�س مرتين‪ ،‬ولم تقبل منه فدية‪ ،‬ثم �أخذت‬
‫المكتبة التي كانت لآل خاتون‪ ،‬وكان ال�شيخ المذكور ولي �أمرها‪ ،‬وكانت تحتوي على‬
‫خم�سة �آالف مجلد من الكتب الخطية النادرة‪ ،‬ف�أم�ست في عكا طعمة للنار»(((‪.‬‬
‫((( نف�س المرجع �ص ‪220‬‬
‫((( راجع‪ :‬مح�سن الأمين «�أعيان ال�شيعة» المجلد الثامن �ص‪235‬‬
‫((( راجع‪ :‬الفقيه‪»:‬المرجع ال�سابق» �ص‪ 166‬وما بعدها‪.‬‬
‫((( محمد ح�سين المظفر‪»:‬تاريخ ال�شيعة» ط ‪ 3‬دار الزهراء �سنة ‪� 1983‬ص‪161-160‬‬
‫‪100‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫وم ّمن ف ّر من العلماء من ظلم الجزار‪« :‬العالم الكبير وال�شاعر المبدع ال�شيخ‬
‫�إبراهيم يحي‪ ،‬قطن دم�شق ال�شام‪ ،‬وال�سيد �أبو الح�سن ابن ال�سيد حيدر الأمين‪،‬‬
‫ال�شيخ ح�سن �سليمان‪ ،‬ال�شيخ محمد الح ّر‪ ،‬وكثير من �أهل العلم والمعرفة»(((‪.‬‬
‫هذا وقد «�سرق التراث العاملي المخطوط‪ ،‬والذي كان متراكماً في المكتبات‬
‫الخا�صة‪ ،‬ولم يكن مت�سعاً من الوقت لدى �أ�صحاب المكتبات لنقله �أو ترحيله‪� ،‬أتلف‬
‫ما �أتلف والباقي �سرق‪ ،‬ولم ينج �إال القليل القليل مما حمله �أ�صحابه �إلى البلدان‬
‫البعيدة»(((‪.‬‬
‫ماذا بعد �إجتياح جبل عامل‬
‫�إداري ًا‪ ،‬طر�أ تغيير وا�ضح على الو�ضع الإداري في المنطقة‪ ،‬فقد «جعل الجزار‬
‫�إبراهيم م�شاقة مت�سلماً للإدارة‪ ،‬وجعل مركزه في قلعة مارون‪ ،‬وت ّم اختياره لأنه كان‬
‫على خبرة في �أحوال جبل عامل ونف�سية العامليين‪ ،‬منذ �أن كان كاتباً لنا�صيف في‬
‫�صور‪ ،‬فن�ش�أت بينه وبينهم عالقات تجارية زاهرة‪ ،‬وقد �أح�سن هذا �إدارة الجبل‪ ،‬لكن‬
‫العامليين كانوا ال ير�ضون عن الإ�ستقالل بدي ً‬
‫ال»(((‪.‬‬
‫�إن هذه العملية التي قام بها الجزار‪ ،‬وحقق خاللها �إنجازات مهمة‪� ،‬أك�سبته مكانة‬
‫ونفوذ ًا زائد ًا في الأ�ستانه وفي الوالية‪ ،‬لأنه �أخ�ضع منطقة كانت ع�ص ّية لفترة طويلة عن‬
‫معظم والة �صيدا‪ ،‬هذا «و�أ�صبح الجزار �سيد بالد مزدهرة و�أرا�ضي خ�صبة وغنية‪،‬‬
‫ت�ضم مدينة ومرف�أ �صور التجاري‪ ،‬التي غادرها جميع �سكانها‪ ،‬حين علموا بالنكبة‬
‫التي حلت بال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ .‬وا�ستبدل البا�شا م�شايخ مقاطاعات جبل عامل‬
‫الذين ف ّروا من البالد‪ ،‬مت�س ّلمين م�ؤقتين من قبله»(((‪.‬‬
‫((( مح�سن الأمين‪ :‬الأعيان‪»...‬المرجع ال�سابق» �ص‪235‬‬
‫((( راجع‪:‬ح�سن الأمين «المرجع ال�سابق» �ص‪223‬‬
‫((( راجع تقرير القن�صل الفرن�سي‪� ،‬صيدا‪ ،‬مترجم‪ ،‬مجموعة(‪�)A.E.B‬سجل رقم ‪ 1040‬تاريخ ‪1982/6/2‬‬
‫((( نف�س المرجع‬
‫‪101‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وكان لهذا الو�ضع الم�ستجد ت�أثيرات �سلبية‪َ ،‬ح َد ْت بوالي �صيدا �إلى محاولة تدارك �أمر‬
‫ت�أثير خل ّو البالد من �أهلها على الو�ضع الإق�صادي في البالد‪ ،‬وبالتالي على ما �سيجنيه‬
‫وما يملأ خزائنه بالثروات‪« ،‬فح�ضر �إلى �صور لكي ي�ؤكد ب�شخ�صه بقاء كل ما يخ�ص‬
‫زعماءها‪ ،‬وت�أمين ممتلكات ال�سكان‪ ،‬و�أ�شارت �إلى ذلك الوثائق الفرن�سية ال�صادرة عن‬
‫�صيدا بقولها‪�« :‬أذاع هنا‪ ،‬وفي كل الأمكنة التي لج�ؤوا اليها‪� ،‬أن ب�إمكان جميع الذين‬
‫خرجوا العودة �إلى �صور‪ ،‬دون خ�شية �أو خوف‪� ،‬سواء منه �أو من �أي �شخ�ص �آخر»(((‪.‬‬
‫لقد �أظهر ال�سلطان العثماني ر�ضاه الكامل عن عملية تدمير جبل عامل واحتالله‪،‬‬
‫و�أر�سل الجزار �أحد موظفيه ومعه هدية‪ ،‬من �سيف وخلعة ثمينة‪ ،‬ومظاهر ال�شرف هذه‬
‫لم تجعله (�أي الجزار) بعيد ًا عن مطالبة الباب العالي له بت�أدية الح�ساب عن الثروة‬
‫التي ا�ستولى عليها في هذه الحملة‪.‬‬
‫متابعة حملة الجزار‬
‫بعد �أن ر ّكز الجزار �سلطته في جبل عامل‪ ،‬ولم يبق �أمامه �إال قلعة ال�شقيف التي بقيت‬
‫ووجه ع�ساكره لتفر�ض ح�صاراً على قلعة ال�شقيف‪،‬‬
‫ع�صية عليه طيلة تلك الفترة‪« ،‬عاد ّ‬
‫التي كان معت�صماً بها ال�شيخ حيدر الفار�س مع �أتباعه‪ ،‬وبالرغم من الق�صف المدفعي‬
‫الذي كانت تتعر�ض له القلعة‪ ،‬فقد �صمد ال�شيخ �شهراً كام ً‬
‫ال‪ ،‬ولم ت�ستطع ع�ساكر‬
‫البا�شا تحقيق �أي ك�سب‪ ،‬ب�سب رداءة القنابل الم�ستعملة‪ ،‬وجهل المدفعجية ب�أ�صول‬
‫ا�ستخدام �سالحهم‪ ،‬و�شجاعة المحا�صرين‪ ،‬الذين �أبدوا ب�سالة فائقة في الدفاع عن‬
‫�أنف�سهم‪ ،‬خ�شية �أن ي�صيبهم ما �أ�صاب �أبناء م ّلتهم» كما ورد عن دار الوثائق القومية‬
‫في باري�س(((‪.‬‬
‫((( نق ًال عن دار الوثائق القومية في باري�س‪ ،‬مجموعة (‪�)A.E.B‬سجل رقم ‪ 1039‬تاريخ ‪1982/6/2‬‬
‫((( هذه الفرق �سميت بهذا الإ�سم‪� ،‬أي قطاع الطرق‪ ،‬الذين كانوا يطلبون من القرى مال الميري والذخائر والم�ؤن…‬
‫‪102‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫وحين ف�شلت خطة البا�شا الحتالل القلعة بالقوة‪� ،‬سعى �إلى تحقيق ذلك بالوعود‬
‫المغرية للأ�سباب التالية‪:‬‬
‫ خ�شي �أن تطول فترة الح�صار �أكثر‪ ،‬وما يتطلبه ذلك من نفقات باهظة‪.‬‬‫ �صمود العامليين فترة �أطول من �أن ي�ؤدي �إلى �إزالة الهيبة والمكانة والخوف‪ ،‬التي‬‫كان يثيرها �إ�سمه في والية �صيدا ( بعد انت�صاراته المتتالية)‪.‬‬
‫ خطر بقاء قوات في هذه البالد المعادية له‪ ،‬واقتراب ف�صل ال�شتاء‪.‬‬‫ من م�صلحته �أن يتم ت�سليم الح�صن عن طريق المفاو�ضات‪ ،‬لي�ضمن �سالمة‬‫محتوياته من نهب قواته‪.‬‬
‫هذا وانتهى الأمر بمفاو�ضات بين الفريقين‪� ،‬أدت �إلى ح�ضور البا�شا �شخ�صياً‬
‫�إلى ال�شقيف في �سنة ‪1196‬هـ ‪ 24 ،‬ت�شرين ثاني �سنة‪ ، 1781‬عندما �أكدوا له ب� ّأن‬
‫المحا�صرين م�ستعدون �أن ي�ست�سلموا له �شخ�صياً‪ ،‬وا�ست�سلم ال�شيخ حيدر الفار�س‬
‫(((‬
‫ورجاله و�س ّلموا الح�صن للبا�شا»‬
‫الجدير بالذكر �أنّ الجزار ّ‬
‫حطم القالع ال�سبع الرئي�سية في جبل عامل وهي‪ :‬هونين‪،‬‬
‫تبنين‪ ،‬مارون‪ ،‬مي�س‪� ،‬صربا‪ ،‬جباع‪ ،‬و�شمع‪� ،‬إ�ضافة �إلى الإ�ستيالء على ميناء �صور‪.‬‬
‫الرد مجدد ًا على الإحتالل ‪ -‬الفرق الإنتحارية‬
‫كما �أ�سلفنا قوله‪ ،‬ف�إن البا�شا‪ ،‬قائد القوات التابعة للجزار‪ ،‬والتي احتلت المنطقة‪،‬‬
‫عمد �إلى ا�ستبدال م�شايخ جبل عامل (الحاكمين الفعليين للنواحي المتعددة) ب�ضباط‬
‫من عنده‪ ،‬مز ّودين بفرق ع�سكرية قادرة على ال�سيطرة بفاعلية على تلك المقاطعات‪،‬‬
‫لم ي�ستكن �أبناء جبل عامل لهذا الواقع الم�ستجد‪ ،‬خا�صة و�أنهم يقاومون �أية قوة طاغية‬
‫ظالمة محتلة‪ ،‬وهذا ما �أثبتته ال�سيرة التاريخية للمنطقة و�أهلها‪ .‬وكان الرد على النحو‬
‫التالي‪:‬‬
‫((( �إبراهيم العورة‪»:‬تاريخ والية �سليمان با�شا العادل» ن�شره ق�سطنطين البا�شا‪ ،‬حري�صا‪ ،‬ال تاريخ (�ص ‪)34‬‬
‫‪103‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫بعد ا�ست�شهاد ال�شيخ نا�صيف الن�صار‪ ،‬ت�سلم القيادة مكانه �إبنه الأكبر ال�شيخ فار�س‬
‫النا�صيف‪ ،‬فلعب نف�س دور والده الن�ضالي والجهادي‪.‬‬
‫الجزار ركز �سلطته في مدينة �صور‪ ،‬التي لم يبقَ فيها �أحد‪ ،‬فعمد الجزار على �إعادة‬
‫الم�شايخ و�أتباعهم �إلى المدينة‪ ،‬لي�س حب ًا بهم‪ ،‬و�إنما رغبة منه في جني الأموال المترتبة‬
‫على عملية الإلتزام‪� .‬ش ّكل ال�شيخ فار�س النا�صيف و�إخوانه و�أعوانه الذين ذهبوا �إلى‬
‫بعلبك وعكار فرق ًا �إنتحارية‪� ،‬سميت بـ «الط ّياح»(((‪ .‬وراحت هذه الفرق «تدخل مت�سللة‬
‫�إلى جبل عامل‪ ،‬وراح �أفرادها يقومون بكمائن �ضد قوات الجزار‪ ،‬وبغارات على‬
‫مع�سكراته»(((‪.‬‬
‫من ناحية �أخرى‪ ،‬ح�صلت تحركات عاملية في منطقة �صور‪ ،‬كان من �ش�أنها محاولة‬
‫الرد على الهزيمة التي ُمني بها العامليون على يد الجزار‪ ،‬وفي هذا المجال �إجتمع في‬
‫قرية �شحور‪ ،‬من �أعمال �صور‪� ،‬أعيان البالد‪ ،‬وقرروا الت�صدي للجزار بكل ما هو متوفر‬
‫لديهم‪ ،‬بغية �إنقاذ ما تبقى من البالد والحفاظ عليها‪ ،‬و�أ ّلفوا مجموعات قتالية لهذه‬
‫وع ّين ال�شيخ علي الزين‬
‫الغاية‪ ،‬وعهدوا بها�إلى ال�شيخ حمزة بن ال�شيخ محمد ن�صار‪ُ ،‬‬
‫من�سق ًا لهذه المجوعات‪ ،‬وكان �أول عمل قتالي نفذته هذه المجموعات‪ ،‬هو‬
‫من �شحور ّ‬
‫مهاجمة قلعة تبنين‪ ،‬نظر ًا لما تمثله هذه القلعة من رمزية‪ ،‬كونها كانت معقل ال�شيخ‬
‫نا�صيف‪ ،‬ومركز حاكمية جبل عامل(((‪ ،‬وكان ذلك �سنة ‪1179‬هـ ‪1783 -‬م‪ ،‬يوم ا�شتد‬
‫الخ�صام بين الجزار والأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬عندها �أر�سل �أوالد نا�صيف ورجالهم‪،‬‬
‫يعربون ليو�سف عن ا�ستعدادهم لقتال الجزار‪� ،‬إذا �أ ّمن لهم ال�سالح الالزم‪ ،‬فوافقهم‬
‫وح�ضروا �إلى بالد ال�شوف‪ ،‬ومنها توجهوا �إلى �شحور‪.‬‬
‫لم ي�سكت الجزار عن هذه العمليات‪ ،‬وعمل على الت�صدي لها‪ ،‬لأنه كان ي�شعر �أنه لو‬
‫((( محمد جابر �آل �صفا‪« :‬المرجع ال�سابق»(�ص ‪)139 -138‬‬
‫((( �إدوارد الكروا‪« :‬المرجع ال�سابق» (�ص ‪)174‬‬
‫((( دار الوثائق الفرن�سية … مجلد ‪ ،979‬تاريخ ‪1784/6/4‬‬
‫‪104‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫لم يح�سم �أمرها‪ ،‬ف�إن نا�صيف ّن�صار �آخر �سيبرز‪ ،‬و�سيحاول الأخذ بالث�أر‪ ،‬ولذلك‪ ،‬ف�إنه‬
‫«على �أثر هذه الهجمات ج ّهز الجزار حملة ع�سكرية على بلدة �شحور‪ ،‬لت�أديبها‪ ،‬فقتل‬
‫الن�صار‪ ،‬وف ّر ال�شيخ علي الزين �إلى �إيران‪ ،‬ومنها �إلى الهند‪ ،‬ولم يعد‬
‫ال�شيخ حمزة ّ‬
‫�إلى البالد �إال بعد �سيطرة الإنكليز»(((‪.‬‬
‫في نف�س ال�سياق المقاوم من قبل العامليين �ضد الجزار وممار�سته التع�سفية‪« ،‬بلغت‬
‫جر�أة العامليين �إلى ح ّد قيام ال�شيخ عقيل ابن فار�س الن�صار بالهجوم على قلعة‬
‫تبنين‪ ،‬ف�أفنى الع�ساكر الموجودة فيها‪ ،‬و�أخذ منها الثروة التي خب�أها والده في‬
‫الح�صن المذكور»(((‪ ،‬ويقال �أن هذه الثروة كانت مطمورة تحت �شجرة في الح�صن‪.‬‬
‫«فوجئ ال�شيخ عقيل بوجود قوة م�سلحة من المغاربة‪ ،‬كان قد تركها البا�شا لحفظ‬
‫الأمن في البالد المجاورة‪ ،‬ف�أفنى تلك القوة‪ ،‬ونقل الكنز �إلى مكان �أمين‪ ،‬ولم يقتل‬
‫من رجاله �سوى �أربعة‪ ،‬ثم غادر القلعة بعد �أن ترك فيها حامية من رجاله‪ ،‬و�أحرق‬
‫ونهب عدة قرى‪ ،‬وتابع زحفه نحو عكا‪ ،‬و�أ�صيب الجزار بالذهول حين علم بالن�صر‬
‫الذي حققته قوات ال�شيخ عقيل وقوات الط ّياح في تبنين‪ ،‬وخ�شي من انتفا�ضة �سكان‬
‫جبل عامل‪ ،‬والتفافهم حول ال�شيخ ال�شاب‪ ،‬مما قد ي�ؤدي �إلى ا�ستقاللهم‪ ،‬وتع ّر�ض‬
‫قواته للفناء‪ ،‬نظراً للتحالف القائم بين العامليين و�أمير جبل الدروز‪ ...‬فقرر �إخماد‬
‫الفتنة في مهدها‪ ،‬والحيلولة دون ازدياد نفوذ متمردي جبل عامل بين �أبناء م ّلتهم‪،‬‬
‫وبالتالي تدهور مكانته بين رعاياه‪ ...‬وقد �أنكر �أحمد با�شا تع ّر�ض قواته للهزيمة‬
‫في تبنين‪ ،‬و�أطلق في ‪1199‬هـ‪ ،‬في الأول من حزيران �سنة‪ 1784‬مدافع قلعة �صيدا‪،‬‬
‫�إحتفاء بانت�صار جنوده على ع�صاة جبل عامل»(((‪ ،‬وكان هذا الأمر زور ًا وبهتان ًا في تلك‬
‫الفترة‪ ،‬حيث �أن �أكثر الم�ؤرخين ي�ؤكدون هزيمة ع�سكر الجزار في تلك الحادثة‪.‬‬
‫((( راجع‪ :‬ح�سن الأمين‪ »:‬المرجع ال�سابق» (�ص ‪)324 – 323‬‬
‫((( تقرير القن�صل الفرن�سي في �صيدا‪ ،‬مجموعة (‪� )A.E.B‬سجل ‪ 1040‬تاريخ ‪1784/6/2‬‬
‫((( راجع‪� :‬إبراهيم العورة‪« :‬تاريخ والية …» المرجع ال�سابق‪.‬‬
‫‪105‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ر ّد الجزارعلى العامليين مجدد ًا‬
‫ر ّد ًا على هذه الهزيمة‪ ،‬ف�إن الجزار عمل جاهد ًا في �سبيل �إخ�ضاع بع�ض المناطق‬
‫العاملية‪ ،‬التي ات�ضح �أنها ال تزال خارجة عن �سلطته‪ ،‬وت�شكل تهديد ًا ما له‪ ،‬و�أ�صدر في‬
‫‪1199‬هـ‪ ،‬الأول من حزيران �سنة ‪1784‬م �أمر ًا �إلى القوات التي كان قد �سي ّرها في ذلك‬
‫اليوم الجتياح جبل الدروز‪ ،‬بالإن�سحاب‪ ،‬و�أر�سلها من جديد �إلى جبل عامل‪ ،‬وا�ضطر‬
‫االمير ا�سماعيل ال�شهابي بالعودة ب�أتباعه �إلى �صيدا‪ ،‬وق�صف البا�شا �أربع قرى عاملية‪،‬‬
‫ود ّمرها تدمير�أ كام ًال (لم يذكر �أ�سماءهذه القرى)‪ .‬كما تمكنت قواته من الإنت�صار‬
‫على الط ّياح‪.‬‬
‫وفي الثاني من حزيران‪ ،‬عر�ض البا�شا ر�ؤو�س القرى المتمردين خارج �أبواب المدينة‪،‬‬
‫كما �أمر بخوزقة �أحد الزعماء العامليين‪ ،‬وقد ت�صرف بهذا ال�شكل لتحقيق هدفين‪،‬‬
‫�أولهما �إثارة الرعب والخوف لدى �سكان الوالية‪ ،‬والثاني ترهيب �أن�صار الأمير يو�سف‪.‬‬
‫وبعد �أن �أعاد الجزار النظام في جبل عامل‪ ،‬ترك والي �صيدا جانب ًا من القوات‬
‫التي �أر�سلها �إلى هناك للحفاظ على الأمن فيها‪ ،‬و�سحب ما تب ّقى ال�ستخدامه في حملة‬
‫جديدة على جبل الدروز المتمرد عليه‪ ،‬وعزل الأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬و�أقام عمه الأمير‬
‫�سيد �أحمد وخاله الأمير �إ�سماعيل كحاكمين على تلك البالد(((‪.‬‬
‫تزايد هجمات الط ّياح وموقف الجزار‬
‫�أقام الجزار مراكز ع�سكرية كثيرة في منطقة جبل عامل‪ ،‬وكانت تدعى بـ» ال�سردلة»‪،‬‬
‫وهدفها البحث عن الط ّياح في المنطقة‪ ،‬لكنها‪ -‬كما يقول بع�ض الم�ؤرخين ‪« -‬كانت‬
‫تعود خائبة‪ ،‬ثم ع ّين ع�ساكر من العامليين �أنف�سهم‪ ،‬ومع ذلك لم ُي ْجدِ ِه ذلك نفعاً‪،‬‬
‫لأنهم كانوا يح�ضرون للبحث عن الم�شايخ الع�صاة‪ ،‬ويكون ه�ؤالء قد انتقلوا �إلى‬
‫((( ونق ًال عن ح�سن الأمين‪ « :‬المرجع ال�سابق» (�ص‪)321‬‬
‫‪106‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫مناطق �أخرى وعرة‪� ،‬أو �إلى �أطراف البالد»(((‪.‬‬
‫للم�ؤرخ ح�سن الأمين ر�أى في ه�ؤالء الط ّياح‪ ،‬حيث يقول �إنّ «جبل عامل عانى كثيراً‬
‫من هجمات �أولئك الط ّياح‪ ،‬لأنه وقع بين نارين‪ ،‬نار مت�س ّلمي الجزار‪ ،‬وجنوده‪ ،‬ونار‬
‫الثوار‪ ،‬فكان البا�شا ير�سل مت�سلميه وجنوده ال�سردلة لمالحقة الع�صاة‪ ،‬فيعيثون في‬
‫البالد ف�ساداً‪ ،‬وي�ض ّيقون على ال�سكان‪ ،‬ويغير الثوار على القرى في�سلبون وينهبون‬
‫ويحرقون ما ي�صادفهم من �أمتعة‪ ،‬ومن ثم يف ّرون في بطون الأودية‪� ،‬أو يعت�صمون‬
‫في قمم الجبال»‪ ،‬وي�ضيف الأمين قائ ًال‪« :‬كان الأهالي يدفعون الميري والذخائر‬
‫للمت�سلمين والع�ساكر ال�سردلة‪ ،‬الذين كانوا يدّعون ب�أنهم يحافظون عليهم من‬
‫التعديات‪ ،‬كما كانوا يدفعون الميري والذخائر للم�شايخ المذكورين و�أتباعهم‪،‬‬
‫بحجة �أن البالد بالدهم و�أهاليها عبيد لهم»(((‪.‬‬
‫�إنّ محاوالت الجزار المتكررة للإيقاع بالط ّياح باءت بالف�شل‪ ،‬بالرغم من �أنه كان‬
‫قد �أخ�ضع المنطقة العاملية ل�سلطته‪ ،‬ي�ساعد في ذلك �ضباط عينهم ليحكموا با�سمه‬
‫المناطق التي �سيطر عليها‪ ،‬وب�شكل مبا�شر‪.‬‬
‫في تلك الفترة‪ ،‬تقلب الجزار في �سيا�سته مع الدروز بين الأمير يو�سف وخاله‬
‫الأمير �إ�سماعيل ال�شهابي‪ ،‬وو�صلت الأمور به �إلى ح ّد «�إثارة العداء بين الأمير يو�سف‪،‬‬
‫ملتزم جبل الدروز‪ ،‬وخاله الأمير �إ�سماعيل مت�سلم مقاطعتي مرجعيون وحا�صبيا‪،‬‬
‫مد الأمير الأخير بقوات من عنده‪� ،‬أقامت مع�سكراً‬
‫التابعتين لإدارة والية دم�شق‪ ،‬و�أ ّ‬
‫لها في جزين‪ ،‬لكنها هزمت في جباع»(((‪.‬‬
‫ا�ستغل الط ّياح هذا الأمر‪� ،‬أي ان�شغال الجزار في القتال الدائر بين الخ�صمين من‬
‫�أمراء �آل �شهاب في ال�شوف‪ ،‬و«�سحبه �أعداداً كبيرة من قواته المتواجدة في بالد‬
‫((( نف�س المرجع (�ص‪)322‬‬
‫ً‬
‫((( دار الوثائق الفرن�سية …مجلد ‪ ،979‬تاريخ ‪ 1784/8/15‬راجع �أي�ضا‪ :‬حيدر ال�شهابي‪ « :‬الغرر الح�سان» المرجع ال�سابق (�ص‬
‫‪)137‬‬
‫((( الأمين‪ »:‬المرجع ال�سابق» (�ص‪)320‬‬
‫‪107‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫عاملة‪ ،‬لم�ساندة حليفيه الأميرين ال�شهابيين �إ�سماعيل و�سيد �أحمد‪ ،‬فزادوا من‬
‫غاراتهم وهجماتهم على القوات القليلة المتبقية في بالدهم‪ ،‬وت�شجع فتيانهم‬
‫الذين ف ّروا �إلى دم�شق‪ ،‬فح�ضر حوالي �ستماية فار�س منهم‪ ،‬و�شك ّلوا مع الط ّياح قوة‬
‫مهاجمة‪� ،‬إن�ضم اليها حوالي �ألف من فالحي جبل عامل‪ ،‬و�شجعهم الأمير يو�سف‬
‫ال�شهابي‪ ،‬وتحالف معهم‪ ،‬و�س ّهل �إمدادهم بال�سالح والم�ؤن والمقاتلين‪ ،‬وكان ذلك‬
‫في �سنة ‪.(((»1784‬‬
‫الجزار والم�ؤامرة‬
‫ترافق تحرك الط ّياح مع �أخبار و�إ�شاعات �أفادت ب�أنّ الباب العالي حانق على الجزار‬
‫وتحركاته‪ ،‬وهناك نية من قبل ال�سلطنة العثمانية للتخل�ص منه‪ ،‬كما �سرت �إ�شاعة في‬
‫المنطقة تفيد «ب�أن الباب العالي �سوف ير�سل حملة بحرية وبرية لتدمير الجزار‪،‬‬
‫و�صار ال�سكان يت�صورون � ّأن عزل البا�شا �سيتم بين لحظة و�أخرى»(((‪.‬‬
‫في هذا الوقت بالذات‪ ،‬ت�شكلت خاليا �سر ّية في جبل عامل‪ّ ،‬‬
‫خططت للإنق�ضا�ض‬
‫على ع�ساكر البا�شا‪ ،‬بمجرد تبلغهم �أول �إ�شارة ر�سمية عن عزله‪ ،‬لكن بو�صول �أنباء هذه‬
‫الم�ؤامرة �إلى م�سامع الأخير‪� ،‬أ�صدر �أمر ًا في ‪1200‬هـ‪� ،‬أيار(مايو)�سنة ‪ ،1785‬باقتياد‬
‫الزعماء المت�آمرين �إلى عكا مقيدين بالحديد‪ ،‬وبطرد جميع المتاولة ومعاملتهم بال�ش ّدة‬
‫المتناهية»(((‪ ،‬وهكذا ا�ستطاع الجزار مجدد ًا �أن يق�ضي على «الم�ؤامرة» التي كانت‬
‫ت�ستهدفه‪ ،‬وهذا الأمر كانت له �آثار �إيجابية بالن�سبة اليه‪ ،‬حيث �أن الأ�ستانة �إقتنعت‬
‫بقوته الع�سكرية والإقت�صادية‪ ،‬و�أنه «�أحد الوالة القالئل القادرين الإعتماد على‬
‫�أنف�سهم لتمويل وقيادة قافلة الحج بفعالية‪ ،‬ف�صدر فرمان �سنة ‪1201‬هـ ‪ ،‬الأول من‬
‫((( دار الوثائق القومية في باري�س‪ ،‬مجموعة (‪ )A.E.B‬مجلد ‪ ،979‬تقرير �صادر عن عكا‪ ،‬بتاريخ ‪ 1785/5/16‬راجع �أي�ض ًا‪:‬‬
‫«حيدر ال�شهابي‪« :‬المرجع ال�سابق» ن�شره �أ�سد ر�ستم وف�ؤاد �أفرام الب�ستاني بعنوان‪« :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين»الجامعة‬
‫اللبنانية‪� 3 ،‬أجزاء‪ ،‬بيروت �سنة ‪�( 1933‬ص ‪)137‬‬
‫((( دار الوثائق‪ :‬المرجع ال�سابق» �سجل ‪( 979‬حالة القن�صلية العامة في �سوريا وفل�سطين خالل العام �سنة ‪)1786‬‬
‫((( راجع‪� :‬إبراهيم العورة‪ »:‬المرجع ال�سابق» (�ص‪ )35‬والأمين» المرجع ال�سابق» ط ‪325‬‬
‫‪108‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫�أيار �سنة ‪ ، 1786‬يجعل اثنين من مماليكه‪� :‬سليمان با�شا والياً على طرابل�س‪ ،‬و�سليم‬
‫با�شا والياً على �صيدا‪ ،‬و�أ�شارت التقارير الدبلوما�سية الفرن�سية‪ ،‬ال�صادرة عن عكا �إلى‬
‫ذلك بقولها‪� ...:‬أ�صبح الجزار �سيد �سوريا الأوحد‪ ،‬تخ�ضع لأمره البالد الممتدة من‬
‫الالذقية �شما ًال �إلى غزة جنوباً‪ ،‬ومن البحر المتو�سط غرباً �إلى بادية ال�شام �شرقاً‪،‬‬
‫(((‬
‫يحكم هذه البالد ال�شا�سعة بوا�سطة �ضباط»‬
‫المزيد من المعاناة العاملية‬
‫و�صلت الأمور في منطقة جبل عامل �إلى درجة‪ ،‬لم يعد فيها �أهله قادرين على العي�ش‬
‫ب�أمن وهدوء و�سالم‪ ،‬خا�صة �أن الو�ضع �إت�سم ب�أمور عديدة‪ ،‬د ّلت ب�شكل رئي�سي على‬
‫معاناة العامليين من ظلم المت�سلمين‪ ،‬وا�ضطرارهم لدفع الميري والذخائر والم�ؤن‪،‬‬
‫ومهاجمة البلدات والقرى بحجة �ضرب الثوار‪ ،‬ونق�ص في الأمالك ب�سبب م�صادرتها‪،‬‬
‫وم�صادرة الغالل والت�ضييق على ال�سكان‪ ،‬وفر�ض الغرامات النقدية‪ ،‬و�إجبار المواطنين‬
‫على القيام ب�أعمال ال�سخرة‪ ،‬والفر�ض على ال�سكان تقديم الهدايا لل�ضباط و�إيواء‬
‫الجنود‪ ،‬وتقديم ما يحتاجونه من طعام وغذاء‪ ،‬وت�أدية العلف لخيولهم‪ ،‬وم�صادرة‬
‫الدواب من القرى لنقل الم�ؤن والذخائر للع�سكر‪ ،‬وا�سترقاق الن�ساء والأطفال ّ‬
‫الر�ضع‪،‬‬
‫وبيعهم في �أ�سواق النخا�سة‪ ،‬والقيام بنهب ما ي�صادفه الجنود من متاع و�أثاث وم�ؤن(((‪.‬‬
‫علم الجزار‪ ،‬وهو في دم�شق‪ ،‬وكان ي�ستع ّد لل�سفر من هناك لت�أدية فري�ضة الحج‪ ،‬بما‬
‫يح�صل في جبل عامل‪ ،‬و�أنّ «جماعة من العامليين‪ ،‬من �آل علي ال�صغير‪ ،‬قد فرت �إلى‬
‫م�شغرة‪ ،‬و�أقامت فيها ب�إذن وحماية الأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬فخ�شي �أن ي�ستغل ه�ؤالء‬
‫فر�صة غياب وتوزيع قواته بين واليات طرابل�س و�صيدا ودم�شق‪ ,‬ومرافقة عدد من‬
‫تلك الع�ساكر لقافلة الحج ال�شامي‪ ،‬فيتوجه ه�ؤالء الم�شايخ �إلى جبل عامل بم�ساعدة‬
‫((( حيدر ال�شهابي‪«:‬المرجع ال�سابق» الجزء الأول (�ص‪)141‬‬
‫((( نف�س المرجع‬
‫‪109‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الأمير ال�شهابي الحاكم‪ ،‬للإنتقام لما �أ�صابهم على يد البا�شا وقواته‪ ،‬فق ّرر �أن يزيل‬
‫مخاوفه بالق�ضاء عليهم‪ ،‬عن طريق الأمير يو�سف‪ ،‬والفر�صة متاحة �أمامه نظراً‬
‫لوجود ال�شيخ �سعد الخوري‪ ،‬مربي وم�ست�شار الأمير يو�سف مرتهناً لديه‪ ،‬وبذلك‬
‫�سوف يجبر الأخير على تنفيذ ما يطلب منه‪ ،‬وهو ي�ستطيع تحقيق هدفين‪:‬‬
‫�أولهما‪� :‬ضرب التحالف العاملي ال�شهابي‪ ،‬وزرع بزور الفتنة والإن�شقاق‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬الق�ضاء على �آل ال�صغير الالجئين في م�شغرة»(((‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وقبل خروج الجزار بقافلة الحج‪� ،‬أ�صدر �أمر ًا �إلى ال�شيخ �سعد الخوري‪� ،‬أن يكتب‬
‫�إلى �سيده �أمير جبل الدروز ب�إلقاء القب�ض على م�ضيفيه العامليين‪ ،‬و�إر�سالهم �إلى والي‬
‫�صيدا �سليم با�شا‪ ،‬وا�ستجاب الأمير يو�سف للأمر‪ ،‬و�س ّلم العامليين �إلى عدوهم‪ ،‬وقد‬
‫�أثار ت�صرفه هذا ا�ستنكار المعا�صرين‪ ،‬لأنه يتنافى مع تقاليد المنطقة التي تحثّ على‬
‫حماية الالجئ والدفاع عنه»‪ ،‬و�أ�شار �إلى ذلك الم�ؤرخ حيدر ال�شهابي بقوله‪« :‬لم يحفظ‬
‫الجوار ويرعى الذمام‪ ...‬والم النا�س الأمير يو�سف على ذلك‪.(((»...‬‬
‫�إنّ ما ورد في هذا المو�ضوع ي�ؤ�شر على عدة �أمور منها‪� ،‬أنّ الجزار‪ ،‬وبالرغم من‬
‫اجتياحه المنطقة واحتاللها وقتل بع�ض كبار رجاالتها ومن معهم‪ ،‬ف�إنه كان اليزال‪،‬‬
‫ي�شعر بالخوف والرعب من ه�ؤالء‪ ،‬وك�أنه ال يزال يح�سب لهم ح�ساب ًا‪ ،‬كما �أنّ الزعماء‬
‫العامليين‪ ،‬كانوا يحاولون ا�ستغالل الخ�صومات ال�سيا�سية للجزار مع بع�ض الزعامات‪،‬‬
‫للإ�ستفادة منها �ضد محاوالت الجزار �إ�ستهدافهم‪� ،‬أو في فر�ض �أنف�سهم كقوى لها‬
‫�أهميتها‪ ،‬وال يمكن عدم التطلع �إليها و�إلى مواقفها‪.‬‬
‫كذلك البد من مالحظة �أمر مهم‪ ،‬وهو �أن �أعداء العامليين كانوا ي�ستغلون �أحيان ًا‬
‫بع�ض الخ�صومات بين زعماء عامليين‪ ،‬للدخول من خاللها �إلى المنطقة‪ ،‬كما �أن‬
‫االتفاق بين الزعامات العاملية‪ ،‬كان من �ش�أنه �أن يح ّد من ت�أثير التعديات على المنطقة‪.‬‬
‫((( علي الزين‪ « :‬ف�صول…»المرجع ال�سابق» (�ص ‪)106-105‬‬
‫((( نف�س المرجع (�ص‪)117-116‬‬
‫‪110‬‬
‫������������������������������������������������‬
‫هكذا بقيت البالد طيلة فترة حكم الجزار‪ ،‬وبالرغم من الأقوال التي تتحدث عن‬
‫تغير طر�أ على موقفه بعد �أن ر�أى خراب البالد‪ ،‬ثم �أ�شير عليه با�ستدعاء ال�سيد محمد‬
‫الأمين بعد �أن ي�ؤمنه‪ ،‬وهذا الأخير يتك ّفل ب�إعادة عمران البالد‪ ،‬وعودة �أمراء جبل عامل‬
‫�إلى ربوعه‪ ،‬وهكذا كان‪ ،‬حيث ا�ستقر الأمر‪ ،‬وعمرت البالد من جديد‪.‬‬
‫�سنة ‪1209‬هـ ‪� -‬سنة ‪1804‬م‪ ،‬توفي �أحمد با�شا الجزار في مدينة عكا‪ ،‬وتن ّف�س العامليون‬
‫ال�صعداء من الكابو�س الثقيل الذي كان يثقل كواهلهم‪ ،‬ويذكر ال�شيخ علي الزين‪� ،‬أنه من‬
‫المتفق عليه‪ ،‬لدى ج ّل الم�ؤرخين‪� ،‬أنه لما توفي الجزار «اجتمع مجل�س �شورى والية عكا‪،‬‬
‫الم�ؤلف من قادة الع�ساكر‪ ،‬واختاروا �إ�سماعيل با�شا القد�سي لتولي من�صب الجزار‪،‬‬
‫وكتبوا للباب العالي في ا�سطنبول‪ ،‬يخبرونه بوفاة الجزار‪ ،‬ويلتم�سون منه تعيين‬
‫�إ�سماعيل با�شا مكان الجزار‪ ،‬ولكن الدولة العثمانية ‪ -‬لأم ٍر ما ‪ -‬ع ّينت �إبراهيم با�شا‬
‫والي حلب مكانه‪ ،‬ثم �أر�سلت راغب �أفندي‪� ،‬أمين الخزنة ل�ضبط مخالفات الجزار»(((‪.‬‬
‫بعد فترة وجيزة تغير الموقف‪ ،‬و�صدرت الأوامر ال�سلطانية بتوجيه الإيالة �إلى �سليمان‬
‫با�شا �سنة ‪1220‬هـ �سنة‪1805‬م‪ ،‬وعزل �إبراهيم با�شا‪ ،‬وجرى ال�صلح بين م�شايخ جبل‬
‫عامل والوالي الجديد‪ ،‬بتع ّهد من الأمير ب�شير‪� ،‬إنما ب�شروط‪ ،‬منها �أن «يتر�أ�س عليهم‬
‫ب�صفته �شيخ م�شايخ‪ ،‬ال�شيخ فار�س النا�صيف‪ ،‬ليتعاطى �أمورهم وم�صالحهم‪ ،‬وف�صل‬
‫الدعاوى فيما بينهم‪ ،‬ثم �أ�صدر �سليمان با�شا مر�سوم الأمان‪ ،‬الذي �أر�سل لل�شيخ‬
‫فار�س النا�صيف‪ ،‬حيث ا�ستدعي لعند �سليمان با�شا‪ ،‬فح�ضر هو و�إخوته والبع�ض من‬
‫كبار الم�شايخ‪ ،‬وا�ستقبلهم بكل ب�شا�شة و�إكرام»‪.‬‬
‫يذكر �أنّ هذا العقد ت�ضمن توزيع القرى على الم�شايخ‪ ،‬كل منهم قدر لزومه بالعدل‬
‫والإن�صاف‪ ،‬من دون ميل �أو انحراف‪ ،‬ويقول ال�شيخ علي الزين �أن «الأمير ت�آمر مع‬
‫البا�شا على م�شايخ المتاولة‪ ،‬و� ّأن �شروط ال�صلح كانت محجفة جداً ّ‬
‫بحق الم�شايخ»‪.‬‬
‫((( نف�س المرجع ‪ ،‬وراجع‪:‬حيدر ر�ضا الركيني‪ »:‬جبل عامل في قرن» مخطوط‪ ،‬ن�شر في مجلة العرفان‪ ،‬م‪� 29‬سنة ‪�( 1940‬ص‪)981‬‬
‫‪111‬‬
‫������������������������������������������‬
‫المهمة التاريخية للجزار في لبنان‬
‫في توصيف‬
‫ّ‬
‫د‪ .‬جويدة غانم‬
‫(((‬
‫تقديم ‪:‬‬
‫لم ين�أ على لبنان وعلى الإطالق �آفاق النظام اال�ستبدادي بال�شكل الذي يحيل �إلى‬
‫ذلك التبرير الالمو�ضوعي في ال�سيا�سة بالهجوم ال�شر�س على التاريخ وعلى العقل‬
‫المك ّون وال�صانع للجماعات‪ ،‬حيث يروم هذا الأمر ومن ورائه تحقيق جملة من‬
‫المكت�سبات‪ ،‬كان لحظتها في �أن يتداخل لحظتها ويتفاعل كل من ال�سيا�سي واالجتماعي‬
‫والإقت�صادي والديني مع الإجتماعي‪ ،‬وتبنى على �ضوئه محطات �إ�ضافية لأطر الهيمنة‬
‫على المنطقة‪ ،‬و�إدخالها عنفا وتروي�ضا في لعبة الأمم‪ ،‬التي كانت من ن�صيب الأتراك‬
‫والرو�س والإنجليز والفرن�سيين‪ ،‬يوجب هذا الأمر في معرفة و�إدراك الم�سافة الفا�صلة‬
‫بين ما كان مت�صور ًا ومتج�سدا في فكر هذه القوى من حيث ال�صور المترافقة لمواقع‬
‫�إحداثياتها‪.‬‬
‫((( باحثة جزائرية‪.‬‬
‫‪113‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ولما كان من ال�صعب تحديد ‪ -‬بال�ضبط ‪ -‬ك ّل ما جرى في عهد الجزار والإبادة التي‬
‫اتخذت عنده ف ّن ًا رائقا في التعذيب والتقتيل للجماعات الب�شرية‪ ،‬ف�إنه ثمة وبال �شك‪،‬‬
‫�شعور ًا �إب�ستيمولوجي ًا لدى الباحثين �سيم ّكنهم من تو�صيف لحظات هذا الفعل والبحث‬
‫في فبركاته المتداخلة مع �شتّى المو�ضوعات والإرتباطات الداخلية والخارجية‪ ،‬ومن‬
‫حيث ا�ستعادة هذا الو�ضع الذي �سي�شهد على نف�سه‪� ،‬سواء من حيث التعريف بمو�ضوعه‬
‫وا�ستتباع �أحداثه التاريخية‪� ،‬أو ما �أفرزته هذه الأحداث �سلب ًا و�إيجاب ًا على الجماعات‬
‫الم�ضطهدة‪ ،‬ومحاولة �إخراجها خارج المكان الخا�ص والزمان الخا�ص‪ ،‬ق�صد الطم�س‬
‫والإلغاء بالرغم من ما لها من قوة في الح�ضور والبقاء رغم تعددها وتنوعها‪� ،‬سواء‬
‫من حيث المن�ش�أ الملي‪� ،‬أومن حيث الجهاز ال�سيا�سي المتمو�ضع �ضمن �أن�ساق معرفية‬
‫خا�صة �ست�ؤ�س�س نمط ًا خا�صا في المقاومة والمواجهة‪ ،‬و�إعادة توجيه التاريخ و�صناعته‬
‫وفقا لم�صلحتها �سواء بالمواقف الإعتيادية‪� ،‬أو غير الإعتيادية ‪�،‬أيا كانت طبيعة ال�صراع‬
‫والتناف�س حتى بين هذه الجماعات حينها‪ ،‬والتي ت�ضاربت في الكثير من الأحيان‬
‫الم�صالح الذاتية والبرغماتية دون النظر بالدقة �إلى ما ي�ؤول �إليه هذا الأمر من تكالب‬
‫مختلف القوى عليه‪� ،‬إذا ما ا�ستقر�أنا جيد ًا و�أو ًال م�شروع التتريك في المنطقة وتجاوز‬
‫الحدود الالزمة والقواعد الإن�سانية الذي فر�ضها نظام الحكم الم�ستبد‪ ،‬الذي با�شر‬
‫ودون رحمة التف ّنن في الإبادة‪ ،‬والتفنن في التنكيل‪ ،‬ومن هذا الأمر كان لزاما وفي‬
‫هذا البحث �أن نناق�ش ما يلي‪:‬‬
‫ •قراءة ماهوية للجزار في قوى الفكر الثالث‪(.‬المعرفة والم�صلحة)‬
‫ •في اختالق الأزمة العنفية داخل نظام الجماعة والتجميع‪.‬‬
‫ •في تداخل الذاتي والمو�ضوعي لل�سيا�سة الجزارية‪.‬‬
‫ •في تكوين خاليا الخطاب الم�ضاد‪ ،‬والتجاوز في الأزمة‪.‬‬
‫�أو ًال‪ :‬قراءة ماهوية للجزار في قوى الفكر الثالث‬
‫�أجمعت الدرا�سات الغربية لكل من القوى الفكر الثالث التي تواجدت في فترة تواجد‬
‫‪114‬‬
‫������������������������������������������‬
‫الجزار في لبنان‪ ،‬التي جمعت كل من بازيلي الرو�سي‪ ،‬والكولونيل ت�شر�شل البريطاني‪،‬‬
‫و�إدوارد دوال كروا الفرن�سي‪ ،‬على �صفة تعريفية‪ ،‬تو�صيفيه‪ ،‬تقريرية واحدة للماهوية‬
‫الجزار‪ ،‬ناهيك عن بع�ض الفروقات والإختالفات والتي �أخ�ضعت مرة للتفاوت في‬
‫تو�صيف التعريف فيما بينهما‪ ،‬و تارة في الإقت�ضاب الحا�صل في بع�ض المحطات‪،‬‬
‫خا�صة �إذا ربطنا هذا الإختالف بالفارق الإيديولوجي والكولونيالي‪ ،‬الذي يجمع هذه‬
‫القوى في تقرير الحقائق على ح�سب الم�صلحة‪.‬‬
‫فمن حيث التو�صيف‪:‬‬
‫ت�شير كتاباتهم �إلى �أنه من �أ�صل با�شناقي وفي ال�ساد�سة ع�شر من عمره‪ ،‬قد نجا‬
‫هاربا من الق�سطنطينية خوف ًا من انتقام �أقاربه وع�شيرته له‪ ،‬كونه مار�س عنف ًا ال‬
‫�أخالقي ًا اتجاهها‪ ،‬فا ّر ًا من المحاكمة الأخالقية((( وقد بيع في �سوق العبيد حيث �سيق‬
‫�إلى بكوات م�صر وهو علي بك ليكون خادما �ضمن المماليك‪ ،‬حيث �أظهر من قوة وته ّور‬
‫ما جعله متميز ًا عن �أقرانه‪ ،‬وقد �ساهم مع جماعة من البدو بقتل دون ر�أفة‪ ،‬وبعد كل‬
‫عملية ذبح‪ ،‬كان ي�صرخ ب�أعلى �صوته (�ضحية �أخرى ث�أرا لدم �سيدي عبد اهلل بك)‪.‬‬
‫وقد كانت هذه المهمة الأولى التي �أعطاها علي بك للجزار‪ ،‬هو منحه لقب الجزار‬
‫بك‪ .‬وزاد هذا الأمر من تكوين البنية ال�شخ�صية له‪ ،‬من حيث تزايد الأخالق العنفية‬
‫وال�سادية ‪ ،‬وبروز الإنتقام من �أي �إن�سان ال يحبذه وال يتما�شى بطريقته المثلى‪ ،‬ويكون له‬
‫مقاما في الجماعات والتحكم فيها‪ ،‬الدور الرئي�س في تكوين �إمبراطورية ال تخرج عن‬
‫�إطار �أقرانه الأتراك‪.‬‬
‫�أما المهمة الثانية ف�أمره علي بك باغتيال �صالح بك ال�ساعد الأيمن لعلي بك‪ ،‬و�صاحب‬
‫ال�سلطة له في م�صر‪ ،‬فحينما �أراد التخل�ص منه �أمر الجزار بذلك‪ ،‬لكن الجزار �أبى �أن‬
‫يقتل �صالح بك رغم الخطة المد�سو�سة من طرف علي بك ‪ ،‬والذي تم ّكن في بداية‬
‫((( بازيلي‪� :‬سوريا‪ ،‬لبنان‪ ،‬فل�سطين‪ ،‬تحت الحكم التركي‪ ،‬ترجمة‪ ،‬ي�سر جابر‪،‬دار الحداثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1،1993‬م‪�،‬ص‪.79 ،78،‬‬
‫‪115‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫المهمة الثانية التي قام ببطولتها �أحمد �أبو الذهب والذي خ ّل�صه منه ب�شجار م�صطنع‬
‫مع �صالح بك‪ ،‬ول ّما �أراد �أن يق�ضي على الجزار ّ‬
‫تفطن لذلك بدهاء‪ ،‬وفي هذا ي�سرد‬
‫بازيلي بالتف�صيل ظاهرة االنتقام‪ ،‬مع انتقائنا لهذا الن�ص الم�شكل لهذا الحدث التالي‪:‬‬
‫«وقع اختيار علي بك على محمد �أبي الذهب‪ ..‬وك ّلفه بمهمة التخ ّل�ص من الإثنين‬
‫�صالح بك و�أحمد بك الجزار‪ ،‬قد دعاهما �أبي الذهب �إلى نزهة على �ضفاف النيل(‪)...‬‬
‫وهناك ا�صطنع خالفاً وقتل �صالح (‪ .)..‬ر�أى الجزار كل ذلك من بعيد‪ ،‬وقد و�صل‬
‫مت�أخراً لإنقاذ �صالح بك(‪� ) ...‬أبو الذهب لم يتجر�أ �أن يهجم على الجزار مادام‬
‫الأخير يحمل �سالحا‪ ،‬فا�ستقبله بحفاوة‪ ،‬جل�سا على ال�سجاد ّ‬
‫ودخنا الغليون(‪)...‬‬
‫�صحب �سيفه من غمده‪ ،‬واخذ يفتخر ب�سيفه(‪ )...‬و �أراد �أن يقارنه ب�سيف الجزار في‬
‫حيلة لتجريده من ال�سالح‪ ،‬ف�أجابه الجزار ببرودة‪ ،‬ب�أنه لن ي�سحب �سيفه من غمده‬
‫�إال ليقطع به ر�أ�سا ما»(((‪.‬‬
‫اتجه الجزار فيما بعد هاربا من علي بك‪ ،‬لعدم تنفيذ ما طلبه منه من اغتيال �صالح‬
‫بك حاكم م�صر‪ ،‬فانتقل �إلى الآ�ستانة‪ ،‬ومنها �إلى �سوريا‪ ،‬ب�صفته جنديا خا�صا‪ ،‬ومن‬
‫ثم قادته الأغوار �أن يكون بين الدروز حيث يحظى بوافر الكرم وال�ضيافة من طرف‬
‫�شخ�صية مهمة‪ ،‬وهي الأمير يو�سف‪ ،‬ليكون هذا اللقاء بمثابة التح ّول الكبير والتاريخي‬
‫الذي �سيق ّدمه الجزار فيما بعد في المنطقة التي تكون خا�ضعة له بقوة ال�سيف وكل‬
‫�أ�شكال العنف والإ�ضطهاد‪ ،‬وي�صرخ ب�أعلى �صوته �أنّ لبنان وبيروت هي ملك ًا للأتراك(((‪.‬‬
‫وقد �أ�شار الجنرال ت�شر�شل �أنّ الأتراك انتهزوا هذه الفر�ص فلج�أوا �إلى ا�ستغالل‬
‫موقعه والإغداق عليه بالأموال والجند‪ ،‬والمنا�صب وفي هذا يقول‪« :‬و�إنه ل�صحيح ‪�-‬أي‬
‫الأتراك ‪� -‬أ ّنهم ال ي�ستطيعون في الوقت الراهن �إال با�ستخدام مثل ما عليه الجزار‬
‫من ف�ساد‪� ،‬أن يمار�سوا بربر ّيتهم ويح ّققوا خطط اختال�سهم الدائمة المتالحقة‬
‫((( بازيلي‪�:‬سوريا‪،‬لبنان‪،‬فل�سطين ‪،‬تحت الحكم التركي‪�،‬ص‪.79‬‬
‫((( المرجع نف�سه‪�،‬ص‪.78،‬‬
‫‪116‬‬
‫������������������������������������������‬
‫التي مار�سها موظفون �أتراك رفيعو المراتب المدنية �أو الع�سكرية‪ ،‬وعلى العموم ف� ّإن‬
‫جراثيم الف�ساد التركي تظهر في كل منطقة لهم فيها نفوذ في �ساحل �أو في جبل‪� ،‬أو‬
‫(((‬
‫مكان خ�صيب‪� ،‬أو �أر�ض بوار‪� ،‬أو �صحراء قاحلة‪».‬‬
‫بالتالي‪ ،‬تتطور ال�صيغة التعريفية له‪ ،‬من واقع الت�شرد‪ ،‬والإن�سان العبد الذي بيع‬
‫في الأ�سواق‪� ،‬إلى الإن�سان الفائق في الذكاء‪ ،‬وتقدير الأحكام بحنكة‪ ،‬و�صاحب الأوامر‬
‫والنواهي‪ ،‬لت�صبح‪ ،‬بعدها‪� ،‬سيا�سة المنطقة عنده تدخل في زاوية ن�شر القوة والنفوذ‬
‫التع�سف والإرهاب‪.‬‬
‫التي انتقلت �إليه‪ ،‬و التي ات�سمت غالبا بقدر فا�ضح في ّ‬
‫واقع المعرفة والم�صلحة‬
‫بناءا على هذا الو�ضع في ت�شكيل الأحداث وربطها ب�شخ�ص الجزار البطولي‪،‬‬
‫الحاذق في مواجهة المناخ العام وت�سيير الواقع على ح�سب ما يريد‪ ،‬ت�ستمر الدرا�سات‬
‫نف�سها‪ ،‬بالو�صف نف�سه‪ ،‬الذي يخفي من ورائه �إعجابا بالجزار‪ ،‬ومدى قدرته وتف ّوقه‬
‫على خ�صمه‪ ،‬وهذا ما جعل الفرن�سي دوال كروا‪ ،‬يفرد له مبحثا بعنوان مميز (الفتى‬
‫الطريد)‪ ،‬ويغدق من مغامرته‪ ،‬ما يجعله �أعجوب ع�صره وزمانه‪ ،‬و الآمر والناهي‪ ،‬الذي‬
‫تنب�سط له �أموره ال�سيا�سية‪� ،‬سواء كانت منها الداخلية �أو الخارجية‪ ،‬كما �أ ّنه المم ّهد‬
‫لت�سهيل دخول القوات الأجنبية للبنان والمناطق المجاورة للق�ضاء على الإحالل التركي‬
‫من جهة‪ ،‬ومن جهة ثانية‪� ،‬إعتبر الجزّار ورقة رئي�سية بيد الحلفاء‪ ،‬لق�ضاء كل قوة على‬
‫قوة �أخرى‪ ،‬ق�صد تح�صيل النفوذ الكامل في المنطقة �سواء كان من الجانب الرو�سي‪،‬‬
‫(((‬
‫�أو الإنجليزي‪� ،‬أو الفرن�سي �آنذاك‪.‬‬
‫تو�سع المد الكولونيالي‪،‬‬
‫ورغم المو�ضوعية التي ي ّدعيها ه�ؤالء‪ ،‬ف�إنّ واقع الرغبة في ّ‬
‫يعتمد بالأ�سا�س‪ ،‬في التقعيد لمثل هذه الم�شاريع الكبرى‪ ،‬لمثل هذه ال�شخ�صيات‪،‬‬
‫((( ت�شر�شل‪:‬جبل لبنان‪،‬ترجمة‪ ،‬فندي ال�شعار‪،‬دار الفارابي‪،‬بيروت‪،‬لبنلن‪، 1988،‬ج‪�،3‬ص‪.143،‬‬
‫((( �إدوارد دوالكروا‪ :‬الجزار قاهر نابليون‪�،‬ص‪.3،‬‬
‫‪117‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫توجه �أجنبي في �إحالل المنطقة في بوتقة ال�صراع ومحاولة ح�سم‬
‫بالتالي يب ّرر كل ّ‬
‫م�صيرها‪ ،‬في �ضوء �أي تكتل فقد كان الجزار باعتباره ممثال للأتراك �أعداء للرو�س‪،‬‬
‫فا�شتغل الرو�س مع الدروز لإ�سقاطه و�إخماد عملياته‪ ،‬كما كان الإنجليز �أعداء‬
‫للفرن�سيين‪ ،‬فقاموا بتدعيم الجزار لإخماد تو�سع نابليون‪ ،‬والمتم ّعن في كتابات كل من‬
‫بازيلي وت�شر�شل ودوالكروا يجد �أنّ هذه الكتابات تنفتح لم�صلحتها �أوال‪ ،‬وكما تنفتح على‬
‫الموقف المعادي والراف�ض للإ�ستقرار وا�ستقالل المنطقة‪ ،‬والزال لحد هذه اللحظات‬
‫�آثار لهذه ال�سيا�سات وهذه الكتابات‪ .‬وفي هذا �أكد بازيلي ما يلي‪:‬‬
‫«�أحيانا كنت �أعمل وحيدا با�سم الحكومة الرو�سية‪ ،‬و �أحيانا �أخرى كنت �أتعامل مع‬
‫�إخواني ممثلي الدول الغربية(‪)...‬مع رفيقي قن�صل بريطانيا العام الكولونيل روزي‬
‫الذي �شغل من�صب القائد الإنجليزي‪ ،‬و قن�صل فرن�سا بوري‪ ،‬كان من واجبنا �أن نعمل‬
‫بحما�س كي ننقذ الم�سيحيين من الظلم والإ�ستعباد‪ ،‬بغ�ض النظر من المناف�سة بين‬
‫انجلترا‪ ،‬وفرن�سا هذه المنطقة المع ّذبة من ال�شرق العثماني»‪.‬‬
‫�إحالل الأزمة في واقع الجماعة والتجميعية‬
‫قد عمل البحث عن المناطق وتروي�ض الجغرافيات للم�صالح العالمية التي تربطها‬
‫م�صالح �إيديولوجية ال تخرج بدورها عن المن�ش�أ الكولونيالي الذي يتما�شى مع نظرية‬
‫االحتواء للمكان‪ ،‬وتلبي�سه مخططات ا�ستيطانية ق�صد تغيير معايير القوى‪ ،‬داخل‬
‫الجماعات الم�ضطهدة والم�ستعمرة‪ ،‬لإحداث تغيير في مفاهيم الجماعة ذاتها‪،‬‬
‫وال�ضغط عليها وتعميق الفوارق بينها‪ ،‬ولو بعد قرون �أين ن�ستقر�أ للتو تدابير هذه المهمة‪،‬‬
‫التي عمقت ب�أي �شكل من الأ�شكال �أوامر الأحكام ال�سلطانية فيها‪� ،‬سواء من قريب‪� ،‬أو‬
‫من بعيد‪.‬‬
‫بهذه الر�ؤية‪ ،‬وبهذه ال�صور والأهداف‪� ،‬آلت الإمبراطورية العثمانية في تمكين‬
‫م�آلها على منطقة �سوريا ولبنان وم�صر وفل�سطين وغيرها من الدول العربية فاتحة‬
‫‪118‬‬
‫������������������������������������������‬
‫بذلك حكما جديا‪ ،‬وزمانا جديدا‪ ،‬و�سيا�سة جديدة‪ ،‬ال تخرج عن نظام الإمبراطورية‬
‫في التو�سيع والت�شميل‪ ،‬الذي يحيل هذه ال�سيا�سية �إلى التركيز على ما هو �أجدى في‬
‫مخططها االحاللي‪ ،‬لتروي�ض عالقات التبعية والوالء الذي يدخل في نطاق تثبيت‬
‫�سلطتها ال�شرعية‪ ،‬التي �أرادت �أن تجعل من الم�س�ألة ال�شرقية تحول فا�صل في محتوى‬
‫العالقات الدولية‪ ،‬خا�صة فيما يخ�ص ارتباط الأتراك بالمنطقة �أوال‪ ،‬ورغبة كل من‬
‫القوى الثالث �آنذاك‪ ،‬لكل من فرن�سا وانجلترا ورو�سيا‪ ،‬ثانيا‪.‬‬
‫ومن ثم يتح ّدد الدور الذي تق ّدمه هذه القوى للم�سائل الوطنية داخل المجتمع‬
‫اللبناني خ�صو�صا فيما يتعلق ب�إعادة توزيع هذه الجماعات داخل القطر الواحد و�إرجاع‬
‫جماعة �إلى قطر �آخر‪ ،‬والإمعان في دالالت التكون الثقافي والإجتماعي لها بتهيئة �سل�سلة‬
‫من ال�ضغوط ال تنتهي �إال �إذا ّتم محا�صرة هذه الجماعة �أو �إخراجها من مكانها الأ�صلي‪،‬‬
‫ومن ثم تتكون �أطر الجز�أرة الجديدة للجماعة وعزلها �إلى ما ال عزلة لها‪.‬‬
‫تطرح فل�سفة الجماعة والتجميع في �إطار علم االجتماع التجميعي‪ ،‬مفهوم المحنة‬
‫الذي رافقته �صور ًا قا�سية في الحياة والتعامل وتبديل العالقات‪ ،‬والتوظيف الإقطاعي‬
‫له‪ ،‬وفيما يخ�ص المحا�صرة الإقت�صادية لهذه الجماعات‪ ،‬بوا�سطة تحقيق مبد�أ التبعية‬
‫الداخل �ضمن �سيا�سة الأتراك ممثلة في قوى الجزار �أو بتح�صيل مفهوما في المواطنية‬
‫م�ستقال عن هذه التبعية مطبوعة بقيم الوالء للوطن‪ ،‬والوالء للمقاومة‪ ،‬والإنت�صار‬
‫للآخر في حدود المذهب المتبع‪ ،‬ال ينف�صل البتة عن لحظة الم�صير الم�شترك‪ ،‬حيث‬
‫يكون حينها (التاريخ مرفوع ًا على رماح المنت�صر‪� ،‬أو مل�صقا على قفا المهزوم) (((‪.‬‬
‫يقت�ضي هذا الأمر دائما‪ ،‬و �أبدا‪�،‬أج�سادا عالمة‪ ،‬وحالمة‪ ،‬مقاومة‪ ،‬متحدية‪ ،‬تطمح‬
‫في كل حين �أن يكون لها التمو�ضع الإجتماعي‪ ،‬وال�سيا�سي‪ ،‬الداخلي والخارجي‪ ،‬وفق ًا‬
‫لنظرية الوعي المزدوج المناه�ض ال�ستراتيجية العنف الذي مار�سه الأتراك على هذه‬
‫((( بازيلي‪� :‬سوريا‪،‬لبنان‪،‬فل�سطين تحت الحكم التركي‪�،‬ص‪.15،‬‬
‫‪119‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الجماعات‪ ،‬كون هذه الإ�ستراتيجية الم�شكلة لنمطها الخا�ص‪ ،‬لي�س في حد ذاتها ما‬
‫يعبر عن كيان �أو دولة‪ ،‬و�إنما هي �أزمة �سيا�سية تتمحور �أوال حول حل �أزمة الإمبراطورية‪،‬‬
‫و�أزمة �شعبها‪ ،‬قبل �أن تكون حال لأزمات المناطق والدول التي احتلها(((‪.‬‬
‫على هذا النحو يغدو القتل‪ ،‬والح�صار والخنق والت�ضييق والطرد �إال �سمة من‬
‫هذه ال�سمات التي �ستحدد مجرى الهويات‪ ،‬وما الجزار �إال العنوان الأبرز في كل هذه‬
‫المحطات‪ ،‬ي�ست�شف من خاللها ا�ستك�شاف التاريخ من وجهة الإهتمام بدرا�سة المقدمة‬
‫الكبرى وال�صغرى والنتيجة‪� ،‬شرط �أن تكون مفردات ال�صغرى �صحيحة واقعية ال‬
‫خيالية‪ ،‬نا�شئة عن الأهواء وال�شبهات‪ ،‬و �أن تكون الكبرى �صحيحة واقعية نابعة من النظر‬
‫المو�ضوعي‪ ،‬ال نا�شئة من الذاتية الدوغمائية‪ ،‬الم�ؤدلجة في �إطار �ضيق يمنع الر�ؤية‬
‫التعددية للذات والمو�ضوع‪ ،‬من حيث تو�صيفيها للحدث‪ ،‬و�أن تكون النتائج �صحيحة‬
‫بمقدور �صحة المقدمات الكبرى وال�صغرى(((‪.‬‬
‫وبنا ًء على هذا الأمر‪ ،‬تتحدد تاريخا ميزات المجابهة داخل لبنان‪ ،‬خا�صة حال‬
‫التو�صيف للو�ضع‪ ،‬الذي �ساهم الجزار في خلقه‪� ،‬إنتقاما‪ ،‬من الإيديولوجية الدينية‬
‫التي مثلها بالخ�صو�ص المذهب ال�شيعي‪ ،‬كون بنية هذا المذهب قائمة في ت�شكيلها‬
‫على المواجهة الم�ضادة بكل طرقها‪ ،‬لأنا�س مثل الجزار‪ ،‬ولإمبراطورية‪ ،‬مثل الأتراك‪،‬‬
‫وغيرها م ّمن �أراد �أن يماثل في الفعل‪ ،‬ما يجعل بنيات الدولة والتجميع �إ ّما �أن يتفككان‬
‫في �أي لحظة‪� ،‬أو ي�ستجمعان في لحظة يكون للتداخل الذاتي والمو�ضوعي دورا هاما في‬
‫ذلك‪.‬‬
‫تداخل الذاتي والمو�ضوعي في ال�سيا�سة الجزارية‪:‬‬
‫با�شرت ال�سيا�سة العثمانية ا�ضطهادها لمختلف �شرائح ال�شعب اللبناني فور‬
‫(((‬
‫‪_1‬بازيلي‪�:‬سوريا ‪،‬لبنان‪،‬فل�سطين‪،‬تحت الحكم التركي‪�،‬ص‪.08،‬‬
‫((( محمد ح�سين ال�شيرازي‪:‬فل�سفة التاريخ‪،‬بيروت‪،‬لبنان‪،‬ط‪1424، 1‬ه‪2003/‬م‪�،‬ص‪.127‬‬
‫‪120‬‬
‫������������������������������������������‬
‫تواجدها‪ ،‬وت�سلم جميع ال�سلطات الت�شريعية والتنفيذية‪� ،‬سل�سلة من ال�ضغوطات‬
‫ال�سيا�سية والإقت�صادية والنف�سية والإجتماعية‪ ،‬لي�صبح الت�شتيت والطرد‪� ،‬سمة من‬
‫�سمات هذه ال�سيا�سة التجزيرية‪ ،‬حيث ت�صبح تيمة ال�صوت وال�صمت م�س�ألة محورية‬
‫من زاوية تقعيد �أ�س�س المواجهة‪ ،‬والنظر في �إيجاد الحلول المب�سطة على الأقل التي‬
‫تتخطى الحاجات الملحة في تقبل هذا اال�ضطهاد وهذا العنف‪.‬‬
‫وبناءا على هذا التو�صيف �أ�صبح العنف الممار�س اتجاه اللبنانيين «�ضربة �أليمة‬
‫ وبالأخ�ص ‪ -‬الطائفة ال�شيعية التي فقدت العزة والمنعة (‪)...‬حيث كان الأتراك‬‫�أ�شداء في حكمهم وعملوا على تفتيت �صفوف جبل عامل‪ ،‬ووقفوا حجر عثرة في‬
‫طريق انتقالهم من حيث البداوة �إلى حياة التح�ضر‪ ،‬وقد �أذكوا نار الفتنة بين �أبنائه‬
‫ليت�سنى لهم ال�سيطرة والحكم كما ي�شاءون‪ ،‬كما اتبعوا �سيا�سة الإفقار‪ ،‬فقد �أرهقوا‬
‫الإقت�صاد وزادوا ال�ضرائب على الأرا�ضي والإنتاج»(((‪.‬‬
‫وقد واجهوا �ضروبا متفاوتة في الإ�ستغالل‪ ،‬ليقف كعامل كبح و�إعاقة في وجه �أي‬
‫محاولة للنهو�ض‪ ،‬واال�ست�سالم لحكم الأقدار‪ ،‬من حيث ي�شكل �أكبر عملية تفري�س في‬
‫التاريخ اللبناني‪ ،‬والتاريخ العاملي‪.‬‬
‫�أ�شار دوال كروا �أنّ �سيا�سة الأتراك في عهد الجزار كانوا يعرفون كيف يدبرون‬
‫الم�شاكل‪ ،‬وكيف يح ّركون �سلطتهم التي ال تثبت من جهة حتى تتزعزع من جهة �أخرى‬
‫ولكنها ا�ستمرت باقية رغم العوا�صف التي كانت تهزها في كل مرة‪ ،‬وتعي�ش دائما �أكثر‬
‫ما ي�ستوجب موتها‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى ا�شتهارها بالد�سائ�س التي كان يديرها‪ ،‬و يدبرها‪،‬‬
‫�أ�صحاب الديوان بطريق �أكثر نظامية((( ‪.‬‬
‫لذا �ساهم هذا المنهج في تكوين البنية الإ�ستئ�صالية للجزار والتخل�ص من مناف�سيه‬
‫في المنطقة في �أقرب وقت‪ ،‬و ب�أق�صر طريقة ممكنة‪ ،‬كونه يعلم بمدى الد�سائ�س‬
‫((( نوال فيا�ض ‪�:‬صفحات من تاريخ جبل عامل في العهدين العثماني و الفرن�سي‪،‬دار الجديد ‪،‬بيروت‪،‬لبنان‪،‬ط‪1988، 1‬م‪�،‬ص‪.23،‬‬
‫((( �إدوارد دوالكروا‪:‬الجزار قاهر نابليون‪:‬ترجمة‪،‬جورج م�سرة‪،‬دار الثقافة‪،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪�،‬ص‪.124،‬‬
‫‪121‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫توحد بين زعماء المناطق والع�شائر‪ ،‬بهذا المعنى‬
‫التي �ستدبر �ضده‪� ،‬إذا ما كان فيه ّ‬
‫ي�صيح ا�ستعداد الجزار للمواجهة �أقوى من �سابقيه‪ ،‬كون هذا الأمر �سيجعل منه �إن�سان ًا‬
‫كاريزمي ًا �سيتح ّرك وفق ًا لتح ّرك هذه الأحداث وتواليها‪ ،‬ويكون حينها المنفذ القريب‬
‫والبعيد في �إثارة الفتن في �آن‪.‬‬
‫ومن ثم وجد الأتراك في �شخ�صيته الرجل الذي يمكن االعتماد عليه‪ ،‬في الق�ضاء‬
‫على الظاهر العمر‪ ،‬حاكم عكا‪ ،‬والمتم ّرد على �سلطة الباب العالي‪ ،‬لكن في الوقت نف�سه‬
‫لم يقدموا له م�ساعدات ح�سية لتنفيذ الأمر‪ ،‬حيث �أنّ خ�صومه من الدروز بقيادة الأمير‬
‫يو�سف‪ ،‬وبم�ساعدة الأ�سطول الرو�سي‪ ،‬قد ق�صفوا بيروت ود ّمروا �أ�سوارها وكانت القوة‬
‫الرو�سية لها م�صلحة في ذلك ولي�س حبا في الدروز‪ ،‬فلج�أ �إلى حيلة‪ ،‬يخبر الظاهر العمر‬
‫�أنه في �أتم الإن�ضمام معه في مواجهة الدولة التركية‪ ،‬فل ّما امن م�ضجعه نكث بوعده‪،‬‬
‫واتجه فار ًا �إلى دم�شق‪ ،‬فان�ضم لحظتها �إلى الجي�ش العثماني مجددا والءه وتبعيته للباب‬
‫العالي‪ ،‬والذي كان من ورائه الق�ضاء على الظاهر العمر وا�ستالم مدينة عكا‪ ،‬حيث‬
‫ا�ستلم الجزار كر�سي قيادتها وواليتها من عام ‪1775‬م‪ ،‬لت�سير بعدها المنطقة في قب�ضة‬
‫حديدية‪ ،‬لم ت�شهد له مثيل في تاريخها العام(((‪.‬‬
‫على الرغم من تخل�ص الجزار من ظاهر العمر‪ ،‬ونجاح الفتنة التي ن�شرها بين‬
‫�إخوته‪� ،‬إال �أ ّنه عمل على تهديد �سلطة المن�شقين مما كانوا ي�ؤيدونه خا�صة من طرف‬
‫المناطق العاملية‪ ،‬قد كان لقتل عائلة الظاهر العمر �أثر ًا �سيئ ًا بين الجزار والعامليين‪،‬‬
‫و�أوفد في ذلك من طرف ح�سين با�شا حماية �إن�سانية وع�سكرية للقيام بحملة تطهيرية‬
‫على جبال عاملة‪ ،‬وكانت �أعدادهم تتدفق عليهم من البو�سنيين والألبان والمغاربة‬
‫ناهيك عن الفتن التي �أحدثها بين ال�شهابيين ونا�صيف الن�صار‪ ،‬وبين �إخوان الظاهر‪،‬‬
‫والهجوم على الدروز و�إثارة الفتن بين ال�شهابيين من جهة �أخرى‪ ،‬والذي �ساهم �إلى حد‬
‫((( ح�سن الأمين ‪:‬جبل عامل (القلم وال�سيف)‪،‬دار الأمير‪،‬بيروت‪،‬لبنان‪،‬ط‪2003 ،1‬م‪�،‬ص‪.283،‬‬
‫‪122‬‬
‫������������������������������������������‬
‫بعيد في تفتيت قدرة العامليين(((‪.‬‬
‫ليتفرد بعدها بحملة ع�سكرية وا�سعة النطاق على جبل عامل ق�صد ت�أديبه‪ ،‬ومن ّثم‬
‫تطويع المنطقة وتطويقها بح�صار �شامل‪ ،‬علم ًا‪� ،‬أنه كان على(علم بمقدرة العامليين‬
‫القتالية وبكثرة ح�صونهم وقالعهم‪ ،‬ولما ر�أى الفر�صة �سانحة‪ ،‬ج ّهز جي�ش ًا من ثالثة‬
‫�آالف مقاتل وو�ضع عليه معاونه �سليم قائد ًا و�أمره بالزحف على جبل عامل) ((( ‪.‬‬
‫وقد كانت منطقة يارون نقطة التقاء جيو�ش الجزار بجيو�ش العامليين‪ ،‬حيث كان‬
‫نا�صيف الن�صار العنوان الأبرز في هذه المعركة كونه ال�ضليع بفن �إدارة المعارك‬
‫وتحويلها‪ ،‬وفي الوقت نف�سه‪ ،‬يعتبر الزعيم الع�سكري والروحي‪ ،‬و�أي�ضا العنوان‬
‫الإ�ستراتيجي‪ ،‬لت�شجيع العامليين نحو مواجهة الجزار لما له من قدرة تعبوية‪ ،‬قد تم ّكن‬
‫العامليين من �إثبات الوجود‪ ،‬على غرار ما هو موجود في �سائر المناطق والطوائف‪،‬‬
‫‪،‬وبالرغم من هذه المقدرة ف�إنّ ال�شهادة قد عجلت له‪ ،‬حيث تو�سعت مهمات الجزار‬
‫بعدها‪ ،‬رغم ظهور حركات تمرد من طرف الأهالي تارة‪ ،‬وتارة �أخرى ظهورحركات‬
‫مقاوماتية غير منظمة تعك�س منحى وتوجه كل طائفة‪ ،‬م ّما زاد الت�ضييق والخناق على‬
‫المجتمع‪ ،‬وقد �أ�شار جابر �آل �صفا �إلى الو�ضع الم�ؤ�سف الذي �آلت له المنطقة وفقا لهذا‬
‫الن�ص» لما تولى المذكور �أي �أحمد با�شا الجزار ‪� -‬أيالة �صيدا ‪ -‬وا�ستفحل �أمره (‪)...‬‬
‫ودانت له فل�سطين و�ألقى الخالف بين الأمراء اللبنانيين ف�أ�صبحوا يناوئ بع�ضهم‬
‫الآخر‪ ،‬وهو ي�ص ّفق طرب ًا وي�ضحك في �سره‪ ،‬حول نظرته �إلى جبل عامل يريد �أن يخ�ضعه‬
‫ل�سلطته (‪ )...‬ف�ساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة‪ ،‬وكان في كل مرة‬
‫يرجع خائبا‪ ...‬حتى �إذا �شاءت الأقدار هاجمه بجي�ش كثيف في �سنة ‪ 1780‬من الجهة‬
‫الجنوبية و�أحرقت كل القرى ودمرت المنازل(((‪.‬‬
‫((( رامز رزق‪ :‬جبل عامل تاريخ و �أحداث‪ ،‬دار الهادي للطباعة والن�شر‪،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1426 ، 1‬ه‪2005/‬م‪� ،‬ص‪.286‬‬
‫((( جهاد بنوت‪:‬حركات الن�ضال في جبل عامل‪� ،‬ص ‪.119/118‬‬
‫((( جابر �آل �صفا‪ :‬تاريخ جبل عامل‪� ،‬ص‪.137/136 ،‬‬
‫‪123‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�إنّ ما �سبقت الإ�شارة �إليه‪ ،‬يوحي �إلى مدى الت�ضافر بين الأحداث اللبنانية والتحوالت‬
‫التي تنبثق من جدوى التحوالت الذاتية والمو�ضوعية لقيم هذه الأحداث التي ح ّولها‬
‫الجزار بفعل �سيا�سته‪� ،‬إلى خراب في جميع الم�ستويات‪ ،‬ولكي يبقى الو�ضع على حاله‪،‬‬
‫عمد �إلى �سيا�سة خبيثة كان من ورائها �أن «ي�ستبدل م�شايخ مقاطعات جبل عامل الذين‬
‫ف ّروا من البالد بمت�س ّلمين م�ؤقتين من قبله‪ ،‬ل ّأن �سيا�سته عدم �إبقاء �أحد مدة طويلة‬
‫في المراكز ذات الأهمية‪ ،‬وز ّودهم بوحدات ع�سكرية قادرة على ال�سيطرة بفعالية على‬
‫القرى (‪ )...‬و�أظهر ال�سلطان العثماني ر�ضاه الكامل عن تدمير م�شايخ عاملة»(((‪.‬‬
‫الأمر الذي �أدى �إلى ظهور تحوالت عدة كان �أبرزها‪ ،‬ظهور حركات للمقاومة‪� ،‬أ ّدت‬
‫فيما بعد �إلى المواجهة الر�سمية �ضد الجزار وم�شروع التتريك‪ ،‬حيث تماثلت‪ ،‬وتقاربت‬
‫مع ت�صور الجماهير للدفاع عن الحقوق وتر�سيخ المواطنة الفعلية �إيذان ًا ب�أنّ ما �أُخذ‬
‫بالقوة‪ ،‬ال ي�ستر ّد �إال بالقوة‪ ،‬تلك هي اللغة المنا�سبة التي �ستفهم الجزار جدوى العامليين‬
‫في الدفاع عن �شرفهم ووطنهم‪.‬‬
‫وفي تكوين خاليا الخطاب الم�ضاد‪� ،‬أو مب ّررات تجاوز الأزمة‪:‬‬
‫قد تكون منطلقات هذه المواجهة والإنتفا�ضة في وجه الجزار‪ ،‬حركة �أ�سا�سية في‬
‫تغيير لعبة ال�سيا�سة نحو المزيد من ال�صراع الداخلي وانفجار الأو�ضاع ملمح ًا �آخر في‬
‫تجديد خطاب الذات‪ ،‬و�إعادة و�صله بتجارب وتح ّديات المو�ضوع‪.‬‬
‫ومن ثم وجب النظر �إلى هذا الأمر الذي �ساهم في تفكيك روابط الجماعة العامة‪،‬‬
‫ومحاولة هذا الآن اللحظي الراهن �إ�ضفاء هذه ال�صفة الآنوية على الحركة الزمنية‪،‬‬
‫والحفر في الحدث التاريخي عن طريق تمثل الظروف ال�سيا�سية واالجتماعية‪ ،‬تلك‪،‬‬
‫وال�سعي في التركيز على تو�سيع عمران الجماعة ومن�ش�أ الع�صبية فيها(((‪.‬‬
‫((( محمد تقي الفقيه‪ :‬جبل عامل في التاريخ‪ :‬دار الأ�ضواء‪،‬بيروت‪ ،‬لبنان ط‪ 2،1406‬ه‪1986/‬م‬
‫((( م�صطفى الكيالني‪:‬التاريخ والوجود في المتبقي و المندثر‪ ،‬الدارالعربية للعلوم نا�شرون‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1431 ،1‬ه‪2010/‬م‪،‬‬
‫�ص‪.63‬‬
‫‪124‬‬
‫������������������������������������������‬
‫هذا الإقرار في تو�صيف حالة الحدث‪ ،‬ن�ستقر�أ في بنيته خطة �إ�ستراتيجية‪ ،‬لتفعيل‬
‫جبهة المقاومة ومدى ارتباطها بالم�شروع الوطني م�ستقبال‪ ،‬مع باقي الت�شكيالت‬
‫المجتمعية المتعددة‪ ،‬خا�صة فيما يخ�ص تناف�س القوى الأجنبية في احتواء هذه المنطقة‪،‬‬
‫ومن خالل هذا التقدير في الحكم‪ ،‬يتاح على كثب معرفة مدار الإنتفا�ضات العاملية‬
‫بمعزل عن تلك الكتابات الطائفية‪ ،‬حيث �أنّ مثل هذا ال�صراع قد رافق جموع الب�شرية‬
‫عبر التاريخ‪� ،‬سواء في عالقاتهم مع الحاكم‪� ،‬أو مع ع�ساكر ال�سلطان العثماني(((‪.‬‬
‫وقد �ش ّكل هذا الت�صور نقطة حد فا�صلة في تكوين تحالف بين جموع ال�شعب لمواجهة‬
‫�سيا�سة الجزار التجزيرية التي ق�ضت على الأخ�ضر والياب�س ولم ت�سلم منه حتى المكتبات‬
‫التي قام بحرقها‪ ،‬وبمطاردة رجال العلم والأدب وطردهم �إلى الدول المجاورة ك�إيران‬
‫والعراق «فقد كانت �أعظم حادثة‪� ،‬أنه �أتلف معظم كتب جبل عامل فقد نقلت �أحمال‬
‫كثيرة �إلى عكا على ظهور الجمال وغيرها‪ ،‬ومعظمها كان من كتب �آل الآمين �شقرا‪،‬‬
‫و كتب �آل �سليمان من مزرعة م�شرف و�آل خاتون في جويا(((‪.‬‬
‫ومن ث ّم ف� ّإن خطاب العنف جاء في درجة الفتة‪ ،‬من حيث الم�ستويات التي كان‬
‫ي�سعى �إلى �إلغائها‪ ،‬من حيث �إدراك الجزار على � ّأن العلم بناء اجتماعي ثقافي ّ‬
‫متولد‬
‫من العنا�صر الفردية داخل هذا الجبل وغيره‪ ،‬ومن�ش�أ الجماعة العامة ومح�صل‬
‫الآداب وال�سلوك المتعارف عنه‪ ،‬وبالتالي ف� ّإن هذا العلم له الدور الكبير في تعبئة‬
‫معنويات الجماعة التي ال تنف�صل عراها �أبدا‪ ،‬عن مرجعية علمائها وتراثها‪ ،‬ومن ثم‬
‫تعمدت �أيدي الجزار �إلى نهب المكتبات والمخطوطات النفي�سة التي قدرت بخم�سة‬
‫�آلف مخطوطة‪ ،‬و�أودعت في �أفران عكا‪ ،‬وقد ف ّر من العلماء‪ ،‬ال�شاعر �إبراهيم يحيى‪،‬‬
‫و�أبو الح�سن حيدر الأمين وال�شيخ ح�سن �سلمان وال�شيخ محمد الحر(((‪.‬‬
‫((( م�سعود ظاهر‪:‬االنتفا�ضات اللبنانية �ضد النظام المقطاعجي‪ ،‬دار الفارابي‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪� ،‬ص‪.43‬‬
‫((( محمد كوراني‪ :‬الجذور التاريخية للمقاومة الإ�سالمية في جبل عامل‪ ،‬دار الهادي‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪� ،‬ص‪.93‬‬
‫((( جهاد بنوت‪:‬حركات الن�ضال في جبل عامل‪ ،‬تقديم وجيه كوثراني‪ ،‬دار الميزان‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1،1993‬م‪� ،‬ص‪.121‬‬
‫‪125‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وقد كان الجتماع �شحور �سنة ‪1784‬م‪ ،‬الدور الكبير في تنظيم �صفوف المقاومة‬
‫و�إنقاذ ما تبقى من الجماعات من الدمار الذي �ألحق بهم وتقرر مكافحة الجزار �إلى‬
‫ما النهاية‪ ،‬كان على �إثر هذا القرار‪ ،‬ظهور حركة مقاومة‪� ،‬سميت بالطياح‪ ،‬والتي‬
‫جعلت الجزار ي�ستخدم كل الو�سائل للق�ضاء عليها»‪ ،‬وبد�أ الطياح بحركة مطابقة‬
‫لحرب الع�صابات‪ ،‬حيث بد�أت �أعمالها تت�سع مع انتماء ال�شعب �إليها �أمام فجور‬
‫رجال الإقطاع من جهة‪ ،‬وظلم الجزار من جهة ثانية (‪ )...‬وقد �ساعدت طبيعة‬
‫البالد الجبلية على القيام بمثل هذه العمليات التي كانت تتطلب �أحيانا �أعماال‬
‫ا�ست�شهادية»(((‪.‬‬
‫ورغم ما ق ّدمته الطياح من ن�ضال ومقاومة ف�إنها تع ّر�ضت لت�شويه �إما متع ّمد �أو غير‬
‫متعمد‪� ،‬أو للإلتبا�س في تزامنها مع حركات �أخرى قد مار�ست العنف مع الأهالي لأجل‬
‫الم�صلحة الذاتية‪ ،‬ال الم�صلحة الوطنية العامة‪ ،‬وقد �أورد جابر �آل �صفا هذا الن�ص‬
‫يو�ضح التو�صيف المتناق�ض للحركة بما يلي‪:‬‬
‫«كان دور الع�صابات والفدائيين ما ي�سمى بعهد الطياح‪� ،‬أتع�س دور م ّر على جبل‬
‫عامل وقع فيها بين ناريين‪ :‬نار زبانية الجزار‪ ،‬ونار رجال الثورة‪ ،‬فالزبانية التي كان‬
‫يقذفها الطاغية تعبث في البالد ف�ساد‪ ،‬وت�ضيق الخناق على الأهليين والم�ساكين‪،‬‬
‫والثوار ي�شنون الغارة لل�سلب والنهب‪ ،‬وحرق القرى وتدمير البيوت متغلغلين في‬
‫بطون الأودية وبين الأحرا�ش والغابات ومعت�صمين بر�ؤو�س الجبال»(((‪.‬‬
‫و�إذا �س ّلمنا بالمنظور التاريخي في التناق�ض الذي كتب وو�صفت به حركة الطياح‪ ،‬ف�إنّ‬
‫هذه الكتابة تبقى مجرد ظاهرة من ظواهر �سيكولوجيا الر�ؤية الإختزالية والتنميطية‪،‬‬
‫لفل�سفة المقاومة داخل لبنان‪ ،‬وجبل عامل منبت هذه الحركة بالخ�صو�ص‪ ،‬ن�ستقر�أ من‬
‫خالل هذا التو�صيف �إعادة مراجعة في مفاهيم المكان والجماعة والزمان والحوادث‬
‫((( المرجع نف�سه‪� :‬ص ‪.120‬‬
‫((( جابر�آل �صفا‪ :‬تاريخ جبل عامل‪� ،‬ص‪139‬‬
‫‪126‬‬
‫������������������������������������������‬
‫والعوار�ض‪ ،‬حتى ال تقع في �شرك مناق�ض ومعار�ض‪ ،‬يجعل المقاومة بال �أ�سا�س تقعيدي‬
‫فيما يخ�ص عالقاتها بالتحديات المعا�صرة‪ ،‬الداخلية منها والخارجية التي يفر�ضها‬
‫منطق القوة الحالي‪ ،‬وم�شروع الكولونياليات البي�ضاء في المنطقة كتحدي �أكبر لها‪.‬‬
‫من هذه ال�صورة في تو�صيف واقع تاريخ المنطقة‪ ،‬يمكن الإهتمام بالعنا�صر التالية‪:‬‬
‫ �أنّ التاريخ اللبناني في ما�ضيه ال ينف�صل عن حا�ضره‪ ،‬من حيث النظرة لتلك‬‫الإ�ستثناءات التي م ّيزت تواجد القوى في المنطقة من حيث ا�ستغالله وت�شتيته‪ ،‬يطرح‬
‫الت�سا�ؤل التالي‪:‬‬
‫�إلى متى الي�ستدرك اللبنانيين هذه المحطات التاريخية؟‬
‫‪127‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫قائمة المراجع‪:‬‬
‫ �إدوارد دوال كروا‪ :‬الجزار قاهر نابليون‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪.‬‬‫ بازيلي‪� :‬سوريا ولبنان وفل�سطين تحت الحكم التركي من الناحيتين ال�سيا�سية‬‫والتاريخية‪ ،‬ترجمة‪ ،‬ي�سر جابر‪ ،‬مراجعة‪ ،‬منذر جابر‪ ،‬دار الحداثة بيروت‪ ،‬لبنان‪،‬‬
‫ط‪1988 ،1‬م‪.‬‬
‫ ت�شر�شل‪:‬جبل لبنان(ع�شر �سنوات �إقامة بين الموارنة والدروز)‪ ،‬ترجمة فندي ال�شعار‪،‬‬‫دار الفارابي‪ ،‬بيروت لبنان‪ ،‬ط‪ ،1998 ،1‬ج‪.3‬‬
‫ جابر �آل �صفا‪ :‬تاريخ جبل عامل‪ ،‬دار النهار‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪.‬‬‫ جهاد بنوت‪ :‬حركات الن�ضال في جبل عامل‪ ،‬تقديم وجيه كوثراني‪ ،‬دار الميزان‪،‬‬‫بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪11993‬م‪.‬‬
‫ ح�سن الأمين‪ :‬جبل عامل القلم وال�سيف‪ ،‬دار الأمير‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان ط‪2003 ،1‬م‪.‬‬‫ محمد ح�سين ال�شيرازي‪ :‬في فل�سفة التاريخ‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1424 ،1‬هـ‪2003/‬م‪.‬‬‫ محمد تقي الفقيه‪ :‬جبل عامل في التاريخ‪ ،‬دار اال�ضواء‪ ،‬ط‪1406 ،2‬هـ‪1986 ،‬م‪.‬‬‫ محمد كوراني‪ :‬الجذور التاريخية للمقاومة الإ�سالمية في جبل عامل‪ ،‬دار الهادي‪،‬‬‫بيروت‪ ،‬لبنان‪.‬‬
‫ م�سعود ظاهر‪ :‬الإنتفا�ضات اللبنانية �ضد النظام المقاطعجي دار الفارابي‪ ،‬بيروت‪،‬‬‫لبنان‪ ،‬ط‪1988 ،1‬م‪.‬‬
‫ م�صطفى الكيالني‪ :‬التاريخ والوجود في المتبقي والمندثر‪ ،‬الدار العربية للعلوم‬‫نا�شرون‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1431 ،1‬هـ‪2010/‬م‪.‬‬
‫ نوال فيا�ض‪� :‬صفحات من تاريخ جبل عامل في العهدين العثماني والفرن�سي‪ ،‬دار‬‫الجديد‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1988 ،1‬م‪.‬‬
‫‪128‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫جبل عامل في مواجهة الجزار‬
‫د‪ .‬منذر محمود جابر‬
‫(((‬
‫�أطل منت�صف القرن الثامن ع�شر‪ ،‬على هيئة �سيا�سية جديدة لل�شيعة في جبل عامل‪.‬‬
‫ففي العام ‪ 1744‬تم ّكن ه�ؤالء من ت�سجيل انت�صارهم الأول على �أمراء جبل لبنان ب�شخ�ص‬
‫الأمير ملحم ال�شهابي(((‪ .‬و�أتبعوه بانت�صار �آخر العام ‪ ،1749‬في معركة جباع ومرجعيون(((‪.‬‬
‫وال يخفف من �أهمية هذين الحدثين ـ ـ الظاهرة‪ ،‬في مجرى العالقة بين جبل لبنان وجبل‬
‫عامل‪ ،‬انتقام الأمير ملحم‪ ،‬و�إحراقه بع�ض القرى العاملية وو�صوله حتى بالد ب�شارة(((‪.‬‬
‫لقد �أحدث هذان الإنت�صاران‪ ،‬تغييرا في «الهيئة التاريخية» لمنطقة جبل عامل‪ ،‬التي‬
‫كانت عبارة عن نهر هزائم و�آالم‪ ،‬ينبع من كربالء‪ ،‬وي�صب في موقعة �أن�صار الثانية‬
‫العام ‪ .1743‬وكانت اكتماال لن�شوء وجه المنطقة العاملية ال�سيا�سي الجديد‪ ،‬تحت قيادة‬
‫((( باحث وم�ؤرخ‪.‬‬
‫((( راجع‪ :‬حيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬ج ‪ ،1‬المطبعة الكاثوليكية‪ ،‬بيروت‪� ،1933 ،‬ص‪34‬؛ وكذلك‪:‬‬
‫العرفان‪ ،‬م ‪� ، 28‬ص ‪.346‬‬
‫((( للح�صول على تفا�صيل وافية راجع‪ :‬حيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬ج ‪ ،1‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص‪41‬؛‬
‫وكذلك‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ، 28‬ص ‪348‬؛ وكذلك‪ :‬علي‪ ،‬الزين‪ :‬للبحث عن تاريخنا في لبنان‪ ،‬بيروت‪� ،1973 ،‬ص ‪ 440‬ـ ‪.441‬‬
‫((( راجع‪ :‬حيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬ج ‪ ،1‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص‪.43‬‬
‫‪129‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�شيخ الم�شايخ العامليين نا�صيف الن�صار الوائلي العام ‪ .1749‬وهذا الواقع الجديد يجد‬
‫مقوماته في اهتزاز التوازن القائم �آنذاك‪ :‬فقد عرف النزاع اليزبكي ـ الجنبالطي بداية‬
‫اهتياجه في جبل لبنان‪ ،‬مع قرب نهاية الأمير ملحم دون عقب من ذريته يخلفه‪ .‬والأمير‬
‫بدوره‪ ،‬ولتخلفه عن دفع الميري‪ ،‬كان على خالف مع با�شا دم�شق‪ .‬وظاهر العمر الزيداني‪،‬‬
‫حاكم �صفد وعكا‪ ،‬على حدوح جبل عامل الجنوبية‪ ،‬كان على خالف مع �أبنائه من جهة‪،‬‬
‫ومع با�شا دم�شق‪ ،‬من جهة ثانية‪ .‬وفي مثل هذا االهتزاز ال�سيا�سي‪ ،‬تبدو لجبل عامل �أهمية‬
‫خا�صة ووزن �سيا�سي �أكبر‪ .‬فهو �أكثر المناطق ا�ستقرارا‪ ،‬بعد تما�سكه الآنف تحت قيادة‬
‫نا�صيف الن�صار‪ .‬فها هو نا�صيف الن�صار‪� ،‬شيخ م�شايخ جبل عامل‪« ،‬والذي كان يتعاطى‬
‫التجارة والحرب والذي كان مخيفا كتاجر وكان مخيفا كجندي»(((‪ ،‬يعقد مع فريق‬
‫من فرقاء النزاع الثنائي اليزبكي ـ الجنبالطي في جبل لبنان‪ ،‬هو ال�شيخ على جنبالط‬
‫«جمعيات» ثالثا‪ ،‬بين ‪ 1765‬و‪ .((( 1767‬كذلك توج الح�ضور العاملي الجديد العام ‪،1767‬‬
‫بمعاهدة «دفاعية هجومية»‪ ،‬كما عرفها نقوال ال�صباغ‪ ،‬مع ظاهر العمر الزيداني حاكم‬
‫عكا و�صفد‪ .‬وقد تكون هذه المعاهدة‪ ،‬هي الأولى في �صيغتها بين حكام بالد ال�شام(((‪.‬‬
‫التحالف مع ظاهر العمر الزيداني‪� ،‬أنزل ال�شيعة‪ ،‬ولأول مرة‪ ،‬كطرف فاعل في لعبة‬
‫المنطقة‪ .‬ومن موقع التحدى مع ال�سلطة العثمانية‪ ،‬بوقوفهم �إلى جانب حليف ظاهر‬
‫العمر‪ ،‬علي بك الكبير‪ ،‬حاكم م�صر‪ ،‬في محاولته االبتعاد عن ال�سلطة المركزية في‬
‫ا�سطنبول‪ .‬وقد خا�ض العامليون‪ ،‬منفردين‪� ،‬أو بم�ساهمة متكافئة مع ظاهر‪ ،‬معارك‬
‫خم�سة كبيرة‪ :‬معارك نابل�س ودم�شق والحولة وكفررمان وحارة �صيدا‪ .‬وكانت �ضد �أمير‬
‫جبل لبنان يو�سف ال�شهابي‪ ،‬منفردا‪� ،‬أو متحالفا مع عثمان با�شا والي دم�شق‪� ،‬أو ابنه‬
‫دروي�ش با�شا والي �صيدا‪ .‬وقد انت�صروا فيها جميعا‪ ،‬واحتلوا �صيدا مع ظاهر العمر‪،‬‬
‫((( �إدوار‪ ،‬ال كروا‪ :‬تاريخ �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬تعريب جورج م�سرة‪� ،‬ساوباولو‪� ،1924 ،‬ص ‪.47‬‬
‫((( راجع الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،27‬ص ‪.736 ،628‬‬
‫((( راجع‪ :‬ميخائيل نقوال‪ ،‬ال�صباغ‪ :‬تاريخ ظاهر العمر الزيداني‪ ،‬حري�صا‪ ،‬دون تاريخ‪� ،‬ص ‪.39‬‬
‫‪130‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫ودخلوا دم�شق مع �أبي الذهب قائد حملة علي بك الكبير �إلى �سوريا(((‪.‬‬
‫االنت�صارات التي �أحرزها التحالف ال�صفدي العاملي‪ ،‬بقيت في حدود االنت�صارات‬
‫الع�سكرية‪ ،‬دون �أن تتحداها �إلى المجال ال�سيا�سي‪ .‬محاولة علي بك الكبير حاكم م�صر‪،‬‬
‫كانت من الممكن في حال نجاحها‪� ،‬أن ت�شكل �إطارا �سيا�سيا لتلك االنت�صارات‪.‬‬
‫المواجهة الماب�شرة مع الدولة العثمانية‪ ،‬والم�ؤجلة �سابقا‪� ،‬أ�صبحت واقعة بعد انتهاء‬
‫الحرب مع الرو�سيا العام ‪ .1772‬التحالف ال�صفدي العاملي ال�شهابي‪ ،‬بعد ان�ضمام‬
‫الأمير يو�سف �إليه‪ ،‬كان مدركا تمام الإدراك لهذه الحقيقة‪ .‬و�أكثر‪ ،‬كان واعيا لعجزه عن‬
‫الثبات في المواجهة العتيدة‪ .‬من هنا فقد �سعت �أطرافه �إلى طلب العفو‪ ،‬عما �أبدوه من‬
‫ع�صيان تجاه ال�سلطة المركزية في ا�سطنبول‪ .‬وقد كان لهم ذلك(((‪.‬‬
‫ولكن هذا العفو لم يكن «�سلطانيا»‪ ،‬و�إنما كان مناورة لي�س غير‪ .‬ففي الوقت الذي‬
‫�أ�صدرت فيه الدولة فرمانها بالعفو عن «ظاهر ورفاقه وتوابعه»‪ ،‬وفي الوقت الذي‬
‫�أر�سلت فيه مندوبها �إلى �صيدا لطلب الأموال الأميرية عن ال�سنوات الخم�س الما�ضية‪،‬‬
‫ح�سبما ن�ص فرمان العفو(((‪ ،‬كانت ت�أذن لمحمد بك �أبو الذهب‪ ،‬حاكم م�صر الجديد‪،‬‬
‫بعد علي بك الكبير‪ ،‬بال�صدام والمواجهة‪.‬‬
‫�سار �أبو الذهب من م�صر �إلى غزة‪ ،‬وحا�صر يافا‪ .‬فطلب ظاهر العمر العون من‬
‫حلفائه ال�سابقين‪ .‬ف�سار نا�صيف بقوات المتاولة مع ظاهر العمر‪ ،‬في ‪ 30‬محرم ‪1189‬هـ‪/‬‬
‫‪1775‬م‪� ،‬إلى مرج بن عامر للقاء �أبي الذهب(((‪ .‬لكن �أنباء �سقوط يافا بيد �أبي الذهب‪،‬‬
‫وتخاذل �أوالد ظاهر العمر عن ن�صرة �أبيهم‪� ،‬أرغم ظاهرا ونا�صيفا على التراجع �إلى‬
‫عكا‪� .‬سقوط يافا‪ ،‬كان فاتحة �سقوط مراكز ظاهر ونا�صيف‪ ،‬واحدا بعد الآخر‪ .‬فقد‬
‫((( للح�صول على تفا�صيل وافية عن هذه المعارك‪ ،‬راجع‪ :‬ميخائيل‪ ،‬بريك‪ :‬تاريخ ال�شام‪ ،‬حري�صا‪� ،1930 ،‬ص ‪ 94‬ـ ‪96‬؛ وحيدر‬
‫�أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪85‬؛ و�إدوار‪ ،‬الكروا‪ :‬تاريخ �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬مرجع‬
‫مذكور‪� ،‬ص ‪29‬؛ و ميخائيل نقوال‪ ،‬ال�صباغ‪ :‬تاريخ ظاهر العمر الزيداني‪ ،‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪ 99‬ـ ‪ :102‬والركيني‪ :‬جبل عامل في‬
‫قرن‪ ،‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،28‬ص ‪ 54‬ـ ‪55‬؛ وعي�سى ا�سكندر‪ ،‬المعلوف‪ :‬دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف‪ ،‬بعبدا‪� ،1907 ،‬ص ‪.307‬‬
‫((( �صدر العفو العام ‪1188‬هـ‪1774 /‬م ‪ ،‬ب�صيغة العفو عن ظاهر العمر « ورفاقه وتوابعه وتواحقه وع�شايره ف�صاروا م�شمولين‬
‫بالعفو ال�سلطاني»‪ .‬راجع‪ :‬وحيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪� ،‬ص ‪.107‬‬
‫((( راجع الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،28‬ص ‪.255‬‬
‫((( راجع‪ :‬الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م‪� ، 28‬ص ‪.255‬‬
‫‪131‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫احتل �أبو الذهب عكا‪ ،‬ثم «�أر�سل قوة �إلى �صفد فهدمها وخربها و�ضربت �صور ورحلت‬
‫�أهلها وعزلت �صيدا وبيروت ووجلت منه �أهل طرابل�س وهو في عكا»(((‪.‬‬
‫النهاية ال�سيا�سية للتحالف‪ ،‬تحددت بعد �سقوط كل المراكز الأ�سا�سية‪ .‬النهاية‬
‫الدراماتيكية ل�شخ�صبة ظاهر العمر‪ ،‬ت�أجلت مع موت محمد �أبي الذهب المفاجيء‪،‬‬
‫وت�ضع�ضع قواته‪ .‬ولكن الم�س�ألة كانت م�س�ألة وقت لي�س غير‪ .‬وها هو ظاهر المحا�صر‪،‬‬
‫هذه المرة من قبطان البحر التركي‪ ،‬ومعه �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬يقتل على يد �أحد جنوده‪،‬‬
‫�أثناء محاولته الفرار �إلى قلعة هونين في جبل عامل(((‪ .‬بعد الق�ضاء على ال�شيخ ظاهر‬
‫العمر‪ ،‬حق لل�شيخ نا�صيف الن�صار‪� ،‬أن يقول ماقاله الثور الأ�سود‪� :‬أال �أني �أكلت يوم �أكل‬
‫الثور الأبي�ض‪ .‬ذلك لأن نهاية ظاهر العمر‪ ،‬تقود‪ ،‬بالقطع‪� ،‬إلى نهاية نا�صيف الن�صار‪.‬‬
‫بخا�صة و�أن الأمور في عكا �آلت من بعد ظاهر العمر‪� ،‬إلى �شخ�صية عدائية خ�صيمة‪ ،‬هي‬
‫�شخ�صية �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬الذي ارتبط ا�سمه ب�أحلك تاريخ �سوريا‪.‬‬
‫من العام ‪ ،1975‬تاريخ الق�ضاء على ظاهر العمر‪ ،‬حتى العام ‪ ،1780‬تاريخ الق�ضاء‬
‫على نا�صيف الن�صار‪ ،‬خم�س �سنوات‪ .‬مرحلة طويلة بالمقيا�س ال�سيا�سي ‪� .‬سيما و�أن‬
‫الم�شرف على �ساعة التوقيت ال�سيا�سي هو �أحمد با�شا الجزار‪.‬‬
‫ابتداءا من العام ‪ ،1780‬كان جبل عامل قد وقع كليا في �سياج الجزار‪ .‬فهو محاط‬
‫خارجيا‪� ،‬شماال و�شماال �شرقيا‪ ،‬بالأمير يو�سف والأمير �إ�سماعيل ال�شهابي‪ ،‬وهما كما نعلم‬
‫مرتهنان لدى الجزار‪ .‬ومحاط جنوبا بالجزار نف�سه‪� .‬أما داخليا‪ ،‬فقد كان جبل عامل‬
‫قد فقد �أغلب رجاالته الذين خبروا المرحلة‪ ،‬ولم يبق منهم الكثير �إلى جانب نا�صيف‬
‫الن�صار(((‪ .‬والخالفات بين �آل ال�صغير �أنف�سهم‪� ،‬أخذت تتجدد بين قبالن الن�صار‬
‫((( راجع‪ :‬الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م‪� ، 28‬ص ‪.255‬‬
‫((( للح�صول على تفا�صيل وافية‪ ،‬راجع‪ :‬ميخائيل نقوال‪ ،‬ال�صباغ‪ :‬تاريخ ظاهر العمر الزيداني‪ ،‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.148‬‬
‫((( عبا�س المحمد حاكم �صور وعلي العبا�س المنكري‪ ،‬من قواد معركة حارة �صيدا قتال العام ‪ .1773‬علي الفار�س ال�صعبي حاكم‬
‫مقاطعة ال�شقيف‪ ،‬والقائد في معركة كفررمان‪ ،‬قتل العام ‪.1775‬محمود الن�صار وقا�سم المراد‪� ،‬ساعدا نا�صيف في مجمل‬
‫معاركه‪ ،‬قتال العام ‪ .1779‬راجع الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،28‬ص ‪.454 ،256 ،158‬‬
‫‪132‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫ونا�صيف الن�صار‪ ،‬ظنا من قبالن �أن الزعامة �ست�ؤول �إليه بعد ذهاب نا�صيف(((‪ .‬وهكذا‬
‫�أخذ يتقرب بالأموال من الجزار‪ .‬ف�أخذ «ي�ؤدي �إليه الميري �أربع مرات في ال�سنة ر�أ�سا‬
‫وفي �أوقاتها كما يدفع ابن المدن ال�شريف �أجرة بيته با�ستحقاق»(((‪.‬‬
‫وفي العام ‪ ،1780‬بد�أت مناو�شات ب�سيطة على الحدود بين الطرفين‪ ،‬خ�سر الجزار‬
‫في �إحداها ‪ 6‬قتلى(((‪ .‬ت�صعد الموقف‪ .‬وفي يوم الإثنين الواقع فيه ‪� 5‬شوال ‪ 1195‬هـ‪/‬‬
‫‪1780‬م «كان ال�صدام الحا�سم في يارون(((‪ .‬وكانت النتيجة مقتل نا�صيفى وقد حزنت‬
‫عليه المتاولة»(((‪ .‬و«دخل الجزار �إلى جبل عامل وخربت البالد»(((‪.‬‬
‫يغني ا�سم �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬عن الحديث في �سيا�سته داخل جبل عامل‪ ،‬بعد‬
‫�إ�سقاطه �شيخ م�شايخ هذه البالد‪ ،‬نا�صيف الن�صار‪ ،‬في موقعة يارون العام ‪.1780‬‬
‫نكتفي‪ ،‬بعينة عن �أحوال جبل عامل مع الجزار‪ ،‬بما ي�سوقه عي�سى ا�سكندر المعلوف‪ ،‬عن‬
‫�أن المر�أة بيعت بـ «ع�شرة م�صاري»(((‪ .‬وبما ي�سوقه الركيني من �أن جماجم القتلى بقيت‬
‫مدة طويلة ملقاة على �شواطئ �صيدا و�صور(((‪.‬‬
‫ولكن الجانب الآخر في هذه المرحلة من حكم الجزار‪ ،‬يتمثل‪ ،‬في جبل عامل‪،‬‬
‫بظاهرة الطياحة العاملية‪ .‬وهي حركة‪ ،‬و�إن كانت تندرج في م�سرى حركات الع�صيان‬
‫ال�سائدة �ضد الجزار‪ ،‬او خلغائه‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬في جبل لبنان (‪،1790 ،1789 ،1780‬‬
‫((( راجع‪� :‬سليمان‪ ،‬ظاهر‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،6‬ص ‪.453‬‬
‫((( �إدوار‪ ،‬ال كروا‪ :‬تاريخ �أحمد با�شا الجزار‪�،‬ص ‪.48‬‬
‫((( راجع‪� :‬سليمان‪ ،‬ظاهر‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،6‬ص ‪.453‬‬
‫((( يختلف الم�ؤرخون العامليون في روايتهم للأ�سباب المبا�شرة وللتفا�صيب الجزئية للمعركة‪ .‬راجع‪ :‬محمد جابر‪� ،‬آل �صفا‪،‬‬
‫تاريخ جبل عامل‪� ،‬ص ‪137‬؛ وكذلك �شبيب با�شا الأ�سعد‪�،‬ص ‪27‬؛ وكذلك‪� :‬سليمان‪ ،‬ظاهر‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،6‬ص ‪.454 453‬‬
‫والتزال �إلى الآن في بلدة يارون‪ ،‬حيث جرت المعركة‪ ،‬بالطة تعرف ببالطة نا�صيف‪.‬‬
‫((( الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،28‬ص ‪.832‬‬
‫((( علي‪ ،‬ال�سبيتي‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،5‬ص‪.22‬‬
‫((( عي�سى‪ ،‬ا�سكندر المعلوف‪ :‬دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف‪ ،‬بعبدا‪ ،‬المطبعة العثمانية‪1907 ،‬ـ ‪� ،1908‬ص‪.94‬‬
‫((( راجع‪ :‬الركيني‪ ،‬جبل عامل في قرن‪ ،‬العرفان‪ ،‬م‪� ،37.‬ص‪378‬؛ راجع كذلك‪:‬‬
‫‪.PERRIER, Ferdinand: La Syrie sous le gouvernement de MEHEMET ALI, Paris, 1842, p.71‬‬
‫‪133‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫‪ ،)1797‬وفي دم�شق (‪ ((()1789‬وفي جبل العرب (‪� ، ((()1804‬إال �أن خ�صو�صيتها‪،‬‬
‫تكمن في كون هذه المنطقة (جبل عامل)‪ ،‬كانت تخ�ضع مبا�شرة لحكم الجزار وجنوده‪،‬‬
‫المتواجدين دائم ًا على الأر�ض العاملية‪ .‬وتكمن ثاني ًا‪ ،‬في ا�ستمراريتها من ‪ 1780‬حتى‬
‫�سنة ‪ .1808‬وتكمن ثالثا ً‪ ،‬في خ�صو�صيتها كظاهرة ع�صابات م�سلحة‪ ،‬تقوم طوي ًال‬
‫وللمرة الأولى‪ ،‬في منطقة من �سوريا الجنوبية الغربية‪.‬‬
‫ومما ال �شك فيه‪� ،‬أن مرحلة حلف نا�صيف الن�صار (‪ )1780 - 1749‬وظاهر العمر‬
‫الزيداني‪ ،‬وبما حفلت فيه من انت�صارات‪ ،‬في معارك دارت مع الجوار ال�شمالي (�أمراء‬
‫جبل لبنان)‪ ،‬وفي الجوار ال�شرقي (با�شوات �آل العظم في دم�شق)‪ ،‬وفي الجوار الجنوبي‬
‫(المملوك محمد �أبو الذهب)‪ ،‬كانت في �أ�سا�س بع�ض من �سلوك العامليين وع�صيانهم‬
‫حكم الجزار المبا�شر‪� ،‬إذ �أن تلك االنت�صارات‪ ،‬كانت في �أ�سا�س تركيز الوعي ال�سيا�سي‬
‫الطائفي لدى جمهور العامليين‪ .‬فقد اكت�سبوا عبرها «عامليتهم» و«متواليتهم»‪ ،‬بما‬
‫تعنيه هاتان ال�صفتان من جماعة وازنة في مجرى الأحداث‪ ،‬وفي «�أبواب» ال�سيا�سة ما‬
‫بين جماعات هذه المنطقة‪ .‬وبما تعنيه من ثقل اقت�صادي‪ ،‬بد�أ يطل على جبل عامل‪،‬‬
‫من مداخيل مرف�أ �صور‪ ،‬ومن مداخيل التجارة التي راح يتعاطاها حكام جبل عامل‬
‫وم�شايخه‪ ،‬وعلى ر�أ�سهم نا�صيف الن�صار نف�سه‪ .‬والذي يقول فيه �إدوار لكروا «�أنه كان‬
‫يتعاطى التجارة والحرب‪ ،‬وكان مخيفاً كتاجر ومخيفاً كجندي»(((‪.‬‬
‫ومن طرف �آخر‪ ،‬كان تذمر �سكان جبل لبنان‪ ،‬وتململهم من زيادة ال�ضرائب التي‬
‫فر�ضها الجزار العام (((‪ ،1783‬باب الع�صيان الذي دخل منه الم�شايخ العامليون من‬
‫�آل ال�صغير‪ ،‬والذين كانوا قد لج�أوا �إلى بعلبك‪ .‬فقد ا�ستجاب ه�ؤالء الت�صاالت الأمير‬
‫يو�سف ال�شهابي بهم‪ ،‬وعرو�ضه �إمدادهم بال�سالح من قبله‪ ،‬رهان ًا منه على موقف‬
‫(((‬
‫(((‬
‫(((‬
‫(((‬
‫راجع‪ :‬فالديمير‪،‬لوت�سكي‪ :‬تاريخ الأقطار العربية الحديث‪ ،‬دار التقدم‪ ،‬مو�سكو‪�،1971 ،‬ص‪40‬ـ ‪.41‬‬
‫راجع‪ :‬عبد اهلل‪ ،‬حنا‪ :‬الق�ضية الزراعية والحركات الفالحية في �سوريا ولبنان‪ ،‬دار الفارابي‪ ،‬بيروت‪� ،1973 ،‬ص‪.162‬‬
‫�إدوار الكروا‪ ،‬تاريخ �أحمد با�شا الجزار‪� ،‬ساو باولو‪� ،1924 ،‬ص ‪. 47‬‬
‫راجع حيدر‪� ،‬أحمد �شهاب‪ :‬نزهة الزمان‪ ،‬مطبعة مغبغب‪ ،‬م�صر‪� ،1900 ،‬ص‪.137‬‬
‫‪134‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫عاملي مقاوم للجزار‪ ،‬يخفف عن الأمير وط�أة طلباته ال�ضرائبية المتدافعة(((‪ .‬وقد‬
‫جاء الم�شايخ العامليون‪ ،‬واتخذوا قاعدة لهم بلدة م�شغرة‪ ،‬على حدود الطرف الجنوبي‬
‫ال�شرقي من بالد الأمير يو�سف ال�شهابي‪ ،‬وحدود الطرف الغربي لوالية دم�شق‪ ،‬الع�صية‬
‫على �أحمد با�شا الجزار حتى تاريخه‪.‬‬
‫المقاومة‪:‬‬
‫كان الفعل الأول الذي �أقدم عليه الجزار‪ ،‬بعد انت�صاره على العامليين في موقعة‬
‫يارون‪ ،‬جلب عنا�صر من �أكراد و�أرنا�ؤوط و�إ�سكانهم في جبل عامل‪ .‬وكانت هذه الخطوة‪،‬‬
‫مقدح الموقف العاملي الم�سلح‪ ،‬والذي لم تنفع في رده‪ ،‬كما ينقل ميخائيل م�شاقة «�إدارة‬
‫�إبراهيم م�شاقة الح�سنة»((( ‪ ،‬وهو كما نعلم حاكم تبنين المعين من قبل الجزار نف�سه‪.‬‬
‫فلج�أ العامليون �إلى «ت�أليف الع�صابات تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار في جبل‬
‫عامل‪ ،‬وتعيث فيهم قت ً‬
‫ال بق�صد �إيجاد حالة من البلبلة والفو�ضى لكي ال يدعوا‬
‫الجزار ي�ستقر في بلدهم»(((‪.‬‬
‫كان االجتماع العاملي الأول في بلدة �شحور‪،‬تعاقد العامليون على �أثره‪ ،‬بقيادة حمزة‬
‫بن نا�صيف الن�صار‪ ،‬بعد �أن اجتمعوا «من كل فج وعميق وذكروا ما �أ�صابهم من عظيم‬
‫ال�ضيق وقالوا اليوم �أخذ الثار وك�شف العار»‬
‫العمل الع�سكري الكبير الأول‪ ،‬كان الهجوم على بلدة تبنين‪ ،‬مركز مت�سلم الجزار‪،‬‬
‫�إبراهيم م�شاقة «فاحتلوا (الطياح) القلعة وقتلوا المت�سلم‪ ،‬وقتلوا معه مقدار مئتي‬
‫نفر وقتل منهم �أحد م�شايخهم و�أنا�س قاليل»(((‪.‬‬
‫ردة فعل الجزار كانت على عنف و�سرعة‪� ،‬أو ح�سب تعبير ميخائيل م�شاقة «قام‬
‫وقعد»‪ ،‬و�س ّير �إلى جبل عامل‪ ،‬وتحديد ًا �إلى بلدة �شحور‪ ،‬مركز المقاومة �آنذاك‪ .‬وبعد‬
‫((( راجع‪ :‬طنو�س ال�شدياق‪� ،‬أخبار الأعيان في جبل لبنان‪ ،‬ج‪ ،2‬من�شورات الجامعة اللبنانية‪ ،1969 ،‬بيروت‪� ،‬ص ‪.64‬‬
‫((( ميخائيل‪ ،‬م�شاقة‪ :‬م�شهد العيان بحوادث �سوريا ولبنان‪� ،‬ص ‪ .39‬وابراهيم م�شاقة هذا حاكم تبنين من قبل الجزار‪ .‬وكان‬
‫على معرفة جيدة ب�أحوال جبل عامل‪ .‬فقد كان كاتبا لنا�صيف الن�صار في �صور‪ .‬وكانت بين الطرفين عالقات تجارية زاهرة‪.‬‬
‫((( ميخائيل‪ ،‬م�شافة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص‪40‬ـ ‪.41‬‬
‫((( راجع‪ :‬حنانيا‪ ،‬المنير‪ :‬تاريخ الجزار‪ ،‬بيروت‪� ،1954 ،‬ص‪.108‬‬
‫‪135‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ت�صد عنيف من قبل المتاولة‪ ،‬ا�ستظهرت حملة الجزار على مقاوميها‪ ،‬وانجلت المعركة‬
‫عن ‪ 300‬قتيل من ال�شيعة‪ ،‬من بينهم ال�شيخ حمزة بن نا�صيف الن�صار‪ ،‬وعدد وافر من‬
‫الأ�سرى «وقد �سيق الأ�سرى �إلى عكا وتم �إعدامهم على الخازوق»(((‪.‬‬
‫حملة الجزار هذه‪� ،‬صيرت جميع النا�س في جبل عامل طياح ًا‪ .‬فقد �شردتهم في‬
‫«البراري والأدغال والجبال والأقفار‪ ،‬وكل �أمرئ في عقله محتار‪ ،‬و�صار النا�س‬
‫يهربون‪ ،‬وفي كل واد يهيمون»(((‪ .‬ولكن الحا�سم في هذه المرحلة‪ ،‬كان احتالل الجزار‬
‫لدم�شق‪ .‬فقد عنى هذا الفعل‪ ،‬من طرف �أول‪� ،‬إقفال المعابر �إلى «بر ال�شام»‪ ،‬في وجه‬
‫م�شايخ �آل ال�صغير‪ .‬وقد تح�صنوا‪ ،‬كما �سبق و�أ�شرنا‪ ،‬في بلدة م�شغرة‪ .‬كما عنى من‬
‫طرف �آخر‪ ،‬ر�ضوخ الأمير يو�سف ال�شهابي لطلب الجزار بت�سليمه «�أبناء علي ال�صغير‬
‫المقيمين فيها (م�شغرة)‪ ،‬وهو ما �أقدم عليه الأمير يو�سف(((‪ ،‬في موازاة تنكيله‬
‫بالع�صيان �ضده في داخل �إمارته‪ ،‬والذي انتهى لدى الأمير يو�سف‪ ،‬بقطعه ل�سان �أخ‬
‫له‪ ،‬واقتالع عين �أخ �آخر»‪.‬‬
‫مرحلة الع�صيان العاملي الجديدة‪ ،‬كانت «اللجوء �إلى الجبال»‪ ،‬ح�سب التعبير‬
‫الجزائري ال�شهير عن الع�صيان‪ ،‬مما �أجبر الجزار‪ ،‬في البداية‪ ،‬لأن «يرتب رجا ًال‬
‫دائمين للتفتي�ش عن الطياح العامليين»‪ .‬ولكن ه�ؤالء‪ ،‬كثير ًا ما ا�ستفردوا بع�ض �أولئك‬
‫المفت�شين‪« ،‬وظفروا بهم و�أعدموهم الحياة»(((‪ .‬وينقل �إبراهيم العورة‪ ،‬عن ازدياد حجم‬
‫ونفوذ الطياح في الجبال «فدخلوا البالد و�صاروا يطلبون من البالد ميري وذخائر»‪.‬‬
‫لم يعد يكفي المفت�شون من قبل والي عكا لتدبر �أمر العامليين‪ ،‬فا�ضطر الجزار‪ ،‬لأن يعين‬
‫((( راجع‪ :‬حنانيا‪ ،‬المنير‪ :‬مرجع مذكور‪�،‬ص‪395‬؛ ال�سبيتي‪ :‬العرفان‪ ،‬مجلد‪� ،5‬ص‪22‬ـ‪23‬؛ وكذلك‪ :‬طنو�س ال�شدياق‪� :‬أخبار الأعيان‬
‫في جبل لبنان‪ ،‬ج‪� ،2‬ص‪64‬؛ وينفرد ميخائيل م�شاقة عن هذه المراجع‪ ،‬في�ؤكد �أن ابراهيم م�شاقة لم يقتل‪ ،‬و�إنما هرب �إلى عكا‪،‬‬
‫وطلب �إعفاءه من الوظيفة‪ .‬راجع‪ :‬ميخائيل‪ ،‬م�شاقة‪ :‬م�شهد العيان في حوادث �سوريا ولبنان‪� ،‬ص‪40‬ـ‪.41‬‬
‫((( راجع‪ :‬العرفان‪ ،‬مجلد ‪� ،29‬ص ‪.75‬‬
‫((( راجع‪ :‬حيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬ج ‪ ،1‬من�شورات الجامعة اللبنانية‪ ،‬بيروت‪� ،1969 ،‬ص ‪141‬؛‬
‫وكذلك طنو�س‪ ،‬ال�شدياق‪ :‬م�صدر مذكور‪ ،‬ج‪� ،2‬ص ‪.348‬‬
‫((( ميخائيل‪ ،‬م�شاقة‪ :‬منتخبات الجواب على اقتراح الأحباب‪ ،‬المطبعة الكاثوليكية‪ ،‬بيروت‪� ،1955 ،‬ص ‪ .10‬وفي ال�صفحات ‪ 11‬ـ‬
‫‪ ،12‬و�صف عن تفنن الجزار في مظالمه‪.‬‬
‫‪136‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫ع�ساكر كبيرة‪ ،‬كان ي�سميها «ال�سرولي»‪ ،‬وير�سلهم �إلى «بالد المتاولة ب�شكل دائم»(((‪.‬‬
‫لقد ا�ستفادت حركة الع�صيان العاملية من ال�صعوبات التي كان يعانيها �أحمد با�شا‬
‫الجزار في النواحي الأخرى من با�شويته‪ :‬ثورات البدو في فل�سطين‪ ،‬و�صراعه مع والي‬
‫دم�شق‪ .‬ولكن الفائدة الكبرى جاءت من ناحية جبل لبنان‪ ،‬يوم تمرد الجبل �سنة ‪1798‬‬
‫«وقد تمكن الثوار من اال�ستيالء على بيروت و�صيدا و�صور ومن االقتراب من عكا»(((‪.‬‬
‫كذلك ا�ستفادت حركة الع�صيان العاملية‪ ،‬من و�صول «�أبو نابرتو» (بونابرت) ح�سب‬
‫تعبير ال�شيخ محمد مهدي مغنية‪ ،‬حيث �شكل و�صوله مرحلة انفراج في جبل عامل‪ ،‬عاد‬
‫على �أثرها م�شايخه من �آل علي ال�صغير‪ ،‬الالجئون دائم ًا‪ ،‬من م�شغرة و�أطرافها‪� ،‬إلى داخل‬
‫جبلهم‪ .‬وكانوا بذلك من �أوائل م�شايخ المنطقة‪ ،‬الذين و�ضعوا �أنف�سهم بت�صرف الفرن�سيين‪.‬‬
‫ثم �أنهم قابلوا الحق ًا «�أبو نابرتو»‪ ،‬و�أعطاهم حكم بالدهم‪ ،‬و�ساروا من عند �أمير الجيو�ش‬
‫الفرن�سية‪ ،‬وقدموا له الذخائر من البالد وت�سلموا القالع التي كانت لأبائهم(((‪.‬‬
‫ولكن م�ستجدات جديدة‪ ،‬تعود وت�أخذ من حركة الع�صيان العاملية قوة دفعها‬
‫الم�ستجدة‪ .‬فمع رحيل بونابرت عن �أ�سوار عكا‪ ،‬ومع �إم�ساك الأمير ب�شير ال�شهابي‬
‫الكبير‪ ،‬الحكم بقوة في جبل لبنان‪ ،‬وتهدئة الأو�ضاع داخل الإمارة اللبنانية‪ ،‬تتراجع‬
‫حركة الطياحة العاملية‪� ،‬إلى مخابئها المحلية في الجبال العاملية‪ ،‬من دون �أن يتمكن‬
‫الجزار منها والق�ضاء عليها‪ .‬فقد ا�ستمر الع�صيان‪ ،‬كما يرى �إبراهيم العورة‪« ،‬كل مدة‬
‫حكومة الجزار»‪ .‬وكذلك ينقل الركيني في مخطوطته‪ ،‬عن حوادث قتل‪ ،‬وعن حمالت‬
‫قام بها الجزار في الأعوام ‪1201‬هـ‪1786 /‬م و ‪ 1250‬هـ‪1790 /‬م‪ ،‬و‪ 1208‬هـ‪1793 /‬م‪،‬‬
‫و‪ 1214‬هـ ‪1799 /‬م‪.‬‬
‫الدفع الأ�سا�سي الجديد لحركة الع�صيان العاملية‪ ،‬جاء مع موت الجزار في ني�سان‪/‬‬
‫�أبريل العام ‪ ،1804‬حيث �سادت الفو�ضى العامة‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أن نزعات دموية راحت تحكم‬
‫((( ابراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬تاريخ والية �سليمان با�شا العادل‪ ،‬م�صدر مذكور‪ ،‬ن�شره ق�سطنطين البا�شا‪� ،‬صيدا ـ ـ لبنان‪� ،1936 ،‬ص ‪..301‬‬
‫((( راجع‪ :‬لوت�سكي‪ ،‬تا�ؤيخ الأقطار العربية الحديث‪ ،‬دار التقدم‪ ،‬مو�سكو‪� ،1971 ،‬ص ‪.40‬‬
‫((( راجع‪ :‬حيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬لبنان في عهد الأمراء ال�شهابيين‪ ،‬ج ‪� ،1‬ص ‪ 261‬ـ ‪ .262‬وفي كتابه الآخر نزهة الزمان‪ ،‬ج ‪� ،2‬ص‬
‫‪ ،887‬يقول �أن تاريخ ح�ضورهم لى عند بونابرت كان في ‪� 14‬آذار ‪.1798‬‬
‫‪137‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ما بين خلفائه‪ ،‬مما مكن المتاولة من البقاء على «هياجهم في بالد ب�شارة وتملك �صور‬
‫بنوع من ال�سلطة» ح�سب تعبير ميخائيل الدم�شقي في ت�أريخه «لحوادث ال�شام»‪.‬‬
‫في نهاية حكم الجزار‪� ،‬أي مع موته بالطبع‪ ،‬كانت حركة الع�صيان العاملية‪ ،‬قد‬
‫تجاوزت منطق ن�شوئها‪ ،‬حركة ع�صيان في وجه الجزار‪ ،‬لتدور في مرحلة ما بعده‪ ،‬على‬
‫م�ضامين وموازين جديدة �أفرزتها �أحداث الـ ‪� 24‬سنة الما�ضية تحت حكم والي عكا‪.‬‬
‫قيادات جديدة‪:‬‬
‫بعد مقتل ال�شيخ حمزة بن نا�صيف الن�صار‪ ،‬تراجع جميع الم�شايخ العامليين‪،‬‬
‫ولم يعد يذكر‪ ،‬حتى باال�سم‪ ،‬عن �أي دور لهم في حركة مقاومة الجزار‪ .‬وهذا موقف‬
‫طبيعي لفئة اعتمدت �أ�سا�س ًا في �سيطرتها الداخلية‪ ،‬على تفاعالت الأحداث الخارجية‬
‫والمحيطة‪ .‬وهكذا �صار خروج ه�ؤالء الم�شايخ من ال�صراع‪� ،‬سحق ًا على يد الجزار �أم‬
‫هروب ًا‪ ،‬مدخ ًال لت�أخذ العائالت الو�سطى في ال�سلم االجتماعي‪ ،‬دور المحدد في موقع‬
‫القيادة الأول‪ .‬فهذا هو «ال�شيخ علي الزين مدير للمقاومة في �شحور‪ ،‬وهذا هو‬
‫�سليمان البزي‪ ،‬يقتل على يد الجزار في عكا‪ ،‬مع �أكابر من بالد ب�شارة العام (((‪.1793‬‬
‫كذلك هذا هو علي الدروي�ش‪ ،‬زعيم الأ�سرة ال�صعبية‪ ،‬ي�شنق في عكا بعد �شنق الأمير‬
‫يو�سف فيها(((‪ .‬كذلك يبرز ا�سم ح�سن �شيت‪ ،‬مفاو�ضاً با�سم الثوار في مراحل الحقة‪.‬‬
‫وهذه كلها‪،‬عائالت جديدة تبرز في �أدوار لها على الم�سرح ال�سيا�سي العاملي‪ ،‬وت�أخذ‬
‫من ح�صة قيادة �آل ال�صغير‪ ،‬حتى �أفرغتها بالكامل من ميدان �سلطتها‪« ،‬ف�آل �أمر‬
‫حريمهم (�آل ال�صغير) وبقية عيالهم و�أوالدهم �إلى �أن داروا في البالد ي�شحذون‬
‫ويطلبون من النا�س»‪ ،‬كما ينقل الركيني عن �أحوالهم(((‪.‬‬
‫مجيء �سليمان با�شا والي ًا على عكا‪ ،‬وعمله على �إيقاف حركة الع�صيان‪ ،‬فتح �أبواب‬
‫((( راجع‪ :‬الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،5‬ص‪.23‬‬
‫((( راجع‪ :‬الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،29‬ص ‪687‬؛ وحيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬نزهة الزمان‪� ،‬ص ‪.826‬‬
‫((( راجع الركيني‪ :‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،28‬ص ‪.952‬‬
‫‪138‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫العودة �أمام �آل ال�صغير من �أماكن لجوئهم البعيدة‪ .‬والمراجع العاملية وغير العاملية‪،‬‬
‫ال تنقل عن �صدام بين الطياح وم�شايخ �آل ال�صغير(((‪ .‬ولكن �صك االتفاق النهائي بين‬
‫�سليمان با�شا و�آل ال�صغير‪ ،‬يدل على رف�ض طياح بالد ب�شارة وبالد ال�شقيف‪� ،‬إرجاع �آل‬
‫ال�صغير و�آل �صعب و�آل منكر �إلى �إقطاعاتهم ال�سابقة‪ .‬ففي الزيارة التي قام بها ه�ؤالء‬
‫الم�شايخ �إلى عكا‪ ،‬بقيادة فار�س النا�صيف‪ ،‬لتهنئة �سليمان با�شا «طلبوا منه �إرجاع‬
‫�أمالكهم التي نهبها الجزار منهم‪ .‬ف�أجابهم �أن هذا غير ممكن‪ .‬غير �أني �س�أكتب‬
‫للدولة ب�ش�أنكم و�أ�ست�شيرها ب�أمركم لعلها تع ّو�ض عليكم بدل �أمالككم»‪.‬‬
‫والت�سا�ؤل الذي يطرح نف�سه هنا‪ ،‬هو الآتي‪ :‬هل يقي �إرجاع الم�شايخ �إلى «�أمالكهم»‬
‫و�إقطاعاتهم ال�سابقة‪� ،‬سليمان با�شا من فو�ضى الطياح‪� .‬سيما‪ ،‬و�أن �سليمان با�شا نف�سه‪،‬‬
‫كان قد الحظ ‪� ،‬أن «�شررهم و�ضررهم وخطرهم ال يقع على بالد ب�شارة بل ي�شمل‬
‫�أي�ضاً بالد �صفد»((( ؟‪ .‬وفي المقابل‪ ،‬كان الوالي قد الحظ �أي�ضا‪�« ،‬أن الم�شايخ لي�س‬
‫لهم حيلة �أو مهنة يعتا�شون منها وال لهم ملك يقوم بمعا�شهم يكتفون به وال هم‬
‫مثل بقية النا�س‪ ،‬كما ولي�س لهم �صنائع ي�شتغلون بها وال تعودوا على المتاجرة وال‬
‫عندهم مال يوظفونه في تجارة ما وال �أحد يركن لهم وي�سلمهم ماله وال يمكن‬
‫�أن يت�سولوا»(((‪ .‬كما يكتب �إبراهيم العورة في �صورة �أحوالهم‪ .‬ولم يكن هذا االختالل‬
‫في موازين القوى بين الطرفين‪ ،‬لي�شكل دافعا‪ ،‬يحث �سليمان با�شا على التدخل القوي‬
‫والحا�سم‪ ،‬ل�صالح م�شايخ �أل علي ال�صغير‪.‬‬
‫لج�أ م�شايخ �آل ال�صغير‪ ،‬والحال هذه‪� ،‬إلى �صداقاتهم العتيقة‪ ،‬ومنها ما يجمعهم مع‬
‫((( ينفرد محمد جابر بالخبر الآتي‪� :‬أن �سليمان با�شا بعد �أن ر�أى الخراب في البالد ا�ستدعى على الفار�س‘ عميد �آل �صعب‪،‬‬
‫ف�أقامه حاكما عاما في قلعة تبنين‪ ،‬ولم يكن يج�سر �أحد على قبول ذلك المن�صب‪ ،‬بعد ذبح الحاكم ال�سابق‪ .‬ولم يقبل على‬
‫الفار�س ذلك المن�صب‪� ،‬إال بعد اتفاق مع زعماء الثوار‪ ،‬على �أن ي�سعى ب�إجالء جي�ش الأتراك والأرنا�ؤوط عن البالد‪ ،‬و�إرجاع‬
‫الحكم �إلى �أهلها‪ .‬وهذا الخبر م�شكوك ب�صحته لتناق�ضه‪ ،‬مع معطيات غير تاريخية‪ .‬لي�س �أقلها �أن على الفار�س ال�صعبي كان‬
‫قد مات العام ‪ .1775‬تاريج جبل عامل‪� ،‬ص ‪.104‬‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬تاريخ والية �سليمان با�شا العادل‪ ،‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.37‬‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.37‬‬
‫‪139‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�آل جنبالط‪ ،‬حلفاء الأمير ب�شير ال�شهابي‪ ،‬والأكثر قربا منه‪ ،‬في منت�صف عهد �إمارته‬
‫الأول‪ .‬فو�سطوا لدى الأمير‪ ،‬ال�شيخ ب�شير‪ ،‬كبير م�شايخ �آل جنبالط(((‪ .‬فكان االلتقاء بين‬
‫م�صالح الأطراف الثالثة‪ :‬الب�شيريين وم�شايخ �آل ال�صغير‪ .‬الب�شير الجنبالطي‪ ،‬لت�أكيد‬
‫م�صالحه في �إقليم التفاح‪ ،‬الإقليم ال�شمالي من جبل عامل‪ .‬والب�شير ال�شهابي‪ ،‬لت�أكيد‬
‫تو�سيع �سلطتة وحدود �إمارته‪ .‬وال �سيما‪ ،‬و�أنه كان قد حاز العام ‪ ،1798‬وبعد وقوف‬
‫الدولة العثمانية‪ ،‬ب�شخ�ص ال�صدر الأعظم يو�سف با�شا �ضيا‪� ،‬إلى جانب الأمير ب�شير‬
‫في �صراعه مع الجزار‪ ،‬و�إالقرار به على «والية جبل لبنان ووادي التيم وبالد بعلبك‬
‫وبالد البقاع وبالد المتاولة واعداً �إياه ب�أن يبقى عليها والياً دائماً ب�أمر الدولة و�أن‬
‫ال يكون للوزراء عليه ت�سلط‪ ،‬و�أن �إيراد �أموالها يكون من يده �إلى خزينة الدولة كما‬
‫كان في عهد الأمراء المعنيين»(((‪ .‬كما جاء في مرويات طنو�س ال�شدياق وحيدر �شهاب‬
‫و�إبراهيم العورة‪.‬‬
‫ولكن هذه الحيازة وال�سلطة للأمير ب�شير‪ ،‬بقيتا ا�سميتين طوال عهد الجزار با�شا‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فلم يكد �آل ال�صغير يطالبونه بالتو�سط «لأنهم ال يركنون لأحد �سواه»(((‪،‬‬
‫حتى وجدها الأمير ب�شير «فر�صة من توفيقات الباري تعالى»‪ ،‬ف�أر�سل جرج�س باز‬
‫�إلى عكا لمقابلة �سليمان با�شا و�أ�صحبه بعر�ض حال «�أنه متوجه من طرفنا عبدكم‬
‫ال�شيخ جرج�س باز يعر�ض لمراحمكم ما يقت�ضي‪ ،‬فنتو�سل لعواطف دولتكم انعطاف‬
‫الخاطر ل�سماح وقبول ما يعر�ض»(((‪.‬‬
‫ما هو عر�ض الأمير ب�شير؟ لنتابع مع العورة‪�« :‬أن يعطى لهم (�آل ال�صغير و�آل �صعب‬
‫و�آل منكر) الأمان التام و�أن ترجع �إليهم �أمالكهم وحكومة البالد‪ ،‬كما كانت �أو ًال‪� ،‬أي‬
‫((( راجع‪� :‬إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص‪.142‬‬
‫((( راجع‪ :‬طنو�س‪ ،‬ال�شدياق‪� :‬أ خبار الأعيان في جبل لبنان‪ ،‬ج ‪� ،1‬ص ‪370‬؛ وحيدر �أحمد‪� ،‬شهاب‪ :‬تاريخ الأمراء ال�شهابيين‪،‬ج‬
‫‪� ،1‬ص‪.195‬‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.40‬‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.40‬‬
‫‪140‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫�أن يت�صرفوا بها كما ي�شا�ؤون ويدفعوا عنها ما ًال مقطوعاً فقط‪ .‬و�أن ال تقبل عليهم‬
‫�شكاية عما م�ضى وال في الم�ستقبل و�أن يكونوا �أحراراً في بالدهم و�أعمالهم من دون‬
‫ت�سلط عليهم من طرف واحد ‪.(((»...‬‬
‫ولكن ح�ضور الطياح في جبل عامل‪ ،‬وقوتهم في الميدان الع�سكري‪ ،‬كان عائقا‬
‫�أمام مبادرة الأمير ال�شهابي‪ ،‬لأن تجاوزهم لم يكن من ال�سهولة بمكان‪ .‬بخا�صة‪ ،‬و�أن‬
‫�سليمان با�شا‪ ،‬كان على طموح في تحقيق اال�ستقرار في تركة الجزار الم�ضطربة‪.‬‬
‫فوالي عكا الجديد‪ ،‬لم يكن �إذ ًا‪ ،‬في وارد متابعة المواجهة الم�سلحة مع طياح جبل‬
‫عامل‪ ،‬ومحاولة اللجوء �إلى الح�سم الع�سكري ال�سريع‪ .‬وقد تكررت‪ ،‬مع تردد والي عكا‪،‬‬
‫مراجعات الأمير ب�شير ال�شهابي والتما�ساته‪ ،‬ب�ش�أن م�شايخ �آل ال�صغير‪ .‬وال �سيما‪ ،‬و�أن‬
‫الأمير ال�شهابي كان يعاني من �أحداث خطيرة داخل �إمارته (عامية انطليا�س)‪� .‬أخيرا‪،‬‬
‫وبعد «مفاو�ضات طويلة» بين الخوري �سابا مندوب الأمير ب�شير‪ ،‬و�سليمان با�شا «قدم‬
‫�سليمان با�شا عر�ضاً ال يمكن �أن يتم �سواه بوجه من الوجوه‪ ،‬وهو �أن يعطى للم�شايخ‬
‫محالت من �إقليم ال�شومر لأجل معي�ش كل منهم قدر لزوم معي�شه ب�شرط �أن يقيموا‬
‫فيها ويديروها بالفالحة والزراعة وي�أكلوها معافاة بدون �أن يدفعوا عنها لطرف‬
‫الميري �شيئاً‪ .‬وتكون لهم ولذريتهم من بعدهم مفروزة القلم‪ ،‬ممنوعة القدم من‬
‫دون معار�ض وال منازع‪ ،‬و�أن يتر�أ�س عليهم ب�صفة �شيخ م�شايخ ال�شيخ فار�س النا�صيف‬
‫(ابن نا�صيف الن�صار)‪ ،‬ليتعاطى �أمورهم م�صالحهم وف�صل الدعاوى في ما بينهم‪.‬‬
‫�أما �إذا بدا من �أحدهم �أو جرى بينهم مادة ج�سيمة فتعر�ض له وهو يتو�سط ف�صلها‬
‫مع الحكم بها‪ ،‬و�إذا �أحد بدا منه نقي�صة ووجب عليه الق�صا�ص الحكمي فيطلب منه‬
‫�أي من ال�شيخ المذكور و�إذا فر هارباً فيطلب جلبه منه وال يقبل له عذر‪ .‬وال يكون‬
‫لل�شيخ فار�س وال لغيره منهم �أدنى مداخلة في بالد ب�شارة �أي مقاطعات جبل هونين‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.41‬‬
‫‪141‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫وجبل تبنين و�ساحل معركة و�ساحل قانا ومرجعيون ومقاطعة ال�شقيف وبع�ض قرايا‬
‫�إقليم ال�شومر ومقاطعة �إقليم التفاح وال يتداخلون بهذه المقاطعات وال بحكومة وال‬
‫بفالحة وال بزراعة وال ب�أخذ وال عطاء بوجه من الوجوه‪ .‬والذي يتداخل منهم ب�أحد‬
‫القرايا فال ت�سمع له دعوى و�ست�سمع عليه الدعوى»(((‪.‬‬
‫ب�إزاء �شروط �سليمان با�شا هذه‪ ،‬كان ال بد للم�شايخ العامليين «ونظراً للحال التي‬
‫هم فيها»‪ ،‬من الميل �إلى قبولها‪ .‬و�أجابوا الأمير ب�شير بالمديح والثناء‪ ،‬م�ؤكدين �أنهم‬
‫ي�أتمرون «بكل ما يريده وير�سمه»‪ .‬وبرغم من �أنها تجردهم من كل �سيطرة على بالد‬
‫ب�شارة وبالد ال�شقيف و�إقليم التفاح‪ ،‬فقد نزلوا �إلى عكا‪ ،‬بكفالة الأمير ب�شير‪ ،‬الذي �أر�سل‬
‫معهم جرج�س باز‪ ،‬فا�ستقبلهم �سليمان با�شا بكل ب�شا�شة وترحاب‪ ،‬و�أو�ضح لهم «رغبته‬
‫بعمار البالد وراحة العباد وقطع دابر الف�ساد والمف�سدين‪ ،‬و�أو�ضح لهم �شفقته عليهم‬
‫لما نالهم بالأيام ال�سالفة‪ ،‬ورغباته القلبية لراحتهم بما �أنهم من رعاياه‪ .‬وتو�ضحت‬
‫ال�شروطات المقت�ضى القيام بها من الطرفين‪ ،‬وزيد عليها �شرط �آخر وهو حيث‬
‫�أنهم مزمعون �أن ينالوا راحتهم التامة ويح�صلوا على معي�شتهم فهم ملزومون �أي�ضاً‬
‫بكل وقت متى لزم الأمر �إلى طلبهم برجال الع�شائر لمحاربة �أحد المحالت‪ ،‬يجب‬
‫عليهم �أن يح�ضروا بدون تردد وال عامة وال طلب علف نظير باقي الع�ساكر‪ ،‬وذلك‬
‫نظير ال�شروط الملتزم بها �أمير جبل لبنان‪ .‬فالكل �أبدوا الدعاء لح�ضرة ال�سلطان‬
‫قابلين كل ال�شروط المدرجة فيه وكرماً من �سعادته بدون ا�ستحقاق لها»‪ .‬وبعد ذلك‬
‫ا�ستح�ضر �سليمان با�شا ال�شيخ ح�سن �شيت (�أحد زعماء الطياح) «و�أمره �أن يتوجه لعند‬
‫ال�شيخ فار�س النا�صيف لالتفاق على توزيع قرى �إقليم ال�شومر»‪ .‬وبعد المذاكرة تم‬
‫الر�أي �أن يقدموا االلتما�س للعتبة العلية لي�ؤكد تقرير هذا الترتيب مثبتاً له‪ ،‬وبعد‬
‫((( �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪.44‬‬
‫‪142‬‬
‫رازجلا ةهجاوم يف لماع لبج‬
‫مدة جاء جواب من جانب الدولة بقبول الترتيب المذكور وا�ستح�سانه»(((‪.‬‬
‫وبعد اال�ستح�صال على هذا التثبيت‪ ،‬توجه الجميع �إلى الحاج ح�سن �شيت والم�شايخ‬
‫فرحين م�سرورين حا�صلين على غاياتهم مطمئنين على دمهم ومالهم وعيالهم‪ ،‬وبخروجهم‬
‫من عكا �أر�سل قدامهم المب�شرون ل�سائر البالد‪ ،‬ففرح الجميع بذلك فرح ًا عظيم ًا‪ .‬وحا ًال‬
‫ح�ضر ال�ستقبالهم وعملت الأفراح في منازلهم وا�ستولوا على الإقليم (ال�شومر)‪ .‬وكل منهم‬
‫�أي الم�شايخ ا�ستقام في كل معي�شة �سالم ًا �آمن ًا‪� .‬أما �أهالي البالد فقد فرحوا بدورهم فرح ًا‬
‫عظيم ًا لخال�صهم من تلك الباليا التي كانت م�صادفتهم منهم(((‪.‬‬
‫لقد ارت ّدت حركة الطياحة العاملية‪� ،‬إلى مواقف داخلية تنال من �سلطة م�شايخ �آل‬
‫ال�صغير‪ .‬بخا�صة‪ ،‬بعد �أن ر�أت هذه الجماعة العاملية وجودها مهدد ًا‪ ،‬جراء تواجد‬
‫«الأغراب» الذين ا�ستقدمهم الجزار من �أكراد و�أرنا�ؤوط‪ ،‬وبعد �أن طعن انت�صار‬
‫الجزار ‪ ،1780‬بالعاملية التي برزت زاهية زمن نا�صيف الن�صار‪ .‬وم�ستويات المواجهة‬
‫في المواقف هذه‪ ،‬كانت تت�سنن با�ستمرار‪ ،‬مع اال�ستنزاف ال�ضرائبي من قبل الجزار‬
‫با�شا‪ ،‬وال �سيما‪ ،‬و�أن المرحلة الممتدة ما بين ‪ 1790‬و ‪ ،1830‬عرفت انخفا�ض ًا م�ستمر ًا‬
‫في قيمة النقد‪ ،‬حيث انخف�ض �سعر قطع القر�ش في المرحلة المذكورة‪ ،‬بن�سبة خم�سة‬
‫((( يف�صل ال�شيخ �سليمان ظاهر‪ ،‬ما �أجمله �إبراهيم العورة‪ ،‬فيورد وثيقة ا�ستح�صل عليها‪ ،‬وهذا ن�صها‪:‬‬
‫بيان بالمحالت التي �أنعمنا بها على ولدنا ال�شيخ فار�س النا�صيف وباقي حمولة �آل ال�صغير وعلى م�شايخ حمولة ال�صعبية ب�أجمعهم‬
‫وعلى م�شايخ حمولة المناكرة ب�أجمعهم‪ ،‬مع ح�سين ابن جواد المن�صور لأجل معا�شهم‪ :‬الم�صرية‪ ،‬مطحنة المغيرية‪ ،‬الوا�سطة‪،‬‬
‫الو�سامية التحتا‪ ،‬الخرائب‪ ،‬جمجيم‪ ،‬ارزية‪ ،‬مغراقة القا�سمية‪� ،‬سينية‪ ،‬دير تقال‪ ،‬القاقعية‪ ،‬المروانية‪ ،‬الزرارية‪ ،‬عدلون‪ ،‬الو�سامية‬
‫الفوقا‪ ،‬البي�سارية‪ ،‬خربة الدوير‪ ،‬عين �أبو عبد اهلل‪� ،‬شتوية العربان‪ ،‬البابلية‪ ،‬الداوودية‪ ،‬براك الدوير‪� ،‬أعداد ماعز العربية‪ ،‬القرية‪،‬‬
‫الحارثية‪ ،‬مزرعة النبي �ساري‪ ،‬زيتون المروانية‪ ،‬تفاحتا‪ ،‬الغ�سانية‪ ،‬مغارة محيدلة‪� ،‬سمينة العربان‪ ،‬ال�سك�سكية‪ ،‬الياهودية الجديدة‪،‬‬
‫زيتون الزرارية‪ ،‬اللوبية‪ ،‬الكوثرية‪ ،‬كفربدة‪ ،‬زيتون القاقعية‪ ،‬زيتون الم�شعراني‪ ،‬زيتون البابلية‪ .‬العرفان‪ ،‬م ‪� ،37‬ص ‪ 379‬ـ ـ ‪.380‬‬
‫ويورد ال�شيخ �سليمان ظاهر كذلك �صفحة ‪ ،377‬من المرجع نف�سه‪� ،‬صكا �آخر با�سم محمد النا�صيف المعار�ض لل�شيخ فار�س‪ .‬وهذا ن�صه‬
‫من بعد المقدمة‪� :‬سمحنا للمذكور في قرية الطيبة يت�صرف بمو�سمها هذا العام‪ ،‬وفي العام القابل يم�شيها من كي�سه وي�ستغلها من غير‬
‫ميري فال تقار�شوه بالقيمة المذكورة‪ ،‬وقد �أمرنا للمذكور ب�إنعام في كل �شهر ‪ 500‬غر�ش‪ .‬وكذلك �أمرنا له بع�شرة غرار حنطة وع�شر غراير‬
‫�شعير‪ ،‬وكذلك �سمحنا �إلى �أخيه ال�شيخ ن�صار النا�صيف و�إلى �أ�سعد الخليل و�إلى هادي المقبل في قرية طيرفلي�سيه مطلقا يت�صرفوا بها بهذا‬
‫العام ويم�شوها على كي�سهم في المقبل و�أمرنا للمنكورين ب�أنعام �شهرية ‪ 90‬غر�ش في ال�شهر وحين طلوع الخير تنقطع ال�شهرية المذكورة»‪.‬‬
‫((( الحديث عن « �شروط ال�صلح» م�أخوذ من �إبراهيم‪ ،‬العورة‪ :‬م�صدر مذكور‪� ،‬ص ‪ 44‬ــ‪ .48‬الفقرات المو�ضوعة بين مزدوجين‬
‫م�أخوذة بن�صها الحرفي‪.‬‬
‫‪143‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�أ�ضعاف‪ ،‬وهي الن�سبة نف�سها التي لحقت بارتفاع ال�ضرائب‪ .‬ولكن االتجاهين‪ ،‬كما يرى‬
‫�شيفالييه‪ ،‬لم يكن ليعو�ض �أحدهما الآخر‪.‬‬
‫هذه العنا�صر جميعها‪ ،‬يجمعها قا�سم م�شترك �أ�سا�سي‪،‬هو الطابع «الخارجي‬
‫للم�صدر»‪ .‬وهذا الهجوم الخارجي‪ ،‬كان يتكفل بردة‪ ،‬في الظاهر‪ ،‬طوال مراحل العالقة‬
‫ال�سابقة المعنية وال�شهابية مع جبل عامل‪ ،‬م�شايخ المنطقة وعلى ر�أ�سهم �آل ال�صغير‪.‬‬
‫وب�إزاء هذا الحدث الخارجي‪ ،‬و�صول الجزار �إلى �سدة البا�شوية في عكا‪ ،‬لم تكن‬
‫المجموعتان‪ ،‬الم�شايخ والفالحون‪ ،‬تمتلكان ردات فعل متوازية واحدة لكل الم�شاكل‬
‫الناجمة عنه‪ .‬فبينما «انتظم» الم�شايخ في قوافل باتجاه بعلبك والعراق‪« ،‬انتظم»‬
‫الفالحون في طياحة م�سلحة‪ ،‬ولمدة طويلة (‪� 24‬سنة)‪ ،‬لأن لي�س هناك خيار �آخر‪ .‬وقد‬
‫كانت الأحداث ال�سيا�سية والع�سكرية ال�سابقة‪ ،‬في مرحلة نا�صيف الن�صار‪« ،‬خميرة»‬
‫للعامليين في طياحتهم هذه‪ ،‬والتي تحررت مع هروب الم�شايخ‪ ،‬من كل تبعية داخلية‬
‫اجتماعي ًا و�سيا�سي ًا واقت�صادي ًا‪ .‬وهذا ال�شكل من المبادرة‪ ،‬لي�س جديد ًا على المنطقة‬
‫عموما‪ ،‬فقد برز في جبل لبنان بقيادة �أبو �سمرا غانم مع ت�صفية �إبراهيم با�شا‪ .‬كما‬
‫برز تكرار ًا في حركات الأعوام ‪ 1841‬و ‪ 1845‬و ‪ 1850‬و ‪ ،1851‬و�إن كانت الأمور‪ ،‬ال‬
‫تتعدى بدايتها في كثير من الأحيان‪ .‬كما برز ذلك وا�ضح ًا‪ ،‬في �أوا�سط ت�شرين العام‬
‫‪ ،1841‬جواب ًا على تخاذل المقاطعجية الموارنة في ك�سروان‪ ،‬وعجزهم عن نجدة موارنة‬
‫ال�شوف وم�سيحيي زحلة‪ .‬ولكن عفوية البداية لحركة الطياحة العاملية‪ ،‬ومع ديمومتها‬
‫مدة طويلة‪ ،‬ومع ت�صدي العائالت الو�سطى للقيادة‪ ،‬تحولت في ما بعد‪� ،‬إلى �شيء من‬
‫التنظيم‪ ،‬وهوالذي تجلى �أخير ًا في كون الحاج ح�سن �شيت المفاو�ض الأول با�سم الطياح‪.‬‬
‫‪144‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫النهضة العلمية الثانية في جبل عامل‬
‫بعد نهاية حكم أحمد باشا الجزار‬
‫الشيخ حسن بغدادي‬
‫مقدمة‪:‬‬
‫لع ّل النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل التي قامت بعد حكم ال�س ّفاح �أحمد با�شا‬
‫الجزار ال تق ّل �أهمية عن النه�ضة العلمية الأولى التي تحققت على يد ال�شهيد الأول ال�شيخ‬
‫محمد بن مكي الجزيني �أوا�سط القرن الثامن هـ‪ ،‬والبحث حول النه�ضة العلمية الثانية هي‬
‫التي دعتني �إلى �إقامة م�ؤتمر حول المجرم �أحمد با�شا الجزار الوالي العثماني في عكا‪،‬‬
‫والذي هلك �سنة ‪1219‬هـ‪ ،‬بعد �أن د ّمر العباد والبالد و�أهلك العلماء قت ًال وتعذيب ًا‪ ،‬هذا‬
‫ناهيك عن حرقه لآالف المكتبات العلمية والمخطوطات وتهجيره للعلماء عن جبل عامل‪.‬‬
‫ال�شيء الآخر‪ ،‬عندما نتحدث عن جبل عامل في معر�ض حديثنا عن النه�ضة‬
‫العلمية‪ ،‬فهي بالت�أكيد �شاملة لكثير من العلماء الذين هم من خارج دائرته الجغرافية‪،‬‬
‫ونحن نق�صد بجبل عامل دائم ًا (الحا�ضرة العلمية) مثل النجف الأ�شرف‪� ،‬أو الحلة‪،‬‬
‫وقم المقد�سة‪ ،‬ولم ت ُعد هناك ثمرة علمية للبحث عن حدوده الجغرافية ف�إنّ �أ�صحاب‬
‫‪145‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫التراجم والم�ؤرخين تحدثوا كثير ًا حول هذا المو�ضوع‪ ،‬وبات الحديث عنه مجرد تكرار‪،‬‬
‫وما يه ّمنا نحن في الكالم عن علماء ال�شيعة في لبنان هو �أنهم انتموا �إلى جبل عامل‬
‫كحا�ضرة علمية‪ ،‬وهذا ما ن�سبوه �إلى �أنف�سهم �سواء كانوا من كرك نوح �أو بعلبك‪� ،‬أو‬
‫الهرمل‪ ،‬وبتقديري لع ّل من�ش�أ الإلتبا�س عند من ذهب �إلى التو�سعة في الدائرة الجغرافية‬
‫لجبل عامل لي�شمل مناطق بعيدة عنه‪ ،‬كان ناظر ًا لما �أطلقوه على �أنف�سهم من لقب‬
‫(العاملي)‪.‬‬
‫محور بحثي في هذا الم�ؤتمر ال�سابع (النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل بعد‬
‫النكبة)‪ ،‬وحتى نتع ّرف على النه�ضة العلمية التي انطلقت بعد هالك ال�س ّفاح �أحمد با�شا‬
‫الجزار �سنة ‪ 1219‬هـ‪ ،‬ال ُب ّد و�أن نط ّل �سريع ًا على النه�ضة العلمية التي ت� ّأ�س�ست في جبل‬
‫عامل على يد ال�شهيد الأول كي نربط بين هاتين النه�ضتين‪ ،‬حيث ا�ستمرت النه�ضة‬
‫الأولى من �أوا�سط القرن الثامن هـ‪� ,‬إلى �أواخر القرن الثاني ع�شر‪.‬‬
‫المنطقة في عهد ال�شهيد الأول كانت محكومة ل�سلطة المماليك وكانت هناك‬
‫عالقة طيبة لل�شهيد الأول مع هذه ال�سلطة عبر واليهم في دم�شق‪ ،‬ولي�س الآن مجال‬
‫البحث في كيفية �إقامة هذه العالقة وكيف دفع ال�شهيد الأول الثمن ج ّراء التب ّدل في‬
‫حكم المماليك‪ ..‬هذا المو�ضوع ي�أتي في مكان �آخر‪ ،‬لكن ما يه ّمني الآن‪ ،‬هو �أنّ ال�شهيد‬
‫ا�ستفاد من هذا المناخ لأجل ت�أ�سي�س م�شروع يقوم على �أ�سا�س حفظ جبل عامل وجعله‬
‫كيان ًا لتظهر �آثاره الحق ًا‪ ،‬وهذا ما كان ليتحقق �إ ّال ب�إقامة حا�ضرة علمية على ربوعه‬
‫وخ�صو�ص ًا �أنه كان يرزخ تحت الإحتالل ال�صليبي حوالي (قرنين من الزمن)‪ ،‬وما كان‬
‫لي�صمد هذا الجبل �أمام العوا�صف المختلفة التي م ّرت على المنطقة ولم يكن ليتح ّول‬
‫�إلى قاعدة كبرى في �سماء العالم الإ�سالمي لوال هذا الح�ضور العلمي الذي و ّلد الثقافة‬
‫والفكر والجهاد للمحافظة على الهوية‪ ،‬فقد تح ّول هذا الجبل �إلى مركز كبير �ساهم‬
‫بن�شر فكر وفقه �أهل البيت ‪ ،R‬ولوال هذه النه�ضة العلمية لما تمك ّنا نحن اليوم من‬
‫القيام بهذا الدور المذهل‪ ،‬من هزيمة العدو الإ�سرائيلي ومواجهة الإحتالل الأمريكي‬
‫‪146‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫للمنطقة ومن و�ضع حد للخطر التكفيري‪.‬‬
‫هذه النه�ضة العلمية ما كانت لتب�صر النور لو بقي ال�شهيد الأول في قريته (جزين)‬
‫يدر�س على �أبيه ووالد زوجته ال�سيد علي ال�صائغ‪ ،‬فنحن ال ننكر وجود علماء في جبل‬
‫عامل قبل ع�صر ال�شهيد الأول(((‪ .‬ولكنهم لم يرتقوا �إلى �إطالق حا�ضرة علمية تجعلها‬
‫ت�ستغني عن الذهاب �إلى حوزات �أخرى كالح ّلة مث ًال‪ ،‬من هنا نجد ال�شهيد كان يتطلع‬
‫بنور الب�صر والب�صيرة �إلى م�ستقبل زاهر لهذا الجبل ليكون منارة في �سماء العالم‬
‫الإ�سالمي‪ ،‬وهذا الذي جعل ال�شهيد ُيغادر بلدته (جزين) �إلى مدينة الح ّلة بالعراق حيث‬
‫مدر�سة العالمة الحلي‪ ،‬والتي لها الف�ضل الأول على النه�ضة العلمية والفكر الوحدوي‬
‫في م�شروع التقريب على جبل عامل والمنطقة فالعالمة الح ّلي توفي �سنة ‪726‬هـ‪ ،‬ولكن‬
‫مدر�سته ا�ستمرت بنهجها العلمي والفكري والوحدوي بتالميذه و�أبرزهم نجله (فخر‬
‫المحققين)‪.‬‬
‫بقي ال�شهيد الأول في الحلة �إثنتي ع�شرة �سنة در�س فيها على فخر المحققين وعدد‬
‫�آخر(((‪ ،‬وخرج من الحلة وهو يحمل �شهادة من �أ�ستاذه يعتز بها عندما قال‪�« :‬إنني‬
‫مما ا�ستفاد مني»(((‪.‬‬
‫ا�ستفدت منه �أكثر ّ‬
‫والذي ي�ؤكد هذا الن�ضوج الفكري عند ال�شهيد الأول �أ ّنه لم يكتف بما حاز عليه‬
‫في مدر�سة (الحلة)‪ ،‬و�إنما ق ّرر المزيد من القراءة على علماء المذاهب الإ�سالمية‬
‫المنت�شرين في عوا�صم العالم العربي‪ ،‬وفي نف�س الوقت كي ت�شكل هذه العالقة فر�صة‬
‫لن�شر الفقه الجعفري ولإقامة م�شروع التقريب بين المذاهب الإ�سالمية‪ ،‬القائم‬
‫على (الفقه المقارن) ولكن لي�س من بوابة كتابة الفقه‪ ،‬كما فعل ال�شيخ الطو�سي في‬
‫((( كان في جبل عامل علماء قبل النه�ضة العلمية التي �أطلقها ال�شهيد الأول‪ ،‬فوالده ال�شيخ مكي وجده ال�شيخ محمد بن حامد كانا‬
‫من العلماء وامتدحهما الحر العاملي في �أمل الآمل وع ّبر عنهما بالثقاة‪ .‬و كان �أقدم من وجد في جبل عامل ال�شيخ بن طومان‪.‬‬
‫((( ) و�صل ال�شهيد الأول �إلى مدينة الح ّلة بالعراق وكما هو المعروف �إبن (�ست ع�شرة �سنة) وكان الم� ّؤ�س�س للحوزة العلمية‬
‫الع ّالمة الح ّلي قد توفي �سنة ‪727‬هـ قبل �أن يولد ال�شهيد الأول والتي ا�ستمرت بتالميذه وفي مقدمتهم (فخر المحققين) الذي‬
‫تخ ّرج ال�شهيد الأول عليه‪.‬‬
‫((( نقل هذه ال�شهادة كل من ترجم لل�شهيد الأول ومنها �أعيان ال�شيعة ج‪� 14‬ص ‪. 371‬‬
‫‪147‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫(الخالف) و�إنما من خالل الدر�س والمباحثة و�إقامة المجال�س العلمية كما �صنع في‬
‫عوا�صم العالم العربي وبالأخ�ص في (دم�شق)‪ ،‬وهذا ما قاله في �إجازته البن الخازن‬
‫الحائري‪�« :‬إني قر�أت على �أربعين �شيخاً من علماء �أهل ال�سنة»(((‪.‬‬
‫هذا الإنجاز ظهرت �آثاره في (جزين)((( بعدما �ش ّيد حوزة علم ّية خ ّرجت الع�شرات‬
‫من المجتهدين‪ ،‬والتي ع ّبر عن هذا الإنجاز الحر العاملي في �أمل الآمل‪�« :‬أنه �صلى‬
‫على �إحدى الجنائز في �إحدى القرى في جبل عامل في عهد ال�شهيد الأول �سبعون‬
‫مجتهداً»‪.‬‬
‫هذه النه�ضة العلمية التي ا�ستمرت زهاء �أربعة قرون لم تكن بمن�أى عن الم�ضايقات‬
‫ن�ص �صريح لحفيد ال�شيخ ح�سن‬
‫والبغي من الوالة والتابعين للحكم العثماني‪ ،‬وهناك ّ‬
‫�صاحب المعالم ال�شيخ علي في كتابه (الدر المنثور)((( يقول فيه‪ّ �« :‬إن �أهل البغي في‬
‫جباع حرقوا لي ولأبي ال�شيخ محمد ولجدي ال�شيخ ح�سن ولأبيه ال�شهيد الثاني ما‬
‫يزيد على الألف كتاب ومخطوطة من �أنف�س المخطوطات»‪.‬‬
‫وا�ستمرت هذه النه�ضة العلمية من خالل ذرية ال�شهيد الأول والذين ُعرفوا ب�آل‬
‫�شم�س الدين الحق ًا‪ ،‬وا�ستمروا بطلب العلم �إلى يومنا هذا وانت�شروا في القرى والمناطق‪،‬‬
‫م�ضاف ًا لطالبه‪ ،‬والذين ارتقوا الحق ًا �إلى ت�أ�سي�س مدار�س علمية كان لها ح�ضورها‬
‫وفعاليتها‪ ،‬وكرك نوح في القرنين التا�سع والعا�شر هـ كانت من �أهم المدار�س ولكنها لم‬
‫ُيكتب لها البقاء ب�سبب رحيل �أ�ساتذتها �إلى �إيران في العهد ال�صفوي‪ ،‬وكذلك نه�ضت‬
‫مدر�سة (مي�س) على يد المحقق ال�شيخ علي المي�سي وكان من تالميذها ال�شيخ زين‬
‫الدين الجباعي (ال�شهيد الثاني) وال�سيد عز الدين ح�سين المو�سوي جد ال�سيد محمد‬
‫�صاحب المدارك‪ ،‬وجاءت مدر�سة ال�شهيد الثاني في �أوا�سط القرن العا�شر هـ‪ ،‬لتُثبت‬
‫((( دم�شق كانت تُعتبر مركز ًا كبير ًا على ال�صعيد العلمي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا انها تُ�ش ّكل ح�ضور ًا لوالي ال�سلطة الحاكمة والتي �أراد ال�شهيد‬
‫�أن ي�ستفيد من هذه العالقة‪� .‬سنة ‪ 784‬هـ والمثبتّة في بحار الأنوار ‪. 39/25‬‬
‫((( �أورد هذا الن�ص الحر العاملي في كتاب �أمل الآمل ج‪.1‬‬
‫((( الدر المنثور ج ‪� 2‬ص ‪. 338‬‬
‫‪148‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫تلك النه�ضة والتي �إ�ستمر معها الح�ضور العلمي �إلى �أواخر القرن الثاني ع�شر هـ‪ ،‬عندما‬
‫توفي العالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب مدر�سة (�شقراء) والتي كانت‬
‫من المدار�س الأ�سا�س ّية في تلك المرحلة وكانت ت�ضم على رواية الم�ؤرخ ال�شيخ علي‬
‫ال�سبيتي �أكثر من ثالثمائة طالب((( ومن بينهم �إبن �أخيه ال�سيد جواد الح�سيني �صاحب‬
‫مفتاح الكرامة في الفقه‪ ،‬حيث ذهب �إلى النجف الأ�شرف وبقي هناك على �أثر قيام‬
‫حكم الجزار‪ ،‬وكان له دور �أ�سا�سي في النجف �سواء من الناحية العلمية مع المولى‬
‫الوحيد البهبهاني وال�سيد مهدي بحر العلوم وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء‪� ،‬أو من‬
‫ناحية حفظ النجف من الهجوم الوهابي عليها(((‪.‬‬
‫و�أ�ستطيع القول �أنه بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني ‪ 1194‬هـ‪ ،‬وقتل‬
‫الن�صار في معركته مع الجزار في (يارون) ‪ 1195‬هـ‪ ،‬وعدوان‬
‫الأمير ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫جي�ش الجزّار على قرية (�شحور) ‪ 1198‬هـ‪ ،‬وقتل العالمة ال�سيد �أبو البركات هبة اهلل‬
‫نجل ال�سيد �صالح المو�سوي((( ثم �سجن ال�سيد �صالح في (عكا) وهروب علماء جبل‬
‫عامل �إلى خارج البالد‪� ،‬إنتهى جبل عامل كحا�ضرة علمية‪.‬‬
‫الدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء جبل عامل‪:‬‬
‫وقبل الحديث عن المدار�س التي �شكلت بمجموعها النه�ضة العلمية الثانية‪ ،‬ال ُب ّد من‬
‫�إطاللة �سريعة على الدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء هذا الجبل قبل النكبة و�أثنائها‬
‫((( ‪ ) 8‬ال�سبيتي – في كتابه الجوهر المجرد‪.‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 6‬ص ‪ 404‬ان ال�سيد جواد الح�سيني كان من العلماء الحا�ضرين بقوة للدفاع عن النجف الأ�شرف في وجه‬
‫الذب عن النجف الأ�شرف حيث ع ّبر عن النجف (ببي�ضة الإ�سالم)‪.‬‬
‫العدوان الوهّ ابي‪ ،‬و�ص ًنف ر�سالة فقهية في وجوب ّ‬
‫((( بغية الراغبين ج‪� 1‬ص‪ 129‬ال�سيد �صالح المو�سوي نجل ال�سيد محمد الذي قدم من قرية (جباع) �إلى بلدة �شحور و�سكن‬
‫فيها‪ ،‬ويعود ن�سبه �إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي �أخي ال�سيد محمد (�صاحب المدارك)‪ ،‬عندما وقعت نكبة �شحور اعتقل‬
‫الجزار ال�سيد �صالح و�سجنه في (عكا) مع عدة �أ�شخا�ص وو�ضعوهم في (طامورة) تحت الأر�ض بات ال يم ّيز فيها (الليل من‬
‫النهار) حتى �ضاق �صدره فقال للذين معه‪�« :‬أنا �س�أدعوا اهلل تعالى بدعاء الطائر الرومي و�أنتم �أ ّمنوا»‪ ،‬وما �أن �أكمل دعاءه حتى‬
‫فتح اهلل تعالى لهم باب ال�سجن وهربوا‪ّ ،‬ثم غادر �إلى العراق ولم يرجع �إلى جبل عامل وبقي ن�سله موزع ًا بين �إيران والعراق‬
‫حيث �أ�صبحوا علماء �أعالم و�صاروا ينت�سبون �إلى �آل ال�صدر ن�سبة �إلى ولده ال�سيد �صدر الدين‪ ،‬و�أ ّما �أخوه ال�سيد محمد بقي‬
‫في �شحور فكان �آل �شرف الدين منه‪.‬‬
‫‪149‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫كي نتعرف على حجم الأ�ضرار التي لحقت بهذه المنطقة‪ ،‬وعلى �أهمية الدور الذي قام‬
‫به علما�ؤنا بعد نكبة جبل عامل‪.‬‬
‫فجبل عامل لم يكن محكوم ًا مبا�شرة من قبل العثمانيين و�إنما كان يحكمه �أمراء‬
‫ُي�س ّمونهم (الم�شايخ) ع ّينهم العثمانيون وكانت مهمتهم جبي ال�ضرائب وجلب ال�شباب‬
‫مق�سم ًا �إلى ثالث مقاطعات‪ ،‬كما جاء في كالم‬
‫للإلتحاق بالجندية‪ ،‬وكان جبل عامل ّ‬
‫المرحوم ال�سيد ح�سن الأمين في الندوة التي �أقامتها جمعية الإمام ال�صادق ‪Q‬‬
‫في ‪ 1995/12/10‬م حول ال�شاعر ال�شيخ �إبراهيم يحيى وم ّما قاله‪« :‬كان جبل عامل‬
‫في ع�صر ال�شيخ �إبراهيم يحيى واحداً من المقاطعات التابعة للحكومة العثمان ّية‬
‫في بالد ال�شام التي ال تخ�ضع لحكم عثماني مبا�شر بل كان الوالة يلزمون �إدارات‬
‫المقاطعات الجبل ّية �إلى زعيم ع�صبية محل ّية‪ ،‬وكان جبل عامل يتبع والية �صيدا‬
‫ويتولى �إدارة مقاطعاته مجموعة من الم�شايخ يقيم كل منهم في �إحدى تلك‬
‫المقاطعات مع �أتباعه المزارعين الذين يتعهدون �أر�ض المقاطعة لح�سابه»‪.‬‬
‫وينتمي ه�ؤالء الم�شايخ �إلى ثالث �أ�سر �إقطاع ّية لها ال�سيادة الأولى في البالد وهم‪:‬‬
‫بنو �صعب في ال�شقيف وبنو منكر في ال�شومر والتفاح و�آل ال�صغير في بالد ب�شارة‪.‬‬
‫والرئا�سة العامة في هذا المجموع هي لآل علي ال�صغير‪ .‬وكان كل �شيخ بمقدوره عند‬
‫الحاجة �أن يج ّند ما ي�ستطيع تجنيده حتى �إذا اجتمعوا مع ًا �ش ّكلوا ق ّوة قتالية قوامها �ستة‬
‫�آالف مقاتل‪ ،‬معظمهم من الفر�سان ا�شتهروا في �سوريا كلها ب�شجاعتهم النادرة التي‬
‫�شهد لهم بها معا�صروهم من الفرن�س ّيين‪ ،‬وقد �أ�شار �إلى ذلك الدبلوما�سي الفرن�سي‬
‫مما جعلهم ينت�صرون على‬
‫بارادي�س بقوله‪�« :‬شاهدناهم يقاتلون بترتيب ونظام ّ‬
‫�أعدائهم الذين يفوقونهم عدداً»‪.‬‬
‫و�شهد جبل عامل في الن�صف الأول من القرن الثامن ع�شر �إزدهار ًا �إقت�صاد ّي ًا بارز ًا‬
‫التجار الأوروبيين بالإ�ضافة �إلى م�صر‪.‬‬
‫خ�صو�ص ًا نتيجة ن�شاط ّ‬
‫التجار الفرن�س ّيون يتّ�صلون مبا�شرة بم�شايخ القرى و�صاروا يدفعون له�ؤالء‬
‫كما �أخذ ّ‬
‫‪150‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫ثمن قطنهم �سلف ًا‪ .‬ف�أ ّدت هذه العالقة �إلى ازدياد الم�ساحة المزروعة قطن ًا وا�شتهرت‬
‫بلدة �أن�صار بجودة �إنتاجها من هذا المح�صول‪.‬‬
‫وبازدياد مداخيل م�شايخ جبل عامل نمت قوتهم الع�سكر ّية وازداد نفوذهم ال�سيا�سي‪،‬‬
‫الن�صار الذي اتخذ من قلعة (تبنين) مق ّر ًا له‪ .‬وا�ستطاع‬
‫ّ‬
‫وتزعم �شيخ الم�شايخ نا�صيف ّ‬
‫مع باقي الم�شايخ ترميم القالع العامل ّية وتزويدها بالأ�سلحة والذخائر‪ .‬وتم ّنعوا عن دفع‬
‫ال�ضرائب لوالي �صيدا ك ّلما حاول �أن يجبي منهم �أكثر من تلك المق ّررة عليهم‪.‬‬
‫ال�شيخ نا�صيف الن�صار كان ُيطلق عليه �أمير الأمراء و�شيخ م�شايخ جبل عامل‪ ،‬وكان‬
‫رج ًال عاق ًال حكيم ًا حليم ًا �شجاع ًا وكان يمتلك من الحلم مع خ�صومه و�أعدائه ما جعله‬
‫في م�صاف الرجال القادة((( وتاريخه في جبل عامل ُم�ش ّرف وعليه �إجماع الم�ؤرخين‪،‬‬
‫(((‬
‫فعا�ش قائد ًا �شهم ًا وارتحل بط ًال �شهيد ًا على يد الجزار في معركة يارون ‪1195‬هـ‬
‫وبقتله �إنزاحت عقبة كبيرة من �أمام هيمنة الجزار على جبل عامل‪ ،‬لي�س المجال البحث‬
‫ال�شهم فال�سيد عبد الح�سين‬
‫الن�صار �أو عن مرحلته‪ ،‬و�صف ال�شيخ نا�صيف بالرجل‬
‫ّ‬
‫((( فك ّل من كتب عن الأمير ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫�شرف الدين في بغية الراغبين ج‪� 1‬ص ‪ 131‬قال‪« :‬وكان نا�صيف �صادق الب�أ�س‪ ،‬جميع القلب‪ُ ،‬م�س ّعر الحرب‪ ،‬وخ ّوا�ض غمرات»‪.‬‬
‫كان عنوان تلك المرحلة الإ�ستثنائية التي م ّر بها جبل عامل‪ ،‬طبع ًا من دون ان نن�سى �أن جبل عامل بك ّل ح�ضوره العلمي والفكري‬
‫والجهادي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا تلك المرحلة كان يعي�ش الإزدهار العلمي والإقت�صادي والجهادي‪ ،‬وهذا ببركة الحا�ضرة العلمية التي‬
‫� ّأ�س�سها علماء هذا الجبل م�ضاف ًا لقيادة بع�ض الأمراء كال�شيخ نا�صيف‪ ،‬ففي �سنة ‪ 1185‬هـ بعدما ا�ستطاع ال�شيخ نا�صيف‬
‫وبالإتفاق مع ال�شيخ ظاهر العمر في فل�سطين و�أبو الذهب من م�صر‪� ،‬أن ي�سقطوا الوالي العثماني في �سوريا (عثمان با�شا)‬
‫وبالفعل لوال خيانة �أبو الذهب وعودة قواته �إلى (م�صر) لكانت المنطقة قد ا�ستعادت حريتها بالكامل عن ال�سلطة العثمانية‪،‬‬
‫م ّما ا�ضطر ال�شيخ نا�صيف الن�صار وظاهر العمر �إلى الإن�سحاب والعودة �إلى جبل عامل وفل�سطين‪ .‬وبعودة الوالي العثماني �إلى‬
‫(دم�شق) مجدد ًا ق ّرر الإنتقام من ال�شيخ نا�صيف ومن �أهالي جبل عامل بالتحديد‪ ،‬ولكن من دون �أن يمتلك جر�أة المواجهة‬
‫وجه ًا لوجه‪ ،‬فلم ي�أت عن طريق (�صيدا) لذا جاء عن طريق (بحيرة الحولة) جهة فل�سطين ال ُمط ّلة على جبل عامل وذلك‬
‫بع�شرة �آالف مقاتل بكامل عدتهم‪ ،‬وعلى (قاعدة ما ُغزي قوم في عقر دارهم �إ ّال ذل ّوا) ق ّرر ال�شيخ نا�صيف �أن ينتخب عدة‬
‫مئات من بوا�سل جي�شه ليواجه بهم الوالي العثماني بغارة �سريعة تق�صم ظهره وتترك جي�شه ال يلوي على �أحد‪ ،‬وقبل �أن ي�صل‬
‫�إلى حدود المواجهة م ّر على بلدة (بليدة) الم ّمر الإجباري لتلك المنطقة‪ ،‬فزار المقام المن�سوب �إلى (يو�شع بن نون) وبعد‬
‫�أن �ص ّلى وزار وم�سح عمامته بجدران المقام ال�شريف‪ ،‬نذر �أنه �إذا ن�صره اهلل تعالى على عد ّوه ف�سوف ُيجدّد بناء (المقام‬
‫ال�شريف)‪ ،‬وبالفعل تمكن عدة مئات من بوا�سل جبل عامل �أن يق�ضوا على �أكثر الجي�ش العثماني المج ّهز ب�أحدث المعدات‪،‬‬
‫الن�صار و�سوف‬
‫وهرب الباقي وخ ّلفوا جثث القتلى وال�سالح وكل �أعتدتهم‪ .‬هذا نموذج على طريقة ت�ص ّرف ال�شيخ نا�صيف ّ‬
‫نبحث في مكان م�ستقل حول هذه ال�شخ�صية الإ�ستثنائية و�سنحيي ذكراه بما يليق ب�ش�أنه �إن�شاء اهلل تعالى‪.‬‬
‫((( وكما جاء في بغية الراغبين ففي ‪� 5‬شوال ‪ 1195‬زحفت على جبل عامل جيو�ش الجزّار‪ ،‬فنهد �إليهم �أمير عاملة ال�شيخ نا�صيف‬
‫الن�صار‪ ،‬ف�إن الجزّار الذي كان قادم ًا �إلى جبل عامل ‪ ، ...‬وكان يتظاهر �أنه قا�صد ًا (ع ّكا) ولي�س جبل عامل ولكن على ما يبدوا‬
‫ّ‬
‫ف�إن ال�شيخ نا�صيف فهم �أنه قا�صد ًا جبل عامل‪ ،‬ولم ينتظر حتى ي�ستدعي بقية الأمراء والجند‪ ،‬فق ّرر المواجهة بمن ح�ضر من‬
‫ع�سكره المتواجد معه وهم حوالي �سبعمائة فار�س وفقد الجزار في هذه المعركة ثلث جي�شه‪.‬‬
‫‪151‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫بالتف�صيل عن هذا الأمير ال�شجاع‪� ،‬إ ّنما ق�صدت الإ�شارة فقط �إلى عالقته الوطيدة‬
‫بعلماء الدين‪ ،‬و�إ ّنهم لم يكن لديهم غ�ضب م�سبق �أو عداء تجاه ه�ؤالء الأمراء‪ ،‬بل كانت‬
‫تجمع فيما بينهم �أكثر الأحيان المودة والعمل على م�صلحة هذا الجبل‪ ،‬ولر ّبما اختلفوا‬
‫لكن �ضمن نقاط محددة مرتبطة بم�صلحة النا�س �أو مخالفة موقف �شرعي‪ ،‬وهذه ميزة‬
‫ُت�سجل لعلمائنا الأجالء‪.‬‬
‫الن�صار‬
‫وعلى �سبيل المثال كانت هناك عالقة وطيدة تربط ما بين الأمير نا�صيف ّ‬
‫والعالمة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب مدر�سة (�شقراء) ال�شهيرة‪ (((،‬وكيف‬
‫كان يحر�ص على الح�ضور الأ�سبوعي لي�صلي الجمعة خلف ال�سيد‪ ،‬حتى �أنّ الم�سجد لم‬
‫يعد يتّ�سع للم�صلين من القرية والقرى المجاورة‪ ،‬مما ا�ضطر ال�سيد �أبو الح�سن لتو�سعة‬
‫الم�سجد الذي هو (الهوية) له�ؤالء النا�س التي تمثل حب الوطن والدفاع عنه �إلى حدود‬
‫الإ�ست�شهاد وهذا ما كان ليكون لوال الم�ساجد‪ ،‬ولما تمكن �أمراء جبل عامل من تجنيد‬
‫الآالف من ال�شباب البوا�سل الحا�ضرين للإ�ست�شهاد للدفاع عن جبل عامل‪.‬‬
‫وقد �أ ّرخ ال�شاعر الكبير ال�شيخ �إبراهيم يحيى تلميذ ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى لهذا‬
‫الم�سجد((( ب�أبيات من ال�شعر‪:‬‬
‫ي����ا ع�����ص��ب��ة ال����دي����ن �أال ف���ان���ظ���روا م����ا �����ش����اده م����ول����ى ال����م����وال����ي ل��ك��م‬
‫�أب���������و الأم�������ي�������ن ال�����ع�����ل�����وي ال������ذي ���ص�� ّي��ر ف���ي ك�����س��ب ال��� ُع���ل���ى ك�سبكم‬
‫�أ���ض��ح��ى خ��ط��ي��ب ال���دي���ن ف���ي ج��ام��ع ق�������د ج�����م�����ع اهلل ب�������ه ����ش���م���ل���ك���م‬
‫ي����ق����ول����ون ف�����ي ت����اري����خ����ه‪�« :‬أم�������������راً ي����ا �أي����ه����ا ال���ن���ا����س ات����ق����وا رب���ك���م»‬
‫((( ينقل ال�سيد الأمين في �أعيان ال�شيعة ج ‪� 15‬ص‪� 66‬أنّ «هناك عالقة وطيدة كانت تربط بين الأمير ال�شيخ نا�صيف وبين ال�سيد‬
‫أهم مدر�سة دينية في تلك المرحلة‪ ،‬فعندما توفي حزن عليه كثير ًا»‪ .‬من خالل هذه‬
‫�أبو الح�سن مو�سى الح�سيني �صاحب � ّ‬
‫العالقة نفهم طبيعة ال�شيخ نا�صيف الن�صار ونظرته �إلى علماء الدين‪ ،‬ونفهم �أي�ض ًا عالقة علماء الدين بالأمراء و�أنها لم تكن‬
‫محكومة بتوتر م�سبق‪ ،‬وعندما كانت ت�ضطرب �إ ّما نتيجة �إختالف بالر�ؤى في بع�ض الأحيان �أو لأجل مخالفة حكم �شرعي‪.‬‬
‫((( ال�شيخ �إبراهيم يحيى من بلدة (الطيبة) من قرى جبل عامل‪ ،‬وكان �شاعر ًا كبير ًا ومن تالميذ مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى‬
‫الح�سيني‪ ،‬ومن الذين هربوا �إلى خارج جبل عامل بعد وقوع النكبة والقى من الم�صاعب كثير ًا في الطريق وتوفي في دم�شق‬
‫�سنة ‪ 1212‬هـ قبل هالك الجزار ودفن في باب ال�صغير‪ .‬و�أ ّرخ عدة �أبيات بتاريخ بناء الم�سجد الذي �ش ّيده ال�سيد �أبو الح�سن‬
‫مو�سى الح�سيني �سنة ‪ 1182‬هـ �أعيان ال�شيعة ج ‪� 15‬ص ‪.65‬‬
‫‪152‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫وع ّبر ال�سيد الأمين في الأعيان((( عن ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني فقال‪« :‬كان‬
‫ال فقيهاً محدثاً رئي�ساً جلي ً‬
‫عالماً فا�ض ً‬
‫ال مطاعاً عالي ال�ش�أن �إنتهت �إليه الريا�سة‬
‫العامة في البالد العاملية ديناً ودنيا‪ ،‬فبنى المدار�س والم�ساجد ون�شر العلم وتوافد‬
‫عليه الطالب وكان يقيم �صالة الجمعة»‪.‬‬
‫وعندما توفي ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى في ‪/16‬محرم‪ 1194/‬هـ الموافق ‪1780‬هـ‬
‫ق ّرر ال�شيخ نا�صيف �أن يبني على مقامه (قبة) تليق ب�ش�أنه ومقامه ال�شريف وكان قد‬
‫حزن عليه حزن ًا �شديد ًا ومع الأ�سف وقبل �أن تكتمل بناء القبة قتل ال�شيخ نا�صيف ‪1195‬‬
‫هـ و �أمر الجزار بنقل الأحجار الثمينة �إلى (عكا)(((‪.‬‬
‫بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني قام نجله ال�سيد محمد الأمين مقامه‬
‫وتق ّلد من�صب (الإفتاء) لبالد ب�شاره((( وهذا الت�ص ّدي هو م�س�ؤولية دينية و�سيا�سية‬
‫وخ�صو�ص ًا في العهد العثماني‪ ،‬وهو من�صب خطير حيث ُي�شكل في ذلك الزمن �سلطة‬
‫دينية فحكمه نافذ عند الوالة العثمانيين‪ ،‬ولطالما �أ�ساء بع�ض المفتين والق�ضاة لوحدة‬
‫الم�سلمين ونالوا من علماء الدين ومن النا�س كيد ًا وح�سد ًا‪ ،‬وعملوا على تعكير الأجواء‬
‫بين ال�سلطة العثمانية �أو المماليك وبين الم�سلمين ال�شيعة‪ ،‬لهذا كان ت�صدي بع�ض‬
‫علماء ال�شيعة لهذا المن�صب عندما ُتتاح الفر�صة هو من �صلب العمل الديني وال�سيا�سي‬
‫الهادف بعيد ًا عن الأطماع والم�صالح ال�شخ�صية‪ ،‬فال�شيخ ح�سن الحانيني الذي توفي‬
‫‪1035‬هـ كان مت�صدي ًا للإفتاء((( ولم يمنعه زهده وعبادته وطول �سجوده الذي ُعرف به‪،‬‬
‫بل كان ت�صديه لهذا المن�صب للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع الأذى‬
‫عن الم�سلمين هي من �صلب العبادة والزهد‪.‬‬
‫((( في �أعيان ال�شيعة ج ‪� 15‬ص ‪. 64‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 15‬ص ‪. 64‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 13‬ص ‪ 256‬وتوفي في (�شقراء) �سنة ‪ 1224‬هـ‪.‬‬
‫((( كما نقل ال�سيد الأمين في �أعيان ال�شيعة ج ‪� 8‬ص ‪� 245‬أنه كان زاهد ًا وي�ضرب ب�سجوده المثل‪.‬‬
‫‪153‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫كذلك ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني تقلد من�صب الإفتاء((( في جبل عامل ومع ذلك‬
‫مات م�سموم ًا عن �سن ‪� 45‬سنة ب�سبب حكم �شرعي لم ُيهادن فيه الباطل‪ ،‬فه�ؤالء لم‬
‫يتق ّلدوا من�صب الإفتاء لأجل ُمرتّب �شهري �أو لم�صالح �شخ�صية كما هو اليوم في زماننا‪،‬‬
‫فال�سيد محمد الأمين لم يتقلد هذا المن�صب للراحة والأمان والقرب من ال�سلطان‪،‬‬
‫فقد تعر�ض لأ�صعب �إختبار ومهمة ال يقوم بها طالب دنيا وعافية‪ ،‬فبعدما خربت البالد‬
‫جراء حكم الجزار و�سيا�سته المدمرة لجبل عامل‪ ،‬على �أيدي جنوده وقيام ما �أطلق‬
‫عليه حركة (الط ّياح)((( فكانوا يقومون بهجمات على الجنود ومواقعهم لي ًال ويختب�ؤون‬
‫بالنهار بالمغاير‪ ،‬ف�صارت الحياة في جبل عامل ال تطاق‪ ،‬فجاء من يقترح على الجزار‬
‫�إقامة هدنة مع زعماء ه�ؤالء ع َّل البالد تهد�أ ويعود الإن�سجام بين النا�س وال�سلطة كما‬
‫كانت قبل حكم الجزار‪ ،‬ووقع الإختيار على المفتي ال�سيد محمد الأمين((( فقبل الجزار‬
‫العر�ض ب�شرط �أن يترك ولده ال�صغير ال�سيد علي في (عكا) ك�أمانة كيما ُيكمل مهمته‪،‬‬
‫قبل ال�سيد محمد الأمين بهذا الطلب لما فيه من م�صلحة ُعليا للبالد مع ما في هذه‬
‫المهمة من مخاطر على نف�سه وعلى �إبنه الذي و�ضعه بين مخالب الجزار‪ ،‬هذا الموقف‬
‫�سجل لل�سيد محمد الأمين‪ ،‬ف�صحيح �أنه ف�شل في مهمته والجزار لم يلتزم ببنود‬
‫ُي ّ‬
‫المعاهدة والأ�سو�أ �أنه قام ب�سجن ال�سيد محمد الأمين في (عكا)‪ ،‬لكن على قاعدة «رب‬
‫�ضارة نافعة» فقد ن�ش�أت عالقة وطيدة بين نجله ال�سيد علي وعبد اهلل با�شا الذي �أ�صبح‬
‫والي ًا في عهد ال�سيد علي الذي تقلد من�صب الإفتاء بعد عودته من النجف الأ�شرف‪،‬‬
‫و�سوف نتناول هذه الحادثة بعد قليل في معر�ض الحديث عن مدر�سة �شقراء والح�ضور‬
‫ال�سيا�سي والإجتماعي لل�سيد علي محمد الأمين كما فعل والده والدور الذي قام به قبل‬
‫حكم الجزّار وبعده‪ ،‬ولي�س بعيد ًا عن دور ال�سيد محمد الأمين فعلماء �شحور والأمير‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 12‬ص ‪ 179‬ويمتدحه ال�سيد الأمين كثير ًا‪.‬‬
‫((( (الط ّياح) عبارة عن ع�صابات كانت ت�أخذ ال�ضريبة من النا�س‪.‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 13‬ص ‪.256‬‬
‫‪154‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫ال�شيخ حمزة بن محمد الن�صار من �آل علي ال�صغير((( لما ر�أوا ما يقوم به الجزار في‬
‫د�س ال�سم للجزار‬
‫جبل عامل ق ّرروا المواجهة‪ ،‬وهناك رواية تقول‪� :‬أ ّنهم �ص ّمموا على ّ‬
‫المند�سين‪ ،‬لكن الم�ؤ ّكد �أنهم‬
‫وحا�شيته عبر (الط ّباخ) ولكن ك�شف الأمر �أحد المنافقين‬
‫ّ‬
‫هجموا على القلعة حيث مركز (الم�ستلم) فقتلوه‪ ،‬وو�صل الخبر الى الجزار فج ّهز جي�ش ًا‬
‫لمهاجمة (�شحور) فوقعت معركة كبيرة �إ�ستب�سل فيها �أهالي البلدة‪ ،‬ولكن كانت الغلبة‬
‫لجي�ش الجزار لكثرتهم‪ ،‬فقتلوا �أكثر من مئتي رجل ثم ا�ستباحوا البلدة و�ألقوا القب�ض‬
‫على الأمير حمزه بن محمد الن�صار و�أعدموه‪ ،‬وهرب ال�شيخ علي الزين من البالد �إلى‬
‫(الهند)‪ ،‬وبعد فترة تم ّكن عيون (الجزار) من قتل ال�سيد �أبو البركات هبة اهلل واعتقال‬
‫والده ال�سيد �صالح المو�سوي الذي يعود ن�سبه �إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي �أخ‬
‫ال�سيد محمد �صاحب المدارك(((‪.‬‬
‫هذه ع ّينات من مواقف لعلماء جبل عامل عن الدور ال�سيا�سي والإجتماعي والجهادي‬
‫في كل المراحل المختلفة‪ ،‬و�سوف نتحدث بالتف�صيل عن جميع ه�ؤالء العلماء في‬
‫معر�ض حديثنا عن ه�ؤالء ال�سادة وحتى العلماء الذين لم يتم ّكنوا من القيام بمهامهم‬
‫في جبل عامل‪ ،‬نجدهم قد غادروا هذه البالد وقاموا بما هو مطلوب منهم في �أماكن‬
‫�أخرى‪ ،‬فال�شيخ علي الزين بعد نكبة (�شحور) ‪1198‬هـ توجه �إلى (الهند) و�صار �أحد‬
‫الوزراء في الحكومة(((‪ .‬و�أن ي�صل �إلى هذا المركز �شخ�ص ال يعرف اللغة وبعيد عن‬
‫بالده هذا ُيد ّلل على قدرته على المبادرة وقوة ه ّمته وح�ضوره‪ ،‬وهنا نرى ال�سيد جواد‬
‫الح�سيني (�شقراء) بعد موت عمه ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى وقيام حكم الجزّار ينتقل‬
‫�إلى كربالء والنجف الأ�شرف و ُي�صبح من الطبقة التي اكتمل الفقه في عهدههم وهم‬
‫المولى الوحيد البهبهاني وال�سيد مهدي بحر العلوم وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء‪،‬‬
‫((( ) كما ينقل ال�سيد �شرف الدين في بغية الراغبين ج ‪.1‬‬
‫((( ال�سيد علي نور الدين المو�سوي هو الجد الأعلي لآل �شرف الدين و�آل ال�صدر و�آل نور الدين و�آل �أبو الح�سن �إلخ‪.‬‬
‫((( بغية الراغبين ج ‪� 1‬ص ‪131‬‬
‫‪155‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ثم يقوم بدور �إجتماعي وجهادي وخ�صو�ص ًا فيما يخ�ص مواجهة الوهابية عندما ق َّررت‬
‫الهجوم على النجف الأ�شرف‪ ،‬فكان يحر�س مع ال�شباب المقاتلين �سور النجف الأ�شرف‬
‫الذب عن النجف الأ�شرف لأنها ت�شكل بي�ضة‬
‫حتى �أنه �صنف ر�سالة �سماها‪« :‬وجوب ّ‬
‫الإ�سالم»(((‪.‬‬
‫�أو ال�شيخ �إبراهيم يحيى جد ال�شيخ عبد الح�سين �صادق الكبير المق ّد�س وال�شاعر‬
‫الكبير والم� ّؤ�س�س �أول ح�سينية في جبل عامل وذلك في مدينة (النبطية)‪ ،‬كان من بلدة‬
‫(الطيبة) من جبل عامل وكان �شاعر ًا كبير ًا وهو من تالمذة مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن‬
‫مو�سى في (�شقراء) وينقل �أ�صحاب التراجم عن المعاناة التي عا�شها جراء حكم‬
‫الجزار وله ق�صائد ت�ؤ ّرخ لتلك المرحلة وفيها مواقف �سيا�سية فهو لم يهد�أ �أو ي�ستكين بل‬
‫كانت له مواقف وكان يتنقل بين دم�شق وبعلبك وزار العراق و�إيران‪ ،‬توفي في دم�شق كما‬
‫يقول ال�سيد الأمين في الأعيان انه مات ودفن في دم�شق في باب ال�صغير وزار قبره وله‬
‫ق�صيدة يتم ّنى العودة �إلى جبل عامل وي�صف فيها تلك المرحلة التي ق�ضاها في جبل‬
‫عامل‪ .‬وال�سيد �صالح بن ال�سيد محمد �إبراهيم �شرف الدين المو�سوي الذي يعود ن�سبه‬
‫�إلى ال�سيد علي نور الدين المو�سوي والد ال�سيد محمد �صاحب (المدارك) وكيف هرب‬
‫من �سجن(عكا) �إلى العراق ون�سله من �أهل العلم كان لهم دور علمي و�سيا�سي وجهادي‬
‫وعرفوا ب�آل ال�صدر‪.‬‬
‫في العراق و�إيران والزالت �آثارهم �إلى يومنا هذا ُ‬
‫�أكتفي بهذا القدر من النماذج ع ّما كان عليه علما�ؤنا في جبل عامل على �أمل �أن‬
‫نتحدث بالتف�صيل عن جميع ه�ؤالء ال�ساده في مو�سوعتنا �إن�شاء اهلل تعالى‪ ،‬وبهذا نكون‬
‫ق ّدمنا �صورة مخت�صرة عن الدور الذي قام به علما�ؤنا قبل النكبة و�أثناءها‪.‬‬
‫العودة العلمية مجدد ًا �إلى جبل عامل بعد الذي ذكرنا من النه�ضة العلمية الأولى‬
‫والدور ال�سيا�سي والإجتماعي لعلماء جبل عامل‪ ،‬جاء الحديث عن عودة الحياة العلمية‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 6‬ص ‪404‬‬
‫‪156‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫�إلى هذا الجبل حيث الجهود الجبارة التي ُبذلت والتي � ّأ�س�ست لعودة النه�ضة الثانية‬
‫في مختلف المجاالت العلمية واللغوية والأدبية وال�شعر‪ ،‬والتي ال زلنا ننعم بها �إلى‬
‫يومنا وحتى ُنعطي لك ّل ذي حق حقه ويبقى (ال�سابقون ال�سابقون �أولئك المقربون) ف�إنّ‬
‫النه�ضة العلمية الثانية م ّرت بعدة محطات‪:‬‬
‫المحطة الأولى‪ :‬كوثرية ال�سياد ‪ -‬طيردبا ‪� -‬شقراء‬
‫فقد نه�ضت عدة مدار�س متقاربة �إلى بع�ضها في الثلث الأول من القرن الثالث ع�شر هـ‪،‬‬
‫وا�ستكمل الح�ضور العلمي بتالميذ ه�ؤالء الأ�ساتذة الذين �أكملوا هذا الدور‪.‬‬
‫بعد هالك الجزار �سنة ‪1219‬هـ �إ�ستراحت البالد والعباد منه‪ ،‬لكنها لم تكن لتطمئن‬
‫ل�سالمة نهج وفكر الوالي الجديد (�سليمان با�شا)‪ ،‬فقد ذاقت الويالت من الطاغية الجزار‬
‫ما يقرب من ثالثين �سنة‪ ،‬لهذا كان ال ُب ّد للوالي الجديد �أن يعمل على تطمين �أهالي جبل‬
‫عامل‪ ،‬و�أن يفتح �صفحة جديدة من العالقة بين الوالي العثماني و�أهالي جبل عامل‪ ،‬ومع‬
‫ذلك لم ت�ستجب النا�س لدعوته ورغبته حيث كانت تحتمل �أنها مكيدة جديدة للإيقاع‬
‫بهم‪ ،‬لهذا ا�ضطر للتو�سط عند الأمير ب�شير ال�شهابي((( ليقوم بدور الو�سيط مع الأمراء‬
‫والعلماء‪ ،‬والخطوة الثانية هي الإف�ساح في المجال لعودة المدار�س �إلى جبل عامل‪ ،‬بل‬
‫�أكثر من ذلك الم�ساهمة في عودتها‪ .‬ففي عهد �أحمد با�شا الجزار‪ ،‬كان العالمة ال�شيخ‬
‫ح�سن القبي�سي يدر�س في النجف الأ�شرف على �أ�ساطينها منهم ال�سيد مهدي بحر العلوم‬
‫وال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء‪ ،‬وجري ًا على العادة كان ال ُب ّد من العودة �إلى البالد وعدم‬
‫البقاء في العراق �إلى �آخر العمر‪ ،‬لكن ربما وجدنا �إعترا�ض ًا من علماء النجف على عودة‬
‫بع�ض العلماء �أو مغادرتهم النجف لأجل التح�صيل والو�صول �إلى �سدّة الرئا�سة الدينية كما‬
‫((( كما ينقل محمد جابر �آل �صفا من تاريخ جبل عامل �ص ‪ ،241‬ب�أنّ الأمير ب�شير ال�شهابي الثاني حاكم جبل لبنان �إ�ستنجد به‬
‫الوالي �سليمان با�شا لإقامة و�ساطة بينه وبين الثوار وزعماء الع�شائر في بالد ب�شارة‪ ،‬بعد �أن رد زعماء الثورة موفوده (باكير‬
‫�آغا) راف�ضين دعوته ومطالبه بالطاعة و�إلقاء ال�سالح و�إيقاف الغارات‪ ،‬وذلك لعدم وثوقهم بوعود الأتراك ب�سبب غدرهم‬
‫ونكثهم للوعود‪.‬‬
‫‪157‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫حدث مع ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) والعالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة‬
‫بينما نجد هنا بع�ض الأ�ساطين ُي�ساهم في عودة ال�شيخ ح�سن القبي�سي �إلى جبل عامل‬
‫لأجل �إعادة الحياة العلمية التي انتهت بالكامل في تلك المرحلة وهذه لفتة كريمة ولها ما‬
‫بعدها عند ه�ؤالء الأعالم‪ ،‬وهي �أن جبل عامل من وجهة نظرهم له قيمة علمية وح�ضور‬
‫�إ�ستراتيجي على �صعيد المنطقة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا �أنّ الحوزة العلمية في النجف تعرف تمام ًا‬
‫قيمة علماء هذا الجبل من ال�شهيد الأول �أو المحقق الكركي والمحقق ال�شيخ علي المي�سي‪،‬‬
‫وال�شهيد الثاني وع�شرات العلماء الأعالم الذين �ش ّع نورهم في �سماء العالم الإ�سالمي‬
‫وكان لح�ضورهم العلمي وال�سيا�سي والإجتماعي والجهادي �أثر مدوي في �سماء المنطقة‪،‬‬
‫لهذا كان الحر�ص منهم على وجوب عودة ال�شيخ القبي�سي((( ‪ .‬والأمر الآخر‪� ،‬أنّ طلب عودة‬
‫ال�شيخ القبي�سي ي� ّؤ�شر �إلى مكانته العلمية وقدرته على تجاوز ال�صعاب و�أنه ي�صلح �أن يكون‬
‫في مرحلة الت�أ�سي�س‪ ،‬و�إ ّال ف� ّأي عالم ي�ستطيع �أن ُيدر�س في �أي حوزة عندما تكون جاهزة‪.‬‬
‫مدر�سة كوثرية ال�سياد‪ :‬لم تكن ميزة خا�صة لكوثرية ال�سياد‪ ،‬فهي قرية كبقية القرى‬
‫في جبل عامل‪� ،‬إنما القيمة في وجود المدر�سة فيها تعود لإمامها الذي ل ّبى دعوة �أهاليها‬
‫ليكون �شيخ ًا عندهم‪ ،‬وجري ًا على عادة العلماء ف�إنهم في الغالب يقومون بثالث خطوات‪:‬‬
‫الأولى‪ :‬التبليغ الديني‪ ،‬من تعليم النا�س الأحكام التي هي محل ابتالئهم‪ ،‬وهناك‬
‫وجوب مبادرة المكلف �إلى معرفة �أحكام مح ّل الإبتالء‪ ،‬م�ضاف ًا �إلى �إحياء‬
‫(((‬
‫((( فال�شيخ عبد اهلل نعمة كان يدر�س عند ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) وذات يوم طلب �أهالي (ر�شت) من‬
‫ال�شيخ جعفر �آل كا�شف الغطاء �أن ير�سل �إليهم عالم ًا يبقى عندهم ويع ّلمهم �أحكام دينهم‪ ،‬فاختار لهم العالمة ال�شيخ عبد اهلل‬
‫نعمة‪ ،‬وق ّرر ال�شيخ نعمة المغادرة‪ ،‬وجاء ليودّع �أ�ستاذه ال�شيخ النجفي فر�آه خارج ًا من حرم �أمير الم�ؤمنين ‪ ،Q‬وهنا انزعج‬
‫الأ�ستاذ من هذا الخبر و�أخذ بيده و�أدخله �إلى �إحدى الغرف في ال�صحن ال�شريف والتي فيها قبر العالمة ال�سيد جواد الح�سيني‬
‫�صاحاب (مفتاح الكرامة) وقال له �إن �صاحب هذا القبر (وكان �أ�ستاذ ًا لل�شيخ محمد ح�سن) كان قد نهاني عن ال�سفر �إلى‬
‫(�أ�صفهان لأكون �إمام ًا لهم) وقال �إني �أرى فيه �أنك (�صاحب المنبر الأعظم) في الحوزة العلمية‪ ،‬بمعنى �أنك المرجع و�أنك‬
‫علي (ال�سفر)‪ ،‬و�أنا اليوم ل�ست متندم ًا بل‬
‫الأ�ستاذ الأول‪ ،‬وعندما ر�آني م�ص ّر ًا على الذهاب ذهب �إلى والدتي و�أمرها �أن تُح ّرم َّ‬
‫�أحتفظ بالجميل لهذا الأ�ستاذ و�أذكره بالخير دائم ًا‪ ،‬و�أنا اليوم �أقول لك كما قال لي الأ�ستاذ‪ :‬ف�إني �أرى فيك مالمح الرئا�سة‬
‫الدينية‪ ،‬و�أنهاك عن ال�سفر‪ .‬لكن على ما يظهر فانّ الظروف لل�شيخ عبد اهلل نعمة كانت تقت�ضي ال�سفر وعاد بعد اثنتي ع�شر‬
‫�سنة‪ ،‬ولكنه كما يقول‪ :‬تندّمت كثير ًا‪.‬‬
‫((( كما جاء في �أعيان ال�شيعة ج ‪� 8‬ص ‪334‬‬
‫‪158‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫المنا�سبات الدينية‪ ،‬وال�صالة جماعة �إلخ‪..‬‬
‫الثانية‪� :‬إ�صالح ذات البين وح ّل الخ�صومات‪ ،‬في هذه النقطة كان النا�س يقبلون‬
‫مرجعية العلماء في ح ّل م�شاكلهم‪ ،‬وبتقديري ف�إنّ م�س�ألة �إ�صالح ذات البين كان‬
‫جميع علماء الدين يقومون بها‪� ،‬أ ّما ح ّل الخ�صومات والت�صدي للق�ضاء بمعنى‬
‫�إبرام الحكم فهذا لم يكن من مهام جميع العلماء‪ ،‬لأنه يحتاج �إلى ثالثة �شروط‪،‬‬
‫الأول‪� :‬أن يكون هذا العالم مدرك ًا لكليات هذه الأحكام وحا�ضرة عنده‪ ،‬والثاني‪:‬‬
‫�أن يجيد تطبيقها‪ ،‬والثالث‪� :‬أن تقبل النا�س حكمه‪ ،‬لهذا الذين ت�ص ّدوا للق�ضاء‬
‫وح ّل الخ�صومات كان لهم ح�ضورهم العلمي المم ّيز والإجتماعي الكبير‪ ،‬على‬
‫عك�س الموظفين اليوم في �سلك الق�ضاء حيث البع�ض ال علم له وال دين و ُيع ّين‬
‫تبع ًا للم�صالح الخا�صة والتق�سيم المناطقي‪.‬‬
‫(((‬
‫الثالثة‪ :‬الت�صنيف والتدري�س وت�شييد المدار�س ح�سب الحاجة وال�ضرورة‬
‫ال�شيخ ح�سن القبي�سي‪ ،‬لع ّله العالم الوحيد الذي عاد �إلى جبل عامل وهو يحمل‬
‫م�شروع �إعادة النه�ضة العلمية �إليه مجدد ًا كما حدث مع القائد الفذ ال�شهيد الأول‬
‫م� ّؤ�س�س النه�ضة العلمية في جبل عامل‪ ،‬وبطبيعة الحال ال ُيقا�س ال�شيخ القبي�سي وال غيره‬
‫بال�شهيد الأول و�إنما من باب تقريب ال�صورة على �أهمية الدور الذي قام به المق ّد�س‬
‫ال�شيخ ح�سن القبي�سي‪.‬‬
‫بنا ًء على ما تقدم‪ ،‬ال ُب ّد من �أن ي�شرع ال�شيخ ح�سن القبي�سي في كوثرية ال�سياد‬
‫بم�شروعه الذي خطط له من النجف الأ�شرف وخ�صو�ص ًا �أنّ الفر�صة باتت �سانحة‪،‬‬
‫وهذا الوالي (�سليمان با�شا) حا�ضر للم�ساهمة في بناء هذه المدر�سة(((‪.‬‬
‫((( وهذه طريقة كانت وال زالت متبعه عند علماء ال�شيعة في لبنان‪ ،‬فعندما ُينهون تح�صيلهم العلمي �سواء في جبل عامل �أو حوزة‬
‫النجف الأ�شرف �أو غيرها كالح ّلة كما فعل ال�شهيد الأول‪ ،‬يعودون �إلى �أوطانهم ال ينقطعون عن التدري�س والت�صنيف‪.‬‬
‫((( والية �سليمان با�شا كانت محطة �إنتقالية في جبل عامل‪ ،‬فبعد الخراب الذي لحق بجبل عام وهروب العلماء الذين نجوا من‬
‫القتل وال�سجن والتعذيب‪ ،‬كان ال ُب ّد لهذا الوالي الجديد وبما تُملي عليه م�صلحته �أن ُيعيد الهدوء والأمان‪ ،‬وخ�صو�ص ًا مع علماء‬
‫الدين الذين ينظر �إليهم المجمع �أنهم عنوان وجوده و�إ�ستمراره‪.‬‬
‫‪159‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫المدر�سة الدينية الأولى في النه�ضة العلمية الثانية ُ�ش ّيدت على م�ساحة حوالي‬
‫‪2900‬م وكانت ت�ضم ع�شرين غرفة‪ ،‬ع�شر غرف للدر�س وع�شر غرف لمنام الطالب‪،‬‬
‫وعل ّية خا�صة بال�شيخ القبي�سي وكان تحت يد ال�شيخ القبي�سي (مرج من توت) ي�ستخرج‬
‫منه الحرير كم�صارفات على هذه المدر�سة(((‪� .‬إنت�سب �إليها العديد من الطالب منهم‬
‫ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني‪ ،‬وال�شيخ عبد اهلل نعمة‪.‬‬
‫المدر�سة الثانية‪ :‬التي �ساهمت في �إعادة الحياة العلمية مدر�سة ال�شيخ مهدي‬
‫مغنية في طيردبا وكان من جملة طالبها ال�شيخ محمد الع�سيلي((( و�أوالد ال�شيخ �أحمد‬
‫�شومان‪ ،‬وابن ع ّمها ال�شيخ محمد علي �شومان‪ ،‬وال�شيخ �سلمان بن علي قعيق‪ ،‬ال�شيخ‬
‫ح�سن بن �إبراهيم البالغي‪ ،‬ال�شيخ جواد وال�شيخ خليل �آل �شكر البعلبكيان من قرية‬
‫(تمنين التحتا)‪ ،‬ال�شيخ جعفر بن علي بن محمد بن علي بن ح�سين بن محمود بن‬
‫محمد �آل مغنية العاملي‪ ،‬ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ مهدي مغنية‪ ،‬ال�سيد ح�سن بن ال�سيد‬
‫علي �آل �إبراهيم العاملي الكوثراني وال�سيد محيي الدين ف�ضل اهلل الح�سني‪ ،‬حيث ن�ش�أت‬
‫عالقة وطيدة مع �أ�ستاذه ال�شيخ مهدي وتزوج كريمته‪ ،‬وال�شيخ مهدي مغنية الذي يذكره‬
‫نجله ال�شيخ محمد في(جواهر الحكم) �أنه در�س في النجف الأ�شرف على ال�شيخ محمد‬
‫ح�سن �إبن ال�شيخ باقر (�صاحب الجواهر)‪.‬‬
‫المدر�سة الثالثة‪ :‬هي بالأ�صل مدر�سة ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى الح�سيني في قريته‬
‫(�شقراء) والتي انتهت ‪1194‬هـ بعد رحيل ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى وقيام حكم الجزار‪،‬‬
‫�إال �أنّ حفيده ال�سيد علي نجل ال�سيد محمد الأمين بن ال�سيد �أبو الح�سن مو�سى بعدما‬
‫((( ال ّ‬
‫�شك �أنّ للوالي (�سليمان با�شا) دور في المدر�سة التي � ّأ�س�سها ال�شيخ القبي�سي‪ ،‬وكما ينقل الم�ؤ ّرخ محمد جابر �صفا في تاريخ‬
‫جبل عامل‪ ،‬ف�إنّ �سليمان كان كوبي الأ�صل م�سيحي ُخطف �صغير ًا وبيع فوقع في ملك الجزّار وارتفعت منزلته عنده فخلفه في‬
‫الوالية وكان متم�سك ًا بال�شريعة الإ�سالمية ُيعامل �أبناء الطوائف بالم�ساواة‪.‬‬
‫((( ال�شيخ محمد الع�سيلي كان من العلماء الزهّ اد المعروفين‪ ،‬ولد في قرية ال�صرفند من جبل عامل ‪1305‬هـ كما جاء في خط‬
‫يده‪ ،‬وطفولته كانت في قرية (�أن�صار) ثم در�س في (طير دبا) على العالمة الفقيه ال�شيخ ح�سين مغنية‪ ،‬وعاد من النجف‬
‫الأ�شرف يحمل �شهادات بالإجتهاد‪ ،‬ف�سكن في بلدة (ال�شهابية) وتوفي �سنة ‪ 1967‬م و�أنجب علماء ف�ضالء ال�شيخ ح�سن وال�شيخ‬
‫علي وال�شيخ �أحمد الذي هو �إمام (بلدة ال�شهابية) حالي ًا‪.‬‬
‫‪160‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫در�س في النجف الأ�شرف على �أ�ساطينها ومنهم �شيخ الطائفة ال�شيخ جعفر �آل كا�شف‬
‫الغطاء‪ ،‬عاد من النجف الأ�شرف عالم ًا مجتهد ًا ف�أعاد فتح مدر�سة جده وانت�سب �إليها‬
‫الطالب منهم ال�شيخ محمد ال�سبيتي والد ال�شيخ علي وال�شيخ ح�سن‪ ،‬وال�شيخ علي �شم�س‬
‫الدين‪ ،‬وال�شيخ علي مروة‪ ،‬وال�شيخ علي زيدان‪ ،‬وال�شيخ �صادق �إبن ال�شيخ يحيى‪ ،‬وال�شيخ‬
‫�سلمان قعيق‪ ،‬وال�شيخ ن�صر اهلل بن �إبراهيم بن يحيى العاملي الطيبي‪ ،‬وال�سيد ها�شم‬
‫عبا�س بن ال�سيد محمد بن عبا�س �صاحب نزهة الجلي�س المو�سوي العاملي‪ ،‬وال�شيخ‬
‫محمد بن ال�شيخ �سليمان جواد بن ال�شيخ ح�سن �آل �سليمان‪ ،‬وال�شيخ علي زين بن نا�صر‬
‫العاملي المعركي‪ ،‬وال�سيد جواد بن ال�سيد علي بن ال�سيد محمد الأمين الح�سيني العاملي‬
‫ال�شقرائي عم ال�سيد مح�سن الأمين‪ ،‬وكان لل�سيد علي محمد الأمين ح�ضور علمي‬
‫و�سيا�سي في جبل عامل‪ ،‬حيث �أ�صبح مفتي ًا في عهد الوالي (عبد اهلل با�شا)((( وتوفي‬
‫م�سموم ًا نتيجة الح�سد �سنة ‪1249‬هـ (((‪ ،‬وعليه فتكون حياته العلمية في جبل عامل قبل‬
‫ال�سيد علي �إبراهيم الذي عاد من النجف الأ�شرف �سنة ‪1248‬هـ وتوفي م�سموم ًا ‪1260‬هـ‬
‫بعد �أحد ع�شرة �سنة من رحيل ال�سيد علي الأمين‪ ،‬وكذلك ال�شيخ عبد اهلل نعمة الذي‬
‫عاد من النجف الأ�شرف وتوفي في (جباع) ‪1303‬هـ و�أقام له العالمة ال�شيخ مو�سى‬
‫�أمين �شرارة مجل�س فاتحة والذي توفي بعده ب�سنة واحدة‪.‬‬
‫�إذ ًا‪ ،‬ن�ستطيع القول �أنّ ه�ؤالء الثالثة ال�شيخ ح�سن القبي�سي وال�شيخ مهدي مغنية‬
‫وال�سيد علي محمد الأمين الح�سيني هم �أ�سا�س النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل‪.‬‬
‫((( قلنا في �أحداث جبل عامل �أنه جاء من يقترح على ال�سفّاح �أحمد با�شا �أن يعمل على التهدئة و�إعادة الحياة �إلى جبل عامل‪ ،‬ووقع‬
‫الإتفاق على �أن يكون المفتي ال�سيد محمد الأمين هو الو�سيط لكن ب�شرط �أن ي�ضع ولده رهينة عند الجزّار في (عكا)‪ ،‬وهناك‬
‫ن�ش�أت عالقة بين ال�سيد علي وبين(عبد اهلل با�شا)الذي �أ�صبح والي ًا بعد �سليمان با�شا على جبل عامل‪ ،‬وهذه العالقة �سببها‬
‫�أن والدة عبد اهلل �أحبت ال�سيد علي على محبة ولدها و�أ�صبح ال�سيد علي ك�أنه �أحد �أفراد العائلة‪ ،‬وكان ُيد ّر�س بع�ض المقدمات‬
‫وا�ستتب الأمر لعبد اهلل با�شا‪ ،‬تع ّمقت هذه المودة‪ ،‬م ّما جعله(مفتي ًا)على بالد ب�شاره‬
‫لعبد اهلل‪ ،‬وعندما عاد ال�سيد من النجف‬
‫ّ‬
‫وكانت لهذه العالقة �أثر ًا طيب ًا على جبل عامل‪ ،‬والذي جعل ال�سيد علي يت�صدّى لإ�صدار الفتاوى �أنه ذات يوم و�صل �إليه خب ٌر‬
‫مفاده �أنّ �أحد زمالئه في الدر�س الذي هو من دون ال�سيد علي في الف�ضل بدرجات قد ت�صدى للإفتاء بعد وفاة الأ�ستاذ ال�شيخ‬
‫علي �أن �أت�صدّى‪ ،‬فعندما كنت في النجف كنت �أف�ضل منه بكثير»‪.‬‬
‫جعفر (كا�شف الغطاء) وعندما علم ذلك قال‪« :‬هنا يجب َّ‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 4‬ص ‪.421‬‬
‫‪161‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫المحطة الثانية من النه�ضة العلمية‪ :‬كانت على يد العالمتان ال�سيد علي �إبراهيم‬
‫وال�شيخ عبد اهلل نعمة‪.‬‬
‫ ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني‪ ،‬عاد من النجف الأ�شرف �سنة ‪ 1248‬هـ‪� ،‬إ�ستق ّر‬‫في بداية الأمر في كوثرية ال�سياد التي هي بلدته و�أ�صبح هو الأ�ستاذ في المدر�سة التي‬
‫در�س فيها على ال�شيخ ح�سن القبي�سي ّ‬
‫وتوطدت العالقة حيث �صاهره على كريمته بعدما‬
‫توفيت زوجته والدة ال�سيد ح�سن �إبراهيم على طريق الحج‪ ،‬و�أنجب من القبي�س ّية ال�سيد‬
‫محمد �إبراهيم الذي لعب دور ًا مركزي ًا في �إعادة النه�ضة العلمية واللغوية والأدبية‬
‫�إلى جبل عامل وخ�صو�ص ًا في مدر�ستي (حناويه والنبطية) حيث �سنتحدث عنهما في‬
‫ر�سخت ما � ّأ�س�سته المدار�س ال�سابقة بعودة ال�سيد‬
‫المحطة الرابعة من النه�ضة والتي ّ‬
‫علي �إبراهيم من العراق �إلى الكوثرية حيث �أ�صبحت �أكثر ح�ضور ًا ولمعان ًا وتخ ّرج عليه‬
‫(((‬
‫العديد من الف�ضالء‪ ،‬فكان يمتلك الأهلية لهذا المقام والذي ع ّبر عنه ال�سيد الأمين‬
‫�أنه من م�شاهير علماء جبل عامل‪ ،‬ومن جملة من در�س عليه ال�شيخ ح�سين زغيب اليونيني‬
‫المعروف (ب�شم�س العراقين)((( مدة �إثنتي ع�شرة �سنة حتى �أ�صبح من الف�ضالء و�ص ّنف‬
‫في الكوثرية (كتاب ًا في �أ�صول الفقه)(((‪ ،‬كما در�س عليه ال�شيخ جواد بن �شكر التمنيني‬
‫البعلبكي‪ ،‬وال�سيد ح�سن بن ال�سيد علي �آل �إبراهيم‪ ،‬وال�شيخ خليل ع�سيران ال�صيداوي‪،‬‬
‫وال�شيخ محمد علي عز الدين‪ ،‬وال�شيخ علي وال�شيخ ح�سن �أوالد ال�شيخ محمد �سبيتي‪،‬‬
‫وال�شيخ ح�سين بن محمد بن ح�سين بن محمد بن �أحمد ح�سين الالكودي الج�شعمي‬
‫البعلبكي اليونيني‪.‬‬
‫ مدر�سة (جباع)‪� ،‬ش ّيدها العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة بعدما عاد مجتهد ًا ُم�س ّلم‬‫الإجتهاد من النجف الأ�شرف والذي حاز على �شهادة الأ�ستاذ الكبير ال�شيخ محمد‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 12‬ص ‪� 179‬أنه من م�شاهير علماء جبل عامل‪.‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 9‬ص ‪.390‬‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج ‪� 9‬ص ‪.390‬‬
‫‪162‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر)(((‪ ،‬ودر�س عليه العديد من الأفا�ضل منهم ال�شيخ‬
‫مهدي �شم�س الدين الذي كان �أ�ستاذ ًا في حوزته ويعبر عنه الآغا بزرك الطهراني في‬
‫الطبقات((( �أنه من �أهم الأ�ساتذة في جبل عامل‪ ،‬حيث در�س عليه العالمة ال�شيخ مو�سى‬
‫�أمين �شرارة (القوانين في الأ�صول)(((‪ ،‬كما در�س عليه في مدر�سة (جباع) ال�سيد‬
‫ح�سن يو�سف مكي �صاحب (مدر�سة النبطية)‪ ،‬وكان ال�شيخ مهدي �شم�س الدين من‬
‫ذرية ال�شهيد الأول فدر�س على ال�شيخ عبد اهلل نعمة الفقه والأ�صول‪ ،‬وبتقديري ف�إنّ من‬
‫يدر�س على ال�شيخ عبد اهلل نعمة ويتف ّرغ للدر�س ف�إنّ ذلك ُيغنيه عن الذهاب �إلى النجف‬
‫الأ�شرف(((‪ .‬وم ّمن در�س في مدر�سة (جباع)‪ :‬ال�شيخ محمد علي عز الدين‪ ،‬ال�شيخ‬
‫علي وال�شيخ ح�سن ال�سبيتي‪ ،‬ال�شيخ علي الحر‪ ،‬ال�شيخ عبد ال�سالم الحر‪ ،‬ال�شيخ ح�سن‬
‫بن �سعيد الحر‪ ،‬ال�شيخ محمد ح�سين المحمد الجبعي المعروف بالحر‪ ،‬ال�شيخ محمد‬
‫�سليمان الزين و�أخوه ال�شيخ �أبو خليل الزين‪ ،‬ال�سيد مهدي وال�سيد عبد اهلل وال�سيد‬
‫محمود الأمين (�أعمام ال�سيد مح�سن الأمين)‪ ،‬ال�شيخ محمد ح�سين فلحة المي�سي (ج ّد‬
‫ال�سيد مح�سن الأمين لأ ّمه)‪ ،‬ال�شيخ مو�سى �شرارة‪ ،‬ال�شيخ ح�سن نعمة‪ ،‬ال�شيخ قا�سم‬
‫محمد قدوح‪ ،‬ال�شيخ قا�سم محمد �صفا‪ ،‬ال�سيد قا�سم وال�سيد جواد �أحمد فح�ص‪ ،‬ال�شيخ‬
‫ح�سين الكركي العاملي الجبعي‪ ،‬ال�سيد �أمين بن ال�سيد علي بن ال�سيد محمد الأمين‪،‬‬
‫ال�سيد محمد بن ال�سيد ح�سن بن ال�سيد ها�شم بن عبا�س �صاحب نزهة الجلي�س المو�سوي‬
‫العاملي‪ ،‬ال�شيخ جعفر بن علي بن محمد بن علي بن ح�سين بن محمود بن محمد �آل‬
‫مغنية العاملي‪ ،‬ال�شيخ �أحمد رعد العاملي‪ ،‬ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ علي بن الحج ح�سين‬
‫((( ذات يوم و�صل خبر �إلى العالمة الكبير ال�شيخ محمد ح�سن النجفي (�صاحب الجواهر) �أنّ نا�صر الدين (ال�شاه القاجري)‬
‫يقول‪� :‬أنّ ال�شيخ محمد ح�سن النجفي لديه (م�صبغة) يطمغ بها �شهادات بالإجتهاد و ُيعطيها �إلى طالبه وير�سلهم �إلى �إيران‬
‫كي يح�صلوا على ح�صانة العالم المجتهد‪ ،‬وهنا بعدما ارتقى ال�شيخ النجفي المنبر لإلقاء الدر�س على الطالب‪ ،‬نقل �إليهم‬
‫أعط �شهادة بالإجتهاد �إال لأربعة»‪ ،‬منهم العالمة ال�شيخ عبد اهلل نعمة العاملي‪.‬‬
‫الخبر وقال‪« :‬اهلل يعلم �أنه طوال حياتي لم � ِ‬
‫((( بالفعل فكان �أ�ستاذ ًا في مدر�سة ال�شيخ عبد اهلل نعمة في جباع و�صاحب مدر�سة (مجدل �سلم) كما قال في الطبقات ج ‪12‬‬
‫�ص ‪529‬‬
‫((( نقل هذا الكالم ال�سيد محمد ر�ضا ف�ضل اهلل الح�سني في كتابه عن ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة‪.‬‬
‫((( لأنّ علماء جبل عامل عندما كانوا يعودون �إلى لبنان كانوا يحملون �شهادات بالإجتهاد من كبار الفقهاء‪ ،‬وعليه فهم م�ؤهّ لون‬
‫لأن يكونوا من �أف�ضل الأ�ساتذة‪ ،‬لهذا لو ا�ستطاعوا �أن يجتمعوا في مكان واحد ويتف ّرغوا للت�صنيف والتدري�س كما فعل غيرهم‪.‬‬
‫‪163‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫�آل مروة‪ ،‬ال�سيد �أبو الح�سن بن ال�سيد محمد الأمين العاملي بن ال�سيد مح�سن الأمين‪.‬‬
‫الخال�صة � ّأن مدر�سة ال�شيخ ح�سن القبي�سي بطالبها �ش ّكلت الأ�سا�س في النه�ضة العلمية الثانية‬
‫لجبل عامل بالإ�ضافة الى مدر�سة ال�شيخ مهدي مغنية وال�سيد علي محمد الأمين في �شقراء‪.‬‬
‫مدار�س النه�ضة العلمية الثانية‬
‫في جبل عامل‬
‫المحطة الأولى‬
‫مدر�سة كوثرية ال�سياد‬
‫ال�شيخ ح�سن القبي�سي‬
‫مدر�سة طيردبا‬
‫ال�شيخ مهدي مغنية‬
‫مدر�سة �شقراء‬
‫ال�سيد علي بن ال�سيد محمد‬
‫الأمين الثاني الح�سيني‬
‫المحطة الثانية‬
‫مدر�سة الكوثرية والنميرية ال�سيد علي �إبراهيم الح�سيني‬
‫مدر�سة جباع‬
‫ال�شيخ عبد اهلل نعمة‬
‫المحطة الثالثة‬
‫مدر�سة حناويه‬
‫ال�شيخ محمد علي عز الدين‬
‫مدر�سة بنت جبيل‬
‫ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة‬
‫مدر�سة يونين (بعلبك)‬
‫ال�شيخ ح�سين زغيب‬
‫المحطة الرابعة‬
‫مدر�سة حناويه الثانية‬
‫ال�شيخ �إبراهيم عز الدين‬
‫مدر�سة �أن�صار‬
‫ال�شيخ �سلمان الع�سيلي‬
‫مدر�سة النبطية‬
‫ال�سيد ح�سن يو�سف مكي‬
‫مدر�سة طورا‬
‫ال�سيد يو�سف �شرف الدين‬
‫‪164‬‬
‫ال�سيد ح�سن �إبراهيم‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫مالحظة‪ :‬هناك مدار�س �صغيرة ن�ش�أت على هام�ش هذه المدار�س‪:‬‬
‫ففي المحطة الثانية‪ :‬كانت مدر�سة مجدل �سلم لل�شيخ مهدي �شم�س الدين‪.‬‬
‫وفي المحطة الثالثة‪ :‬مدر�سة �شحور لل�سيد يو�سف �شرف الدين‪.‬‬
‫وفي المحطة الرابعة‪ :‬مدر�سة طيردبا لل�شيخ محمد مغنية بن ال�شيخ مهدي برعاية‬
‫ال�شيخ �سلمان الع�سيلي‪.‬‬
‫وهناك مدر�سة جويا ال�شيخ محمد علي خاتون وغيرها‪.‬‬
‫المحطة الثالثة لهذه النه�ضة‪ :‬كانت على �أيدي طالب هذه المدار�س الذين در�سوا‬
‫على ه�ؤالء الأ�ساتذه وبع�ضهم ذهب �إلى النجف وا�ستكمل تح�صيله العلمي كال�شيخ‬
‫محمد علي عز الدين وال�شيخ ح�سن ال�سبيتي وال�سيد ح�سن يو�سف مكي‪ ،‬وال�شيخ‬
‫مو�سى �أمين �شراره وال�سيد يو�سف �شرف الدين ومنهم من بقي في جبل عامل‬
‫ولم يغادر كال�شيخ مهدي �شم�س الدين وال�شيخ علي ال�سبيتي‪ ،‬و�آخرين �ساروا على‬
‫ذات النهج من بعدهم كال�شيخ جعفر مغنية وولده ال�شيخ مو�سى وال�شيخ �أ�سد اهلل‬
‫�صفا وال�شيخ �سليمان ظاهر وال�شيخ �أحمد ر�ضا �إلخ‪ ،‬وبتقديري الفريقان خير ًا‬
‫�صنعوا‪ ،‬فكما ك ّنا بحاجة �إلى من يذهب �إلى النجف الأ�شرف ال�ستكمال التح�صيل‬
‫العلمي على �أ�ساطين حوزتها‪ ،‬كذلك خير ًا �صنع الفريق الآخر من عدم ذهابه‬
‫�إلى النجف والبقاء في جبل عامل‪ ،‬وكان من ال�ضروري �أن يبقى لي�شحذ الهمم‬
‫للإلتحاق بطلب العلم‪ ،‬كما كان لهم الدور الكبير في النه�ضة الأدبية واللغوية كما‬
‫وكان لهم الدور ال�سيا�سي والجهادي في جبل عامل‪.‬‬
‫مدر�سة (حناويه)‪:‬‬
‫هي المدر�سة الأولى في المحطة الثالثة من النه�ضة‪ ،‬كما كانت مدر�سة الكوثرية‬
‫المدر�سة الأولى في المحطة الأولى‪ّ � ،‬أ�س�سها العالمة ال�شيخ محمد علي عز الدين بعدما‬
‫‪165‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫عاد من النجف الأ�شرف(((‪ .‬فبطبيعة الحال عاد �إلى بلدته كفرا و� ّأ�س�س في البداية‬
‫مدر�سته الدينية فيها وا�ستفاد من وجود ال�شيخ علي ال�سبيتي �صاحب التجربة العملية ومن‬
‫مكتبته الكبيرة المعروفة(((‪ .‬بعد مدة طلبه �أهالي (حناويه) ليكون �إمام ًا لهم‪ ،‬وهناك �ش ّيد‬
‫مدر�سة ا�شتهرت في جبل عامل وانت�سب �إليها العديد من الطالب كال�شيخ جعفر مغنية‬
‫وولده ال�شيخ مو�سى وال�سيد نجيب الدين ف�ضل اهلل‪ ،‬وال�شيخ �إبراهيم عز الدين (حفيد‬
‫ال�شيخ محمد علي) وابن عمه ال�شيخ كاظم عز الدين‪ ،‬وال�سيد �أبو الح�سن بن ال�سيد محمد‬
‫الأمين الح�سيني‪ ،‬وال�شيخ �أحمد بن ال�شيخ عبد المطلب �آل مروة‪ ،‬وال�سيد �أمين بن ال�سيد‬
‫علي �أحمد الح�سيني‪ ،‬وال�شيخ علي بن ال�شيخ ح�سن بن ال�شيخ مهدي بن ال�شيخ محمد مغنية‪،‬‬
‫وال�شيخ محمد �أمين مروة بن محمد العاملي‪ ،‬وال�سيد محمد بن ها�شم بن عبا�س �صاحب‬
‫نزهة الجلي�س‪ ،‬وال�سيد محمد بن ال�سيد ح�سين بن ال�سيد �أحمد الح�سيني‪ ،‬وال�شيخ محمد‬
‫ح�سين مروة المعروف بالحافظ بن ال�شيخ محمد ح�سن‪ ،‬وال�سيد محمد بن ال�سيد علي‬
‫�إبراهيم الح�سيني العاملي‪ ،‬وال�شيخ جواد �سبيتي‪ ،‬وال�شيخ علي عز الدين‪ ،‬وال�سيد محمد‬
‫محمود وبن عمهما ال�سيد علي مهدي �أمين الح�سيني‪ ،‬وال�شيخ ح�سن عز الدين بن �أحمد‬
‫عز الدين من كفرا‪ ،‬وال�شيخ ح�سين مغنية‪ ،‬وال�شيخ محمد ح�سين وال�شيخ عبد المطلب �آل‬
‫مروة‪ ،‬وال�شيخ محمد زغيب من بعلبك‪ ،‬وال�شيخ علي مروة من (عيتيت)‪.‬‬
‫وكان ال�شيخ محمد علي عز الدين يجمع �إلى التبليغ الديني التدري�س والت�صنيف‪،‬‬
‫حتى �أنه كانت له طريقة خا�صة‪ ،‬فلم يكن التبليغ لي�أخذ ك ّل وقته و�إنما كان يجل�س مع‬
‫النا�س يح ّدثهم بما يلزم ويجيب على �أ�سئلتهم‪ ،‬ثم يبادر �إلى الكتابة والت�صنيف‪ ،‬وحتى‬
‫عندما يذهب �إلى قرية �أخرى كان ي�صطحب معه (كي�سه) الذي فيه �أوراقه وكتبه(((‪.‬‬
‫((( فال�شيخ محمد علي عز الدين لم يكتف بما حاز عليه في جبل عامل من الدرا�سة على ال�سيد علي �إبراهيم وال�شيخ عبد اهلل‬
‫نعمة‪ ،‬ب�سبب موت الأول وعدم التفرغ الكامل للدر�س على ال�شيخ نعمة‪.‬‬
‫((( فال�شيخ علي ال�سبيتي الذي در�س مع ال�شيخ محمد علي عز الدين و�أخوه ال�شيخ ح�سن في جبل عامل‪ ،‬لم ُيغادر النجف‬
‫الأ�شرف و�ساهم ب�شكل ف ّعال في دعوة النا�س للنه�ضة العلمية والأدبية وكان يمتلك مكتبة كبيرة في بلدته (كفرا)‪ ،‬وعندما عاد‬
‫ال�شيخ محمد علي عز الدين �إلى (كفرا) من النجف‪ ،‬بطبيعة الحال كانت الأر�ضية التي ج ّهزها ال�شيخ علي ال�سبيتي جاهزة‬
‫للإ�ستفادة من ال�شيخ عز الدين‪.‬‬
‫((( وهذا ما نقله ال�شيخ مو�سى عز الدين في التذكرة‪ ،‬وال�سيد الأمين في الأعيان‪.‬‬
‫‪166‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫مدر�سة يونين (البقاعية)‪:‬‬
‫� ّأ�س�سها العالمة ال�شيخ ح�سين زغيب (اليونيني) (المعروف ب�شم�س العراقين)‪،‬‬
‫فبعد �أن در�س ال�شيخ زغيب في جبل عامل على العالمة ال�سيد علي �إبراهيم مدة (اثنتي‬
‫ع�شرة �سنة و�أ�صبح من الف�ضالء خ�صو�ص ًا بعد �أن ا�ستطاع �أن ي�ص ّنف في (الكوثرية)‬
‫كتاب ًا (بالأ�صول)‪ ،‬عاد �إلى بلدته يونين ليقوم بواجبه الديني ولكن طموحه العلمي لم‬
‫ي�سمح له بالبقاء‪ ،‬فق�صد النجف الأ�شرف طلب ًا لمزيد من العلم ولمجاورة الإمام علي‬
‫‪ ،Q‬وكان �أ�ستاذه ال�شيخ مرت�ضى الأن�صاري الذي ُيعتبر �أ�ستاذ ًا للفقهاء في تلك‬
‫المرحلة‪ .‬وبعدما عاد من النجف عالم ًا مجتهد ًا كان ال ُب ّد من ت�شييد مدر�س ٍة علمية‬
‫تكون عنوان عودة الحياة العلمية �إلى البقاع بعد فترة انقطاع العلماء عنها ب�سبب النزاع‬
‫العثماني ال�صفوي في المنطقة م ّما جعل الق�سم الأكبر من علماء كرك نوح ُيغادرون �إلى‬
‫�إيران‪ ،‬ولع ّل قيمة مدر�سة ال�شيخ ح�سين زغيب في �أنها ا�ستطاعت �أن ت�ساهم في ت�شكيل‬
‫نه�ضة علمية جديدة للمنطقة رغم عدم الإنقطاع الكلي لطالب العلوم الدينية‪ ،‬وكان من‬
‫جملة الطالب الوافدين �إلى مدر�سة ال�شيخ ح�سين زغيب الآتي‪ :‬ال�سيد علي القا�ضي �آل‬
‫عودة اللبناني‪ ،‬ال�شيخ تقي �شم�س الدين الفوعي‪ ،‬ال�شيخ �إبراهيم وال�شيخ محمد وال�شيخ‬
‫حيدر محفوظ الهرمليون‪ ،‬ال�شيخ خليل العميري و�أخوه ال�شيخ محمد وال�شيخ عبد اهلل‬
‫و�أخوهم ال�شيخ جواد العميري النحليون‪ ،‬ال�شيخ �صادق زغيب بن ال�شيخ ح�سين زغيب‬
‫م� ّؤ�س�س المدر�سة وال�شيخ عبا�س بن ال�شيخ محمد �أمين زغيب‪.‬‬
‫مدر�سة (بنت جبيل)‪:‬‬
‫في �سنة ‪ 1298‬هـ عاد من النجف الأ�شرف العالمة ال�شيخ مو�سى �أمين �شراره �إلى‬
‫مدينة بنت جبيل ب�سبب مر�ض � ّألم به فخ ّيره الأطباء بين البقاء في النجف للعالج وبين‬
‫الذهاب �إلى بنت جبيل فهناك الهواء نقي والمكان �أف�ضل‪ ،‬فاختار المجيء �إلى بلده‬
‫والقيام بم�س�ؤولياته‪.‬‬
‫‪167‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الخطوة الأ�سا�س ّية كانت ت�شييد مدر�سة علمية م�ضاف ًا �إلى �إ�صالحات كبيرة �أجراها‬
‫يخ�ص الأدب وال�شعر‬
‫في جبل عامل((( � ّأ�س�ست لنه�ضة �إ�صالحية �شاملة وبالخ�صو�ص ما ّ‬
‫والمنبر الح�سيني والذي �سار على هذا الدرب العديد من علماء جبل عامل كال�سيد‬
‫مح�سن الأمين وال�شيخ عبد الح�سين �صادق وال�سيد عبد الح�سين �شرف الدين‪ .‬وكانت‬
‫�أهم �إنجازاته هي المدر�سة العلمية والتي ا�ستمرت �ست �سنوات وانتهت ب�سبب رحيله‬
‫إن�ضم �إلى تلك المدر�سة العديد من الطالب ومنهم كان في مدر�سة ال�شيخ‬
‫‪1304‬هـ‪ّ � .‬‬
‫محمد علي عز الدين‪ .‬وبتقديري هذا الإنتقال لم يكن ب�سبب زهد الطالب بمدر�سة‬
‫حناويه‪ ،‬و�إ ّنما هذه م�س�ألة طبيعية فلك ّل قادم بهجة‪ ،‬وبالتالي فال�صيت العلمي لل�شيخ‬
‫مو�سى �سبقه �إلى جبل عامل‪ ،‬فهو كان �أ�ستاذ البحث الخارج في النجف الأ�شرف �إلى‬
‫جنب در�س كبير فقهاء العرب ال�شيخ محمد طه نجف(((‪ ،‬ومن جملة الطالب الذين‬
‫انت�سبوا �إلى هذه المدر�سة ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل الح�سني‪ ،‬وال�شيخ ح�سين مغنية‪ ،‬ال�شيخ‬
‫مو�سى مغنية‪ ،‬ال�شيخ عبد الكريم الزين‪ ،‬ال�شيخ محمد دبوق‪ ،‬ال�سيد مح�سن الأمين‪،‬‬
‫ال�شيخ عبد الح�سين �صادق‪ ،‬ال�سيد حيدر مرت�ضى وال�سيد جواد مرت�ضى‪ ،‬وال�سيد محمد‬
‫ر�ضا ف�ضل اهلل‪ (((،‬وبطبيعة الحال لم يكونوا ه�ؤالء الطالب بم�ستوى واحد‪ ،‬فعلى �سبيل‬
‫المثال‪ :‬ال�سيد مح�سن الأمين در�س على ال�سيد نجيب ف�ضل اهلل في مدر�سة ال�شيخ مو�سى‬
‫�شرارة((( وهذه الطريقة كانت متبعة في المدار�س العلمية فالطالب فيها قد ي�صبح‬
‫((( ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة توفي وله من العمر �سبعة وثالثون �سنة وعندما �أ�صيب بمر�ض ع�ضال في النجف الأ�شرف خ ّيره‬
‫الأطباء بين العالج في النجف وهذا يحتاج �إلى م�صارفات �أو الذهاب �إلى بنت جبيل‪ ،‬وكي ال يم ّد يده �إلى �أحد ق ّرر العودة �إلى‬
‫جبل عامل والإ�ستفادة من هواء مدينة بنت جبيل‪ ،‬ولكنه توفي بعد �ست �سنوات من العودة‪ ،‬وا�ستطاع خاللها �أن ي� ّؤ�س�س لنه�ضة‬
‫علمية و�إ�صالحية الزالت �آثارها �إلى يومنا هذا‪.‬‬
‫((( �أن يكون �أ�ستاذ البحث الخارج �إلى جنب در�س بحث الخارج لل�شيخ محمد طه نجف هذا تقدم كبير‪ ،‬ولهذا طلب منه ال�شيخ‬
‫محمد طه نجف �أن يح�ضر مجل�س در�سه لعلمه ب�أهمية ح�ضوره مجل�س در�سه و�أ ّنه ي�ستطيع �أن ُيح ّرك �أجواء الدر�س والنقا�ش‪،‬‬
‫وخير ًا �صنع ال�شيخ مو�سى ف�إنه ارتحل وبقي الأ�ستاذ الأ�سا�س هو ال�شيخ محمد طه و�أ�صبح من كبار فقهاء العرب وتخ ّرج عليه‬
‫الع�شرات من العلماء وخ�صو�ص ًا من لبنان وحازوا منه على �شهادات بالإجتهاد‪.‬‬
‫((( هناك ت�سامح في م�س�ألة الإنتماء �إلى الأ�ستاذ الراعي لتلك المدر�سة الدينية‪ ،‬ف�أنا كطالب عندما �أذهب �إلى حوزة النجف‬
‫الأ�شرف لأدر�س المقدمات �أو ال�سطوح‪ ،‬لي�س معنى ذلك �أنني �أدر�س على كبار الأ�ساطين في الحوزة‪ ،‬و�إ ّنما �أدر�س على بع�ض‬
‫طلبتها‪ ،‬كذلك ق�سم من الطالب الذين انت�سبوا �إلى مدر�سة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة �أو �إلى مدر�سة حناويه ال�شيخ محمد علي‬
‫عز الدين �أو مدر�سة جباع فهم لم يدر�سوا عليهم مبا�شرة و�إنما على بع�ض الطالب الذين �أنهوا تلك المرحلة‪.‬‬
‫((( فال�سيد نجيب ف�ضل اهلل الح�سني هو نجل العالمة ال�سيد محي الدين ف�ضل اهلل وكان قد �أنهى المقدمات على مدر�سة(حناويه)‬
‫وغيرها‪ ،‬لهذا عندما التحق بمدر�سة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة كان يد ّر�س (ال�سطوح)‪.‬‬
‫‪168‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫�أ�ستاذ ًا للطالب الذين هم دونه م�ستوى‪ ،‬فالعادة جرت �إذا �أنهى الطالب مرحلة وانتقل‬
‫�إلى الثانية في�صبح �أ�ستاذ ًا للمرحلة ال�سابقة‪ ،‬ولع ّل هذه الطريقة ح�صرية في الحوزات‬
‫العلمية فقط‪.‬‬
‫المحطة الرابعة للنه�ضة العلمية‪:‬‬
‫ن�ش�أت عدة مدار�س �أي�ض ًا‪ ،‬لعبت دور ًا �أ�سا�سي ًا في تثبيت النه�ضة العلمية وكان لها دور‬
‫محوري في النه�ضة الأدبية واللغوية‪ ،‬و�إن �سبقها �إلى هذه النه�ضة و� ّأ�س�س لها ال�شيخ علي‬
‫ال�سبيتي الذي در�س على ال�سيد علي �إبراهيم ولم يغادر �إلى النجف الأ�شرف وال�شيخ‬
‫جعفر مغنية وولده ال�شيخ مو�سى اللذين تخ�ص�صا بالعلوم العربية وما ُيطلق عليه بعلم‬
‫(المقدمات)‪ ،‬وحتى ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة الذي ع ّبر عنه ال�سيد الأمين في الأعيان‬
‫ب�أن �سوق العلم والأدب قام في جبل عامل في عهد ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة((( �إ ًال �أنّ‬
‫وتخ�ص�ص هم طالب مدر�سة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي‪ .‬و�س�أكتفي هنا بذكر‬
‫الذي �ص ّنف ّ‬
‫بع�ض المدار�س على �أمل �أن نتحدث بالتف�صيل عنها خالل الحديث عن �سيرة ه�ؤالء‬
‫الأعالم كما �أ�شرت �سابق ًا(((‪.‬‬
‫مدر�سة (طورا)‪:‬‬
‫التي � ّأ�س�سها العالمة ال�سيد يو�سف �شرف الدين والد العالمة ال�سيد عبد الح�سين‬
‫�شرف الدين‪ ،‬وذلك بعد وفاة ال�شيخ مو�سى �أمين �شراره في بنت جبيل حيث �أغلقت‬
‫المدر�سة �أبوابها ب�سبب عدم متابعة العالمة ال�سيد مهدي الحكيم للتدري�س والتف ّرغ‬
‫الكامل للتبليغ الديني(((‪ ،‬فاقترح ال�شيخ محمد مغنية على ال�سيد يو�سف �شرف الدين‬
‫�أن يعمدوا �إلى ت�شييد مدر�سة بديلة في و�سط البالد فوقع الإختيار على قرية (طورا)‬
‫((( �أعيان ال�شيعة ج‪� 15‬ص‪.52‬‬
‫((( في المو�سوعة القادمة �إن �شاء اهلل‪.‬‬
‫((( بعد وفاة ال�شيخ مو�سى �أمين �شرارة �سنة ‪ 1304‬هـ‪� ،‬أر�سل �أهالي (بنت جبيل) �إلى النجف الأ�شرف بطلب �أحد عالمين لي�أتي‬
‫�إلى جبل عامل ويقوم مقام ال�شيخ مو�سى‪ ،‬على �أن ي�أتي ال�سيد �إ�سماعيل ال�صدر �أو ال�سيد مهدي الحكيم‪ ،‬لكن ال�سيد �إ�سماعيل‬
‫رف�ض فقبل العر�ض ال�سيد مهدي الحكيم وكما ينقل ال�سيد الأمين �أنّ العالمة ال�سيد مهدي الحكيم لم يهتم نهائي ًا بمو�ضوع‬
‫المدر�سة الدينية وتدري�س الطالب ورعايتهم‪ ،‬وان�صرف بالكامل �إلى التبليغ الديني‪ ،‬وتحدث عنه بكلمات قا�سية على طريقته‪.‬‬
‫‪169‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫فان�ضم �إليها العديد من الطالب منهم العالمة الفقيه ال�شيخ ح�سين علي مغنية على‬
‫حد تعبير ال�سيد عبد الح�سين �شرف الدين(((‪ ،‬وال�شيخ محمد بن ال�شيخ مهدي مغنية‪،‬‬
‫المتوفي �سنة ‪1334‬هـ‪ ،‬وال�سيد محمد ر�ضا ف�ضل اهلل الح�سني المتوفى في قانا �سنة‬
‫‪1336‬هـ‪ ،‬وال�شيخ جواد بن ال�شيخ علي ال�سبيتي المتوفي في كفرا �سنة ‪1305‬هـ‪ ،‬وال�شيخ‬
‫طالب �سليمان البيا�ض المتوفي في المدينة المنورة �سنة ‪1326‬هـ‪ ،‬وال�شيخ محمد بن‬
‫الحاج ح�سين �شعيتاني المتوفي في �أن�صار �سنة ‪1316‬هـ‪ ،‬و�أخوه ال�شيخ �أحمد المتوفي في‬
‫الكاظمية �سنة ‪1312‬هـ‪ ،‬وال�شيخ محمد بن ال�شيخ م�صطفى عا�صي المتوفي في �أن�صار‬
‫‪1236‬هـ‪ ،‬وال�شيخ جواد ين ال�شيخ خليل الكوثراني المتوفي في ال�صرفند �سنة ‪1366‬هـ‪،‬‬
‫و�أخوه ال�شيخ ح�سين المتوفي في تفاحتا �سنة ‪1374‬هـ‪ ،‬وال�سيد �أمين ال�سيد علي �أحمد‬
‫المتوفي في جناتا �سنة ‪1382‬هـ‪ ،‬وال�شيخ علي الدهيني المتوفي في طورا وال�شيخ عبد‬
‫الح�سين حدرج المتوفي في البازورية �سنة ‪1335‬هـ‪ ،‬وال�سيد محمد بن ال�سيد �إ�سماعيل‬
‫مرت�ضى المتوفي في دير قانون ر�أ�س العين وال�شيخ ح�سين بن ال�شيخ جواد مغنية المتوفي‬
‫في طيردبا وغيرهم من طالب العلم‪� .‬إ�ستمرت هذه المدر�سة من �سنة ‪1305‬هـ‪� ،‬إلى �سنة‬
‫‪1308‬هـ‪ ،‬حيث و�صل ه�ؤالء الطالب �إلى مرحلة ال�سطوح‪ ،‬وعلى ما يظهر ف�إنّ م�سلك ّية‬
‫ال�سيد يو�سف �شرف الدين كانت �أن يذهب الطالب �إلى النجف الأ�شرف ال�ستكمال‬
‫تح�صيله العلمي على �أ�ساطين الحوزات العلمية في العراق �سواء في النجف �أو كربالء‬
‫والكاظمية‪ ،‬وهذا ظهر من نف�س �إ�صرار ال�سيد يو�سف على عدم المجيء �إلى لبنان والبقاء‬
‫في النجف الأ�شرف لوال وفاة والده والإلحاح بالطلب �إلى ح�ضوره‪.‬‬
‫وكان ال�سيد يو�سف �شرف الدين‪ ،‬وقبل مدر�سة طورا عندما عاد من النجف‬
‫الأ�شرف(((‪� ،‬إفتتح مدر�سة �إلى جنب بيته وان�ضم �إليها العديد من الطالب‪ ،‬منهم ال�شيخ‬
‫�أحمد عليان المتوفي في بلدة قالويه �سنة ‪1335‬هـ ‪ ،‬وال�شيخ ح�سين نور الدين المتوفي في‬
‫((( بغية الراغبين ج ‪1‬‬
‫((( بغية الراغبين ج ‪1‬‬
‫‪170‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫جويا �سنة ‪1369‬هـ‪ ،‬وال�سيد �أمين علي �أحمد المتوفي في جناتا �سنة ‪1382‬هـ وغيرهم‪،‬‬
‫وهذه الطريقة كانت متّبعة عند �أكثر علماء جبل عامل الذين كانوا يعملون على التدري�س‬
‫والت�صنيف من دون �أن ي�صلوا �إلى ت�شييد مدار�س ب�شكل ر�سمي‪.‬‬
‫مدر�سة (حناويه) الثانية‪:‬‬
‫التي جاءت في �إطار تثبيت النه�ضة العلمية الثانية في جبل عامل‪ ،‬فكانت عودة الحياة‬
‫العلمية �إلى مدر�سة (حناويه) على يد العالمة ال�شيخ �إبراهيم عز الدين حفيد العالمة‬
‫ال�شيخ محمد علي عز الدين‪ ،‬فبعد وفاة جده �سنة ‪ 1301‬هـ‪ ،‬كان ال ب ّد من الذهاب �إلى‬
‫النجف الأ�شرف ال�ستكمال التح�صيل العلمي م�ضاف ًا للإ�ستفادة من مجاورة الإمام علي‬
‫‪ .Q‬كانت المغادرة لجبل عامل �سنة ‪1302‬هـ‪ ،‬وبقي في النجف الأ�شرف مدة �ست‬
‫�سنوات وكان قراره البقاء �أكثر لوال �أنه ُفر�ض عليه العودة ب�سبب وفاة والده ال�شيخ ح�سن‪.‬‬
‫وبعودته عادت الحياة العلمية �إلى (حناوية) وبد�أ الطالب بالتوافد عليها‪ ،‬وهنا‬
‫ن�سجل مرحلتين م ّرت بها المدر�سة في عهد ال�شيخ ابراهيم‪ ،‬الذي كان عالم ًا‬
‫يمكن �أن ّ‬
‫ُمر ّبي ًا عارف ًا بمختلف العلوم وعلى ح ّد تعبير ابن عمه وتلميذه ال�شيخ مو�سى عز الدين‬
‫كان في العلوم العربية ال يجاريه �أحد‪.‬‬
‫�أما طالب الطبقة الأولى‪ ،‬فمنهم ال�شيخ م�صطفى خليل‪ ،‬ال�شيخ علي حاج قا�سم‪ ،‬ال�شيخ‬
‫محمود عودة‪ ،‬ال�شيخ محمود بح�سون‪ ،‬ال�شيخ حبيب عز الدين بن ال�شيخ الكبير محمد‬
‫علي‪ ،‬ال�شيخ علي كاظم عز الدين‪ ،‬ال�شيخ �أحمد ق�صير من دير قانون النهر‪ ،‬وال�شيخ ح�سين‬
‫جواد مغنية‪ ،‬ال�شيخ حبيب مغنية بن المرحوم ال�شيخ محمد مغنية من طيردبا‪ ،‬العالمة‬
‫ال�سيد �أمين و�أخوه ال�سيد �إبراهيم وال�سيد معروف �أوالد المرحوم ال�سيد علي �أحمد من‬
‫جناتا‪ ،‬الأديب ال�شاعر ال�شيخ محمد �سعيد من �صور‪ ،‬العالمة ال�شيخ عبد الح�سين حدرج‬
‫من البازورية‪ ،‬الأخوان ال�شيخ مهدي وال�شيخ محمد علي حدرج وكالهما من البازورية‪،‬‬
‫العالمة ال�سيد عبد الح�سين زين‪ ،‬ال�شيخ حمد ال�صليبي‪ ،‬ال�سيد ابراهيم �آل �إبراهيم من‬
‫‪171‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الكوثرية‪ ،‬ال�شيخ محمد عز الدين من العبا�سية وال�شيخ علي زغيب من بعلبك‪.‬‬
‫و�أما طالب الطبقة الثانية فمنهم ال�شيخ مو�سى عز الدين‪ ،‬ال�سيد محمد يحيى‪،‬‬
‫ال�شيخ ح�سن �شم�س الدين‪ ،‬ال�شيخ حبيب �آل �إبراهيم‪ ،‬ال�شيخ محمد قا�سم عز الدين بن‬
‫عم ال�شيخ مو�سى عز الدين‪ ،‬ال�شيخ زين العابدين �شم�س الدين‪.‬‬
‫مدر�سة (�أن�صار)‪:‬‬
‫التي نه�ضت خالل هذه المحطة العلمية الرابعة‪ ،‬وقد ت� ّأ�س�ست في البداية على يد‬
‫الزاهد ال�شيخ �سلمان الع�سيلي بعدما طلبه �أهالي �أن�صار ليقدم �إليهم من بلدة (ر�شاف)‬
‫‪1272‬هـ‪ ،‬و�إن كان على ما يظهر ف�إنّ الح�ضور العلمي لمدر�سة �أن�صار الدينية كان �أكثر‬
‫فعالية بعد رحيل ال�شيخ �سلمان الع�سيلي ومجيء �صهره العالمة ال�سيد ح�سن �إبراهيم‬
‫مكانه‪ ،‬وكان عالم ًا فا�ض ًال من تالميذ والده ال�سيد علي �إبراهيم في (الكوثرية)‪.‬‬
‫وبعد وفاة والد زوجته ال�شيخ �سلمان الع�سيلي دعاه �أهالي �أن�صار ليكون �إمام ًا لهم‬
‫وفي نف�س الوقت ليحيي المدر�سة الدينية فيها‪ ،‬وكانت هذه المدر�سة من �أهم المدار�س‬
‫في تلك المرحلة حيث �ض ّمت ما يقرب �سبعين طالب ًا‪ .‬ومن طالب هذه المدر�سة كما‬
‫ينقل الم�ؤ ّرخ محمد جابر �آل �صفا‪ :‬ال�سيد محمد �أخو ال�سيد ح�سن �إبراهيم‪ ،‬وال�شيخ‬
‫�أحمد عبد المطلب مروة وابن ال�شيخ الحافظ محمد ح�سين مروة‪ ،‬وال�شيخ طالب‬
‫�سليمان البيا�ضي‪ ،‬وال�شيخ ح�سن ابن ال�شيخ محمد علي القبي�سي‪ ،‬وال�شيخ خليل كوثراني‬
‫بالإ�ضافة �إلى ولديه ال�سيد محمد �إبراهيم وال�سيد مهدي �إبراهيم وكذلك ولده الأديب‬
‫الفا�ضل ال�سيد علي �إبراهيم‪ ،‬واللغوي الأديب ال�شيخ �أحمد ر�ضا‪.‬‬
‫مدر�سة (النبطية)‪:‬‬
‫� ّأ�س�سها و�ش ّيدها العالمة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي‪ ،‬وتعتبر من مدار�س المحطة الرابعة‬
‫في تثبيت النه�ضة العلمية التي انطلقت في جبل عامل بعد نهاية حكم الجزار‪ .‬وال�سيد‬
‫ح�سن هو من بلدة (حبو�ش) وكان عالم ًا فا�ض ًال له ح�ضوره وهيبته‪ ،‬وعندما دعاه �أهالي‬
‫النبطية ليكون �إمام ًا لهم‪ ،‬ق ّرر �أن ُي�ش ّيد مدر�سة علمية كانت مميزة بح�ضورها اللغوي‬
‫‪172‬‬
‫��������������������������������������������������������������������‬
‫والأدبي والفكري من خالل طالبها الذين اتجهوا �إلى هذا المنحى كال�شيخ �سليمان‬
‫ظاهر وال�شيخ �أحمد ر�ضا وغيرهما‪ ،‬وبالفعل ف�إنّ النه�ضة الأدبية واللغوية في جبل عامل‬
‫اكتملت في عهد مدر�سة ال�سيد ح�سن يو�سف مكي‪ ،‬والذي �ساهم في تفعيل هذه المدر�سة‬
‫هو �أحد �أ�ساتذتها ال�سيد محمد �إبراهيم بن ال�سيد علي ابراهيم في كوثرية ال�سياد‪،‬‬
‫و�ض ّمت تلك المدر�سة العديد من الطالب �إ�ضافة �إلى الذين ذكرناهم ال�شيخ �أ�سد اهلل‬
‫�صفا‪ ،‬والم�ؤرخ جابر �آل �صفا وغيرهم‪.‬‬
‫في الختام‪:‬‬
‫أهم المحطات لمدار�س النه�ضة‬
‫�أردتُ في هذا البحث �أن �أط ّل بالإجمال على � ّ‬
‫العلمية الثانية في جبل عامل‪ ،‬على �أمل �أن يكون الحديث بالتف�صيل حول هذه المدار�س‬
‫وال�شخ�صيات العلمية �ضمن مو�سوعتنا القادمة �إن �شاء اهلل تعالى‪ ،‬وكالمنا اليوم هو‬
‫مت ّمم للأبحاث التي ق ّدمها ال�سادة الف�ضالء عن مرحلة الجزار وما �أنتجت من تداعيات‬
‫خطيرة على جبل عامل و� ً‬
‫صوال �إلى نهاية حكم هذا الطاغية الوالي العثماني ال�سفاح‬
‫�أحمد با�شا الجزّار وحتى تكتمل الفائدة ق ّدمنا بحثنا بعنوان «النه�ضة العلمية الثانية‬
‫لجبل عامل بعد النكبة»‪ ،‬وبهذا نكون قد ق ّدمنا ّ‬
‫ملخ�ص ًا مفيد ًا للقراء الأعزاء عما‬
‫تدمير كامل للمك ّونات الإجتماعية والدينية‬
‫ح�صل في نهاية القرن الثاني ع�شرهـ من‬
‫ٍ‬
‫وال�سيا�سية والإقت�صادية لجبل عامل وكيف ا�ستعاد عافيته بعد �سنة ‪1219‬هـ عندما هلك‬
‫هذا الطاغية‪.‬‬
‫‪173‬‬
‫������‬
‫الفهرس‬
‫المقدمة ‪3...................................................................................................................................................................‬‬
‫الإفتتاحية‪ :‬كلمة ال�شيخ ح�سن بغدادي‪5....................................................................................................‬‬
‫كلمة راعي الم�ؤتمر النائب الحاج محمد رعد ‪11..................................................................................‬‬
‫الجل�سة الأولى‬
‫تر�أ�س الجل�سة الأولى ال�شيخ علي يا�سين ‪21............................................................................................‬‬
‫الظروف التي عا�شها جبل عامل �إبان محنة الجزار (د‪ .‬محمد كوراني) ‪23...........................‬‬
‫العوامل التي �أ ّدت الى �سقوط جبل عامل بيد الجزار (الأ�ستاذ علي الزين) ‪35...................‬‬
‫جبل عامل في العهد العثماني مرحلة �أحمد با�شا الجزار نموذجاً (د‪.‬محمد نورالدين)‪57..........‬‬
‫الجل�سة الثانية‬
‫تر�أ�س الجل�سة الثانية (ال�سيد ح�سين حجازي)‪71...............................................................................‬‬
‫الخ�سائر التي ُمني بها جبل عامل جراّء حكم الجزار (�أ‪ .‬د‪ .‬م�صطفى بزي)‪73..................‬‬
‫في تو�صيف المه ّمة التاريخية للجزار في لبنان (د‪ .‬جويدة غانم) ‪113..................................‬‬
‫جبل عامل في مواجهة الجزار (د‪ .‬منذر محمود جابر) ‪129. .......................................................‬‬
‫النه�ض���ة العلمي���ة الثاني���ة ف���ي جب���ل عام���ل بعد نهاي���ة حكم �أحم���د با�ش���ا الجزار‬
‫(ال�شيخ ح�سن بغدادي) ‪145. ............................................................................................................................‬‬
‫�صور الم�ؤتمر‬
‫الجل�سة الأولى ‪177. .............................................................................................................................................‬‬
‫الجل�سة الثانية‪182. .............................................................................................................................................‬‬
‫على هام�ش الم�ؤتمر ‪188. .................................................................................................................................‬‬
‫‪175‬‬
‫������������‬
‫صور المؤتمر‬
‫الجلسة األولى‬
‫من اليمين الحاج محمد رعد‪ ،‬ال�شيخ ح�سن بغدادي‪ ،‬ال�سيد �أحمد �صفي الدين‬
‫‪177‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫من اليمين ال�شيخ عادل التركي‪ ،‬ال�شيخ ح�سين دروي�ش‪ ،‬ال�شيخ ح�سين بغدادي‪،‬‬
‫ال�شيخ ح�سين قبي�سي وال�شيخ علي يا�سين‬
‫من اليمين د‪ .‬محمد كوراني‪ ،‬الحاج علي الزين‪ ،‬د‪ .‬محمد نور الدين وال�شيخ علي يا�سين‬
‫‪178‬‬
‫�������������‬
‫من اليمين ممثل ال�سفير الإيراني‪ ،‬ال�سيد �أحمد �صفي الدين‪ ،‬الحاج علي طاهر يا�سين ‪،‬‬
‫الحاج عبد الحميد الغازي‬
‫‪179‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫ال�شيخ علي يا�سين‬
‫د‪ .‬محمد كوراني‬
‫‪180‬‬
‫�������������‬
‫د‪ .‬مححمد نور الدين‬
‫�أ‪ .‬علي الزين‬
‫‪181‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫الجلسة الثانية‬
‫من اليمين د‪ .‬جويدة غانم‪ ،‬د‪ .‬م�صطفى بزي‪ ،‬د‪ .‬منذر جابر وال�سيد ح�سين حجازي‬
‫د‪ .‬م�صطفى بزي‬
‫‪182‬‬
‫��������������‬
‫ال�شيخ ح�سن بغدادي‬
‫د‪ .‬جويدة غانم‬
‫‪183‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫د‪ .‬منذر جابر‬
‫ال�سيد ح�سين حجازي‬
‫‪184‬‬
‫��������������‬
‫من اليمين �أ‪ .‬جمال �صفي الدين‪ ،‬ال�شيخ علي خ�شاب‬
‫من اليمين ال�شيخ ح�سن بغدادي‪ ،‬النائب قا�سم ها�شم وال�شيخ �أحمد الزين‬
‫‪185‬‬
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫من اليمين ال�شيخ ح�سن بغدادي‪ ،‬الحاج قا�سم قا�سم والحاج علي الزين‬
‫‪186‬‬
��������������
187
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫على هامش المؤتمر‬
‫‪188‬‬
�����������������
189
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫‪190‬‬
�����������������
191
‫جبل عامل وعهد الجزار بين النكبة والنه�ضة‬
‫‪192‬‬